صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية فى العراق

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٨:٥٢، ٢٩ سبتمبر ٢٠١٩ للمستخدم Zxzxxx (نقاش | مساهمات) (كلمة الختام: شهادة وشكر ودعاء وثناء)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية فى العراق


صفحات من تاريخ إخوان العراق.jpg


للشيخ / محمد محمود الصواف

محتويات

المقدمة: فى العراق ولقائى فى مصر مع رجال الإسلام

الحمد لله رب العالمين, والمحمود على كل لسان , والمشكور فى كل زمان ومكان الرحيم الرحمن... أنزل القرآن هدى للناس وبيانات من الهدى والفرقان.

والصلاة والسلام على سيد ولد عندنا سيدنا محمد المبعوث للثقلين .. الأنس والجان, وعلى آله الطبيين الطاهرين, وأصحابه الغر الميامين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد.

العراق وطنى الأول الذى ولدت فوق أرضه وتحت سمائه وترعرعت فى ربوعه وأيامي فى العراق أيام لا تنسى, ولا أحسب أن أهل العراق نسوا أو تناسوا محبهم الذى ارتفع صوته بدعوة الحق فى كل مكان فى ذلك الوطن الحبيب الذى استجاب للدعوة فيه شبابه ورجاله ونساؤه, وكانت له ولهم جميعا مواقف ومواقف يعلمها الله فى الذود عن دين الله, وشريعة الله, ودعوة الله عزوجل لقد ولدت فى الموصل الحدباء وعشت فى ربوعها الخضراء وتتلمذت على كوكبة من فطاحل العلماء كانت تزين بهم المساجد والمدارس والمجالس, واحسراتاه على تلك الوجوه النيرة بنور العلم والإيمان وتلك الرجولات الفذة التى كانت تقف شامخة للدفاع عن الإسلام وتتحسس بمصالح وقضايا المسلمين فى كل مكان لقد ذهبوا جميعا إلى جوار ربهم, وخلف من بعدهم خلف أضاعوا ذلك المجد العلمى فضاع العلم وفشا الجهل ونضب عدد الدعاة إلى الله إلا من رحم الله وقليل هم, وفشا الفساد وداهم الشر البلاد ووقعت الفتن والمحن ولكن الخير لفضل الله لا يزال موجودا وأهل الفضل والإيمان لم ينقطعوا وسوف لا ينقطعون مادام إسلام وإيمان والإسلام والإيمان بقيان ما بقى الزمان.

لقد عشت فى هذا البلد " الموصل" الذى عرف بتمسكه بدينه وحرصه على مثله ويشهد له التاريخ بقوة وشجاعة أهله وشدة شكيمتهم وصمودهم أمام المحن والأزمات ولقد اعتمد حاكم الموصل المجاهد عماد الدين زنكى على جيش وضع لبنته الأولى من رجال وشباب الموصل وأعده إعداد كاملا لطرد الصليبيين من ا{ض الإسلام.

وتحرير القدس الشريف من أيدى أعداء الله الغاصبين , ثم ورث هذا الجيش ولده الشهيد نور الدين زنكى من بعد وفاة والداه. وبعد استشهاد نور الدين زنكى رحمه الله قام بالأمر البطل صلاح الدين الأيوبى فنصره الله وأيده ورفع به راية الإسلام خفاقة عالية وأخزى الله الكفر والكافرين, فرجعوا إلى ديارهم فارين مخذولين, بعد أن تركوا بصمات العار على تلك الديار بما أجروا فيها من دماء الأبرياء, وقتل الأصفياء والأتقياء من المسلمين بعد أن أمنوهم وأعطوهم عهد الأمان غدروا بهم وخانوا العهد وسفكوا دماء أكثر من سبعين ألف من المسلمين فى ساحات المسجد الأقصى المبارك بعد أن لجئوا إليها ظانين أنها ستحميهم من غدر هؤلاء الكفر الفجرة من الصليبيين الأشرار, ولا أريد أن أسترسل فى سرد القضايا التاريخية فتلك لم تبق سرا مكتوما وقد استهجنها وذكر وحشية الصليبيين فيها حتى بعض مؤرخهم من النصارى أنفسهم.

لقد عشت والحمد لله فى هذا البلد المسلم وقد كنا نتسابق لحضور صلاة الفجر صغارا وكبارا وبعد الصلاة نبقى مشغولين بذكر اله وتلاوة القرآن وكان نصيبى أن أسكن فى محلة من الموصل كان يسكن فيها شيخ الموصل وعالمها وقدوتها وإمامها الشيخ محمد الرضوانى رحمه الله وأسكنه فسيح جناته, لقد كان رحمه الله قطبا من الأقطاب الزاهدين وعلما من الأعلام البارزين, ومرآه يذكر بالله عزوجل وقد بنى مسجدا بجوار بيته سمى بمسجد الرضوانى وكنا نصلى الفريضة فيه ثم يقوم هو بتدريس كبار الطلاب العلوم المختلفة ويبقى حتى الضحى.

لقد عشت على حب الله عزوجل أحببت الإسلام بكل جوارحى ووهبت نفسى لله منذ نعومة أظفارى وسألت الله أن يجعلنى من عبيده المخلصين وجنوده الصادقين وأن يرزقنى الدعوة إليه والحمد لله فقد بدأت بالدعوة مبكرا قبل أن أكمل تحصيلى العلمى وبدأت الدعوة تتحرك على أيدى أشياخنا وأساتذتنا الكبار ونحن نسير معهم نقتبس منهم الخير ونعينهم عليه.

وتأسست جمعية الشبان المسلمين فى الموصل وهى فرع لمثيلتها فى بغداد ورأس الجمعية شيخنا وأستاذنا عبد الله النعمة رحمه الله وكان ذلك فى الثلاثينات من القرن الميلادى العشرين فانتسبت للجمعية, وعملت مع رجالها وأنا أصغرهم سنا ومقاما ولنا رأوا شيئا من نشاطى أسندوا إلى جباية الاشتراكات من المنتسبين لجمعية والمال يعتبر العصب القوى الذى يسند الحركات, وهنا بدا اتصالي اتصالا مباشرا وبدأت الأحاديث عن الإسلام والعمل للإسلام,وزاد اتصالي برجال الجيش العراقى وبصورة خاصة الضباط الذين كانوا على قدر كبير من الرجولة والإيمان , والوطنية, وقد انتسب منهم العدد الكبير إلى الجمعية وكنت أزورهم على رأس كل شهر وأتحدث معهم طويلا حول دعوة الإسلام, ووجوب العمل للإسلام فى هذه الظروف طويلا حول دعوة الإسلام, ووجوب العمل للإسلام فى هذه الظروف ولازلت أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر محمد فهمى سعيد وقاسم مقصود وصبرى عبد القادر وطارق سعيد ومحمد الدرة وغيرهم كثيرون وقد كانت لى بفضل الله مواقف طيبة على الرغم من حداثة سنى وأنا فى أول الشباب.

أثرت هذه النشاطات والاتصالات على حركة الجمعية وزيادة نشاطها وإقبال الناس عليها وقمنا بحملة واسعة للتوعية الإسلامية وجئنا بالمحاضرين والخطباء للجمعية وكان للجمعية مساء كل خميس لقاء مع محاضر من رجال الجمعية أو من أصدقائها ومؤيديها وقاعة الجمعية كانت تمتلىء بالشباب المؤمن يستمع للتوجيهات من رجال الفكر والعلم والإسلام.

مسابقة...

كان من رجال الجمعية رجل جرىء وصادق يحرص على العمل المتواصل والنافع وهو الأستاذ محمد زكى البكرى مدير الزراعى فى الموصل وذو فضل وخلق. اشترى كتاب المنجد فى اللغة وجعله هدية لمن يأتى بخير الاقتراحات التى تنفع الجمعية وأعلنت مسابقة بين الأعضاء بعد فرز الاقتراحات فازت اقتراحاتى بالدرجة الأولى وأهدى لى المنجد. وقد اقترحت ثلاثة أمور.

الاقتراح الأول: أ،ندخل إلى السجناء فى سجونهم ونغذيهم بالمواعظ والتوجيه الإسلامى لنستل منهم روح الإجرام ونغذيهم بالصبر والتصبر بأوامر ربهم ودينهم الحنيف.

الإقتراح الثانى: أن نفتح مدرسة لمكافحة الأمية لكبار السن فقط فإن هؤلاء يخجلون أن يجلسوا مع الأحداث الصغار الذين امتلأت بهم مدارس مكافحة الأمية الحكومية ومن ثم نغذيهم بالروح الإسلامية ونوجههم نحو عقيدة التوحيد الخالص.

الاقتراح الثالث: أن نقيم محاضرات علمية وإسلامية وتاريخية فى نادى ضباط الجيش فى الموصل وكذا فى ثكنات الجيش ومعسكرات الجنود.

والحمد لله فقد نفذت هذه الاقتراحات كلها فقد أذنت لنا إدارة السجون فى إرسال الوعاظ والخطباء إلى داخل قاعات المسجونين وقد شكرت الجمعية على خطوتها هذه.

وكذا وافقت قيادة الجيش فى الموصل على تنفيذ هذه الخطوة الطيبة وشكرت الجمعية. ثم بدأنا بفتح المدرسة الليلية للكبار فقط وكانت فى المدرسة الفيصيلية فى محلة الرابعية فى الموصل ووضعنا خطة وبرامج للمحاضرات فى السجون والجيش وقد نجحت الخطة بفضل الله نجاحا كبيرا , ودفعت الجمعية دفعة قوية إلى التقدم والتأييد من الناس ورحم الله أستاذنا الكبير الشيخ عبد الله النعمة رئيس الجمعية وحفظ الله أخانا الكبير الأستاذ الشيخ بشير الصقال أمين أمين عام الجمعية فقد كان لهما الفضل والأثر الكبير فى نجاحها وتقدمها ونشاطها.

وألحق أننى فى هذه الفترة الزمنية لم أكن جابيا فقط بل كنت داعيا على الرغم حداثة سنى إذ لم أزل فى عهد طلب العلم وكنت يومها طالبا فى المدرسة الفيصيلية الدينية التى أنشأها وأسسها شيخنا الكبير العالم السلفى الورع الشيخ عبد الله النعمة أسبغ عليه شأبيب رحمته وأسكنه جنته.

وفى هذه الفترة بدأت أشارك فى إلقاء الدروس والمحاضرات فى الجمعية والمساجد وسجن الموصل ومعسكرات الجيش وأكثر اتصالاتي كانت بإخوانى الشباب لدفعهم للعمل والمشاركة فى نشاط الجمعية وبرامجها الإسلامية المتجددة.

وشاء الله عزوجل أن أنهى دراستى فى المدرسة الدينية ثم أعين لتدريس اللغة العربية والدين فى مدارس الابتدائية وعينت فى قضاء تلعفر القريب من الموصل, ومكثت هناك سنتين ثم نقلت إلى قضاء سنجار وقضيت فيها سنة واحدة ومنها رشحت فى أول بعثة دينية علمية تخرج من العراق لتطلب العلم من الأزهر الشريف فاستقلت من وظيفتى وذهبت إلى مصر تاركا أهلى وبلادى راجيا توفيق الله وعونه وأن يزيدينى علما, ويجعلنى من العلماء العاملين.

والحمد لله فقد وفقنى الله فى دراستى نجاحا بارزا هناك وقطعت مراحل الدراسة ذات الست سنوات, الكلية والتخصص بثلاث سنوات حتى أشادت الصحافة الإسلامية وغيرها بالخطوة التى وفقنى الله إليها,مما جعل شيخ الأزهر العلامة الكبير الشيخ مصطفى عبد الرازق رحمه الله يستقبلنى ويشجعنى ويشيد بنجاحى حتى قال لى بالحرف الواحد: لقد فعلت ما يشبه المعجزة وسننت سنة فى الأزهر لم تكن من قبل".

والحمد والفضل والنعمة لله عزوجل وحده إذ خرجت فى سبيله راجيا أن أعود ومعى المؤهل العلمى الذى يمكننى من القيام بالدعوة إليه عزوجل وقد كان والشكر لله على ذلك والمنة الفضل إليه وحده.

ذهابى إلى مصر

كان ذهابى إلى مصر فى فترتين وفى بعثتين مختلفتين, الفترة الأولى كانت فى بعثة مديرية الأوقاف العامة التى فشلت وعادت إلى العراق بعد سنتها الأولى,وبعد أن أعلنت الحرب العالمية الثانية سنة 1939م ونحن فى القاهرة يومها وكنت قد انتسبت إلى كلية اللغة العربية وعدنا جميعا نجر أذيال الخيبة والفشل, ولكن ذلك بفضل الله لم يفت فى عضدى ولم يقلل من عزمى على مواصلة الدراسة ولما عدت إلى العراق وكانت وظيفتى قد ذهبت منى إذ لم توافق وزارة المعارف على عودتى إليها فراجعت رئيس الوزراء وكان يومها السيد رشيد عالى الكيلانى رحمه الله فلما علم بالأمر خيرنى بين أن أعود إلى وظيفتى كمدرس فى المدارس الابتدائية أو أن يعيننى واعظا سيارا على حساب الأوقاف ولكن راتبها 5 دنانير شهريا بينما راتب التدريس 8 دنانير,وهذا الفرق له قيمته وأثره فى ذلك الوقت فاخترت واعظا بالراتب البسيط الذى يساوى خمسين ريالا سهوديا, وصدر الأمر بتعيينى واعظا سيارا فى الموصل وعدت إلى بلدى لأنطلق بالدعوة وأسير على بركة الله وبدأت محاضراتى ودروسى فى المساجد وأقبل الناس عليها بفضل الله وأحاط بى الشباب والمؤمنون فى هذا البلد صاحب الأرض الطيبة الخصبة لقبول دعوة الإسلام وأخذ الناس يتحدثون عن شاب منهم يخطب مرتجلا ويلقى دروس الوعظ من غير أن يفتح صفحات أى كتاب أو يمسك اية ورقة, وعنا تعرفت على الوجيه الموصلى الكبير مصطفى الصابونجى رحمه الله وكان قد بنى مسجدا طيبا فى شارع أساسى من شوارع الموصل فطلب أن أولى الوعظ بمسجده فى شهر رمضان على مدى الشهر كله فوافقت وبدأت دروسى هناك وتوثقت علاقتى بالرجل وكنت كثير الزيارة له وكان يتحسس لأوضاع البلاد ويتأسف لقلة العلماء والدعاة ونقصان العاملين الصادقين فى الحقل العلمى والإسلامى وأخيرا قرر بالاتفاق معى إرسال بعثة دينية على نفقته الخاصة لتدريس العلوم الإسلامية فى الأزهر وتعود إلى الموصل لتنشر العلم وتخدم الإسلام..

فاختارنى لأكون رئيسا لهذه البعثة وترك لى اختيار أعضائها وهم عشرة أعضاء فاخترتهم وسرت بهم إلى أرض الكنانة إلى حيث الأزهر الشريف ذى التاريخ المشرق العظيم الذى خرج فطاحل العلماء وأكابر الدعاة فى العالم الإسلامى كله وكان ذلك سنة 1943 م وصلت مصر العزيزة فى هذه الفترة الثانية وأنا رئيس للبعثة العراقية وكانت أول بعثة تواصل دراستها فى الأزهر وكنت بفضل اله أول متخرج من العراق من هذا المعهد العظيم ذى التاريخ المشرق العظيم.

ورحم الله الوجيه الوطنى الكبير مصطفى الصابونجى فقد أنفق علينا بسخاء وبعد رجوعى عرض على أن يفتح معهدا علميا أتولى أنا إنشاءه والتدريس فيع لتخريح طبقة من العلماء لهذا البلد المسلم الموصل ولكننى اعتذرت حيث علمت بتأسيس كلية للشريعة فى الأعظمية فى بغداد,ورجحت أن انخرط للتدريس فيها لنبدأ الدعوة من عناك إذ يعمل فى العواصم الكبيرة يكون دائما أكثر شمولا وأسرع انتشارا ونجاحا وكان ذلك لله رب العالمين.. اتصالاتى بمصر منذ أن وصلت مصر العزيزة التى امتلأت قلوبنا بحبها وحب رجالها وأدبائها وعلمائها وكنا نتسابق لقراءة مجلة الرسالة وننتظر وصولها بفارغ الصبر ومجلة نور الإسلام ومجلة الفتح ومجلة الثقافة وغيرها لقد بدأت اتصالاتى بالجمعيات الإسلامية والعلماء والأدباء الكبار, فاتصلت أولا بالإمام الأكبر الشيخ مصطفى المراغى رحمه الله وهو شيخ الأزهر وذو شخصية كبيرة وشجاعة قوية تتميز بالحنكة والحكمة والرصانة والعلم الغزير زرته فى بيته فى حلوان والتقيت به مرات فى الإدارة العامة للأزهر, وهو رحمه الله الذى أصدر قرارا خاصا من المجلس الأعلى للأزهر بنقلى من السنة الأولى فى كلية الشريعة إلى السنة الثانية ونحن فى وسط السنة الدراسية وبفضل الله امتحنت فى آخر السنة مع طلاب السنة الثانية وكنت من العشرة الأوائل فى الناجحين ونقلت للسنة الثالثة من كلية الشريعة.

وهملت مع جمعية الأخوة الإسلامية التى أسسها الشيخ طنطاوى جوهرى رحمه الله العالم المفسر وصاحب الكتب المعروفة ومعه الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله الأديب والسفير المعروف والشيخ عبد الوهاب خلاف العالم لكبير وكان مقر الجمعية فى قبة الغورى القريبة من الجامع الأزهر وتعرفت فى هذه الجمعية على الكثيرين من العلماء وطلاب البعثات الإسلامية وكانت هذه الجمعية ملقتى البعثات من مختلف الأقطار الإسلامية وكان لها نشاط مشكور مبرور رحم الله رجالها وأثابهم خيرا كثيرا.

ثم اتصلت بجمعية الهداية الإسلامية وعلى رأسها العلامى الأكبر الشيخ محمود الخضر حسين رحمه الله التونسى الأصل والذى يحمل خلقا ملائكيا ونفسا طيبة جدا,وكنت وثيق الصلة به كثير الإعجاب بدينه وخلقه وتواضعه وقد أصبح أخيرا شيخا للأزهر ولكنه على ما بلغنى استقال بإباء وشرف وشمم ولقد زرت كبار الأدباء وتحدثت إليهم ومنهم العقاد وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات ومحمد فريد وجدى, كما اتصلت بجمعية الشبان المسلمين والجمعية الخطابية وجماعة أهل السنة وعلى رأسهم الشيخ محمد حامد الفقى رحمه الله... وصاحب مجلة الفتح محب الدين الخطيب رحمه الله وأخيرا استقر بى المقام بلقاء الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وحضرت دروسه فى المركز العام فى الحلمية وأعجبت بنشاطه وأسلوبه الحكيم والرصين فى الدعوة إلى الله, ثم قرت عينى بتلك الأفواج الصاعدة من شباب الإسلام التى رباها على الإيمان هذا المجاهد المصلح الكبير حسن البنا وتوطدت علاقتى به وازداد حبى له وإعجابى به, وبادلنى رحمه الله حبا بحب وعطفا بعطف فأكثرت من اللقاء بهذه الزمرة المباركة المجاهدة الصادقة من جماعة الإخوان المسلمين وعملت معها وأسسنا فيها قسم الاتصال بالعالم الإسلامى بالتعاون مع الأخ عبد الحفيظ الصيفى من مصر والأخ الفضيل الورتلانى رحمه الله من الجزائر والأخ إسماعيل مندا رحمه الله من أندونيسيا وغيرهم ممن لا تحضرنى أسماؤهم وفى المركز العام كنا نلتقى مع كبار رجال الإسلام فى العالم الإسلامى والمركز العام كان كخلية النحل يعج الزائرين والشباب الصادقين .

كما كنا نقيم فى كل أسبوع اجتماعا قبل حديث الثلاثاء للإمام الشهيد حسن البنا نلقى فيه الضوء والدراسة على قطر من الأقطار الإسلامية باسم قسم الاتصالات بالعالم الإسلامى, ولا نترك شخصية إسلامية كبيرة إلا ندعوها لتحاضر أو تزور المركز العام.

واستمر عمل مع العاملين للإسلام جميعا ممن ذكرت وممن لا أذكر كشباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم حسين يوسف رحمه الله وجماعة مصر الفتاة وعلى رأسهم أحمد حسين رحمه الله مضيت فى عملى ومشاركتى لإخوانى فى العقيدة والإيمان ودرست طرق الجميع وأساليب الجميع حتى عدت إلى العراق وأنا بفضل الله ملىء بالتجارب المتعددة شاكرا الله الذى يسر لى هذا مع القيام بواجب الدراسة كاملا وعدم الإخلال به والحمد لله رب العالمين.

عودتى إلى بغداد وبداية عملى فيها

بعد انتهائى من دراستى فى مصر عدت إلى بغداد واستقر علمى فيها بكلية الشريعة فانتقلت من الموصل وأقمت فى بغداد وفيها بدأ وتواصل العمل المبارك لدعوة الإسلام.

من سعادة المرء أن يهديه الله عزوجل إلى طريق الدعوة إليه, ويلهمه الصبر والعزيمة الصادقة فى اجتياز هذا الطريق الآمن المطمئن على كثرة ما فيه من عقبات وشدة ما يلقاه السائر فيه من صدمات.. ولكنه الطريق الفرد الذى لا طريق سواه... وهو طريق الله عزوجل وصراطه المستقيم... فمن سلكه مخلصا أمن العثار, وسار فى ركب العاملين الأبرار, وتظلله هيبة الإسلام وتحميه رعاية الملك الجبار.

أقول هذا بعد أن هدانى الله عزوجل – وله الفضل وله المنة – إلى هذا الطريق ... فسرت فيه, وجربته بنفسى, ورأيت من لطف الله وعنايته وحمايته لعبده المؤمن ما يعجز عنه الوصف.. وقد وعد عزوجل وهو صادق الوعد وتعهد وهو القدير على كل شىء ان ينجى رسله والذين آمنوا فقال تعالى [ ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين].

لقد عدت إلى العراق بعد أنهيت دراستى العلمية فى الأزهر الشريف.. وكانت أخبارى وأخبار تفوق فى الأزهر قد سبقتنى .. حيث نقلتها الصحافة المصرية والعراقية والحمد لله.. وعرض على وزير العدل وكان حينئذ السيد جمال يابان.. عرض على القضاء.. قاضيا للمحكمة الشرعية فى بغداد باعتبار تخصصى فى القضاء الشرعى فاعتذرت. وهنا تعجب الرجل وقال : إن الناس يتوسطون لنيل هذا المنصب فكيف تعتذر أنت ؟ فكررت الاعتذار وشكرته ثم خرجت من عند الوزير إلى مدير الأوقاف العام السيد تحسين على رحمه الله تعالى.. وفى العام الذى تخرجت فيها وهو عام 1946م وكانت قد تأسست كلية الشريعة فى الأعظمية.. وهى تابعة لمديرية الأوقاف العامة.. فعرض على رحمه الله التدريس فيها... فوافقت.. ولكن دائرة الأوقاف أرادوا لها أن تتسم بالشح, وأن تضيق على العلماء مسالك العيش حتى يتركوا العلم وينصرفوا إلى المناصب الدنيوية فيقضى على العلم ورجاله.. ومن ثم يجهل الإسلام عند المسلمين أنفسهم... وهذا ما وقع وكان بالفعل فى العراق وغير العراق من البلاد التى ابتليت بالاستعمار وأذنابه.. لقد كان " تحسين على " رحمه الله رجلا طيبا, وكان حريصا على أن يعطينى ما استحق من راتب.. ولكنه كان مقيد بنظام مالى ضيق مشئوم... فلم يستطع أن يخصص سوى 25 خمسة وعشرين دينارا راتبا شهريا.. فوافقت ورضيت, وحمدت الله عزوجل على وباشرت التدريس بكلية الشريعة بالأعظمية... وكانت فى بداية افتتاحها.. فتعجب الكثيرون واتهمونى حتى فى عقلى!! ...

كيف أترك القضاء الشرعى ووظيفته تصدر بها براءة ملكية... وراتبه يزيد على السبعين دينارا ومع مخصصات عقود الزواج قد يزيد فى الرواتب والمناصب... فقد كان تفكيرى مع الله عزوجل والعمل لدعوته وإحياء شريعته... وفى القضاء تحديد لنشاطى, وحبس لحريتى وتقييد لحركتى عن العمل العام لدعوة الله عزوجل.. أما التدريس فهو الميدان الحقيقى لانطلاق الدعوة وتربية الرجال هو الخطوة الأولى التى يجب أن يسلكها الدعاة إلى الله عزوجل.. وذلك ما فعله إمام الدعوة وسيد الهداة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فقد مكث فى ثلاثة عشر عاما وهو يربى الرجال, وينشىء الأجيال .. وبعد الهجرة أقام الدولة , وبنى الحضارة, ووضع قواعد الحكم ولعدل.. كل ذلك فى عشر سنوات فقط.. فعلى الدعاة أن ينهجوا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التربية والإعداد.. وما ترك امرؤ شيئا لله إلا عوضه الله خيرا منه .. ذلك ما أنبأنا به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين.. لقد أصبحت تقود الكليات العملية والأدبية فى القضايا الوطنية العامة.. خاصة قضية الإسلام الكبرى" فلسطين" ومن يتذكر ذلك العهد من العراقيين سيذكر طلاب الشريعة بعمائمهم البيضاء, وشجاعتهم وماستهم واندفاعهم القوى حتى استطاعوا أن يقودوا بقية الكليات, ويتخذوا أعداء الإسلام من الشيوعيين وأعوانهم وشجبوا المؤامرات الكبرى, ويدعو إلى الجهاد لقضية من أهم قضايا التاريخ.ز قضية الإسلام الكبرى.. قضية فلسطين..

بداية العمل

لقد بدأت عملى فى كلية الشريعة وما أريد – يعلم الله – إلا الإصلاح ما استطعت ونحن وسط دعوات مضللة, ونعرات قومية طاغية لها رجالها وأحزابها, وصيحات طائفية ما أنزل الله بها من سلطان.. فضلا عن الطامة الكبرى.. الشيوعية الملحد التى أوقدت نارها الطوائف الحاقدة على الإسلام من اليهود والنصارى ... ومن وراء الجميع الإستعمار البريطانى البغيض.. وهو أسوأ استعمار تواجد على أرض العرب والمسلمين... والإنجليز هم أ‘داء الإسلام الأول.. وهم شرار خلق الله.. وهم الذين يخططون ويرسمون وينفقون الملايين لوأد الإسلام وقتل المسلمين.. لقد كانت السفارة البريطانية فى بغداد هى التى تعذى الحزب الشيوعى العراقى.. ورجال الحزب هم رجال السفارة وعملاؤها وجواسيسها..

ومن مراكز الثقافة التى أسستها السفارة البريطانية فى العراق كانت تصدر وتوزع المنشورات التى تدعو إلى الشيوعية فى أوساط الشباب والمثقفين لتصدعن عن دينهم الأصيل, وتربيهم على الإلحاد والفساد.. وكانت قد أحكمت الخطة فى برامج التعليم التى وضعتها فجردتها من كل شىء يمت إلى الإسلام أو يربى روح الإسلام فى نفوس النشء’ ووضعت عناصر ملحدى على رأس المخططين لبرامج التعليم فى جميع مراحله.

يقابل هذا الخبث البريطانى,والكيد الشيوعى, والدعوات المضللة فئة من العلماء الصالحين الذين عزلهم الحكام عن الشعب وضيقوا عليهم فى الرزق وربطوهم بدائرة الأوقاف.. وهى أسوأ دائرة فى ذلك العهد .. وقد استطاعت ان تقضى على العلم والعلماء فى العراق حتى استطاعت هذه الدائرة أن تغلق المساجد وأن تسد أبوابها فى بعض المحافظات العراقية لعدم وجود أئمة وخطباء للمسجد يخطبون الجمعة ويؤدون الشعائر.. أما المدارس العلمية التابعة للمساجد والى خرجت فطاحل العلماء.. فقد أقفلوها وقضوا عليها..

ومع هذه الفئة من العلماء الطيبين الذين كانوا بركة وخيرا على المسلمين رحمهم الله جميعا, وغفر لهم قامت هناك جمعيات إسلامية أسسها بعض رجال العلم والدين ليلموا الصف الإسلامى الذى تمزق أو كاد , ويحاولوا أن يقفوا أمام هذه التيارات المختلفة التى تعاونت جميعها فى الهجوم على الإسلام, وتضافرت جهودها لتجريد الشباب من عقيدتهم ودينهم وأخلاقهم.. ا فأسست " جمعية الشبان المسلمين" فى بغداد ثم أسست جمعية الهداية الإسلامية و"جمعية التربية الإسلامية" و" جمعية الآداب الإسلامية", وكما ظهرت بعض الصحف التى بدأ تدافع عن الإسلام, وتنشر مبادئه حسب إمكانياتها المحدودة.... وهى " مجلة الهداية الإسلامية" وكان يصدرها الأستاذ الشيخ كمال الدين الطائى رحمه الله, وكثيرا ما كانت تصادر من قبل السلطة ثم تعود فالسلطة تضيق بكلمى الحق وتنزعج لصوت الإسلام..

والمجلة كانت قوية وصريحة, وكانت تصدر عددا خاصا فى كل عام بمناسبة المولد النبوى الشريف.. ثم صدرت بعد ذلك " مجلة السجل" فى البصرة أصدرها الأستاذ محمد طه الفياض رحمه الله تعالى, ثم انتقل إلى بغداد.. وكان ينطق بكلمة الحق ولا يبالى,وقد أصبح بعد ذلك عميد الصحافة العراقية, وكان رحمه الله تعالى من أوفى الرجال وأحرصهم, وأخلصهم وأصدقهن ولا نزكى على الله أحدا.. لقد كان غيورا على الإسلام, ويخاصم أعداء الإسلام بكل قوة وصراحة.. وكانت" السجل" حيث تحولت المجلة إلى جريدة يومية تصدر فى بغداد فأصبحت جريدة المسلمين بحق.. رحم الله تعالى صاحبها ومؤسسها أخانا الصادق الذى شاركنا العمل الإسلامى مدى من الزمن ليست باليسيرة.

وأود أن أقول كلمة حق أبتغى بها وجه الله عزوجل.. إن هذه الجمعيات الإسلامية التى برزت فى العراق لم تبد من النشاط والتخطيط والعمل الإسلامى ما يتناسب مع مخططات الأعداء للإسلام وكثرة الدعوات المضللة التى انتشرت هنا وهناك.. فقد كانت أعمالها غالبا ما تقتصر حلى حفلات المولد النبوى على رأس كل سنة, ثم تعود أدراجها لتنتظر السنة التى بعدها حتى تتحرك ويتجدد نشاطها. ثم ترسل برقيات تطالب الحكام فيها بتطبيق الشريعة الاسلامية ولا من مجيب.. وإننى لا يجوز لى أن انتقض أعمالهم وجهادهم.. فجزاهم الله كل خير.. وأثابهم خيرا كثيرا.. فذلك ما استطاعوا أن يفعلوه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. والذى أردته من هذه المقدمة أن أظهر الجو المسموم المحموم الذى كان عليه الحال فى العراق, وفى وسط هذا الجو الموبوء الملىء بالمشاكل , والمشحون بأعداء الإسلام وهم على فوتهم وفى بداية نشاطهم يريدون أن يزحزحوا الإسلام عن كل ميدان,وأن يقتلوا أصل دعوته الجهادية حتى يميتوه فى النفوس,واستبدلوه بالقومية والعلمانية والشيوعية حتى أصبحت هى الآلهة الجديدة المعبودة من دون الله.. نعوذ بالله من شر ذلك ..

أما دعاة الإسلام فهم الرجعيون المتخلفون الذين لا مكان لهم فى الوطنية ولا فى السياسة فى هذا الوسط الخطير الملىء بالفساد والإلحاد والذى تموله وتسانده دول الكفر والإستعمار.. وبدأ،ا عملنا وبدأنا دعوتنا... معتصمين بالله تعالى وحده غير ناظرين إلى سواه عزوجل وسرنا بها غير هيابين ولا وجلين.. بدأوا الأمر فى كلية الشريعة وفى الأعظمية ذات المناخ الاسلامى الممتاز.. وفيها من الرجولات والإيمان ما تقر له الأعين. واتصلت بالجمعيات الاسلامية وانتسبت إلى أكثرها, ومددت يدى لأتعاون مع رجالها.. وسرنا فى طريق التعاون المحبب إلى نفسى... وقد آليت على نفسى, وأشهدت ربى عزوجل أن أعمل للإسلام مخلصا لوجهه الكريم.. سواء كنت فى أول الصفوف أو جنديا فى آخرها .. ما دام العمل لله عزوجل.. فهو أملى وهو ملاذى .. وهو أمنيتى ورجائى.

تأسيس جمعية الإخوة الإسلامية

فى أثناء اتصالى بالجمعيات الإسلامية وفى سنتى الأولى من لا عمل للدعوة وجدت الكنز الثمين الذى كنت أفتش عنه.. وعرفت الرجل الفذ الذى وهب نفسه لله عزوجل.. الزاهد العابد.. العالم العامل الشيخ " أبو الزهاوى" رحمه الله تعالى وأسكنه جنته.

وجدت الرجل الذى تمئن إليه النفس,, ويمتلىء القلب بحبه.. وفوثقت صلتى به, وهملت معه بكل إخلاص كما يعمل الولد البار مع والده, وكما يصنع الجندى مع قائده.. وبادلنى الرجل حبا بحب, وإخلاصا بإخلاص.. وما أجمل الحب فى الله والإخلاص لدعوته.. ووثق بى العالم الجليل والداعية الفاضل المتجرد.. وكانوا قد أسسوا" جمعية الآداب الاسلامية" وهو رئيسها.. فانتسبت إليها.. وبدأت أعمل مع رجالها فى جد ومثابرة .. والشيخ الزهاوى على رأس الجميع.. ولما بدأت نشاطى الإسلامى فى المساجد والنوادى والجمعيات.. وبدأ الناس يصغون لمحاضراتى ويستمعون لكلماتى, ,اقبل الشباب عليها يستزيدوننى منها ,يدعوننى لإلقاء دروس ومحاضرات فى مساجدهم ومعاهدهم.ز بعد هذا الإقبال رأيت شيئا من الإعراض والوجوم عند بعض رجال الجمعية.. خاصة ممن كانت لهم صلة بالدولة.. فلم أحفل بذلك ولم أهتم به وبقيت على حسن الصلة بهم, المحبة لهم, والعمل المشترك معهم.. وفى آخر السنة تجرى الانتخابات لأعضاء الهيئة الإدارية.. وكنت أحد أعضائها... وإذا بى أفاجأ بحملة منظمة ضد انتخابي ووجوه جديدة دخلت الجمعية للانتخابات لم نعهدها من قبل.. وفعلا جرى الانتخاب ولم تنجح القائمة التى كنت فيها, وكاد بعض الشباب من إخوانى وأنصارى أن يصطدموا مع هؤلاء من أصحاب الوجوه الجديدة الذين لم نعرفهم ولم نعهدهم من قبل.. وعلت الأصوات ولكننى منعتهم وسحبتهم بك سكينة وسرت مع إخوانى وأبنائى وتواعدنا على إلقاء بالمدرسة السليمانية وهى المدرسة التى يدرس فيها شيخنا الشيخ أمجد الزهاوى... وقد حضر الانتخاب بنفسه , ورأى ما جرى فيه.. وفى اليوم الثانى التقينا وتذاكرنا فى الأمر.. وأخيرا اجتمع الرأى على إنشاء جمعية خاصة بنا لعلنا نستطيع الانطلاق بدعوتنا فى ربوع هذه البلاد الاسلامية المتعطشة لمثل هذه الصيحات الاسلامية لتوقظ القلوب التى ران عليها, وجللتها بالسواد الدعوات المضللة ..

وشيخنا الزهاوى على رأس هذا الرأى... فوجه الدعوة لعلماء كبار يحضرون معنا للتعاون فى إنشاء صرح إسلامى جديد.. وبعد أسبوع حضرنا وحضروا, وتداولنا فى أمر إنشاء جمعية ترعى الدعوة الاسلامية, وتعنى بصورة خاصة بالشباب والشابات.. فوافق الجميع على الفكرة وأيدوها بكل قوة..ز فشكلنا لجنة مصغرة لوضع النظام وتقديم الطلب.. فوضعنا النظام الأساسى للجمعية وحررنا الطلب وحمله شيخنا الشيخ أمجد الزهاوى إلى رئيس الوزراء السيد نورى السعيد الذى كان يحترم الشيخ احتراما كبيرا جدا فلا يرد له طلبا.. وقد حمل الطلب – لتأسيس الجمعية – تواقيع رجال لهم وزنهم الاجتماعى والإسلامى ومنهم زيادة على الشيخ الزهاوى السيد محمد عاصم النقيب رحمه الله والشيخ العلامة محمد القزلجى رحمه الله والدكتور تقى الدين الهلالى حفظه الله, والأستاذ الكبير محمد طه الفياض العانى رحمهما الله تعالى, وتوقيعى معهم..وبعد فترة ليست بالطويلة جاءتنا الموافقة من وزارة الداخلية .. فاجتمعنا, ثم انتخب الشيخ أمجد الزهاوى رئيسا وانتخبت أنا أمينا عاما للجمعية والبقية من الفضلاء أعضاء فى مجلس الإدارة..

وتوكلنا على الله, وبدأنا عملنا ونشاطنا الإسلامى فى بغداد.ز ثم توسعنا فأخذنا نفتح الفروع للجمعية فى مختلف المدن العراقية, وانتشر خبر الجمعية وعلا صوتها ولله الحمد, واقبل عليها الشباب من كل مكان.. ثم انطلق نشاط المرآة المسلمة بتوجيه أختنا الفاضلة العالمة الأستاذة الحاجة / نهال أمجد الزهاوى كريمة أستاذنا وشيخنا.. وتأسست جمعية الأخت المسلمة, وحصلناها على قطعة أرض ثم بنى فوقها مركز الجمعية,وبدأت حينئذ نشاطا مشكورا من المحاضرات الخاصة بالنساء واللقاءات الإسلامية بين المؤمنات من منتسبات الجمعية.. خاصة الأخوات اللواتى كن الرائدات فى هذا العمل الإسلامى المبارك وكن يسرن مع الأخت الحاجة/ نهال الزهاوى بكل جد وإخلاص جزاهن الله خيرا.. ومنهن على سبيل المثال لا الحصر الأخت فاطمة الباجه جى والأخت الحاجة بهيرة الخوجة, وأختها نظيرة الخوجة, والأخت عدوية الشواف والأخت خيرية الزهاوى والأخت صفية الأطراقجى, والأخت زهرة خضر, والأخت نجية خضر, والأخت آمنة محمد على.. وغيرهن من العاملات الصادقات فى هذا الحقل الإسلامى الطيب.

مجلة الإخوة الإسلامية

عندما نمت فكرة الجمعية, والتفت الشباب المسلم حولها, وأصبح لها مركز عان فى أهمية بقعة فى بغداد , وتملكت هذا المركز وخصصنا فيه جناحا متميزا لكبار الضيوف من علماء المسلمين حتى نبعدهم عن الجو الموبوء بالفساد فى الفنادق, ,أصبح للجمعية فروع فى أكثر المدن العراقية, وانتشر ذكرها وظهرت أعمالها الطيبة.. عند ذلك اجتمعنا ورأينا أنه من الضرورى أن يكون للجمعية لسان ينطق بإسمها , وصحيفة للناس تحمل فكرتها, وتنقل إليهم أخبارها وأفكارها ومبادئها..ز فقررنا إصدار المجلة وسميناها باسم " الأخوة الإسلامية" وكنت رئيس تحريرا المسئول عنها.. وصدر العدد الأول من مجلة الأخوة الإسلامية فى بغداد فى يوم الجمعة 4 من ربيع الأول 1372هـ الموافق 12 تشرين الثانى 1952, وكانت الافتتاحية بقلمى وبعنوان " أهداف المجلة فى كلمات" وجعلناها نصف شهرية إذ رخصتها أسبوعية ولكننا أردنا أن نسير فيها بالتدرج.. واقبل الناس عليها بفضل الله تعالى وتوفيقه, وكانت أعدادها تنفذ منذ نزولها إلى أيدى الباعة.. وتوزعت فى العالم الإسلامى وطلبها الكثيرون والحمد لله فكانت فى مكتبة كل بيت مسلم فى بغداد وفى بقية المدن العراقية.. ومن أشهر كتابها الذين تعاونا معنا جزاهم الله تعالى خير الأساتذة: شهيد الإسلام سيد قطب, والدكتور عبد الوهاب عزام والعلامة السلفى الشيخ محمد بهجت البيطار, والدكتور تقى الدين الهلالى, والعالم الأديب الشيخ على الطنطاوى, والشيخ أحمد الشرباصى من علماء الأزهر الشريف

والشاعر الكبير الشيخ محمد بهجت الثرى, والشيخ محمد نمر الخطيب والشاعر الإسلامى الكبير عم بهاء الدين الأميرى, والكاتب الإسلامى محمد عبد الله السمان, وغيرهم كثيرون من رجال العلم والقلم... وانقضت السنة الأولى على المجلة وهى بفضل الله تسير قدما إلى الإمام وتزداد اتساعا وانتشارا ويتدراسها الشباب, وتطلبها وتقتنيها الجمعيات والمؤسسات الإسلامية.. وزدنا فى الكميات المطبوعة, وجلبنا لها مطبعة خاصة نصبت فى مركز الجمعية.. وأصبحت هذه المطابع معلما من معالم الدعوة.. إذ بدأنا نطبع فيها كتب ورسائل الدعوة الإسلامية وننشرها فى كل مكان.. زيادة على طبع المجلة ومنشورات الجمعية المختلفة التى كنا ندأب على إصداراها وتوزعها فى المناسبات الإسلامية.. كما بدأنا نصدر رسائل شهرية باسم " التوجيه الاسلامى" ونوزعها فى محيط شبابنا ورجالنا, وكذا فى محيط أخواتنا المسلمات المؤمنات , ثم نقدم منها هدايا هنا وهناك خاصة للشباب الذى كان يرغب فى المزيد من مثل هذه الرسائل.. غذ وجدنا عطشا بالغا ورغبة صادقة وحبا ظاهرا لمعرفة مبادىء الإسلام وأحكام الإسلام وقد أغفلتها وطمستها مناهج التعليم فى مختلف مراحله حتى أصبح الشاب أو الشابة وقد تخرج من الكلية وهو لا يعرف كيف يصلى.. بل لا يعرف كيف يتوضأ ويتجه إلى القبلة لعبادة ربه عز وجل.

لقد وقعت لى حادثة أود أن أذكرها بهذه المناسب لنرى جناية المناهج التعليمية لى الدين, والخطة الخبيثة المجرمة التى وضعها رجال ملحدون وضعتهم مناصبهم الكبرى الحساسة الأيدى الكافرة لينفذوا لها ما سعت إليه من إقصاء الدين وطمس معالمه وتجهيل أجيالنا المثقفة بأبسط مبادئه.. والإنسان عدو ما جهل.. ومن جهل شيئا رماه ولم يحفل به حتى ولو كان قطعة من الماس أو من ذهب خالص ولكنها مطموسة ومجلى بالسواد فإنه قد يرميها أرضا ولا يبالى لجهله بقيمتها وحقيقتها.

الحادثة

لا زلت أذكر أننى كنت صباح اليوم الخامس من رمضان المبارك عام 1370هـ الموافق 1950 م سائرا فى شارع الرشيد فى باب المعظم قرب وزارة الدفاع.. وبينما أنا سائر اسمع صوتا من ورائى ينطلق من سيارة تقترب منى وصاحبها ينادى: أبا مجاهد.. أبا مجاهد.. وقفت حيث وقفت السيارة إلى جانبى.. وإذا سائقها رجل صديق عزيز.. مثقف ثقافة عالية وقد نال أعلى شهادة فى دراسته بالولايات المتحدة الأمريكية, وذو مركز رفيع ومنصب مرموق فى الدولة .. أراد

أن يكلمنى وهو حذر ومخجول على وجهه سيما الأسف والخجل.. ولكنه جزاه الله خيرا كان صريحا معى فقال: أخى أبا مجاهد.. إننى والله صائم.. وزوجتى صائمة.. وأولادي صائمون.. ولكنا نريد أن نصلى فلا نعرف الصلاة.. فأرجوك.. إما أن تعطينى كتابا نتعلم منه الصلاة أو نأتى إليك فى دارك.. أو تأتى إلينا فى دارنا لنتعلم منك الصلاة.. فشكرت الرجل وقلت له: جزاك الله كل خير على صراحتك وحبك لدينك, وشجاعتك للحق.ز وما هى إلا دليل إيمانك العميق برسالة الإسلام ومعرفة حق الله تبارك وتعالى عليك وعلى أهلك.. أبشر... فسأقوم لك بتحقيق ذلك بإذن الله تعالى..

ومنذ تلك الليلة مباشرة بدأت بوضع كتابى الصغير " تعليم الصلاة" وما نته شهر رمضان المبارك إلا وقد تم الكتاب وطبع بفضل الله عزوجل.. وجعل الله تعالى فيه البركة حتى طبع وترجم فى أكثر من سبع لغات عالمية حتى الآن منها الإنجليزية والفرنسية والهولندية والإسكندناقية الأربع والأردية..

فضلا عن العربية وغطت طبعاته المتعددة التى بلغت مئات الألوف فى أكثر من خمسين طبعة فتسابقت عليه دور النشر الإسلامية فى البلاد العربية والإسلامية حتى كاد يصبح كتاب المسلمين لتعليم الصلاة فى كل مكان.

من هذه الحادثة البسيطة التى لها دلالتها فى مقدار الجريمة فى الخطة التعليمية الشيطانية التى جهلت أبناءنا بدينهم .. وهى شر المصائب.. كما شوهت تاريخنا الأبيض المجيد, وجهلت شبابنا بعظمة هذا التاريخ والأمة التى سطرت أعظم حضارة إنسانية وبنت صرح التاريخ الإنسانى العظيم.. ولكن أبناءها يعرفون عن نابليون والثورة الفرنسية والحياة الغربية أكثر مما يعرفون عن تاريخ أجدادهم وأسلافهم الفاتحين الصادقين والقادة العباقرة المخلصين.

نحن والسياسة

مفهوم السياسة عند الكثير من الناس مفهوم خاطىء.. كما أن فهم الإسلام ومعرفة مبادئه حتى عند الكثيرين من أتباعه ومعتنقيه يكتنف هذه المعرفة الغموض أو الجهالة... لذا تراهم يخوضن فى أحاديثهن عن الإسلام والسياسة ويتخبطون ويقومون كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس, ويرعدون ويزبدون إذا تكلمت فى السياسة وأنت رجل من رجال الإسلام.. ولا شك أن هذا يعزى لجهالتهم بالإسلام وبالسياسة معا.. فالإسلام بفضل الله منهج حياة, ونظام أمم ودستور دول وحضارة شامخة سامقة.. نظمت كل شىء وعالجت مشاكل الحياة, ووضعت قواعد العدل والسلوك والاجتماع والسلم والحرب .. فكيف لا تكون السياسة جزءا منه وهو الذى وضع قواعد الإدارة والسياسة والحكم والاقتصاد, والخلاق والمعاملات ووضع التشريعات والقوانين العادلة التى سادت بين الناس وألغت التمييز العنصرى ا وجعلت الناس أمة واحدة.. لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى والعمل الصالح.

فعلى المسلمين أن يفهموا الإسلام كما أنزله رب العزة سبحانه وتعالى وكما جاء به الرسول الأعظم محمد بم عبد الله صلى الله عليه وسلم فى كتابه العزيز وسنة نبيه المطهرة.. لا كما يتخيله الغربيون من اليهود والنصارى أو ممن تتلمذ عليهم من أبناءنا الذين ذهبوا وسقطوا ضحية جهلهم بإسلامهم العظيم.. فالإسلام عبادة وسياسة.. واقتصاد وحكم.. ونظام وإدارة.. وأخلاق ومعاملات.. ولا يجوز حصره فى نطاق العبادة والأخلاق فقط وحسبكم أن تقرءوا القرآن لتروا فيه آية الجهاد مع الصلاة.. وآية السلوك مع الصيام والزكاة.. وآية المعاملات مع آية الحج.. وآية السلوك مع آية القتال والحرب.. فهذه هى طبيعة الإسلام.. العموم والشمول لجميع مبادىء الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية.. والإسلام منهج وسلوك..

أما المنهج ففى كتاب الله.. وهو المنهج الشامل الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه.. وصدق الله إذ يقول_( ونزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمه وبشرى للمسلمين).. والسلوك هو التطبيق العملى والتنفيذ الحكيم لأمر الله وكتاب الله الذى أداه بأمانة وصدق ومنهجية وإخلاص الصادق الأمين محمد بن عبد الله صلة الله عليه وسلم.. فكان الإسلام الكمال المطلق حكما وسياسة.. ونظاما واجتماعا.. وصدق الله حيث يقول ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا)

حديث مع وزير

دخلت على أحد الوزراء المرموقين لدى رئيس الوزراء العراقى نورى السعيد.. فاستقبلني استقبالا طيبا ثم أخذنا نتحدث عن أمور أصابت البلاد نتيجة سياستهم الخرقاء, ونتيجة بعدهم عن شريعة رب الأرض والسماء.. وبعد الحديث الطويل رأيته يبتسم ويقول لى: يا شيخ .. أنتم طيبون وعملكم حسن لولا أنكم تتدخلون فى السياسة.ز فعجبت له ثم قلت: ماذا ترى يا معالى الوزير.. هل نحن قطعان من الغنم تبيعوننا وتشتروننا ونحن ننتظر إليكم ولا نتكلم ببين شفة, ومن الذى خولكم هذا الحق ومنعنا منه.. ونحن وأنتم أبناء أمة واحدة وبلاد واحدة يجب أن نتعاون على إصلاحها ونصرتها, ويجب أن تسمعوا منا ومن أمثالنا ولا تبقوا فى أبراجكم العاجية والله أعلم ما هو مصير البلاد إذا بقى الحال على ما هو عليه..

إننى صريح معكم .. وسألقى صريحا ولا ألتفت إلى الوراء وأعلم أننا وأنتم فى سفينة واحدة إذا غرقت غرقنا جميعا. فاتقوا الله فى هذه الأمة, ولا تفرضوا فى حقوقها.. والإسلام يا أخى هو للراعى والرعية, وهو صلاح وفلاح ونجاح, والسياسة جزء من مبادئه التى شملت مصالح الدنيا والآخرة ... هل رأيت فى التاريخ البشرى سياسيين يضاهون الساسة الذين رباهم الإسلام, وحكموا به العدل والقسطاس المستقيم.. وهم الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم من الأمويين والعباسيين.. هل هم سياسيون أم خطباء وأئمة مساجد فقط؟! الإسلام يا أخى سيف ومصحف, وحكم واجتماع, وهو على كل شىء فى حياة المسلمين.. تناقشنا بعدها قليلا ثم ودعته وخرجت بعد أن لم يجد الرجل ما يجيب به على تساؤلاتى.. هذا وقد وقع لى مثل هذا مع غيره أيضا من لوزراء والمسئولين والقادة وبعض رجال الأحزاب والشباب.

المؤسف فى الأمر أن بعض الساسة إنما يبنون سياستهم على المراوغة والمداورة والكثير من الخداع والمكر إرضاء للشعوب.. وهذا هو الخطأ الفاضح. فلو كانوا صريحين صادقين مع شعوبهم لكان خيرا وأضمن لنجاحهم وفلاحهم.

والأسف الآخر إن شبابنا الذين درسوا فى الغرب وعلى أيدى المستشرقين الذين سمموا أفكارهم , وافهموهم كما هو الحال فى النصرانية مثلا أن الدين شىء والحكم شىء آخر, وأن السياسة لهم فقط وليس لرجال الكنيسة شىء منها.ز إنهم مخادعون كذابون يقولون هذا لشبابنا وفى نفس الوقت نرى أكبر مرجع دينى عندهم وهو الباب الذى فى روماي يحرك السياسة كما يشاء ويذهب رؤساء دولهم لاستشارية وتقبيل يده.. ولا غضاضة عليه إن رسم الباب السياسة على هو مصالح المسيحية فى العالم حتى الإسلامى منه.. وفى معاقل اليهودية فإن الكلمة الأولى للحاخام , ولا حكومة بدون الأحزاب الدينية, ولا البرلمان بدون ممثليهم.. حتى اسم الدولة " إسرائيل" فإنه اسم أحد الأنبياء المرسلين.. وهو يعقوب عليه السلام.

وأخيرا طلع علينا الرئيس الأمريكى ريغن, بهذا التصريح الصريح يقول فيه لا يوجد شىء اسمه الفصل بين الدين والسياسة وأن القائلين بهذا الفصل لا يفهمون القيم التى قام عليها المجتمع الأمريكى وأضاف فى موضع آخر " إن هذا الكتاب المقدس ( يشير إلى الإنجيل الذى كان يحمله فى يده) يحمل الحل لكل مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية" فماذا يقول دعاة الفصل بهذا التصريح؟؟؟

وهناك أحزاب سياسية نصرانية دينية فى ألمانيا وإيطاليا وغيرها من دول الغرب ولا غضاضة عليهم أما نحن معشر المسلمين فإذا تكلم أحدنا فى أمور أمته وبلاده قيل له: لا تتدخل فى السياسة... أنت رجل دين فقط.. ول كان هذا القائل شيخا للأزهر, أو مفتيا عاما أو إماما من أئمة الإسلام المحترمين.. مع العلم بأن الإسلام هو الذى يخطط للدولة والحكم والسياسة.. ورجال الدولة عندنا هم أئمة الأمة وخطباؤها وقادتها.. وليس فى الإسلام رجال سياسة ورجال كهنوت كما فى النصرانية.. فأين نحن منهم ؟! ... فليفهم هذا شبابنا ورجالنا , وليعلموا أننا جميعا شركاء فى أمور الأمة الإسلامية ومسئولون جميعا عنها حكاما ومحكومين.. علماء وقادة.. رجالا ونساء.. شبانا وشيوخا.. نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعا لننصر دين الله ونعلى كلمة الله وعز الإسلام والمسلمين, وأن يهزنا الله بالإسلام.. وأن يعز الإسلام بنا إنه نعم المولى ونعم النصير.

جريدة الأخبار المصرية العدد 10100 تاريخ 7 محرم 1405-2/10/1984.


تعطيل مجلة الإخوة المسلمين

صدر العدد الرابع عشر من السنة الثانية لمجلة " الإخوة الإسلامية" فى يوم الاثنين 10 من ذى الحجة عام 1373 هجرية الموافق 9 آب 1954, وبعد أيام وجيزة استلمنا الأمر من الحكومة بتعطيل المجلة وإلغاء امتيازها نهائيا – وهذا الأمر وإن كان قد حز فى نفوسنا ونفوس شبابنا وقرائنا الكرام وقد زاد عددهم, وكثر الطلب على المجلة وأقبل الناس عليها يتدارسون مواضيعها ويأنسون بأخبارها – إلا أنه فى الوقت نفسه شرف للمجلة ورجالها.ز لأنها نهجت نهج الصادقين الصرحاء فى توجيه كلماتها ومقالاتها الهادفة إلى إصلاح الأوضاع, ومحاربة الفساد الذى استشرى أره, وزاد خطره, وأصبحنا نرى بوادر الخطر وما سيعقبه من تمزق وتشتت فى البلاد.

وهذا الأمر بإلغاء امتياز المجلة لم يكن الموقف الوحيد من الحكومة آنذاك بالنسبة لصاحب المجلة ورئيس تحريرها فقد سبق لنورى السعيد أن أدخلنى السجن سنة 1370 هـ 1950 ولم يخرجنى إلا بعد أن حصلت ضجة من النواب الأحرار المعارضين للحكومة فى مجلس لنواب العراقى فأخرجنى على إثرها بعد أن قضيت أكثر من خمسة أشهر فى ظلام السجن. وبعد إلغاء امتياز المجلة وتعطيلها عن الصدور بادرت الحكومة فأتبعتها بإلغاء رخصة جمعية الأخوة الإسلامية ومصادرة مركز الجمعية العام وأملاك الجمعية وقفلت أبواب الجمعية بمركزها العام وجميع فروعها فى العراق ولكن العمل الإسلامى استمر بفضل الله رغم هذه المواقف المضادة من الحكومة بل ازداد وقوى إذ أن عمل الحكومة هذا وهى مكروهة من الشعب كان تزكية للجمعية ورجال الجمعية فخرست ألسنة السوء التى كانت تتهم الجمعية وأقبل الناس على رجال الجمعية ومبادىء الجمعية فى أكثر المدن العراقية وجزى الله النواب الأحرار كل خير فقد كانت لهم مواقف مشكورة معنا ومع كل حق يرونه مهضوما أو مظلوما. ولكن هل من مستمع أومن مجيب؟؟!

لقد صارحناهم – والله العليم بذلك – وحذرناهم ونصحناهم وما تركنا طريقا يسلك إلا سلكناه معهم.. قلنا لهم بالمواجهة, ورفعنا المذكرات وكتبنا المقالات , نشرنا الرسائل والمنشورات.. ونرفع أصواتنا بالإسلام ونقول لهم بكل صدق وإخلاص: الإسلام هو الضمان .. وهم الأمان.. وهو الحصن الحصين.ز فعودوا إليه, وتمسكوا به.. وكأن القوم فى آذانهم وقر, وعلى أبصارهم غشاوة.. وشاء الله عزوجل أن يسبق القدر [ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون] وتقوم الثورة المدمرة الكاسحة الفاضحة فى العراق التى أكلت الأخضر واليابس.. وكأنها حكمت بالإعدام والدمار والخراب على هذا البلد, ورجال هذا البلد وأبطال هذا البلد الذين لو فتح الطريق لهم لأكلوا إسرائيل أكلا, وقضوا عليها قضاء مبرما.. وهذا هو ذنبهم وجرمهم لأنهم أقوياء, ولأنهم شجعان ولأنهم مجمعون على كره إسرائيل ولهن إسرائيل, والقضاء على إسرائيل, ,آن جيشهم تقر لشجاعته الأعين.. فكانت المؤامرة الكبرى على هذا البلد.. " العراق الشجاع" والمستعان الله..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .

لواء الأخوة الإسلامية

بعد قيام الثورة المشئومة فى تموز 1958 م اضطرب الأمر, وبرز رأس الأفعى وبدأت ترسل فحيحها عنا وعناك.. وهى الشيوعية المدمرة والعملية لموسكو , وبدأت أصواتها ترفع وصدرت لها صحف وتريد أن تسرق الثورة من رجالها, وتظهر وكأن الثورة من صنعها وبتدبير منها.. وبعد أن استفحل الأمر, وعلا صوت الشيوعين ومن لف لفهم رأيت أن الأمر جد ولا يجوز لنا السكوت مهما كلفنا ذلك من ثمن.. هذا مع العلم بأن الشيوعيين لم يفتهم أم يهتفوا ضدى وباسمى الصريح فى أول يوم للثورة ويطالبوا برأسى وسحلى كما سحلوا وقتلوا الكثير من الأبرياء.. وهم يعلمون مواقفى معهم ومواقف إخوانى وشباب الدعوة الإسلامية الذين لقنوهم دروسا لم ينسوها فكشفوا عن حقدهم فى هذا اليوم.. ولكنهم خابوا وخسروا وكانت حماية الله عزوجل ورعايته تحمينى من شرهم وغدرهم..

لقد قررت أن أعيد إصدار المجلة مرة أخرى فتقدمت بطلب إلى القيادة بإصدار مجلة أسبوعية باسم " لواء الإخوة الإسلامية" وبعد انتظار قليل جاءتنى الموافقة على إصدارها.. وفى يوم الخميس 12 من رجب عام 1378 هـ الموافق 22 كانون الثانى عام 1959 م صدر العدد الأول فى بغداد, واقبل الناس عليه غقبالا مدهشا غريبا حتى نفدت نسخة قبل أن نوفى بقية المدن العراقية والبلاد العربية والإسلامية نصيبها منه..

وفى اليوم الثانى أرسل إلى رئيس مجلس السيدة محمد نجيب الربيعى " رحمه الله وسر كثيرا وشكرنى على إصدار المجلة, وطلب المزيد من مثل هذه المقالات التى نشرتها فيها خاصة مقالتى الافتتاحية وكانت بعنوان" أهداف الأخوة بين عهدين".

ثم بدأنا صراحة بمهاجمة هذه الطغمة الملحدة من الشيوعيين.. وزدنا أعداد المجلة إلى أكثر من عشرة آلاف نسخة.. ومع هذا فقد أصبحت تباع بأعلى من أثمنها وبالسوق السوداء كما يقولون.. لأنها نفست عن روح الشعب. وتكلمت بلسانه وعواطفه, وسارت سيرة كان غرضها الأجل إعلاء كلمة الله ومحاربة الإلحاد والفساد, والتصدى لأعداء الله تعالى تعالى بكل صراحة وقوة.. وقد صدر والحمد لله من هذه المجلة سبعة أعداد وقد صدر العدد السابع فى 25 شعبان 1378هـ الموافق 5 آزار 1959 وفيه ما فيه من الصراحة فى قوله الحق, وبيان حقائق الأمور, وكشف أعداء الله.. فهاجت الحمر الحمراء وقامت قيامتها, وأعلنت سخطها وغضبها, وهتفت بسقوط الصواف, وموت الصواف وقتل الصواف حتى كان الناس يسمعون ذلك فى المدن العراقية الآخرى.. فى الموصل... وفى البصرة.. وفى غيرها.. وصدر على أثرها أمر بإيقاف المجلة وإلغاء امتيازها والذى وقع الأمر مسئول من كبار رجال الحزب الشيوعى فى العراق وكان مديرا عاما للدعاية.

وبعد أسبوع.. أى فى اليوم الثانى من رمضان 1378 كان القرار للتخلص من الصواف باى ثمن.. وقد نظموا مظاهرة كبرى سار فيها عشرات الألوف من الغوغائيين والسوقة والعملاء الحمر.. والكل يهتف ضد الصواف..,كان على رأس الهتاف " الموت للصواف" وكان البعض يحمل الحبال لسحلى والبعض الآخر يحمل السلاح لقتلى.. وقلوبهم تغلى حقدا وغضبا .. وما علموا أن الله عزوجل فوقهم, وأن قوته أجل وأعلى من قوتهم وأن مكره سبحانه وتعالى أسرع من كيدهم وغدرهم, وأنه سبحانه وتعالى يحمى ويحفظ عبده إن صدق العبد معه عزوجل وقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحفظ الله يحفظك.. احفظ الله تجده تجاهك.. واعلم أن الناس جميعا لو اجتمعوا على أن يضروك بشىء ما أضروك بشىْ إلا قد كتبه الله عليك.. رفعت الأقلام وجفت الصحف".

لقد كان قرارهم هو إنهاء حياتى فى اليوم الثانى من رمضان.. وشاء الله وقد أن مساء اليوم الأول من رمضان وبعد أن اذن المؤذن وأخذت تمرة لأفطر عليها وإذا بالباب يطرق فخرجت وإذ بفريق من الشرطة على رأسهم ضابط مؤدب طلب خروجى معهم فاستمهلتهم حتى أصلى المغرب فسمحوا لى.. وبعد صلاة المغرب أخذونى من وسط أهلى وأولادى إلى السجن.. فبت ليلتى فى السجن.. وفى صباح اليوم الثانى من رمضان وفى الوقت نفسه الذى كنت أصل فيه إلى المركز العام لأدير شئون المركز والمجلة وأعد العدة للعدد الثامن كان الهجوم الصاعق على المجلة والمطبعة والمركز.. وفتشوا عنى فى كل زاوية فلم يجدوا شيئا والحمد لله فمزقوا المكتبة, ومزقوا المصاحف الشريفة, وكسروا المطبعة, وكانوا كما قيل لى كالوحوش الهائجة وهم يهتفون بسقوط الصواف, ويفتشون عن الصواف ليسحلوه ويشفوا غليلهم منه.. ولكن الله هو الحافظ العظيم والرب الكريم الذى تكفل بجاة وحفظ عباده المؤمنين بعد الأنبياء والمرسلين ... صدق الله القائل[ ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين]..

وذهبنا بعد ذلك إلى سجن أبى غريب وجمعونا بدار ضيقة فيها الضباط الكبار ووزراء ورجال إدارة وأساتذة وقل ما شئت من خيار الرجال الطيبين.. ووي للأخيار إن حكم وتسلط عليهم الأشرار.. وقد بدأوا بتعذيب الضباط أقسى وأخس أنواع التعذيب.. وفى العشر الأواخر من رمضان بى.. كان يأتى إلى المعتقل فى الهجيع الأخير من الليل أكثر من عشرة جنود وفى أيديهم الرشاشات وهم يصيحون: صواف.. صواف.. فاستقبلهم بشدة واصرخ فى وجوههم ولا أبالى بهم والحمد لله.. وبدأ الضباط الأشاوش بتعذيبى وضربى.. وهم زمرة من الشيوعيين الحاقدين.. ولولا لطف الله لقضوا على..ولكنها العناية الربانية التى تصحب العبد المؤمن الذى يثبته الله بالقول الثابت فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد... وانتشر الخبر بقتلى واستشهادى , ونشرت الصحف المصرية وغيرها أخبار استشهادى على أيدى الشيوعيين حتى أنهم نشروا كيفية تنفيذ الخطة فى قتلى بعد سحلى أمام بيتى وأولادى وأهلى.. وحينذاك نعانى الأخ المجاهد الكبير الشيخ على الطنطاوى ونعانى إلى العالم الإسلامى فى إذاعة دمشق.. وبكى الرجل وأبكى السامعين.. وقامت مظاهرات فى حلب الشهباء تطالب بدمى, ووزعت منشورا إسلاميا تنعينى فيه إلى العالم اسلامى, وصلوا على صلاة الغائب فى أكثر من قطر إسلامى جزاهم الله عنى وعن الإسلام خيرا الجزاء..

لما انتشر خبر استشهادى, وحدثت هذه الضجة فى العالم الإسلامى جاءنى مدير المعتقل وطلب منى أن أكذب الخبر وأن أسجل شريطا يذاع بصوتى فقلت له : لا بأس أنا مستعد.. فذهب وأتى بالمسجل واخذ يسألنى وأنا أجيب.. ثم طلب منى أن اثنى على الزعيم عبد الكريم قاسم.. فأبيت وقلت : أنت تسجل ما أنا أريده وأقوله فقط.. وحاول عدة مرات وأقسم لى يمينا أنه إذا سجلت كلمة طيبة عن الزعيم فسوف يذاع الشريط فى الإذاعة العراقية إلا وأنا عند أولادى اسمعه هناك.. فأبيت يعلم الله.. وأمام إصرارى سجل أسئلة أخرى فى تكذيب استشهادى ثم قال: سأذهب به إلى وزارة الدفاع عساهم يقبلونه.. ثم حاول وطلب من كبار المعتقلين أن يقنعونى لأقول كلمة فى الثناء على الزعيم عبد الكريم قاسم لأتخلص من السجن وكلمونى بالفعل.. ولكنى بقيت على إصرارى ورفضت اية مفاوضات فى هذا الموضوع.. ولما ذهب الشريط إلى وزارة الدفاع رفضوه وعادوا مرة أخرى يفاوضوننى فى تسجيل شريط آخر غير هذا فأبيت.. فلما يئسوا اشتدوا فى التحقيق والتعذيب.. وفى كل ليلة من ليالى العشر من رمضان حينما يأخذونى يحسب المعتقلون أننى سأقتل هذه الليلة.. ويسود الرعب على وجوههم.. ومع كل هذا فالله سلم.. والله حفظ.. والله صرف عنا كل سوء والحمد لله رب العالمين.

هذا الكتاب

هذا الكتب الذى بين يديك أيها القارىء الكريم.. وما كان يخطر ببالى أننى سأستطيع جمع شتات هذه المقالات التى نشرتها فى " مجلة الإخوة الإسلامية" و"لواء الأخوة الإسلامية".. وكذا بعض الآراء السياسية التى نشرناها .. لأننى خرجت بنفسى, ومطبعتى حطمت, ومكتبتى مزق كل شىء فيها.. وقد تناثرت أوراق التفاسير والمصاحف حتى وصلت إلى شارع الرشيد فى بغداد وهى ممزقة.. وكادوا يحرقون المركز العام بكل ما فيه ولكن الله تعالى سلم إذ قيض بعض الصف من الجيش العراقى لما رأوا المصاحف تحت الأرجل والأقدام سحبوا سلاحهم, ومنعوا المتظاهرين من دوسها بالأقدام وجنبوهم عنها كما حدثنى بعض الأخوة مقلا عمن كان حاضرا فى تلك الساعة . فجزاهم الله تعالى كل خير وبارك فيهم..

أما المجلة فحدث عن تشفيهم ولا حرج.. فلم يتركوا فيها ولا فى مكاتبها ورقة سليمة, ولا ملفا ولا كرسيا.. بل مزقوا كل شىء فيها.. لذا كنت أحسب من الصعب والمستحيل جمع هذه الشتات حتى نخرج للناس ليروا ما كنا نقوله قبل أكثر من ثلاثين عاما للحكام وغير الحكام من صريح القول وصادق الحديث.. وكنت أتمنى لو أن المجلة كلها تطبع مرة أخرى ليرى الناس ما كنا نسير عليه فى تلك الأيام... والفضل لله عزوجل.. فقد أصلح العمل ومد فى الأجل وأسكننى فى أبهى محل. حيث اختار لى بجوار بيته المطهر وكعبته المباركة فى مكة المكرمة, وجزى الله ولدى وابن أخى الشقيق وصهرى المحامى غازى الصواف فقد أخفاها وحفظها.. وفى العام الماضى.. أى قبل سنة واحدة فقد أرسلها لى. فسررت بها أكثر مما أسر بأضخم كنز أجده

ورأيت أن أجمع شتات هذه المقالات وأنشرها فى هذا الكتاب الذى بين يدى قرائنا الكرام.. وقد سميته صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية فى العراق وآراء سياسية فى افتتاحيات إسلامية أسأل الله عزوجل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم, وأن ينفع به جيلنا المسلم والأجيال القادمة والله يقول الحق وهو يهدى السبيل .. والحمد لله رب العالمين.ز وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

محمد محمود الصواف.


أهداف المجلة فى كلمات

نشرت فى العدد الأول من المجلة فى سنتها الأولى الذى صدر صبيحة يوم الجمعة 4 ربيع الأول سنة 1372 هـ 21 تشرين ثانى " نوفمبر" 1952م فى بغداد.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين, والحمد لله فاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور.

الحمد لله خالق كل شىء وإليه ترجعون, لا إله إلا هو إله الأولين والآخرين وقيوم السموات والأرضين, ومالك يوم الدين, الذى لا فوز إلا فى طاعته ولا عز إلا فى التذلل لعظمته, ولا هدى إلا برضاه وعنايته ولا نعيم إلا فى قربه, ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا فى الإخلاص له وتوحيد حبه عز وجل.

وسبحان الله وبحمده عدد خلق, ورضا نفسه,وزنه عرشه, ومداد كلماته:"تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا".

وأشهد أى لا إله وحده لا شريك له كلمة حق قامت بها الأرض والسموات العلى وبها أرسل رسله وأنزل كتبه, وشرع شرائعه وبها تقاسم الخلق إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار.

وأشهد أن محمد رسول الله بعثه الله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا, فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين بعد أن جمع الله المسلمين تحت راية القرآن, وأعزهم ونصرهم وأثابهم فتحا قريبا, واستخلفهم فى الأرض, ومكن لهم دينهم لذى ارتضى لهم, صلوات الله وسلامه على هذا النبى الآمين وعلى آله وصحبه,وجنده ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين وبعد:

فهذه " مجلة الأخوة الإسلامية" أقدمها للقراء الأعزاء إسلامية المنهج تدعو إلى الله , وتكشف عن محاسن الإسلام ومزاياه.

وترفع صوت الإسلام فى العراق, وتحميه وتذود عنه, وتبشر به وتدعو إليه, وتعرض أحكام الإسلام العظيم على المسلمين أنفسهم عرضا فطريا بسيطا سهلا مجردا من الشوائب, والبدع والخرافات, ومقتفية فى العرض أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان, قبل تبلبل الأفكار وتفكك الوحدة الإسلامية, وغلبة الدنيا واستبداد الأهواء والمطامع على الناس و" الأخوة الإسلامية" مجلة الإسلام فى يسره وسماحته, وصدقه وصفاته, وعفوه وإحسانه وتفاوته وسلامته ووضوحه وبيانه, وطهره وعفافه وعدله ومساواته.

تسير فى خدمة دعوة القرآن, وتجلى للناس فضائل الإسلام وترفع عنه مغالاة الغالين , وزيف المبطلين, ومغالطة الجاهلين المتعصبين, والملحدين المعاندين.

والمسلمون عندها كأسنان المشط فهم فى الإسلام سواء لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى, وقد ربط الله بين قلوبهم بحبله المتين. وعقد بينهم بعقد الأخوة الإسلامية وما عقده الله بيديه لا تفصمه يد البشر مهما أوتيت من قوة فى الهدم والتخريب.

وستعمل هذه المجلة إن شاء الله لتنمية هذا العقد , وتقويته وتوثيقه لتبعث الأخوة الحقيقية بين أبناء الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة, والمجد الأثيل.

أما النعرات الفكرية والاجتماعية, والعصبيات, والجنسيات والأقليميات والطائفية فى حدودها الضيقة فستلوى هذه المجلة عنقها عنها وتصد عنها, وتحاربها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. وستعالج قضاياها فى كثير من الجرأة والوضوح والإقدام على ضوء الإسلام ووفقا لمبادئه العالية, وأحكامه القويمة.

ومن الأغراض التى ستعمل لها هذه المجلة وتجاهد فى سبيله ما حييت هى:

1- العمل على تثبيت العقيدة الصحيحة, والتوحيد الخالص فى النفوس وتقوية روح التدين فى الأمة الإسلامية.

2- عرض الإسلام للعالم على أنه نظام عالمى شامل يعالج الحياة فى مختلف شئونها.

3- بعث الأخوة الحقيقية بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة" وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون" والتمهيد للوحدة الإسلامية الكبرى.

4- مكافحة روح التفرنج والانحلال فى النساء والرجال.

5- دعوة المسلمين إلى القوة وأسبابها( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).

ثم أرجو بعد هذا أن تكون هذه المجلة صوت اليقظة الإسلامية ورسالة الوعى الناهض بالدعوة الروحية, والبعث الدينى المنتظر الذى أخذت روحه تسرى فى نفوس الشباب فى العراق وغير العراق, وتبعث فيه الأمل من جديد وتبشره بالعزة والفضيلة والمجد والسيادة والإيمان, والحب والرحمة والسلام, وما ذلك على الله بعزيز.

ولعل من يمن هذه المجلة أن تكون ولادتها فى الشهر الأغر, شهر انبثاق النور المحمدى إلى الوجود ,و وولادة خير العالمين, وصفوة الدنيا محمد صلى الله عليه وسلم.

بعد أن طال انتظار الإخوان لها وحالت دون إصدارها ظروف وأحوال قضى الله أن تطول إلى هذا الحين, والله أسأل أن يجعلها خالصة لوجهه وينفع بها ويهديها إلى أحسن الأقوال والأعمال فإنه لا يهدى لأحسنها إلا هو إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير.

ربنا تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا فى السماء . والحمد لله رب العالمين.

قضيتنا الكبرى بين اليأس والأمل

وهذه هى الافتتاحية للعدد الأول من السنة الثانية للمجلة والذى صدر فى يوم الجمعة 20 ربيع الأول 1373هـ 27 تشرين ثانى " نوفمبر" 1953 م ولقد قدمناها لأهمية موضوعها.

الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على سيد المرسلين " محمد " وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

بهذا العدد تودع هذه المجلة عاما وتستقبل عاما. تودع عاما طوت أيامه فى طريقها المرسوم لم تحد عنه, وسف لا تحيد عنه بعون الله.

وتستقبل عاما جديدا من حياتها المديدة السديدة إن شاء الله متوكلة على الله, مستهدفة خدمة الإسلام والمسلمين, داعية إلى الله على بصيرة, بالحكمة والموعظة الحسنة.

متفائلة بذكرى المولد النبوى الشريف الذى بدأت حياتها فيه وها هو ذا العام يمر ويقبل جديد ونرجوا الله أن يجعله عام خير ويمن وبركة على المسلمين أجمعين.

وإننا إذا نستقبل هذا العام لنشعر من صميم أفئدتنا بعظم المسئولية وجسامة الخطر الذى يحيط بديار الإسلام من كل جانب والمسلمون لاهون غافلون.

وحكامهم السادرون متدابرون, متخاصمون, بهرتهم المناصب, فاستناموا للغاصب, وتدافعوا على المراتب بالمناكب, ونسوا حق أمتهم وحظها فى الحياة فضلوا وأضلوا. إننا لنشعر أننا فى فترة مظلمة قاسية وفتن كقطع الليل المظلم تدع الحليم حيرانا وبمثل هذه الحالات تمتحن العزائم وتبتلى الرجولات ليميز الله الخبيث من الطيب.

والناس فى هذه الحالات صنفان ضعفاء الإيمان وأقوياؤه.

أما الضعفاء فيفرون إلى ويقبعون فى زوايا القنوط والخمول ويلقون السلاح. ويخلدون إلى الدعة والسكينة.

فتصاب الأمة من بعدهم بالشلل, وتقعد عن العمل ويستولى عليها اليأس المميت, أما أقوياء الإيمان فيكثرون عند الفزع, وينهضون إلى العمل, وإن قعد الناس يحدوهم الإيمان بالله والأمل الباسم فى إيقاظ الشعور, وبعث الهمم لانتشال أمتهم من كبوتها وإقالتها من عثرتها., وهؤلاء هم الفائزون ولهم النصر المبين, فكونوا أيها المسلمون من أصحاب الإيمان القوى الذى لا تزعزعه العواصف مهما اشتدت, ونهضوا بهذه الأمة المسكينة, المظلومة المهضومة التى تنتظر جهادكم المتواصل, وعملكم الخالص, وقد تكاثرت عليها الخطوب, وتداعت عليها الأمم, وتزاحمت عليها المصائب حتى أصبحت بين فكى الكلاب البشرية لا الأسود.

وقضيتنا اليوم هى قضية الإسلام الكبرى وما فلسطين إلا قلب الوطن الإسلامى النابض, وهى ثغر الجزيرة التى يربض فيها نبى الإسلام ورسوله " محمد صل الله عليه وسلم, وهى طريق الإسلام إلى عاصمته الدينية المقدسة" مكة المكرمة"

ومعركة فلسطين لم تبدأ بعد, وقد آن الأوان لأن نجدد لها العزائم والسواعد ونحشد لها الإمكانيات والمواهب, ونبدأ العمل الجدى ونصحح الأوضاع الفاسدة ونبدأ مرحلة جديدة من مراحل كفاحنا مع اليهودية العالمية الأثيمة وأنصارها المجرمين السفاكين.

فقد كنا – ولا نزال – نستجدى حقنا من هيئة الأمم استجداء ذليلا ونعلق انتصارنا الموهوم على رضاها وهى العدوة الحاقدة وصدق الله غذ يقول " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم". ويقينى أن مرحلة جهادنا يجب أن تختلف عما مضى.

أن نحتاج إلى خطوات عملية تبدأ بالإصلاح الشامل لجميع مرافق الأمة,, وتقوية الداخل ماديا وروحيا, والاتصال بالعالم الإسلامى اتصالا مباشرا قائما على أساس الدين الصحيح, والحب الخالص, والإخاء فى الله, العمل على جعل ديار المسلمين دارا واحدة وجمع المسلمين تحت راية القرآن " أن هذه أمتكم أمكة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".

ويجب أن نعلنها صريحة أننا يئسنا من الحكومات العربية المتخاذلة فلا خير يرتجى ولا صلاح يرتقب, وكل منها قد ركبت رأسها, وألقت اللوم والتبعات على أختها, وإذا خانتها الحجة اتكأت على الجامعة العربية المفرقة التى كانت حلقة سوء طوق بها " ايدن" وهى رييبته أعناق العرب ليقودهم بزمام واحد, بدل الأزمة المتعددة, وقد كان ما أراد وتمت الصفقة فخسر العرب شرفهم, وباعوا فى سوق النخاسة كرامتهم, وانتزع منهم الحياء حتى أصبحوا عبرة المعتبرين,واضحكوا السامرين, وتكاثرت عليهم اللطمات , وكلما تلقوا لطمة وقدموا الشكوى والاحتجاج وحسبهم هذا وكفى, وعلى الشرف السلام ما داموا على الكراسى أيقاظا وهم نيام,أموات غير أحياء ولكن لا يشعرون.

والمستعان بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله لقد برح الخفاء, وانكشف الأمر لكل ذى عينين, وما اجتماعات الجامعة بسر, فلم تعد التصريحات الجوفاء المخدرة تخدعنا, ولم تعد أسطورة القرارات السرية بأمر ذى بال فأمرنا مفضوح, وقد هنا على أنفسنا وعلى الناس بعد أن انكشفنا لأعدائنا وزال عنا غطاء الرياء فاستخف بنا الأعداء بعد أن عرفوا أننا طبول جوفاء تريد أن تقاتل وتكسب المعارك بالتصريحات الفارغة والاجتماعات الهزيلة السخيفة, وما هكذا ترود يا سعد الإبل أيها الرؤساء.

إن دام هذا الحال يا مسعود

لا جمل يبقى ولا قعود

أيها المسلمون استيقظوا واستفيقوا من غفلتكم واذكروا – دوما وأبدا – فى يقظتكم ومنامكم, فى حلكم وترحالكم مساجدنا وآثارنا الإسلامية فى حيفا, ويافا , واللد , والرملة, وطبرية, وصفد, والناصرة. ولا تنسوا الثآر لشهداء " قيبة" و" دير ياسين" وانفخوا فى نفوس الناس روح التضحية والجهاد والانتقام, والجد والمثابرة على العمل, وقولوا لهم بلسان الواثق المطمئن أننا سنرجه إلى ديارنا هذه – بعون الله – فاتحين معتمدين على الله ثم على أنفسنا نحن المسلمين, وسواعدنا وإيماننا بالله وحده ونحن واثقون من أن الله سيتم لنا النصر ولو كره الكافرون, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وسنصل إلى أهدافنا بإذن الله مهما اعترضنا من أشواك وعقبات وسدود وحدود, وأملنا بالله وطيد من أننا نكسر هذه السدود, ونحطم تلك القيود ونسير على بركة الله وتوفيقه ونسترد ما فقدناه, ولا نقف أبدا فالوقوف انتحار وخسار بل هو الموت بعينه والله معنا ولن يترنا أعمالنا ما دمنا متوكلين عليه, " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" فنحن لا نيأس ولن نيأس من النصر فاليأس كفر ونعوذ بالله من الكفر والكافرين والضلال والمضلين.

فاستعدوا أيها المسلمون وما يوم الفصل بين حقنا, وباطل المعتمدين ببعيد " ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين". وعلى الله توكلوا وجددوا السير مسرعين و وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة فقد اشتدت الأزمة حتى آذنت بالانبلاج , وما طلوع فجر ا الإسلام ببعيد, وإن غدا لناظره قريب, فارتقبوا هذا اليوم بإعداد العدة من النفس والأموال, وليحيينكم الله بعده حياة طيبة ويستخلفنكم فى الأرض لتقيموا العدل, وتحكموا بما أنزل الله وتعودوا بالناس ثانية إلى الله وتردوهم إليه عزوجل ردا جميلا حتى يرضى به عنا ويجعلنا ممن استحقوا الكرامة فى الدنيا, والنعيم فى الآخرة وما ذلك على الله بعزيز.

والله أكبر ولله الحمد


صرخة مجلجلة : عودوا إلى الإسلام

صفحتنا السياسية 22/3/1953

قالت المجلة:

جوانب من الخطبة الفياضة بالمشاعر الإسلامية التى ألقاها فضيلة الأستاذ الصواف فى الحفلة التى أقامتها جمعية الأخوة الإسلامية فى يوم 22/3/1953 لتكريم زمرة من أعضاء المجلس النيابى العراقى فى بغداد.. حيث قال مرتجلا:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده والسلام على من حمل لواءه إلى يوم الدين.

أيها الحفل الكريم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فإنى أرحب بكم بعد ترحيب أستاذنا الشيخ الزهاوى حفظه الله وإنها لفرصة سعيدة تنتهزها هذه الجمعية التى عاهدت الله على إعلاء كلمته ونصرة شريعته وأشهدته على ذلك وهى مجدة عاملة ما حييت فى سبيل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم.

ايها السادة – ن هذه الجمعية تحملكم الأمانى التى حملتها وتذكركم بما وجب عليكم إذ أولتكم الأمة ثقتها وهى أمة مسلمة لتمثلوها فى المجلس النيابى حتى تردوا كرامتها المهانة وعزها السليب وشرفها المثلوم وينها المضيع,

إنها تحملكم أمانة الإسلام وقد قتل ناصروه وازداد خاذلوه لتعمدوا على رفعته وإعلاء كلمته وسنرى أعمالكم وحسبنا أننا بلغنا الرسالة وذكرناكم ممثلى الإسلام باذلين هاتفين بإسمه عاملين بما أمر منتهين عما نهى وزجر.

أيها السادة:

استيقظ العالم الإسلامى والدعوات فيه كثيرة والصيحات عديدة والمناهج مختلفة وليس أخطر على الأمة وهى فى فجر نهضتها من كثرة الدعوات وتعدد الصيحات واختلاف المناهج. استيقظنا والسبل أمامنا مختلفة فمنا من شرق فولى وجهه شطر موسكو ومنا من غرب فولى وجهه شطر لندن وباريس وواشنطن أما نحن فولينا وجهنا شطر مكة المكرمة لنغترف من فيض محمد صلى الله عليه وسلم وننور قلوبنا بقرآن رب محمد صلى الله عليه وسلم فوجهتنا أيها السادة إسلامية ربانية وصدق الله العظيم ( قل هذه سبيلى أدعو إلى اله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين).

إننا ايها السادة نريد تربية الأمة تربية إسلامية تتناول الفرد كما تتناول المجتمع وهى تهتم بالمرآة اهتمامها بالرجل فنعود إلى الله ونربط قلوبنا به سبحانه وتعالى( ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين).

ولن يعود لهذه الأمة عزها السليب ومجدها التليد إلا برسالة الإسلام كما لن يشمل هذا العالم الإستقرار ولن يسوده العدل إلا بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم فكما أن آر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها فكذلك لن تحل مشكلات العالم ولن تطفأ نار الحروب بالإسلام الذى هو لا شرقى ولا غربى وقد صدق المؤرخ " جب" فى كتبه( حيثما يكون الإسلام) قال ( إن الإسلام ما زالت له القدرة التى تسيطر كلية على أمثال هذه العناصر المختلفة الأجناس والطبقات, فإذا ما وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع ارس, فلابد من الالتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع).

أيها السادة:

إنه ليروعنا أن نجد البلاد فى طوفان من الدعوات المنكرة التى تفد علينا من بلاد غريبة عن, ولا صلة بيننا وبينها وهى دعوات ليست ذات موضوع إذا ما وضعت إلى جانب الإسلام الذى يغنى عنها جميعا وهى تكاد لا تغنى عن بعض منه. وقد كان من نتيجة انتشار هذه الدعوات فى قطرنا العزيز إن أصابنا التحلل الخلقى وانتابنا تفسخ اجتماعي جعل عقولنا شلاء وأجسامنا مريضة هزيلة وشهد الله أن هذه الأدوار وهذه العلل ما هى إلا نتيجة حتمية لانتشار هذه الدعوات المنكرة, وأنه لأنكر منها أن يراد بنا أن نخلع الإسلام ونقطع علينا أسباب القوة الروحية والخلقية والاجتماعية ( قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله) وإنه لعقوق أى عقوق أن نتخذ الإسلام وراءنا ظهريا فوق أنه بلاهة وغفلة وتمكين لأعدائنا من أنفسنا,واذكروا أيها السادة قول " كلادستون" رئيس حزب الأحرار الانكليزى فى أواخر القرن التاسع عشر فى مجلس العموم قال.

" لن يقر لأوروبا بال مادام قرآن يتلى وكعبة تزار" واذكروا قوله " اقرءوا على الإستعمار السلام يوم يقرأ المسلمون القرآن ويتدبرونه".

أيها السادة :

إننا نشكو إلى الله ثم نشكو إليكم وأنتم رءوس هذه الأمة وحملة أمانتها ونهيب بكم أن تعلموا على صد هذا التيار الجارف وتوقفوا الطغيان الصليبى عند حده وأن تعملوا جهدكم على رفع الموبقات التى انتشرت فى هذا البلد الإسلامى الذى نص دستوره وأقسمتم لتحافظن عليه أن الإسلام دينه الرسمى. ها هو شارع الرشيد يعج بسوق يباع فيها الرقيق الأبيض جهرة وتنبث فيه حانات الخمور لتحطم العقول وأمراض النفوس وإماتة الضمائر وأن تلاحقوا الأوكار الخبيثة التى تنفث سموم الإلحاد فى نفوس نشئنا وشبابنا وهم عماد الأمة ومناط رجائها فضلا عن الوقوف سلبيا إزاء الإسلاموإهماله فى المدارس والمعاهد العالية وشهد الله أننى صادفت وأنا أدرس الدين فى الثانوية المركزية فى بغداد شابين يحسب أحدهما أن قبلته الأعظمية والآخر يحسبها الكاظمية وكلاهما فى الصف الخامس الإعدادى. وإننى لأتساءل ولعل المر لا يحتاج إلى السؤال عن الدافع إلى إهمال الدين هذا الإهمال الشنيع بل انتزاع ما فى أذهان الطلاب منه وما اقله, وأننى لأتساءل عمن يستفيد من هذا الإهمال وذاك الانتزاع وعمن يخسر بهما؟!..

أيها السادة:

إننا والله لنخجل إذ نرى هذه النار غلى الإسلام توقد فى بلاد مكنت لنا فيها العيش سيوف محمد صلى الله عليه وسلم وطيبتها دماء صحابته الكرام.

بلاد أعزتها سيوف محمد

فما عذرها أن لا تعز محمدا

أيها السادة:

فى وسط هذا الصخب والضجيج وحسيس النار المشبوبة على اسلام يجلجل صوت الداعية الأول ليصدع بما يؤمر ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر ) وها نحن نعلنها مدوية أن ليس لنا من وجهة فى الإصلاح إلا المعين الصافى والنور الوهاج ألا وهو الإسلام.

وإن دعوتنا الدعوة الإسلامية التى ندعو لها ترتكز على أمرين:

أولهما: إننا قد عرفنا جميعا من التاريخ أن الإسلام قام بأكبر نهضة اجتماعية وسياسية واقتصادية وروحية, واستطاع أن يحول مجرى تاريخ العالم أجمع وانتشل الأمة العربية وأبدل ذلها عزة وفوضاها نظاما وخمولها عملا مثمرا. امتد نفعه إلى أكثر أمم العالم. وقد جربت هذه الرسالة فنجحت وآتت أكلها ضعفين وهذه الدعوة مستعدة أن تنهض بمن يستعين بها نهوضا يتلفت له العالم دهشة كما تلفت من قبل.

ثانيهما: إننا نعلم كما قال علماء الاجتماع أنه لا يمكن لأمة أن تعيش من غير دين وأن الجماعات لا يصيبها التفسخ والانحلال إلا عندما يضعف الوازع الدينى وهذا (رينان) يقول فى كتابه ( تاريخ الأديان). يقول ( من المحتمل جدا أن يضمحل ويزول كل شىء تراه جميلا حتى العقل ولكن الدين هو وحده لا يمكن أن يزول أطلاقا).

واعلموا أيها السادة أننا أمام أمرين لا ثالث لهما إما الشيوعية وإما إسلام وقد أعذرنا إلى الله بتبليغكم هذه الرسالة وتذكيركم بالأمانة فاعتصموا بحبل الله تجدونا جندا لكم نسير تحت لوائكم وطوع أمركم وثقوا أن لن تستطيع قوة فى الأرض أن تقف فى وجه دعوة جعلت الله غليتها والرسول زعيمها والقرآن دستورها فيا أيها السادة ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) وإننا سنسجل ونحاسب ولن نكتفى منكم بسؤال تلقونه فى المجلس لتنشره الجرائد وما أريد أن أطيل ولكنى اذكر بالغاية التى لا شك أنكم أدركتموها من هذا الاجتماع.

( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)

والله أكبر ولله الحمد


العمل على تثبيت العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص

للعلامة الشيخ محمد بهجت البيطار

بعد أن أصدرت العدد الأول من مجلة الإخوة الإسلامية ووصلت إلى أيدى القراء فى العالم الإسلامى انهالت على الرسائل بفضل الله فرحة مسرورة بالمنهج الذى أعلنته فى العدد الول ومن هذه الرسائل رسالة علامة الشام الكبير الشيخ محمد بهجت البيطار رحمه الله ولأهمية الرسالة وأهمية موضوعها جعلتها افتتاحية للعدد الثالث للسنة الأولى من المجلة الذى صدر يوم الجمعة 9 ربيع الثانى سنة 1372 والموافق 26 كانون الأول سنة 1952

قال الشيخ البيطار رحمه الله:

طلعت علينا مجلة الإخوة الإسلامية" وفى النفس شوق إلى طلعتها , وفى قومنا حاجة ملحة إل صدور مثلها, وقد تصفحناها فوجدناها داعية إلى الدين الخالص, والعلم النافع والعمل الصالح والأدب السامى, وقد قرأنا فى طليعتها أهداف المجلة فوجدنا فيها كل مطلب جليل, وهمل نبيل, ورأينا أن نتوج كلمتنا هذه بالهدف الأول مما أنشئت المجلة من أجله, وهو العمل على تثبيت العقيدة والتوحيد الخالص, ولا ريب أن هذا هو الواجب الأول الذى نزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ودان به السلف الصالح.

ولم تكن للعرب جامعة دينية, ولا وحدة عربية يحافظون عليها ويدافعون عنها, إلا بالتوحيد لذى ألف بين قلوبهم ووحد كلمتهم وعملهم فصانوا دماءهم وحفظوا أموالهم وقلصوا ظل الأكاسرة والقياصرة عنهم, بل كسروا شركة المستبدين الظالمين فى أنحاء المعمورة وأخرجوا العالم من ظلمات الشرك والإفك إلى النور ذلك بأن عقيدة التوحيد التى تغلغلت فى نفوسهم وجرت فى عروقهم قد ناطت رجاءهم فى الله وحده,

لا يسألون إلا اياه ولا يخشون أحدا سواه," وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو, وإن يردك بخير فلا راد لفضله" وفى حديث ابن عباس ( رضى الله عنهما) وإذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله".

لما أخذ العرب بهذه العقيدة المثلى وتركوا عبادة الحجر والشجر والبشر والكواكب والجن والملائكة وعلقوا خوفهم ورجاءهم بفاطر الأرض والسموات فطهرت عقولهم من لوثات الشرك والأضاليل, وزكت نفوسهم من الرذائل والنقائص, وأصبحوا علماء حكماء, لا تعرف الأباطيل والأوهام إلى قلوبهم سبيلا.

ثم أخذت معارفهم حظها من الشيوع والانتشار بحيث لم تبق أمة من أمم الأرض لم تفتبس من نورهم أو تعطر مسامعها بشذى ذكرهم الفياح.

كان حوار سلفنا الصالح 0 رضى الله عنهم) مع الفرق التى ظهرت فى عصورهم, وشاعت مقالاتهم فى الناس, كالقدرية والخوارج والجبرية والجهمية والمرجئة والوعيدية, وقد انتشرت فى زماننا شبه وشكوك فى دين الحق لأقوام آخرين كدعاة التثليث والإلحاد, والتحريف والتخريف والتفريخ, وفى كتب دعاة الإسلام وحماته دفع لباطلهم وكبح لجماحهم ونحن نستعين بالله, ثم بقوة التربية الإسلامية الطاهرة ويكتب الردود القيمة على تزييف أباطليهم, ورد أضاليلهم وبالله التوفيق.

ونرى العناية بإقامة الحجج ودفع الشبه عن التوحيد الخالص دين رسل الله جميعا( عليهم الصلاة والسلام) خيرا من الخوض وتضييع الوقت فى ذكر الألفاظ المخترعة المبتدعة التى أدخلها بعض أهل الكلام والمتفلسفة فى العقائد وذلك مثل الجوهر والجسم, والأعراض والأغراض والأبعاض, الحدود والجهات وحلول لحوادث وغيرها, قال الإمام لا محقق ابن القيم الجوزية ( رحمه الله تعالى) فى الصواعق المرسلة: يسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائض والحاجة فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ , فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل, وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله فتنزيههم عن الأغراض هو جحد صفاته كسمعه وبصره وعلمه وإرادته وأما الأغراض فهى الغاية والحكمة الى لأجلها يخلق ويفعل, ويأمر وينهى ويثبت ويعاقب ,أما الأبعاض فمرادهم بتنزيهه عنها إنه ليس له وجه ولا يدان وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس ليس فوق السموات رب, ولا على العرش إله وأما حلول الحوادث فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته أ هـ باختصار.

وقد أنشد بعضهم فى هذا المعنى أبياتا منها.

وإن كان تنزيها جحود استوائه

وأوصافه أو كونه يتكلم

فمن ذلك التنزيه نزهت ربنا

بتوفيقه واله أعلى وأعظم

ولا نميل إلى مذهب الإقترانية فى إسقاط الأسباب القائلين: إن الله يخلق عند السبب لا بالسبب كقولهم : السكين سبب عادى لا يقطع بنفسه ولكن الله تعالى يخلق القطع عنده, وهكذا حكم الطاعات مع الثواب, والكفر والمعاصى مع العقاب, هى أمارات محضة لوقوع الثواب, لا إنها أسباب له, ولا ارتباط بينها إلا بمجرد الاقتران العاجى, لا التأثير السببى : قال الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله:

وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء. ( إلى أن قال): وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات فى الدنيا والآخرة وحصول الشر فى الدنيا ولآخرة فى كتابه على الأعمال, ترتيب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب ( قال): وهذا فى القرآن يزيد على ألف موضع أ.هـ

ونقرر ما بسطه شيخ الإسلام ابن تيمية فى تبه من أن الديليلن السمعى والعقلى القطعيين لا يتعارضان أصلا, وإذا تعارضا كان أحدهما قطعيا, والآخر ظنيا والقطعى منهما هو المقدم, هذا ما رأينا عرضه الآن تحت عنوان : العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص, راجيا لهذه المجلة الكريمة مزيد الازدهار وسعة الانتشار.

محمد بهجت البيطار

دمشق


صوت من النجف الأشرف لدعم الأخوة الإسلامية

بريد الأخوة

لقد قلت إننا بعد صدور العدد الأول من المجلة تلقينا الكثير ن رسائل الشكر والتأييد والسرور والحمد لله رب العالمين. ولكننا لم ننشر منها سوى رسالة دمشق من العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار وهاتين الرسالتين من النجف الأشرف فأحببت نقلهما بكتابى ليطلع عليهما القراء الكرام والله الموفق.

قالت المجلة:

ننشر فيما يلى نص الرسالة القيمة التى تفضلت بارسالها مشكورة جمعية التحرير الثقافى فى النجف الأشرف لتدعيم الإخوة الإسلامية بارك الله فيها ووفقنا جميعا لتحقيق معانى هذه الأخوة الصادقة.

المحرر:

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكاتب الحر محمد محمود الصواف المحترم بتحية الإسلام أفتح كتابى إليك أيها الأخ العزيز, وبالمجد الوطنى والعز العربى أرفع إلى مقامك العالى ثنائى العاطر رافعا آيات الدعاء والابتهال إلى المولى جل شأنه لك بالسلام والبقاء, ونشرا فصول الثناء والابتهاج – لما تفضلتم به – من إرسال مجلتكم" الإخوة الإسلامية" الغراء فشكرا على هديتكم هذه وألف شكر.

أيها الأستاذ المجدد. لقد صنعت جميلا لا ينساه الدهر, ولقد وضعت على هام القرون أكليلا لا يمحوه الزمن مهما تطاول عهده لأنك – وليس بغريب – قد عملت على تثبيت العقيدة الصحيحة, لأجل رفع راية التوحيد الخالص وغرس الفضيلة فى نفوس الأمة الإسلامية أجمع..

نعم لقد وضعت لإى أسا المجد لبنة صالحة لا تنساها لك صفحات الخلود, فقد خطتها فى سفر البقاء, فجعلتها طغراء الكرامة متوجة بإكليل المجد والفخار ,محاطة بقوله تعالى : [ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا]

أيها الكاتب الحر لا شك أن مجلتكم " الإخوة الإسلامية" الصادقة هى رسالة الوعى الناهض, والبعث الدينى الصحيح ودعوة الحب فى الله والرحمة والسلام ولا ريب فى ذلك أيضا فإن من أهم أهدفها أغراضها قمع النعرات الفكرية, والأسقام الاجتماعية, ومحاربة العصبيات والطائفيات والعنصريات , وكل ما نأمله من سعادتك من محاربة الطائفيات والعنصريات, هو عدم التعرض لمقدساتها وعقائدها, ودعوة الإسلام بعموم عناصر للأخوة والاتحاد لتكون المجلة من الإسلام وللإسلام, واسم على مسمى. فنحن بدورنا نرجو لها نجاحا ورواجا باهرين ومستقبلا حسنا, وأملنا وطيد بأنها ستجد فى أمة الضاد وأبناء الوطن آذانا مصغية وقلوبا واعية ومن الله أسأل أن يجعلها دعوة مباركة صالحة خالصة لوجهه الكريم ,ان يهديها إلى أصدق الأقوال وأنفع الأعمال, إنه سميع مجيب.

وأخيرا تفضلوا وأعضاء جمعيتكم الأفاضل بقبول عاطر التحيات الخالصة من الإخوان أعضاء جمعية التحرير الثقافى, والمجلة والإعجاب والتقدير من المخلص.

العميد عبد الغنى الخضرى

التعليق

ليثق الأخ بأننا قطعنا على أنفسنا عهدا وأشهدنا الله على ما نقول: بأننا سننصر الإسلام والمسلمين أينما كان وكانوا.

وندعوا جميع طوائف المسلمين بعموم عناصرهم ونختلف أجناسهم إلى الوحدة الكاملة المنشودة والأخوة الصادقة المطلوبة وسوف لا تتعرض لمقدسات أية طائفة من الطوائف الإسلامية ولا تمس عقائدها ما دامت لم تخالف عقيدة التوحيد الخاص.

وكيف نتعرض لما يمزق الوحدة الإسلامية ونحن ندعوا إلى الوحدة, وقد شرحنا مبادىء هذه المجلة فى العدد الأول منها ونرجوا الله أن يوفقنا للسير على نهج الحق وهو حسينا ونعم الوكيل.


الرسالة الثانية

قالت المجلة:

وفيما يلى الرسالة المباركة القيمى التى تفضل بإرسالها مشكورا فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ جواد شبر الخطيب شكر الله عواطفه وبارك فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم

العلامة المجاهد محمد محمود الصواف سدده الله وأرشده

سلاما يساوى فضلك وتحية تشبه لطفك رأيت العدد الأول من مجلتكم الزاهرة" الأخوة الإسلامية" فهنأتكم من صميم قلبى على التوفيق لمثل هذه الخدمة الدينية.

وما أمس الحاجة إلى مثلها فى عصر كثرت فيه الشكوك وتفسخت فيه الأخلاق وتدهورت فيه الفضائل واستشرى المبدأ الهدام وخنق صوت الإسلام وستر محاسنه بصورة مشوهة للعالم تغاير صورته الناصعة النيرة. أما عقيدتى المستحكمة فى قرارة نفسى والتى لا يخالنى فيها ذرة شك.

أن للإسلام نهضة يظهر بها على الدين كله ولو كره الكافرون وأن الإسلام بدأ غريبا أى مستغربا وسيعود غريبا أى سينتشر انتشارا هائلا ولكن ليس معنى ذلك أن نقف من محاربته موقف المتفرج بل يجب الجهاد بأموالنا وأنفسنا كما أمر الله.

إن فريقا من إخوانى خطباء المنبر الإسلامى ليرحبون بمثل مجلتكم ويسيرون على هذه الخطة فيجب أن نتفق على هذه المادة على الأقل إن تعذر السير سويا على جميع مواد الإسلام وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أرجو أن أكون أحد المساهمين فى مجلتكم وتفضلوا بالعدد الأول وما يليه بعنوان : النجف – الخطيب جواد شبر. مع العنوان الكامل لإدارة المجلة حتى نرسل ما يجب من مساعدة مالية متواضعة من أخيكم الخطيب جواد شبر


العوامل النفسية لتصريح تشرشل

كان الإستعمارى الوقح تشرشل وهو الإنجليزى الحاقد على العرب والمسلمين كان قد أصدر تصريحا خطيرا يمجد بإسرائيل ربيبهم وصنيعتهم المجرمة, ويندد بالعرب..

ولم يفت الإستعمار الخبيث تشرشل أن يهاجم العرب أشنع هجوم وأقبحه فى مذكراته التى ترجمت أخيرا إلى اللغة العربية.

فكتبت هذه الإفتتاحية التى نشرت فى العدد الرابع عشر من السنة الأولى للمجلة وقد صدر يوم الجمعة 16 رمضان سنة 1372هـ الموافق 29 مايو سنة 1953 وكان الخبيث على قيد الحياة.

اهتز العالم العربى والإسلامى للتصريح الخطير الذى نفس عن كربته فيه الإستعمارى الأثيم المستر " تشرشل". فقد كشف القناع عن يهوديته النكراء الذى ظل يتستر عنها هو ومن لف لفه من رجال السياسة الحاقدين علينا معشر المسلمين, ولكل منهم ضله فى تكوين ربيبتيهم إسرائيل عليها وعليهم غضب الله أما أنا فلم أدهش لهذا التصريح ولم أجد فيه شيئا جديدا فالسياسة الإنكليزية قديما وحديثا سياسة يهودية أصيلة, قامت على أسس الإنتقام من العرب لا لأنهم عرب , بل لأنهم مسلمون.

كان لهم فى يوم من الأيام السلطان المطلق على دنيا الشرق والغرب, ودانت لهم الغرب حقبا من الزمن لا يمكن لجرجل أن ينسى آثارها والحق أننا لو رجعنا إلى العامل النفسى لهذا التصريح وغيره من أعمال الغربيين عامة والتى أجمعت على حربنا أدبيا وسياسيا وفكريا وخلقيا,واقتصاديا, لوجدناه يرجع إلى تلك الحروب الصليبية التى أوجدت فى التفكير الغربى كله قاعدة أساسية لاتزال مركزة فى ذهنهم العتيقة البالية, ولا تزال تصدر عنها أعمالهم ومفاهيمهم للعالم الإسلامى رغم تطور الزمن وتغير الأحداث فالتكاليف التى أصابت الغرب فى تلك الحرب على طولها سواء أكانت تكاليف فى الرجال أو الأموال كان يجب – فى نظرهم إن تؤدى إلى الإنتصار الساحق – وهو زوال الإسلامى من الوجود – الذى كان يأمله الغرب, وإذا بها تؤدى إلى عكس المراد يأس قاتل ثم هزيمة نكراء وفضيحة شنعاء لم يعرفها تاريخ الحروب فكان لهذه الهزيمة مع ما كان يبثه ولا زال دعاة التعصب الصليبى ورجال الأكليروس فى الغرب المسيحى من المفاهيم مغلوظة عن الإسلام وثارا وحقدا أوجد قاعدة فكرية عن هذا الإسلام العظيم وصارت مصدرا لكل ما يحدث عنهم من أعمال وما يفوهون به من تصريحات وأقوال ضدنا معشر المسلمين.

وازادها تأكيدا ورسوخا غزو الدولة العثمانية لأوربا وسيطرتها على الموقف الدولى منذ القرن الخامس عشر حتى أواسط القرن الثامن عشر, وتبلورت هذه القاعدة فى المسألة الشرقية التى كانت تعنى فى أول الأمر, اتقاء الدول الأوروبية خطر الإمبراطورية الإسلامية ثم صارت تعنى منذ أوائل القرن التاسع عشر القضاء على الدولة الإسلامية نفسها وإماتة " الرجل المريض:" بزعمهم.

وهكذا سنة فى الله فى خلقه بين القوة والضعف فإذا كان الإسلام قويا جاءته الهدايا من شارلمان وإمبراطور الصين وتقدمت إليه الدول تطلب الود والرضى وتقدم الجميل وإذا كان الإسلام ضعيفا استنصر عليه البغاة واعتبرته الدول " الرجل المريض" وتنازعت على تقسيم أسلابه وحاولت أن تقتحتم عليه داره وتستولى على مقدرات حياته بل وتسلمها إلى عصابات اللصوص المجرمة على مرأى ومسمع من صاحب الدار.

فالحقد الصليبى إذا هو العامل الأول الذى دعا " تشرشل" أن يصرح بهذا التصريح المنكر القبيح وصدق الله إذ يقول " قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر".

والعامل الثانى هو الحيرة والسف والحرقة التى أصابت كبد جرجل فأكلته أكلا والتهمت بقية فؤاده المتقيح على هذه الإمبراطورية المتداعية التى بدأت الشمس تغيب عن ممتلكاتها وبدأ العالم يتفهم نوايا الانكليزية, وعقليات الإنكليز العتيقة البالية التى لا تزال تعقد أنها تعيش فى القرن الرابع عشر.

وها هو الفشل يصاحب السياسة البريطانية والنفوذ البريطانى يتقلص والإمبراطورية تنتفض من أطرافها وتتراجع بريطانيا إلى جزيرتها صاغرة – إن سلمت لها جزيرتها ويومئذ لا ينفعها جيش إسرائيل الذى ينجح بقوته " جرجل وستكون إسرائيل" إن قدر لها البقاء إلى ذلك الحين ولا أخالها باقية" أول من يلعن بريطانيا ويهيل على قبرها التراب.

أيا مستر " تشرشل" لا تفرح فإن يد الله لك بالمرصاد وستأخذك أخذ عزيز مقتدر أنت ودولتك المقهورة بإذن الله.

ايا مستر " تشرشل" تذكر أننا حين ملكنا معشر المسلمين, كان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم تاريخ ملككم الأسود الفاحم.

تذكر يا مستر" تشرشل" حينما استوليتم على القدس كيف قام قائدكم الأثيم بقتل الرجال والنساء , فقتلوا من المسلمين سبعين ألف رجل وامرأة .

ولما أعاد بطلنا العظيم صلاح الدين عليها الرحمة والرضوان فتحها سمح بالبقاء فى القدس للنصارى الذين كانوا يسكنون مع المسلمين قبل أن يدخلها الصليبيون ولم يدخل صلاح الدين المدينة إلا بعد أن تركها قواد الصليبيين. واصدر عفوا عن سبعة آلاف رجل منكم من الذين لم يستطيعوا دفع فديتهم وعفا عن كثير غيرهم وأباح يوما كاملا يخرج فيه الفقراء ويحملوا معهم ما يريدون أن يؤدوا فدية, كما سمح للقسس ورجال الدين أن يخرجوا ويحملوا معهم ما يريدون من المال والمتاع, وأجاب طلب كثيرات من نسائكم اللواتى مررن به باكيات يردن إطلاق أزواجهن من الأسر وأذكر حين مرض ملكك الأقدم ريكاردوس قلب الأسد واستنجد ببطلنا صلاح الدين كيف أسعفه بالدواء, ولم تمنعه العداوة من الإحسان والمعروف لأن الإحسان من طباعنا الأصلية, ولكن الخبث والسوء والغدر من صفاتكم وطباعكم الأصلية كذلك وكل يعمل على شاكلته وربنا المستعان على ما تصفون.

اعلم يا مستر " تشرشل" بأن [[الإسلام دين الله باق وسيحيا انف أعدائه راغم" هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".

وإذا كانت وثبة مصر أقضت مضجعك وانتفاضة المسلمين فى كل مكان, قد آلمتك وأحزنتك وانقضاء عهد الاستعمار قد أوجعك وأفزعك وأنت الاستعمارى الأثيم المغرم باستذلال الشعوب فانتظر سواد يومك وذهاب عزك, وزوال إمبراطوريتك ومجدك, وأما اسرائيل ربيبتك وحبيبتك فسوف لا يكون حالها بأسعد من حالك يوم الفزع الأكبر وما هو عنكم ببعيد يجعل الله بأسكم بينكم شديدا. ويذيقكم سيئات ما كسبت أيديكم الملطخة بدماء العالمين. فارتقب أنت وهى يوم الفصل وعذاب الهون على أيدى المسلمين بإذن الله ولا تغتر بقوتك وارثتكم أمريكا فقوة الله أكبر وأجل من قوتكما معها والأيام دول, والحرب سجال ونحن على يقين بأننا معكم فى حرب دائمة وما أشد غفلة أولئك الذين يظنون بكم خيرا, ويطمعون فى إنسانيتكم التى تتبجحون بها ولا عجبا لهؤلاء كيف يرجو إنسان فى الذئاب العاوية المفترسة خيرا.

كفوا عنهم أيها الموالون لهم واحذروهم وجاهدوهم يعذبهم الله بأيديكم ويشفى صدور قوم مؤمنين, واعملوا أن الله لهم بالمرصاد وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون. وما ربك بغافل عما تعملون. الإيمان بالنصر..

افتتاحية العدد الثالث عشر من السنة الثانية للمجلة الصادر يوم الجمعة 16 من ذى القعدة 1373 هـ الموافق 16 تموز – يوليه 1954

فى الحديث الشريف إن الإيمان بضع وسبعون شعبة, فهو متشعب , متعدد وقد يزيد فى التفصيل إلى أكثر من هذا العدد.

ومن أبواب الإيمان , الإيمان بالجهاد كركن من أركان هذا الدين القيم الذى أنزله الله رحمة للعالمين. ونورا للمهتدين ويصاحب الإيمان بالجهاد أو يسبقه الإيمان بالنصر.

فالإيمان بنصر الله للمجاهدين المخلصين والدعاة إلى الله الهادين المهتديين يدل على الإيمان بأى ركن من أركان هذا الدين سواء بسواء.

والنصر حق من حقوق المؤمنين كتبه الله على نفسه وعهد موثوق قطعه الله على نفسه كذلك " ومن أوفى بعهده من الله"" ومن أصدق من الله قيلا" إذ يقول تبارك وتعالى " وحقا علينا نصر المؤمنين".

فالإيمان بالنصر أول درجات انصر ولا تصل أمة أو جماعة إلى حقها حتى تؤمن بهذا الحق أولا إيمانا يمازح لحمها ودمها, ويخالط روحها ومشاعرها ويسيطر على كل حواسها وعواطفها حتى يصبح عندها بديهة من البديهيات فتقول هذا حقى وسأنتصر فيه ولو حاربتنى الدنيا , كما تقول الشمس مضيئة والسماء فوقنا ومن شك فى النصر, فليعلم بأنه فى حاجة إلى تجديد إيمانه وإلى مراجعة إسلامه فى نفسه من جديد, ويردد دوما قول الحق تبارك وتعالى:

" وإنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد".

فيا شباب الإسلام آمنوا بنصر الله لكم وفتشوا عن هذا الإيمان فى طيات قلوبكم الناصعة فمتى وجدتموه سطع فلق النصر فى جباهكم بل هاتوا درهما من إيمان وخذوا قنطارا من نصر وإحسان.

يا شباب الإسلام يقلون إن شمعة واحدة إذا أشعلت لا تستطيع ظلمات الليل الحالكة مجتمعة أن تطفئها, فماذا يجب أن يقولوا عن نور الله إذا أضاء الوجود؟ وقد سطع نور دعوتكم فلا تخشوا الناس ولا ترهبوهم ولو اجتمعوا عليكم مع سادتهم وكبرائهم الظالمين فالنصر لكم والويل والخذلان والثبور لأعدائكم وأعداء الله اقرءوا قول الله تبارك وتعالى وردده " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".

وإذا استبطأتم النصر ومر عليكم الضجر فلا تبئسوا ولا تحزنوا ما دمتم مؤمنين بنصر الله لكم, ولقد كان المؤمنون قبلكم أيام قلتهم وضعفهم وكثرة عدد عدوهم وقوته واستبداده وظلمه عليهم وعنجهيته ومضايقته لهم يمر الضجر والأم بنفوسهم ويأخذ الحزن منها مأخذه الأليم, وربما أخذ النبى صلى الله عليه وسلم الحزن وضاق صدره الشريف حين يكذبه قومه, والحق يسطع نوره والوحى يتنزل من السماء والآيات تتلى, وهم يعمون عن هذا كله حتى قال الله عزوجل للنبى صلى الله عليه وسلم "" فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك, أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز, أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شىء وكيل".

وجاء فى غير هذه الآية ما يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام كانوا يضجرون ويقلقون لشدة ما كانوا يلقون من أذى, وما يستبطئون من نصر حتى زلزلوا فى فترة من الزمن فقال تعالى:" وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله".

وقد يرى الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الضجر ذنب يتوب إلى الله منه ويستغفره ولهذا ورد الأمر الإلهى بالاستغفار مما كان من حزن وضجر فى أوقات الشدة ورد له ذلك فى صورة البشارة الكبرى بقرب النصر ومجىء الفتح وإقبال الناس على دين الله أفواجا أفواجا بعد أن كانوا يؤمنون به أفرادا متقاطعين فى هذه الحالة أنزل الله سورة النصر " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا ,فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"هذا ما ذكره محمد عبده فى تفسيره ثم قال رحمه الله:" فخاطب الله نبيه الكريم وقال له"

عندما ترى يا محمد نصر الله لدينه الحق على الباطل, ويفتح الله بينك وبين قومك فيجعل لك الغلبة عليهم ويضعف أمرهم فى التمسك بعقائدهم الباطلة ومبادئهم الزائفة الزائلة وظلماتهم المنقشعة بنور دينك ورأيت الناس عند ذلك " يدخلون فى دين الله " وهو دينك الذى جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذى كان يحول بينهم وبينه وهو غطاء قوة الباطل, فيقبلون على دينك " أفواجا" أى طوائف وجماعات لا آحادا كما كان ذلك فى بدء الأمر أيام الشدة والضنك, وإذا حصل ذلك كله وهو لا ريب حاصل ومحقق الوقوع " فسبح بحمد ربك" فنره ربك من أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله وعن أن يخلف وعده فى تأييده, وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذى لا يغلبه غالب والحكيم الذى إذا أكهل الكافرين والمنفقين ليمتحن قلوب المؤمنين فن يضيع أجر العاملين ولا يصلح الصالحين عمل المفسدين .. الخ انتى وهكذا يتولى الله عباده المتقين وجنده الصالحين ويجعلهم الغالبين" وإن وجدنا لهم الغالبون".

يا شباب الإسلام إن المسلمين ليوم بمنحة أيى محنة, وإنهم ليمرون بهذا الدور القاسى من الامتحان ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة وثقوا بالنصر الأكيد المؤزر كلما اشتدت المحن فإنها إذا اشتدت فقد آذنت بالانفراج والانبلاج فاستعدوا لمجابهتها صامدين بقلوب عمرها الإيمان وجملها الصبر والثبات فأنتم لها والنصر لكم ولدعوتكم المباركة الخالدة. ولقد آمنتم من قبل بأنكم:" إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".

فسيروا على بركة الله وآمنوا بنصر الله ولا تلتفتوا إلى المعوقين والانهزاميين فإنهم لم يذوقوا طعم الإيمان, ولم يعرفوا قدرة الملك الديان الذى بيده كل شىء وهو العزيز الذى لا يغلب والجبار الذى لا يقهر, والعظيم الذى بيده ملكوت السموات والأرض وهو العزيز الحكيم, والحمد لله رب العالمين. خطر الغرور....

إفتتاحية العدد السابع من السنة الأولى للمجلة والذى صدر فى يوم الجمعة 5 جمادى الآخرة سنة 1972 الموافق 20 شباط فبراير 1953

أيها الأخ المسلم يا من صفا قلبك وزكت نفسك وعف لسانك ولأن جانبك وطاب أصلك وفرعك, وأسلمت وجهك لله رب ك ورب كل شىء ومليكه, اعلم – هدانى الله وإياك – أن شر متاع المرء الغرور وشر الغرور ما يعمى ويصم وشر العمى عمى القلب, وأفحش الصمم, إنسداد مسالك النفس عن سماع الحق, وإذا أبت النفوس أن تسمع للحق, ولم تستجيب لما يحييها ضلت وغوت, وهوت إلى الدرك السحيق ووقعت فى النوم العميق والذلل اللصيق.

وكم قد طوح الغرور بنفوس ونفوس! فأراها الحق باطلا وزين لها الباطل حتى جعله فى عينها هو الحق بعينه, وألبس المنكر رداء المعروف والمعروف كساء المنكر حتى أصبحت ترى حسنا ماليس بالحسن.

1- وقديما باغت الشيطان بنفسه, ولم ينفذ أمر ربه ولم يسجد لما خلق الله بيديه وقال مفتخرا: بعد أن سأله الله:" قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" قال " أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين" قال :" فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين" – الأعراف

فأصابه الذل والصغار ولحقته اللعنة والعار إلى يوم الدين.

2- واغتر فرعون بملك مصر ونادى فى قومه قال :" يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون"- الزخرف 50 وادعى بعدها الربوبية " أنا ربكم الأعلى" فأخذه الله نكال الآخرة والأولى وأغرقه فى الدنيا وسيحرقه فى الآخرة إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى.

3- واغتر قارون بكنوزه التى تنوء بحمل مفاتيحها العصبة أولو القوة وقال إنما أوتيته – على علم عندى ونسى معطيه رزقه, ولما أتى أمر الله أخذه الله فخسف به وبداره الأرض, فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله, وما كان منتصرا." وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقلون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر, لولا أن من الله علينا لخسف بنا, ويكأنه لا يفلح الكافرون" – القصص – 80

وللمعانى الخطرة التى يوصل إليها الغرور والكبر, حرمت الجنة على من فى قلبه مثقال ذرة من كبر. روى مسلم والترمذى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال " لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال:ط إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس".

ولهذه المعانى الخطرة, نهى الإسلام غنها أتباعه أن يفخر أحد على أحد أو أن يبغى أحد على أحد.

روى مسلم وأبو داود عن عياض بن حمار رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ط" إن الله أوحى إلىّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد".

وحدثنا الصادق الأعظم صلوات الله وسلامه عليه أن الله عزوجل خسف برجل لأنهكطان يجر إزاره عجبا وتيها, وخيلا وكبرا.

روى البخارى واالنسائى عن ابن عمر رضى الله عنه أنرسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بينما رجل ممن كان قبلكم , يجر إزاره من الخيلاء, فخسف به فهو يتجلجل فى الأرض إلى يوم القيامة".

مع هذا كله فإننا نرى من الناس من لا يبصر الناس, وإذا فتح عينه لا يكاد يرى أحدا, غير نفسه, وكأن الموت ليس بناظره, أو ناضره.

وعجبت حقا لمن يسير الموت معه مسيرة ظله. كيف يغتر, وبم يغتر؟ وهو عما قريب سيصبح جيفة نتنة, يفر منها أقرب االمقربين إلى صاحبها!..

ولقد سخر القرآن العظيم أبلغ السخرية من أولئك المستكبرين المتعالين على الناس فنهاهم إلى صغر عقولهم فقال تعالى:" ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الأرض مرحا, إن الله لا حب كل مختال فخور" لقمان – 70 وقال تعالى فى سورة الإسراء" ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا".

من عادة المستكبر المغرور أن يدوس الأرض إذا مشى بقوة و كأنه يريد أن يهزيها ويفتتها, أو أن يخرقها بكعب قدمه, ويتبختر فى مشيته رافعا صدره وأنفه إلى فوق كأنه يريد ملامسة السحاب برأسه, أو أن يعلو عليه بأرنبة أنفه. فيتحدى الله تبارك وتعالى مثل هذا الصنف من الناس, مخاطبا لهم بأنه مهما اشتد مداسك فوق الأرض فلن يخرقها, ومهما علوت وشمخ انفك فلن تصل إلى الجبال طولا..

اعرف نفسك أيها الإنسان المغرور فأنت من أنت فى الطول والعرض متر بنصف المتر طولا وشبر عرضا. فلا تجاوز حدك, وتتعد قدرك ورحم الله ماءا عرف قدر نفسه ولم يتعد طوره.

واعلم بأن لكل أحد من الناس نصيبه, من عزة النفس وكرامتها لا فرق بين صغير وكبير , ولا بين غنى وفقير, وفمن احترم الناس احترموه ومن أهانهم احتقروه وأهانوه, وحذار من غضب العزيز الجبار فالكبر رداؤه عزوجل فلا يحل لك أن تنزعه وتلبس ما ليس لك وأنت الصغير الحقير, والضعيف الفقير. وأنت أيها الأخ مبشر لا منفر ومتودد لا متجبر ومتعجيب إلى الناس لا متبغض ولا مكشر.

موطأ الأكناف, نألف وتؤلف, بل أنت مدرسة الأخلاق السيارة ومثل الإسلام الصحيح القائم بين الناس بالحق والقسطاس المستقيم, فتودد اليهم وعاشرهم بالمعروف, واحترم صغيرهم وكبيرهم, يكرمك كبيرهم, ويكبر على مودتك صغيرهم, وتواضع لله يرفعك الله, وكن عظيم التحمل, صابرا والله يثبتك , وينصرك , ويشد أزرك. وخير ما أختتم به حديثى إليك كلمات روى أن صلحاء أحدى الأمم كانوا يجتمعون فيقرؤنها ويتدارسونها, ويفقهون به, عاملين بمقتضاها , ومتأدبين بآدابها.

قالوا: لا كنز أنفع من العلم, ولا مال أربح من الحلم, ولا حسب أوضع من الغضب, ولا قرين أزين من العلم , ولا رفيق أشين من الجهل, ولا شرف أعز من التقوى, ولا عمل أفضل من الفكر, ولا حسنة أعلى من الصبر, لا سيئة أخزى من الكبر, ولا دواء ألين من الرفق, ولا داء أوجع من الخرق, ولا رسول أعدل من الحق, ولا دليل أنصح من الصدق, ولا فقر أذل من الطمع, ولا غنى أشقى من الجمع, ولا حياة أطيب من الصحة, ولا معيشة أهنأ من العفة, ولا عبادة أحسن من الخشوع, ولا زهد خير من القنوع, ولا حارس أحفظ من الصمت, ولا غائب أقرب من الموت" جنبنى الله وإياك مواطن الزلل, ووفقنا جميعا لخير العمل والله حسبى وحسبك هو مولانا نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين.


مراتب الجهاد فى الإسلام

افتتاحية العدد التاسع عشر من السنة الأولى الصادر يوم الجمعة 26 من ذى القعدة 1372 الموافق 7 آب – أغسطس 1953

الجهاد فريضة محكمة فى الإسلام بل هو حيا قائما وإذا فترت حياة الجهاد فى الأمة اعتراها الوهن وأصابها الضعف وطمع فيها من لا يدفع عن نفسه وقد جعل الله منازل أهل الجهاد أعلى المنازل فى الفردوس من الجنة وفى الدنيا لهم المجد والفخار فهم الأعلون فى الحياتين وهم أصحاب السعادتين.

وقد كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فى الذروة العليا من الجهاد فهو إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين استولى على أنواع الجهاد ونال جميع مراتبه فجاهد فى الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان, وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويزهو لهذا فقد كان عليه السلام أرفع العالمين ذكرا وأعظمهم عند الله أجرا وقدرا وقد أمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه وهو لما يزل فى مكة المكرمة فقال تعالى:" ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا" وهذه سورة مكية أمر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن وهذا لون من ألوان الجهاد بل مرتبة أولى من مراتبه وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهاد بالأنفس والأموال والألسنة فقد ورد عن أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). رواه أبو دواد وأهم مراتب الجهاد فى الإسلام أربع. جهاد النفس, وجهاد الشيطان وجهاد الكفار, وجهاد المنفقين.

وأول هذه المراتب جهاد النفس وهو مقدم على جهاد العدو فى الخارج إذ كيف يمكنه الخروج لجهاد أعدائه والانتصاف منهم ونفسه التى بين جنبيه قاهرة له متسلطة عليه لم يجاهدها ولم يحاربها فى الله فيمنعها عما تهوى وتحب وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام المجاهد من جاهد نفسه فى ذات الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.

ومن جهاد النفس أن يجاهدها على تعلم ودين الحق الذى لا فلاح لها ولا سعادة فى معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها تعلمه شقيت فى الدارين ثم عليه أن يجاهد نفسه على العمل بما علم وإلا فمجرد العلم بلا عمل لا ينفعها شيئا بل ربما أضرها وأوقعها فى المهالك وإذا علم وعمل فعليه أن يجاهد نفسه على الدعوة إلى الخير الذى هداه الله إليه وتعليمه من لا يعلمه ويبشر به بكل طاقته وإن كتمه كان من الذين يكتمون ما ،زل الله من الهدى والبيانات ولم ينفعه علمه, فما قيمة نجاة المر بنفسه, ومن حوله إخوانه يصطلون بنار الجهل ويحترقون بسعير الخمول فعليه أن يوقظهم ويعلمهم لينجو وإياهم من عذاب الله: قال الله تبارك وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين)

ثم عليه بعد كل هذا أن يجاهد نفسه على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق وغطرستهم وكبريائهم وصدهم عن سبيل الله ويتحمل كل ذلك لله وفى سبيل الله, وهذا شأن كل مصلح سار وسلك طريق المجاهدين فى سبيل الله واقتفى آثار الأنبياء والرسل فصبر كما صبروا وثبت كما ثبتوا والعاقبة له وللمتقين وإذا استكمل المسلم هذه المراتب فى جهاد نفسه صار من الربانيين الذين عرفوا الحق وعملوا به وعلموه الناس فاستحقوا أن يكونوا من عظماء الناس فى هذا الوجود وأن يكونوا لهم أئمة صالحين قال تعالى:" وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".

والمرتبة الثانية مجاهدة الشيطان الذى يوسوس للنفس ويعدها ويمنيها وهو العدو الأكبر للإنسان قال تعالى:

" إن الشيطان لكم عدو فاخذوه عدوا" والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع فى محاربته ومجاهدته كأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد أنفاسه ومجاهدة الشيطان بمغالبته وتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه فإنه يعد الأمانى ويمنى الغرور, ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان والقرآن كلها فعلى الإنسان أن يأخذ حذره من هذا العدو المستور. ولا يغرنه بالله هذا الغرور فإنه طالما يلقى إلى العبد الشبهات والشكوك وطالما يغريه بالشهوات ويزين له المنكرات قال تعالى ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا).

والمرتبة الثالثة: جهاد المنافقين قال تعالى: يا ايها النبى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير.

وجهاد المنافقين إنما يكون بتبليغ الحجة عليهم وصدهم عن ذبذبتهم وزجرهم عن النفاق المحبط للأعمال , المسقط للإنسانية إلى أسفل الدركات إذ يصبح الإنسان بالنفاق كذابا جبانا خوانا أثيما والمنافقون فى الدرك الأسفل من النار.

وجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار فالمنافق يتسربل بجلباب الإسلام وقبله قلب كافر ران عليه ما كان يكسب حامل هذا القلب المغلف بالسواد أما الكافر فعدو سافر لا يخشى خطره ولا يخاف ضرره وقد أخذ الحذر منه بقدر ما يخشى خطر ذلك الأفاك الأثيم والعدو اللثيم فهذه أعداء ثلاثة أمر العبد بمحاربتها وجهادها , وعى النفس والشيطان والمنافقون أ‘داء فتاكة فليعلم المسلم خطرها وليتق شرها وليجاهد فى الله حق جهاده قال تعالى " وجاهدوا فى اللع حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" قال ابن القيم رحمه الله: فلا ينسى ويشكر فلا يكفر, حق جهاده أن يجاهد المسلم نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله فيكون كله لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصيه أمره وارتكاب نهيه فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان وعدة يجاهد بها أعداء الله فى المارد بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هى العليا واختلفت عبارات السلف فى حق الجهاد فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه وأن لا يخاف فى الله لومة لائم. وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته.

وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى

بعد كل هذه التصفية والتزكية للنفس والروح يكون جهاد الكفار وجهادهم بالقلب واللسان والمال والنفس واليد وبكل وسيلة من وسائل النصر الحديثة أو القديمة الروحية والمادية

وجهاد الكفار إنما هو لحماية بيضة الإسلام والدفاع عن مواطن المسلمين وأرواحهم وأموالهم نحارب الكفار ما حاربونا فإن جنحوا للسلم جنحنا لها توكلنا على الله إذ ديننا دين الأمن والسلام.

هذه بعض مراتب الجهاد أيها المسلمون وقد تمسك بها سلفنا الصالح فصاروا خير أمة أخرجت للناس بل أصبحوا أساتذة الدنيا ومعلميها الراشدين المرشدين فهل لكم أن تعودوا إليها وتتمسكوا بها عن صدق وإيمان لتصبحوا كما كنتم خير أمة أخرجت للناس وتعودوا لتقودوا سفينة الدنيا من جديد فتوصلوها إلى حيث النور والأمن والرخاء والسلام نرجو أن يكون ذلك والله من وراء القصد.


اليوم المشؤوم تذكروا... واعتبروا

افتتاحية العدد الثالث عشر السنة الأولى الذى صدر يوم الجمعة فى 2 رمضان 1373 الموافق 15 مايو1953.

قبل خمس سنوات وفى مثل هذا اليوم انطلقت الجيوش العربية مندفعى نحو فلسطين كآساد الشرى وقد صممت أنتدك الصهيونيين وتلقيهم فى البحر وتضع حدا لأحلام الصهاينة فى الوطن القومى ولتفسد على ثعالبه السياسى وفجرة الاستعمار خطة التهويد المسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد استبشر المسلمون وظنوا بهذه الجيوش خيرا وتوقعوا أن يكون يوم خمسة عشر من أيام يوم سعد ونصر وتحطيم للأغلال وبداية النهاية للإستعمار البغيض لا فى فلسطين وحدها ولكن فى العالم الإسلامى أجمع.

وكانت تصريحات الزعماء والملوك تجلجل فى الآفاق, فهذا يصرح فيقول ( والله لن أدع ركائبى هذه حتى تجوس فى نجيع اليهود) وذاك يعلن على رؤوس الأشهاد ( سنضحى بكل شىء فى سبيل عروبة فلسطين) وثالث يقول:( إن مقررات بلودان ستهز العالم هزا) وكان الواقع المرير أن جاس اليهود فى نجيع العرب وشردوهم كل مشرد ومزقوهم كل ممزق.

ولم ير المسلمون تضحية بنفس أو ولد أو مال تقدم قربانا على مذبح الحرية فى فلسطين. وما اهتز العالم مقررات بلودان وإنما اهتز المسلمون اهتزازة المنكوب والمفجوع فى مقدساته وشرفه وأوطانه, ولا غرابة فى هذا وما كان يقع غير هذا على يد الذين اصطنعهم الاستعمار لنفسه وصنعهم على عينه وما كان إرسال الجيوش لفلسطين إلا لتمزق فلسطين يعد أن تسلم فلسطين لليهود وهى خطة ماكرة وضعتها الخارجية البريطانية.

وقد قام الزعماء العرب بوظيفة المموه وملبس الباطل ثوب الحق فبرزوا كالأبطال فى معركة التحرير الموهومة.

وقد صدق الشاعر إذ يخاطب كلا منهم:

والأمر أمر اللندنى وإنما أنت التبيع وفى يديه المقود والمستشار هو الذى شرب الطلا فعلام يا هذا الوزير تعربد؟

ومن غفلة الشعوب ولبلاهتها أن نراها تسبح بحمد ( آباء رغال) وقد كان الأولى بها – لو تعقل – أن تحاسبهم حسابا عسيرا وترجمهم كما رجم أبو رغال جزءا ما اقترفوه فى معركة الإسلام بفلسطين ولقاء تسويدهم وجه التاريخ العربى إلى يوم القيامة. ولئن غفلت هذه الشعوب عن محاكمتهم, إن الشباب الإسلامى سيأخذ بجريرتهم الجزاء الأوفى إن شاء الله. (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة, ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستزئون).

لقد اكتسحت الجيوش العربية شرذام اليهود أول الأمر وأنزل بهم الجيش العراقى الباسل ضربة قاصمة فى جنين ودك الإخوان المسلمون كثيرا من معاقلهم وحصونهم ولما رأت أمريكا وانكلترا و روسيا أن ربيبتهم إسرائيل تكاد تزهق وأن تل أبيب أصبح احتلالها ودكها قاب قوسين أو أدنى, فوضعوا الهدنة الأولى والثانية ولم يملك زعماؤنا وهم ربائبهم أن يعصوا أمرهم, واليهود كانوا أثناء ذلك يستحثون الخطى فى التزود من السلاح والرجال حتى أخذوا المبادءة من الجيوش العربية التى كانت تنقصها القيادة الموحدة الرشيدة والسلاح الفتاك والتدريب الكامل, فمال اليهود عليها واحدا بعد الاخر وطعنوها طعنات نجلاء فحدثت مذبحة سمخ فى الجيش السورى. ودخل الجيش اليهودى أراضى لبنان وتمزق الجيش المصرى فى النقب ودخل اليهود سيناء بعد أن سلم كلوب باشا اللد والرملة.

ثم تتابعت الفواجع وكانت الخيانة العظمى بتسليم المثلث العربى لقمة سائغة لليهود ثم كانت مأساة مليون مشرد وقعوا فريسة الخوف والجوع والعرى والمرض فى حمارة القيظ وزمهرير الشتاء. ثم كان ضم ما تبقى من الجسد الممزق إلى الأردن ومحى اسم واسألوا الجنرال كلايتون مدير الاستخبارات البريطانية السابق فى الشرق الأوسط إن كنتم لا تعلمون.

أيها المسلمون:...

إن ضياع فلسطين على هذا النحو البشع عقوبة فرضها العدل الإلهي وإن من سنة الله أن يولى بعض الظالمين بعضا لما كانوا يكسبون ولولا كفراننا وجحودنا وقعودنا عن إعداد العدة وتسليم زمامنا إى شرارنا ومحاربتنا خيارنا لما نزل بنا ما نزل وصدق الله العظيم( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون).

أيها المسلمون:-.........

إن هذا لا يعنى أن فلسطين قد ضاعت إلى الأبد كلا. إن الحرب لما تنته بعد وإن ما حدث لم يكن إلا بداية لحرب طويلة الأمد وسيكون النصر فى ختامها لمن اتعظ وأسلم وجهه لله واعتصم بحبله وواجه الواقع الأليم وعرفه على حقيقته وشخص أدواءه حتى نعالجها جميعا علاج مقدام قد وطن نفسه على خوض غمرات هول عظيم.

وأولى هذه الأدواء قيام دولة إسرائيل فى أدق أجزاء الوطن العربى وأعظمها خطورة, وإسرائيل الحاضرة لا تعدو فى نظر اليهود أن تكون نقطة ارتكاز تثب منها على الأردن وسوريا والحجاز والعراق ومصر.

وثانى هذه الأدواء أن الشعب الفلسطينى شعب محطم مكدود قد أكلته هذه الحرب وأخرج من دياره ظلما وعدوانا وقد أنشب الجوع والمرض والموت أظفاره فيه فامتلأت الأرض بأشلائه وما تبقى منه يعيش على فتات أوربا وأمريكا وهى التى أرادت به هذا المصير المخزى ومن غباء الحكومات العربية أن تساهم فى مساعدة اللاجئين عن طريق هيئة الأمم المتحدة وكان الأولى بها أن تقف عكس وهذا أراده اليهود ومن يظاهرهم. أما الوطن المباح والكرامة المهدورة والشرف السليب فأصبح فى الهامش.

والداء الثالث: هو التأخر الذى تعانيه الشعوب الإسلامية والعربية فى سياستها واقتصادياتها وأمورها العلمية والعسكرية والاجتماعية وتركها لدينها وراءها ظهريا. ففى السياسة تخبط وتفرق وإسلام قيادة للإنجلو أمريكان وتطاحن بين ولاة الأمور فى العالم العربى.

أما اقتصادياتنا فمشلولة يسيرها اليهود حسب مصالحهم هم والشركات الأجنبية المتغلغلة فى كل مرفق حيوى فوق إن الكثير من خيراتنا بكر غير مستغل فلزعمنا الفقر وسلك علينا الجوع. وأما أمورنا العملية: فلازلنا فى مؤخرة الركب العالمى ولا زال السواد الأعظم من شعوبنا تفتك به الجهالة اما العسكرية فضعف فى المعنويات شنيع ونقصان فى المعدة فظيع وليست شؤوننا الاجتماعية بأحسن من شؤوننا السابقة.

وقل مثل ذلك عن شؤوننا الصحية. أما ديننا فقد فرطنا فى جنبه وتركناه وراءنا ظهريا وفيه – شهد الله – كل أسباب القوة والنجاح ولو لم يكن كذلك لما عملت أوروبا وأمريكا وروسيا جاهدة على أن تحول بيننا وبينه هذه نظرة عاجلة فى أدوائنا وما لم يحدث هذا الانحطاط والتأخر فلن تستر فلسطين , بل ستلحق بفلسطين أخواتها.

فإلى العمل أيها الشباب ويا أيها المسئولون إلى العمل على تربية الأمة على معانى الإسلام الحية فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وأعدوها للأيام العصبية المقبلة وأعيدوا لجيش ثقته بنفسه وزودوه بكل أسباب القوة المعنوية والمادية وأكثروا من المصانع المنتجة للسلاح وحاربوا المنكر فى صفوفه واعملوا جاهدين على النهوض باقتصادياتنا واجتماعياتنا وأشيعوا العلم والعرفان وانضموا تحت لواء الجماعة.

أيها المسئولون فى مشارق العالم الإسلامى ومغاربه احذروا أن تكونوا كالنعامة تدفن رأسها فى التراب وتحتسب بهذا أن الصياد لن يراها واحذروا يوما تقف فيه الشعوب منكم قائلة ( ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا).

وأنتم يا شباب الإسلام أنتم مناط ومعقد الرجاء فلا تبددوا الأمل ولا تخيبوا الرجاء ولئن كان الشباب اليهودى قد اتخذه شعاره من قبل ( شلت يمينى إن نسيتك يا أورشليم) فليكن شعاركم( شلت يمنى إن نسيتك يا مسرى رسول الله).

وإلى اللقاء أيها الشباب المسلم فى بطاح القدس وروابى فلسطين حيث تعج المدافع وتدوى القنابل ويئز الرصاص وتتدفق الدماء لتطهير أولى القبلتين وثالث الحرمين من أرجاس اليهود وننعم بإحدى الحسنين وذلك وعد الله ولن يخلف الله وعده.

والله أكبر ولله الحمد


الإخوان المسلمون والتحشدات الإسرائيلية

فى كل عدد من المجلة كانت لنا صفحة سياسية نبدى الرأى فيها حسب الظروف القائمة آنذاك أى قبل أكثر من ثلاثين سنة. ولكثرتها لم أرد أن أضعها جميعا فى كتابى هذا فأخترت منها ما يسر الله اختياره واكتفيت به عن الباقيات من الصفحات.

على اثر التحشدات العسكرية التى قامت بها اسرائيل فى القدس وفى هذه الثناء كانت اللجنة السياسية لجامعى الدول العربية ومجلس الجامعة ومؤتمر وزراء الدفاع ورؤساء أركان الجيوش العربية والتصريحات التى أدلى بها المسئولون عن هذه المؤتمرات وجدت جماعة الإخوان المسلمين فى مصر أن التاريخ يعيد نفسه وأن المهازل التى مثلتها الدول العربية فى أوائل الحرب الفلسطينية تعود هذه الدول لتمثل تلك المسرحيات الهزيلة الضعيفة التى أشغلت الرأى العام وأوهمته أن هذه الدول مهمته كل الإهتمام بتطورات القضية الفلسطينية. لقد وجدت جماعة الإخوان المسلمين أن قضية الإسلام الكبرى لا يمكن أن يحلها هذه الدويلات الضعيفة التى لا تملك من أمرها شيئا لأن فاقد الشىء لا يعطيه ثم رأت أن الله سبحانه وتعالى ناظر إليها فنظرت إلى الأمر فوجدته جدا ليس هزلا وأيقنت أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب عليها الجهاد المقدس فى سبيل إعلاء كلمته ونصر لدينه وشريعته.

ولم يكن قرار الإخوان إلا تقريرا للواقع الأليم الذى أخذ يعلن عن نفسه ويستصرخ النجدة والعمل العمل. إن الأصل فى الجهاد فرض كفاية فى حالات السلم ولكنه ينقلب إلى فرض عين إذا تحقق ظرف من الظروف الأول نزول الأعداء فى ثغر من الثغور الإسلامية وثانيهما اشتباك المسلمين مع الكفار وثالثهما استنفار الأمير ولا شك أن هذه الظروف الثلاثة قد تحققت مجتمعة وهذا ما يستدعى أن ننفر خفافا وثقالا لنجاهد فى سبيل الله بأموالنا وأنفسنا. وإذا كان الإنسان لا يدافع عن عقيدته ودينه ومقدساته فعلى أى شىء غير هذا يدافع وخاصة بعد أن علمنا أن خطر اسرائيل لا تقتصر على فلسطين وحدها ما دام قد كتب على واجهة البرلمان الإسرائيلى حدود اسرائيل من الفرات إلى النيل, وهكذا يعود الإخوان المسلمين ليبرهنوا للعالم أجمع كما برهنوا سابقا أنهم دعاة حق وسلام وإن الحق والعدل لا يمكن أن يؤخذ ولا يعيش مالم تكن هناك قوة. لا نريد أن نكيل المدح والمديح لهذه الجماعة المؤمنة التى اقل ما يقال فيها إنها الجماعة لاتى تعمل لنصرة الإسلام وإعزاز المسلمين ولا شك أنها كتيبة بدر الكبرى بإذن الله التى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم" اللهم إن تهلك هذه العصبة فلن تعبد فى الأرض" أجل لقد ذكرت كتائب الإخوان التى دخلت فلسطين ذكرت العالم الإسلامى بالسلف الصالح الذين كانوا يتسابقون إلى ريح الجنة وكان أحدهم يقول إنى لأشم رائحة الجنة من دون أحد وكذلك قال الإخوان ما قاله الصحابى الجليل..

إن الإخوان إذا قالوا يجب أن يسمع لكلامهم فإن كلامهم صادر عن قلب مؤمن وعقيدة راسخة وإيمان لا يتزعزع. فإذا نادوا بالجهاد المقدس فمعنى ذلك أنهم ستخوضون معركة الحرية المسلوبة والكرامة المهانة والعز السليب والشرف المثلوم والدين المضيع. أجل إن كتائب الإخوان هى التى ستحرر أول القبليتين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم من أدران الصهيونية المجرمة وما على الحكومات العربية إلا أن تفسح المجال للإخوان الذين باعوا أنفسهم رخيصة هينة فى سبيل جنة عرضها السموات والأرض رحمة من الله بهم وإذا كانت الدول العربية جادة فى هذا المر فلتستجب إلى داعى الله على لسان الإخوان عندما نادوا حى على الجهاد.

أما إذا عادت الحكومات العربية فوقفت من نداء الإخوان موقفا لا يرتضيه الله ورسوله فلتعلم أنها تسعى إلى حتفها على يد الصهيونية العلمية الضالعة فى ركاب الدول الاستعمارية, يومئذ لا تجدى حسرة ولا ندامى ويومئذ سيحل غضب الله ( وقد حل) على هذا الحكومات الهزيلة.

فلا تعتمد على عدالة الأمم المتحدة المزعومة ومجلس أمنها ولا تعتمد على كثرة القرارات والمؤتمرات الدولية فإن فى ذلك مضيعة للوقت وما الوقت إلا الحياة والسلام على من اتبع الهدى وخشى الرحمن بالغيب.


الأسس الخلفية للحياة الاجتماعية

نشرت فى العدد الثانى من السنة الأولى للمجلة الصادر فى 25 ربيع الأول سنة 1372 – 12 كانون الأول 1952 اتفقت كلمة علماء الفلسفة والاجتماع بل سائر العلماء فى مختلف الشئون على أن الأخلاق أساس المجتمعات ومصدر الحضارات وبها يقاس رقى الأمة وانحطاطها كما يتعلق بها بقاؤها وزوالها.

فالأمة التى تعلو أخلاقها تسير فى مدراج الرقى, وتعض على قارحة من الكمال, وتسمو فيها الحياة الفردية فتزدهر الحياة الاجتماعية.. ويعيش الناس فى رغد من العيش وبحبوحة من الطمأنينة والرخاء, أما إذا ساءت أخلاقها وانحطت فقد سارت إلى الهاوية بخطى سريعة وفقدت مكانتها واحترامها ومقتها الناس وآذنت نفسها بالزوال.

وازدهار الحياة الاجتماعية فى الأمة يتلو ازدهار الأخلاق فيها ولكل أمة أخلاق تتميز بها ولهذا الخلاق أسس تقوم عليها, وأركان تشيد فوقها وتعتمد عليها والحياة الاجتماعية الإسلامية اعتمدت على أخلاق ثابتة الأركان قوية البنيان لها طابع خاص وميزات لا تكون فى غيرها ولا يدانيها فى هذه الخصائص والمميزات أمة من الأمم الأخرى التى تدعى أن لها أخلاقا قويمة تدعم حياتها الاجتماعية والسر فى هذا أن الأخلاق الإسلامية شادها القرآن ووضع لها الأسس والأركان وغيرها من الخلاق وضعها الإنسان وشتان بين تأسيس القرآن لها ووضع الإنسان. ( أفمن أسس بنيانه على هدى من الله كمن أسس بنيانه فى الظلمات ليس بخارج منها لا يستوون) هذه بعض الأسس الأخلاقية للحياة الاجتماعية الإسلامية لعل فيها عبرة وذكرى.

1-الحب

لا يشك أحد فى أن أسعد المجتمعات وأفضلها عيشا وأهنأها بالا المجتمع الذى يسود أبناءه الحب والتعاون والانسجام بين كل فرد وفرد ومتى اطمأن الإنسان من أبناء مجتمعه وأحس منهم الود والصفاء والحب والإخاء قابلهم بالمثل وامتلأت نفسه بحبهم واحترامهم فأمن بعضهم البعض وأدى الذى أؤتمن أمانته, وأحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه) فعاشوا سعداء متنعمين بهذا الإخاء.

وهذا الحب وهو أجل ركن من أركان السعادة للمجتمعات وهو الأساس الأول في بناء المجتمع الإسلامي فلا يكمل إيمانه المسلم بل ربما ينزع عنه إيمانه إن لم يحب لأخيه لنفسه قال صلى الله عليه وسلم" لا يؤمن أحكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه".

وفى هذا الحديث من المعانى العالية ما يدق عن الوصف ويعجز عن الحصر فنفسك ميزان أن ما تحبه له فأحبه لأخيك, وانظر ما تكرهه لها فلا تتمناه له لأنه جزء منك وأنت الجزء الآخر وقد آخى وساوى بينكما الإسلام وأمركما بهذا الحب الذى سيسمو فيه مجتمعكم وتعيشون أنتم فيه هادئين وادعين آلفين مألوفين, ولا خير في هذه الدنيا بل ولا سعادة لمن لا يألف ولا يؤلف وفى الحديث الشريف " المؤمن مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" وسما الإسلام فوق هذا فجمع قلوب المؤمنين وألف بينهما وإن تباعدت منازل أصحابها وتفرقت أجسامهم فهم جسد واحد وإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى قال النبى صلى الله عليه وسلم" المؤمنون وددة متحابون وإن تباعدت منازلهم وأجسامهم والمنافقون غششته متخاصمون وإن تقاربت أجسامهم ومنازلهم" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وقد تمسك المسلمون بمعانى الحب فيما بينهم فعاشوا كأهنأ ما يعيش إنسان في مجتمع كريم. وتعاونوا في السراء والضراء فبعد عنهم الشقاء وكانوا خير أمة أخرجت للناس لأنهم أحبوا لله وأبغضوا لله وأحبوا الصالحين منهم على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها إنما هو الإسلام الذى آخى بينهم فأصبحوا إخوان الصدق وجنود الحق ونالوا المنزلة السامية فأصبح مجتمعهم من أسعد المجتمعات.

وفى الآخرة سيغبطهم بمكانهم كثير من الأبرار وصدق فيهم قول النبى والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله , قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم: قال قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجهوهم لنور, وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس".

2- المساواة

والمجتمع الإسلامي سعيد لأن الإسلام قد ساوى بين المسلمين فجعل المساواة من الأسس الخلقية لهذا المجتمع فالمسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه .

وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه والمسلمون تتكافأ دماؤهم,وهم متساوون في الحقوق والواجبات, وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم للأحمر والأسود والأبيض وجميعهم أمام الشرع سواء لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى والقيام بحق الإسلام وقال لنا صلى الله عليه وسلم " كلكم لآدم وآدم من تراب. ولا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى".

وهذا المعنى النبيل " المساواة" إذا ساد مجتمعنا من المجتمعات سادته الطمأنينة وعلته المهابة والاحترام والوقار, إذ ترفع تلك الفروق بين الفقير والغنى والكبير والصغير, والأمير والمأمور, والحقير والخطير, فلا يشمخ الرأس بعلوه على الرجل لأنه رأس يحمل أشرف الأعضاء وأسماها وهى رجل منحطة فلولا الرجل ما مشى هذا الرأس على وجه الأرض فلكل واحد منهما عمل, ولكل واحد منهما مكانه واحترامه.

هذه المعانى كفيلة بنشر السعادة والرخاء في المجتمع الذى نعيش فيه ويتمسك بها أبناؤه وقد أمر بها الإسلام أتباعه فسوى بين الملك والسوقة لأنهما من ذكر وأنثى وكلاهما من تراب وأكرمهما عند الله أتقاهما لله. قال تعالى :(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

فما بعد هذه الآية فضل لأحد على أحد إلا بما فضله الله فيه من التقوى وحسن الخلق وشبه الرسول صلى الله عليه وسلم بأسنان المشط في المساواة وعدم التمييز بين الواحد والآخر. ولا تجد هذا المعنى عند أحد من الناس والإسلام هو الذى أزال الفروق وقضى على نظام الأشراف والعبيد فكان المجتمع الإسلامي من أسعد المجتمعات.

3- الصدق والإخلاص

ومن هذه الأسس الصدق والإخلاص فالمجتمع الإسلامي يتميز أهله في هاتين الصفتين فهم صادقون إذا تحدثوا ومخلصون, وإذا عزموا على أمر من الأمور أخلصوا النية فيه وصدقوا في العمل, وإذا وعدوا أنجزوا, وإذا اؤتمنوا أدوا الأمانات إلى أهلها.

وإذا خاصموا لم يفجروا وقد استمدوا هذه الصفات من وحى دينهم الخالد فقد أمرهم بالإخلاص في السر والعلن, والظاهر والباطن, وعلق الجزاء على الأعمال بالإخلاص لعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتو الزكاة وذلك دين القيمة).

وقال النبى صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى. الحديث.

كما أوصاهم الإسلام بالصدق في القول والعمل , فصدقوا, واستجابوا لربهم الذى خاطبهم وقال لهم " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين". فنالوا الخير الذى وعدهم الله به وعاشوا به سعداء كرماء . قال تعالى ( فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم".

وهداهم الصدق إلى البر بأصنافه فتنعموا فيها في الدنيا وورثوا بها الجنة في الآخرة وكانوا مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

في الحديث الشريف أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر, وإن البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.

وإياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور. وإن الفجور يهدى إلى النار وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".

هذه بعض الأسس التى شيدت عليها الحياة الاجتماعية الاسلامية وهى:الحب والمساواة, الصدق الاخلاص.

وهناك غير هذه الصفات الخلقية: كالعفاف , الأمانة , والتضحية, والوفاء , والكرم, والشجاعة, والشهامة, والشمم, والغيرة, والتعاون والاتحاد, ومعرفة الرجل نفسه, واحترام المرأة وإعطاؤها الحقوق الشرعية والعدل والاستقامة والصبر والإحسان والإصلاح بين الناس وقضاء حوائج المسلمين, والإنفاق, وبر الوالدين, وحق الجوار والإقتصاد والقناعة والزهد بما في أيدى الناس, والعفو والحلم , والرفق, والأناة والتواضع وخفض الجناح للمؤمنين, والوقار والسكينة إلى ما هناك من السجايا الخلقية الإسلامية التى تعتبر من صميم الدين وهى بعض ما تخلق به إمام العالمين وسيد المتخلقين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يشك عاقل في أن المجتمع الذى تكون هذه بعض سجاياه أرقى المجتمعات وأنبلها وأفضلها, وإنه يعيش في رغد من العيش. وبحبوحة من الطمأنينة وراحة البال.

لا تكدر صفوة الخيانة لأنه مجتمع مخلص, ولا تعكره أكاذيب المفترين لأن الصدق طابعه ولا يزعجه كبر المتكبرين وشموخ المتجهمين فالمساواة ديدنه.

ولا تشفيه الشحناء والبغضاء لأن الحب أساسه الذى شاد بنيانه عليه وعسى أن يعود المسلمون إلى أخلاقهم القرآنية ليكونوا – كما كانوا – خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله وعسى أن يكون ذلك قريبا والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.


المنظمات الدولية بين طريقين

25/3/1953

يعتقد كثير من الناس أن مشاكل العالم تحكمها قوانين دولية مستمدة من القانون الطبيعى ومن مبادىء العدالة والإنسانية وإن الهيئات الدولية ما تأسسن إلا لتكون منبرا للبشرية جمعاء تعلن من فوقه مطالبها ومشاكلها ومظالمها. فتأخذ العدالة مجراها.

وإن هذه الهيئات لا تعدو أن تكون الفيصل والميزان المستقيم بين الحق والباطل بين الخير والشر, وإن هذه الهيئات هى التى تعيد الحق إلى نصابه وتدمع الباطل دمغة لا قيام له بعدها.

أضف إلى هذا وذاك أنها تسعى دائما إلى أن يسود العالم السلام والاستقرار في ظل قوانين مثالية إنسانية سامية وهكذا شغل الناس بهذه الهيئات والمنظمات الدولية وأخذوا يتبعون خطواتها وأعمالها خطوة خطوة والأمل يحدوهم إلى أن هذه الهيئات ستقيم الحق والعدل وستزهق الباطل, وإن الضعيف عندها قوى لأنها ستأخذ له الحق. وإن القوى فيها ضعيف لأنها ستأخذ منه وقد ظل هذا الوهم الخاطىء يراود أحلام الناس حتى برهنت الأيام وأثبتت الوقائع خطأ هذا الإعتقاد, وإن العالم لا يزال يحكمه قانون الغاب وإن هذه المنظمات لا تعدو أن تكون ألعوبة بيد الدول الكبرى تسيرها حسب ما تقتضى مصالحها الخاصة, ولا تعدو مصالحها استعباد الشعوب الضعيفة واستذلالها وانتهاب خيراتها.

وقد قامت ألف حجة وحجة وألف برهان وبرهان على حقيقة هذه المنظمات الدولية المزيفة , وارتفعت أصوات العازفين من كل حدب وصوب أن لا بقاء للشعوب الإسلامية في هذه المنظمات لأنها لا تزال ضعيفة ومن كان ضعيفا في عرف المنظمات الدولية كان أرنبا أمام الأسد, وقد كنا ننتظر من المسئولين في الشعوب الإسلامية أن ينفضوا أيديهم من هذه المنظمات ويعودوا إلى الإسلام الحنيف الذى أقام أعظم إمبراطورية عرف5ها التاريخ والذى أخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

أجل إن مشاكل البشرية التائهة والإنسانية المعذبة متى عرضت على تعاليم محمد صلى الله عليه وسلم أخذ كل ذى حق حقه وساد الاستقرار والسلام الانسانى وأخذت البشرية تخطو نحو النور, ونحو الأخوة الإنسانية العاملية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ولكن أنى هؤلاء المسئولين في البلاد الإسلامية الذين ترعرعوا في أحضان الثقافة الغربية المادية وأشرفوا فيها حتى أفقدتهم العقيدة الإسلامية وتنكروا للإسلام الذى أسعدت البشرية به ردحا من الزمن عندما اتخذت الدولة منه دستورا تسير بوحيه ولا تعدو عنه شعرة أقول أنى لهؤلاء الذين عميت بصيرتهم ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور) أجل أنى لهؤلاء أن يفهموا هذا بعد باعوا أنفسهم للصليبيين الذين لا يزالون يكيدون للإسلام والمسلمين, ومع هذا يصر هؤلاء على السير في ركابهم والوقوف إلى جانبهم والهتاف لمواكبهم الظالمة وهى تغذ السير في طريق استعبادنا واستذلالنا.

أنها والله لكلمة صريحة ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) وأن لا حرية ولا استقلال ولا عزة ولا كرامة بالإسلام, فإن كنا جادين للعمل لأمتنا فنسلك طريق الإسلام الذى سيذلل لنا المصاعب والمشاكل ويعطينا حقنا كاملا غير منقوص, ونحن ما لم نسلك سبيل الله سوف نذوب في باقى الأمم وسيحدث التاريخ أن هنالك أمى كان يطلق عليها الأمة العربية, فاتقوا الله أيها المسئولون في دينكم وأمتكم ووطنكم ارجعوا إلى الإسلام وأعدوا أنفسكم والناس ليوم الفصل.

وما هذا الأعداد إلا الإعداد الروحى والخلقى.

رجعة إلى تعاليم الإسلام الحنيف السمحة. أجل إن أزمة العالم المستحكمة لا تعدو أن تكون أزمة روحية خلقية ولا حل لهذه الأزمة إلا الإسلام فارجعوا إلى الله واعلموا ان هنالك رجعة إلى الله سيحاسبنا عن كل ما اقترفناه في الدنيا فانبذوا الآلهة التى ظللتم عليها عاكفين والله يقول في الحديث القدسى ( عبدى الأرض أرضى والمساء سمائى فإن اخترت لك إلها غيرى فاختر لك أرضا غير أرضى وسماء غير سمائى) فارجعوا إلى الله وعند ذلك سيأتيكم نصر الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

والله أكبر ولله الحمد


أصحاب الإسلام

افتتاحية السادس من السنة الثانية الصادر يوم الجمعة 13 رجب 1373 الموافق 19 آذار – مارس 1954 من المعلوم بالبداهة أن يكون المسلمون أصحابا أوفياء لرسالة الإسلام يحوطونها بالرعاية والعناية ويحمونها بما يحمون به أنفسهم وأموالهم شأن المالك لأى نوع من أنواع الملك, فإنه ملزم بحمايته والذود عنه.

فإذا تلصص أحد السراق وامتدت يده الأثيمة إلى شىء مما تملك وجدت نفسك مدفوعة للدفاع عنه وصد الاعتداء عنه وعن كرامتك التى أهينيت بهذا الاعتداء ومن المعلوم بالبداهة أيضا أن كل شىء قل أو كثر يصان ويحمى إن وجد له صاحب ومالك حريصا عليه وإن الشىء الذى لا مالك له عرضه للتلف والهلاك, ونهب مقسم بين المتصدين الماكرين الذين يحسنون تحين الفرص واقتناص الغفلات. فالغنم التى لا راعى لها يطمع فيها الذئاب والكلاب وتتعرض للتيه والجوع والعطش أا إذا وجد الراعى بينها فقد أمنت واطمأنت وقيدت إلى حيث العشب والماء والكلأ.

وأوقاف المسلمين ضعت واضمحلت حين قام عليها موظفون مستأجرون لم يشعروا بشعور الواقفين المالكين ولم يقموا عليها قيام أصحاب الأملاك بالإدارة والحماية والرعاية لممتلكاتهم وهكذا الأمر في كل شأن من شؤون الحياة.

والمسلمون الأولون أعزوا الإسلام وبذلوا المهج والأرواح في سبيله, حينما أيقنوا أنهم هم أصحابه وحماته, وهم جنده ورعاته يحوطونه بالرعاية والحماية ويحمون بما يحمون به أنفسهم وأموالهم وذرا ريهم , والقوا أنفسهم للذب عن حياضه وسفك دم من تحدثه نفسه الشريرة بالنيل من كرامة الإسلام أو إصابته بطعنة غادرة خاسرة, وكان منهم محتسب يتقرب لله مترصد لأعداء اله يتقرب إلى الله بمحاربة أعداء الإسلام ويحن إلى الجنة حنين الثكلى إلى وحيدها . فوقف أعداء الله عند حدهم ولم يجرؤ أحد منهم أن ينبس ببنت شفة لما رأى من انتباه حماة الإسلام الأسود الأشاوش, والأبطال المغاوير الذين شهد الله لهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم وأنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وحاجة الإسلام اليوم إلى أمثال هؤلاء الأصحاب الصادقين الناصحين الأمناء الذين يحون دين الله من عبث العابثين, ويحرسون عقائد المسلمين من الذئاب ويرشدونهم إلى مواطن العزة والكرامة و طرق الدفاع والحماية لمقدساتهم ويترصدون أ‘مال وأقوال الملحدين الذين تطاولت ألسنتهم بالسوء على أقدس رسالة عرفتها الإنسانية وما هم إلا خفافيش الظلام فإذا طلع عليهم نور الحماة الكماة من المجاهدين أصحاب الدين اطفأوا نيرانهم وتركوهم في ظلمات لا يبصرون.

أيها المسلمون إن الإسلام اليوم يستصرخكم لحمايته فقد خوت القلوب من الحياء واحترام الدين ولم يبق للدين ذلك السلطان القوى على النفوس بل صار كل إنسان أسير شهوته وعبد هواه يخوض في الإسلام كما يخوض في الكفر فيما يشتهى من الأحايث من غير مبالاة ولا وجل وأعداء الإسلام أمنوا العقوبة فأساءوا الأدب فأين هم أصحاب الإسلام الذين يهبون أنفسهم لله ويعملون لحماية دينهم بقدر ما يجهدون لحماية أموالهم وممتلكاتهم الفانية الزائلة مهما طال الأمد . أما ثروة الإسلام فهى الباقية الخالدة كنزها لا ينفد وخيرها لا يعد.

فهبوا لحماية هذا الكنز الذى امتدت إليه يد اللصوص وأوشكت أن تصل ياشباب الإسلام في هذا الزمن لقد انعقد الرجاء فيكم, وتجددت الآمال بمستقبلكم والذى يحمل العبء أنتم وحدكم فأعدوا العدة واحفظوا الأمانة واعتبروا أنفسكما أصحاب هذا الدين فهو الكنز الثمين وهو الصراط المستقيم الهادى إلى الحق وإلى سواء السبيل.

ياشباب الإسلام جددوا العزم على تجديد الإسلام فالمستقبل له ولكم وإذا نادى الناس مالى مالى!! قصورى بساتينى, سياراتى, مركزى, وظيفتى, فليكن نداؤكم: إسلامى إسلامى, عقيدتى, جهادى جنتى, فأنتم الفائزون وأنتم ملوك الدنيا والآخرة.

يا شباب الإسلام اعلموا أنكم تملكون أعظم كنز في الوجود فلا تفرطوا فيه واعرفوا مكانكم في هذه الدنيا وهبوها لله وكونوا بالمرصاد لأعداء الله والمرجفين من أعداء رسالتكم ودعوتكم الربانية الخالدة والله معكم ولن يتركم أعمالكم والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


تذكرة.. بمناسبة تولى الدكتور محمد فاضل الجمالى رئاسة الوزارة

يا صاحب الفخامة...

لا افتتح كلمتى هذه بإزجاء تهنئة ما وما هذا لفوات وقت التهنئة لكن لان منصبك يافخامة الرئيس كله عناء وبلاء وبخاصة في بلد كالعراق فلا عجب أن لا تجدنى مهنئا بل العجب أن ترانى مهنئا والأعجب أن لا ترانى داعيا الله أن يوفق من تولى أمر هذه الأمة التى طال كراها وضربت عليها الذلة والمسكنة وباءت بغضب من الله وتقلب بضعة منها في أعطاف الرغد ومناضح النعيم وصلى الكثير منها بنار المسغبة والمتربة والفقر والحرمان وتخطفتها المم كما تتخطف الصقور ضعاف الطيور وتداعت عليها كما تتداعى الجياع على القصاع وفرقوا ومزقوها شر ممزق وجعلوا بأسها بينها وأعادوا لنا صورة من العهد الذى اقتتل فيه الغساسنة والمناذرة وهم عرب. وتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر ويوم يكتب الله على أيديكم – وعسى أن يكتب - كشف شىء من هذه الغمة يوم ذاك فقط تحق التهنئة وتستطاب..

يا صاحب الفخامة: إننا أمة في أشد الحاجة إلى مقومات الغلبة والنصر والحفاظ وخير المقومات دين الله الذى ارتضاه الله لنا وليس غائبا عن الأذهان قول أحد الأئمة الأجلاء رضى الله عنهم وأرضاههم" لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". وإنى لأذكرك بما قلته في احتفال جمعية الأخوة الإسلامية" فهم – أى المسلمون إن اعتصموا بدينهم وتمسكوا بقرآنهم فلا شك أنهم غالبون".

فهل تطمع يا فخامة الرئيس في خطوات تحقق بها شيئا مما اعتقدته وأعلنته على رءوس الأشهاد من أن لا غلبة إلا بالاسلام ولا عز إلا بالقرآن وهو أمر تتعطش له الأمة وقد طال بها الإنتظار وقد مكن الله لك من السلطان ما تستطيع به أن تقرن قولك بالعمل وتكون قدوة لغيرك من المسئولين؟!

لقد أتت وزارتكم عملا محمودا ذلكم هو رفع إعلانات الخمور ولكن أترى يا فخامة الرئيس أن هذا الإجراء غير كاف في مكافحة أم الخبائث وأرى أن هذا العمل أشبه ما يكون بصباغ يزيل شحوب وجه لا مسلول. أما الداء العضال فلا يزال يفتك الفتك الذريع أفلا يجب إذن أن نجتث مكمن الداء وتغلق الخمارات. ولا أقول نتأسى بآبائنا بل نقتدى بالهند عبدة البقر الذين صدرت أوامر دولتهم بمنع الخمور وتحريمها.

وما أريد أن أغفل أمرا مهما لابد من أن يصلحه كل من يدوم الإصلاح إن أول ميدان للإصلاح هو النفس وإن كل نهضة لابد أن تستقر مفاهيمها في القلوب والنفوس قبل أى شىء وذلك ما قرره علماء الاجتماع وصدقه التاريخ وصدق الله " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". فلابد إذن من توجيه " مبضع الطبيب" الوجهة الواجبة.

ومما قلته يا صاحب الفخامة في تلك الحفلة " إننى من الموقنين أن أكبر مقوم لأية أمة هو الدين والأمة تتقدم وتقوم إذ كانت متدينة وإنها تضمحل إذا نسيت دينها..." وبعد أن أسهبت في ذكر بعض أدوائنا قلت إننا نريد اليوم ثلاثة أمور يجب أن يسعى كل مسلم ومسلمة لتحقيقها هى : نزعة اصلاحية – وحدة إسلامية وتربية إسلامية.

فهل ترينا الأيام شيئا من هذا في عهدكم هذا وقد صدق الإمام القائل " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" وأول ما يجب تحقيقه في هذا الباب على ما نرى إيلاء الذين عناية كبرى في المدارس واستقدام المدرسين الأكفاء من مصر خاصة لتدريسه وتغيير المناهج الحالية المفسدة للفطرة والمنزعة للإيمان من الصدور فهى قد وضعت الناشئة غير إسلامية أو قل إنها وضعت لتنشئة الناشئة الإسلامية تنشئة غير إسلامية" وما يوم حليمة بسر"وقد أطمع فريقا من الناس وهم يرجون هذا ما جاء في خطابكم في الحفلة المذكورة" إن أحدث النظريات العلمية وفلسفات الطبيعة تجدها تتماشى مع العقيدة الاسلامية مماشاة كاملة فلا يمكن للرجل أن يتمسك بالعلم ويترك الدين فالعلم والدين صنوان لا يفترقان هذه حقيقة يجب أن ندركها جميعا وان نأخذ بروح العلم الحديث..".

ولابد من العمل السريع الحاسمة إلا فالعاقبة وخيمة وقد صدقت إذا قلت " أما إذا استمروا – أى المسلمون – في دور اللهو وعدم الارتداع عن دور التقاعس والتقاعد فأخشى أنهم سائرون نحوها وبه لا سمح الله" وما أريد أن أتطرق إلى الأمور الداخلية والخارجية وقد طال بنا الكلام وفيما تكتبه بعض الصحف غناء.

يا صاحب الفخامة إننا كما يقول احد الخلفاء رضوان الله عليه: إننا أحوج إلى إمام فعال منا إلى إمام قوال" وقد استيأس الشعب لكثرة ما رأى من سراب حسبه ماء وما هو بماء فهل يجد في عهدكم هذا " ماء"؟ إنها تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا والله أكبر ولله الحمد.


الصراحة في الحق

افتتاحية العدد الحادى والعشرين من السنة الأولى الصادر يوم الجمعة 25 من ذى الحجة 1372 الموافق 4 أيلول" سبتمبر" 1953

علمنا الإسلام من الأخلاق أقومها, ومن الآداب آسماها طبعنا بهذه الصفات فعشنا إخوة كرماء أعزو سعداء, رحماء بيننا أشداء على الكفار ركعا سجدا نبتغى فضلا من الله ورضوانا. ومن هذه الأخلاق العالية التى ربانا عليها الإسلام الصراحة في الحق والقول بالحق, فالمسلم لا ينافق, ولا يداجى, ولا يحابى يقول الحق إذا علمه ولو كان على نفسه ولا يخاف في الله لومة لائم, صريح واضح ليس بالغامض ولا المستور, يقول للمحسن أحسنت وللمسىء أسأت وللظالم يا ظالم اتق الله ودع ما تصنع.

والأمة التى يتصارح أبناؤها بالحق وينطقون بالحق أمة جديرة بالحياة سيدة مطاعة, مهابة منيعة الجانب أما إذا هاب أبناؤها الظالمين ولم نجد فيها من يقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها وآذنت نفسها بالزوال.

والصراحة في الحق قضت على التمويه والدجل وأعطت لكل إنسان حقه ومقداره فكف أهل المنكر عن منكرهم وتشجع أهل المعروف على معروفهم وزادوا فيه.

والصراحة في الحق تقدسها وتمجدها وتنشر فيها الخير وتقمع دار الشر والباطل وتجعلها قدوة صالحة للأمم من بعدها.

وإذا خيفت فيها الصراحة وتجنبها أبناؤها ورأوا بأم أعينهم المنكر فلم يتناهوا عنه ولم يصرحوا بمقتهم له ولفاعلية ولو باللسان ومظاهر الوجه وقسماته فتلك أمة لا تستحق الحياة وأجدر بها اللعن والطرد من رحمة الله عزوجل كما لعن بنو إسرائيل من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم, قال تعالى : " لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون".

وقد تعلم المسلمون الصراحة بالحق من وحى دينهم وعاهدوا إمامهم وهاديهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على أن يقولوا بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فقد ورد عن ابى الوليد عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثره علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعى أن تقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" متفق عليه.

وقد صدق هؤلاء المؤمنون فيما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنطقوا بالحق وعاشوا على الحق. وكافحوا أهل الباطل وجاهدهم بأيديهم وألسنتهم وقلوبهم فكانوا هم الحواريون والأصحاب الذين اقتدوا بسنة الرسول وأطاعوا أمره.

ورد عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما من نبى بعثه الله في أمى قبلى إلا كان من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون, فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن, ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم.

والصراحة في الحق من أفضل الجهاد في الإسلام والأفضل من الأفضل أن تكون كلمة حق عند سلطان جائر ورئيس غاصب ظالم.

ورد عن أبى عبد الله طارق بن شهاب البجلى الأحمسى رضى الله عنه أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغزو ( الركاب) أى الجهاد أفضل؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر. النسائى.

والناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ثم يدعونه فلا يستجيب لهم لأنهم خافوا الظالمين ولم يخافوا الله الذى فطر السموات والأرض وبيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه وقد أمر أمرهم بمصارحة تعميم العذاب عليهم أن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال : " يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الاية( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" أبو داود.

والصراحة في الحق جعلت من البدوى الساذج يخاطب خليفة المسلمين وأمير المؤمنين القوى الأمين عمر بن الخطاب وهو على المنبر إذ يقول: اسمعوا وأطيعوا فيقول البدوى: لا سمع ولا طاعة وها أنت قد احتجنت لنفسك ثوبا زائدا عن حصتك من أثواب الغنيمة فلم يغضب عمر القوى الجبار لقوله الحق وإن كانت غير حق وما كان لعمر أن يغضب وهو الصريح بالحق لمثل لهذه المقولة التى أرادها صاحبها لوجه الحق.

ولكنه الإمام عمر رضى الله عنه نادى ابنه وأشهده على ما قاله الأعرابى فشهد ابنه بأنه تبرع بحصته لوالده وكلا الحصتين كانتا ثوبا لوالده, فقال الأعرابى بكل صراحة قال الآن نسمع ونطيع.

والصراحة في الحق جعلت من المسلمين من يقول لسلطان المسلمين وخليفة رسول الله رب العالمين الإمام العادل بن الخطاب والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا.

والصراحة في الحق جعلت من المرأى المسلمة بطلة تنطق بالحق ولا تبالى وتخطىء أعظم رجل في الأمة ولا تكترث لأنها علمت الحق فيجب أن تنطق به وتجهر به كذلك مادام في ذلك رضا اله ومغفرته.

والصراحة في الحق أيضا جعلت الخليفة يقبل اعتراضها ويسمع لقولها لأنه مأمور بذلك من شريعته ثم يعترف بخطأه وصاب المرأة ولا يبالى بإعلان هذا الخطأ فيقول أصابت امرأة وأخطأ عمرو فأية صراحة أعظم من هذه الصراحة وأية ديمقراطية تشبه ما كان عليه رجال الإسلام وأبطاله العظام.

فيا ايها الناس إننا ينقصنا الصراحة في الحق لنزيل عن المجتمع الإسلامي الغشاوة القائمة التى خلفها الجبن وربتها المداجاة والمداراة فما أحوجنا معشر المسلمين إلى أناس لهم من الشجاعة الأدبية والدينية ما تجعلهم يقلون للظالم يا ظالم ويشكرون المحسن على ‘حسانه كما يزجرون المسىء عن إساءته ويقبحون له عمله ويصدونه عما كان يعمل.

والصراحة في الحق تقيم من كل أمرىء رقيبا على نفسه خشية أن يقع فيما لا تحمد عقباه فإنه يراقب نفسه متى علم أن في الأمة أعينا بصيرة, وبصائر نقادو وألسنة حادة تقول الحق ولا تبالى وإذا علم هذا كف عن إساءته وأصلح نفسه وراقب ربه فإلى الله الصراحة في الحق أدعوكم أيها المسلمون فقولوا الحق ولا تبالوا واخشوا الله ولا تخشوا أحدا سواه والله يعصمكم من المفسدين وهو على كل شىء قدير.


الإسلام الذى نريده

افتتاحيه العدد السابع عشر من السنة الأولى الصادر في 28 شوال 1372 – 10 تموز 1953

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد فإنه لحرى بنا أن نتحدث عن الإسلام في هذه في هذه المرحلة الخطيرة في حياة الإنسانية, ونحن حين نتحدث عن الإسلام فإنما نريد به الإسلام الصحيح الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم واحتواه كتاب الله وسنة رسوله. ى الإسلام الذى يتشدق به بعض الناس اليوم ويتاجرون به ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.

نريد الإسلام الذى جعل المسلمين في بضع سنين. خير أمة أخرجت للناس.

نريد الإسلام الذى جعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لأه سائر الجسد بالسهر والحمى.

نريد الإسلام النابض بالحياه المنشىء البانى الذى يدفع بالمسلمين خطوات واسعة في مراقى التقدم والكمال.

نريد الإسلام الذى يجمع شتات المسلمين بيجعل منهم أمة واحدة استجابة لأمر الله عزوجل في دستور المسلمين الأكبر ( القرآن) " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". وينشر الإخاء الصحيح الذى أعلنه القرآن العظيم في قوله " إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم".

نريد الإسلام الذى يحقق هذه الإخوة وينشر ألويتها على ربوع البلاد الإسلامية قاطبة لتحقيق الكرامة والعزة وليستطع المسلمون أن يصبحوا الكتلى الثالثة التى تؤثر في العالم وتحمله على أن يحسب لها حسابها فلا ينظر إليها نظرة إلى قطيع من الأغنام..

نريد الإسلام الذى يحقق الأمن والإطمئنان بفضل مبادئه السامية التى تحرر الإنسانية من ربقة العصبيات, وسلطان المادة وحين ترسى قواعد الإسلام الصحيح الذى نريده وندعو إليه سيحقق الله فينا وعده" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".

ويتحقق فينا وعده تعالى لنا بالاستخلاف في الأرض كما استخلف الذين من قبلنا ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا, ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

ولن نصل إلى هذا إلا إذا كنا مسلمين صادقين ومجاهدين ومخلصين ممن قال فيهم عز من قائل" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليهم فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ما بدلوا تبديلا".

نريد إسلاما كالإسلام أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الرحمن وأى عبيدة وسعد وسعيد. صبرا كصبر آل ياسر وبلال وخبيب على إسلامهم ودينهم.

نريد إسلاما يكون هوى الناس تبعا له ولا يموتون إلا وهم مسلمون.

يتخذون إلها واحدا يعبدونه وله يسلمون وبع يؤمنون وله يشكرون( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحد ونحن له مسلمون).

والحقيقة أن الإسلام متى ساد ملأ الأنفس ثقة واطمئنانا وكان حارسا أمينا على الأعين فلا تنظر إلا لما يحل لها وعلى الأفواه فلا تتكلم إلا بما يرضى الله عزوجل وعلى الأسماع فلا تسمع إلا ما طاب من الكلام وعلى الأنفس فلا تغش ولا تكذب ولا تخون ولا تعصى في معروف ولا تفعل إلا ما يرضاه الله تبارك وتعالى.

نريد إسلاما يحكم أهله بما أنزل الله ولا يتبعون الهوى فيضل بهم عن سبيل الله ( ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين).

نريد إسلاما لا يخاف أهله بخسا ولا رهقا بل يتحرون به الرشد ويؤمنون بالله الذى اصطفى لهم هذا الدين المكين ويشكرونه شكرا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. ولا يكونون من الجاحدين لفضل الله القاسطين( وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن اسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وألوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا. لنفتنهم فيها ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا).

أيها المسلمون الأخوة والإتحاد والنظام والعمل إقتباس من نور الإسلام الذى نتحدث عنه ونريده في كلامنا وهذا هو الإسلام الذى اصطفاه الله لنا وأوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب وهو ملة أبيكم إبراهيم ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه قال تعالى " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى به إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء غذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون".

وغن رسالة الإسلام تحقق الإنسانية للإنسان الأمثل فحرى بنا أن نؤمن به كما جاء نقيا صافيا وأن نعمل ما في وسعنا لنثبت دعائم الإسلام لنحقق الحرية والسيادة لقومنا وبلادنا..

هذا هو الإسلام أذى نريد أيها المسلمون فهل أنتم كما يريد منكم الإسلام مسلمون ؟ عسى الله أن يجعلنا كذلك وأن يسدد خطأنا لنكون مسلمين حقا وصدقا, والحمد رب العاملين.


رأينا في المجالس النيابية

30 ربيع الأول 1373 -27 تشرين الثانى 1953

بعد أيام قلائل سيفتتح مجلس الأمة ولا شك أن بعض الناس قد تنازعتهم الأهواء وتضاربت آراؤهم حول مستقبله فمنهم المتفائل ومنعم المتشائم ولكل وجهة نظرا وله من أحاييل السياسة ونفاقها ما يؤيد صحة ما ذهب إليه أما المتفائلون فلعل تفاؤلهم سببه أن الحكومة الحاضرة تحب العمل لتثبت جدارتها خاصة وأن في صفوفها شبابا كانوا حاملى لواء المعارضة والإصلاح كما هنالك سبب آخر ربما كان وجيها وهو أن الاصطدام بين رئيس الحكومة الحاضرة مع رئيس المدرسة القديمة واختلافه مع تلك المدرسة في السياسة مما يحمل الرئيس الحالى على إثبات شعبيته وحبه للعمل النافع والأخذ بيد الأمة إلى ما تصبو إليه لكى يتمكن من ضرب أصحاب المدرسة القديمة أما المتشائمون فنظروا إلى هذه الدورة نظرة يأس لأنهم قد يئسوا من الدورات السابقة وعلى كل فالمستقبل سيكشف الرجال والحقيقة التى نريد أن نقولها كلمى صريحة لا نخشى في الله لومة لائم أن هذه الدورة سوف لا تختلف عن سابقتها,وذلك لأن الذهنية السياسية العتيقة لا تزال مسيطرة على الأكثرية والكل يعلم ان المجلس الحالى أتى في ظروف شاذة كانت الحياة الدستورية فيه معطلة والأحكام العرفية قائمة على قدم وساق فلا شك أن مجلسا يأتى بهذه الطريقة لا يمكن أن تأتى منه ثمرة مرجوة فقد رأيناه سنة كاملة ماذا أفادنا؟ ولم يكن حصادنا من الحياة البرلمانية طوال ثلاثين سنة من الامتهان للدستور وتعطيل أعظم وأقدس مادة فيه القاضية أن دين الدولة الرسمى الإسلام فأين مظاهر هذه الدولة المسلمة التى نص عليها الدستور؟ افى المباغى العلنية وحانات الخمور أم في إباحة الربا وإشاعة الفاحشة أم,... أم.... أجل إن المجلس النيابية في هذا البلد قد جنت جناية كبرى على هذه الأمة لإهانتها للدستور وتعطيلها لأعظم وأقدس نص فيه..

القاضى بأن ( دين الدولة الرسمى الإسلام ) فقد أصدرت هذه المجالس تشاريع تناقض مبادىء الإسلام الحنيف وأبعدت الشريعة الغراء عن ميدان الحياة العملية فأذاقنا الله العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر جزاء وفاقا لتنكرنا لشريعته السمحاء لقد تهافت الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة على فتات موائد الغرب فاستوردت التشريع الغربى بجملته وتفصيله لتقيم على هذا الفتات حضارة ومدنية ونسيت أو تناست أن كل أمى تتهافت بلا قيد ولا شرط على ما عند الأمم الأخرى هى أمة ذليلة ذليلة لأنها حقرت نفسها وعظمت غيرها وعمياء لأنها لم تميز بين النافع والضار وبين الخير والشر وقد سارت المجالس النيابية على هذا التهافت وظنت أن خلود الذكر وعظم المكانة لا يحصل إلا بإقامة التشريعات الأجنبية بدلا من التشريع الإسلامي وهكذا فقد أصدرت في فترة يسيرة تشريعات لا تمت إلينا بصلة وقد هدمت بعملها هذا أعظم صرح فقهى وتشريعى بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء.

وقد فات المجالس النيابية أن طريق الخلود ليس الانسلاخ من قوميتنا وديننا الذى لنا في كل أرض منه خبر وفى كل حضارة عنه عبر ولا نتيجة لهذا التهافت ألا تناسى الذات والتحول إلى حياة على هامش الحياة وليعلم النواب الكرام أن طريق المجد والخلود هو أن ننشىء من جوهر فقهنا ونستمد من معينه الهدار تشاريع وقوانين تفى بحاجاتنا الحديثى فتكون أصوله راسخة في الفقه الإسلامى وفروعه شامخة من نبعه العذب من السماء وهنالك نقطة أخرى لعلها لم تعد خافية على أحد وهى أن الحياة السياسية في هذا البلد غير ناضجة وقد كانت النيابة مصدر شقاء هذه الأمة وتفريق كلمتها حتى أصبحت شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون حتى غدا كل حزب ينظر إلى خصمه السياسى نظرة حقد وعداء وكم يتمنى الفساد ونسى أو تناسى قوله تعالى[ إنما المؤمنون إخوة] [ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبون] وأخيرا نريد أن نقولها صريحة واضحة لأعضاء السلطة التشريعية ماذا ستعملون خلال الدورة أتقضونها بتوجيه التهم والمطاعن والمثالب بعضكم لبعض أم تنصرفوا إلى الأمور الجدية وتنظروا إلى الحياة نظرة أخرى؟ ماذا ستقدمون للفلسطينيين؟ وهل يبقى إخواننا اللاجئون يفترشون الأرض ويلتحفون السماء؟ وهل علمتم أن إسرائيل قد كتبت على واجهة (برلمانها) ( حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل)؟ فهل ستفاوضون تركيا وإيران والأفغان لتقلبنا كلاجئين عندما يبتدىء الزحف الصهيونى؟؟

وهل رزمتم الأمتعة واستوردتم الطائرات النفاثة لتنقلكم إلى سويسرا ولندن وهولندا وهوليود عندما تكتسح البلاد الجيوش الإسرائيلية؟

أيها النواب اتقوا الله في دينكم وأمتكم ووطنكم واعلموا أن الله يملى للظالم ولا يهمله فإذا أخذه أخذ عزيز مقتدر( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعى رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء).


شهيدان من شهداء الإسلام

افتتاحية العدد الثامن عشر من السنة الأولى الصادر يوم الجمعة 13 ذو القعدة سنة 1372 الموافق 24 تموز يوليه سنة 1953.

جزى الله عنا السلف الصالح أبلغ الجزاء فقد كانوا خير من ثبت واستقام وجاهد جهاد الأبطال الكرام, آمنوا بالله ورسوله وعاهدوها على المنهج والأرواح فصدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا فأصبحوا مضرب في صدق المثل في صدق الوعد والثبات على العهد.

وصفوة الصفوة من هذا السلف المبارك تلك الزمرة المحتارة من صحابة رسول الله وقرابته وجنده الذين اختارهم الله لإعلاء كلمته وتنفيذ أوامره فحملوها بأمانة وبلغوها بإخلاص وباعوا أنفسهم رخيصة في سبيل هدفهم الأسمى ومثلهم الأعلى ألا وهو إعلاء كلمة الله والمسارعة لنيل المغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فكانوا هم المتقون الذين أزلفت لهم الجنة وازينت لخطابها وعشاقها ولم يغالهم المهر وإن كانت الأنفس والأرواح ووددت أن أترجم لبعض من نالوا الجنة بالشهادة ليعتبر أولوا الألباب الذين عزت عليهم دنياهم فاستكانوا لها وخضعوا حتى أصبحوا عبيدا أذلاء لشهواتها الفانية وعرضها الزائل, أما أولئك الأبرار فقد أثروا الباقية على الفانية فأكرمهم الله ونعمهم فهذا حمزة بن عبد المطلب عم النبى صلى الله عليه وهو أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة, وأقواهم خلقا. أسلم مع النبى صلى الله عليه وسلم بعد دخول النبى دار الأرقم بن أبى الأرقم. وكان سبب إسلامه أن أبا جهل الخبيث تطاول يوما على النبى صلى الله عليه وسلم, فآذاه وشتمه فلم يكلمه النبى عملا بقول ربه" وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما".

ثم رجع النبى عليه الصلاة والسلام إلى بيته. وقد رأت هذا المشهد مولاة لعبد الله بن جدعان, فأثر فيها هذا المنظر أسوأ الأثر غضبت منه أشد الغضب فرأت أن تخبر عمه حمزة بذلك وقد كان حمزة يصطاد في الجبل فقررت الوقوف له في الطريق لتخبره بما فعل أبو جهل بابن أخيه, وتثير حميته عليه. ولما رجع أخبرته بما رأته, فغضب لغضبها وأخذته الحمية , وذهب إلى النبي صلى اله عليه وسلم فدخل في دينه ثم أعلن إسلامه ليغيظ قريشا به وقال النبى صلى الله عليه وسلم: أظهرت دينك ولما رأت قريش هذا كفت بعض أذاها عن النبى وصحبه.

وقد قليل من إسلام حمزة أسلم عمر بن الخطاب وأخذ يلح هو الأخر على النبى صلى الله عليه وسلم في إظهار دينه . لإ أجابهما إلى ما طلبا وصدع بالدعوة وأظهرها للناس سافرة واضحة نيرة بينه.

وقد شهد حمزة رضى الله عنه غزوتى بدر وأحد وكان شجاعا لا يخاف الموت ولا يرهب الردى حتى لقبه النبى صلى الله عليه وسلم (أسد الله).

وقد كان في بدر بطل لأنه فعل بالمشركين ما لم يفعله غيره. وقتل من صناديد قريش أكبر عدد.

ولم يكن موقفه في أحد بأقل من موقفه في بدر, فقد ثبت في العدد القليل الذى ثبت مع النبى صلى الله عليه وسلم واستهان بالموت في سبيل الدفاع عنه حتى قتل من المشركين أكثر من ثلاثين رجلا, ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ولا يمانع وقد أراد , وقد أراد أن يعجل بحمزة ليفوز هذا البطل بما أعده الله له في آخرته من نعيم.

فبينما كان يصول ويجول هنا وهناك عثر عثرة وقع منها على ظهره فانكشف الدرع عن بطنه, فرآه وحشى غلام جبير بن مطعم, فضربه في بطنه بحربة في يده فبقر بها بطنه, وحرم المسلمين من جهاده وبطولته وعظم مصابهم فيه واشتد حزنهم عليه وهم أشد ما يكونون حاجة إليه ولما انتهى القتال خرج النبى صلى الله عليه وسلم يلتمس عمه في القتلى, فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده, ومثل به المشركون به أشنع تمثيل فوقف النبى صلى الله عليه وسلم أمام جثته وقال : رحمك الله أى عم, فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات. ثم قال : ما وقفت موقف قط أغيظ إلى من هذا.

وهكذا قضى الشهيد نحبه راضيا مرضيا عليه ساعيا إلى الجنة باذلا دمه لله وفى سبيل الله ولعزة الإسلام وسلامه المسلمين رضى اله عنه وأرضاه وجعل الجنة وقد رثاه كعب بن مالك فقال:

بكت عينى وحق لها بكاها

وما يغنى البكاء ولا العويل

على أسد الإله غداه قالوا

أحمزة ذاكم الرجل القتيل

أصيب المسلمون به جميعا

هناك وقد أصيب به الرسول

أبا يعلى لك الأركان هدت

وأنت الماجد البر الوصول

عليك سلام ربك في جنان

مخالطها نعيم لا يزول

ألا يا هاشم الأخيار صبرا

فكل فعل لكم حسن جميل

رسول الله مصطبر كريم

بأمر الله ينطق إذ يقول

وهذا الشهيد الآخر عبيدة بن الحارث رضى الله عنه وهو أول من عقد له لواء في الإسلام فقد أرسله النبى صلى الله عليه وسلم أميرا على ستين أو ثمانين من المهاجرين وكان هذا في السنة الأولى من الهجرة فسار حتى بلغ ماء في الحجاز بأسفل ثنيه المرة فلقى جمعا عظيما من قريش ولم يحصل بينهم قتال إلا أن سعد ابن ابى وقاص رمى بسهم فكان سهمه أول سهم رمى في الإسلام.

وفى غزوة بدر خرج عبيدة بن الحارث فيمن خرج من المسلمين ولما اصطف الجيشان خرج من المشركين عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد, فطلبوا البراز من المسلمين, فخرج إليهم ثلاثة فتية من الأنصار فقالوا لهم : من أنتم:؟ قالوا: رهط من ألنصار, فقالوا له: يا محمد, اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. مالنا لكم حاجة. ثم نادى مناديهم: فقال النبى صلى الله عليه وسلم : قم يا عبيدة ابن الحارث, قم يا حمزة, قم يا على . فقاموا فذهبوا إليهم فلما دنوا منهم قالوا لهم: من أنتم ؟ فقال عبيدة: عبيدة. وقال حمزة : حمزة,قال على :على فقالوا لهم: نعم أكفاء كرام.

فبارز عبيدة عتبة بن ربيعة, وبارز حمزة شيبة بن ربيعة, وبارز على الوليد بن عتبة فحمل على شيبة بن ربيعة فقتله . وحمل على على الوليد بن عتبة فقتله, واختلف عبيدة بينهما ضربتين, كلاهما أصاب صاحبه فحمل حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فقتلاه.

ثم احتملا عبيدة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يتشحط في دمه وافرشه النبى صلى الله عليه وسلم قدمه فوضع خده عليها ثم قال : أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أنى أحق منه بما قال:

كذبتم وبيت نبزى محمدا

ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وفيما يروى الرواة أنه رضى الله عنه وقد طعن هذه الطعنة النجلاء كان ينظر إلى وجه النبى صلى الله عليه وسلم ليستجلى منه النور المبين وليكون آخر ما ينظر ويودع في هذه الحياة.

نظر إلى نبى الله وسألا سؤالا واحدا ولم يخطر على باله الأهل والمال والوالد والولد ولا شىء من زخارف هذه الدنيا الفانية إنما خطر على باله أنه يسألأه عن الشهادة التى جعل الله ثمنها الجنة وليس للشهيد جزاء إلا الجنة وحق على الله أن يدخله ويمتعه فيها.

فقال رضى الله عنه وهو يتشحط في دمه, يا رسول الله هل أنا شهيد فأجابه النبى صلى الله عليه وسلم أشهد إنك لشهيد. ثم مات من طعنته هذه عند رجوعهم من بدر ودفن بالصفراء فكان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وقد رثاه كعب بن مالك فقال:

أيا عين جودى ولا تبخلى

بدمعك حقا ولاتنزرى

على سيد هدنا هلكه

كريم شاهد والعنصر

جرىء المقدم شاكى السلاح

كريم التتطين المكسر

عبيدة أمسى ولا نرتجيه

لعرف عرانا ولا منكر

وقد كان يحمى غداه القتال

حامية الجيش بالمبتر


حول خلع الملك محمد الخامس

تعصف بالعالم الإسلامي اليوم محن قاسية وأزمات سياسية مستحكمة فما من بقعة يصدع فيها المنادى ( الله أكبر) إلا ونجد ذلك القطر يعانى من المشاكل والأزمات مالا تجده في أ قطر آخر من أقطار العالم .

وما محن العالم الإسلامي اليوم إلا محنة الحرية المسلوبة والكرامة المهانة والحق السليب والشرف المثلوم والدين المضيع. أجل إنها محنة الإسلامالإسلام وما محنة الإسلام إلا محنة الحق الصريح الأعزل مع الباطل المكشوف المسلح. ولسنا في حاجة أن نستعرض من مشاكل العالم الإسلامي شبرا شبرا.

بل يكفى أن نلقى نظرة إلى الصحف وأن ننصت دقائق إلى الإذاعات وسوف يتحقق لدينا أن العامل الإسلامي اليوم يعيش كقطعان تحرسها الذئاب البشرية .

أجل إنها الذئاب التى ما زالت ترتدى لبوس الناسك المتعبد والحامى الأمين ولكن ما حدث في السنوات الأخيرة ليكفى أن يكون دليلا قاطعا وبرهانا يراد ادعاء هؤلاء إلى نحورهم, وحدثينا اليوم ينصب على ما حدث في المغرب العزيز من تلك المؤامرة الدنيئة عندما قامت بخلع السلطان " سيدى محمد ووقف يطالب بحرية شعبه المسلم وباستقلال بلاده الإسلامية.

هذا كل ما عمله سيدى محمد وهذا ما أغاظ فرنسا وحرك كوامنها فقامت بمؤامرة دنيئة مكشوفة فخلعت السلطان الشرعى ونفته إلى جزيرة ( كورسيكا) في اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك وهكذا أعلنتها فرنسا الذليلة حربا على الإسلام والمسلمين في يوم السلام الأكبر عند المسلمين فالحج هو المؤتمر الإسلامي للسلام العام ولكن فرنسا أرادت أن تستأسد على الإسلام والمسلمين في يوم السلام العالمى للإسلام فأعلنتها حربا صليبية وجردت قواتها لتخنق صوت الحق الأعزل فأراقت الدماء الزكية الطاهرة في الوقت الذى كانت ملايين المسلمين تنادى ( الله أكبر لبيك اللهم لبيك) وما زال الباطل المسلح يعلنها حربا صليبية استعمارية هلى حق الإسلام الصريح الأعزل لقد خلع السلطان ووضع مكانه المدعو محمد بن عرفه صنيعة فرنسا والرجل العلمانى الذى اشتهر بمحاربته للأديان , وتم كل شىء حتى أخذت الكتلة الصليبية تحول دون عرض قضية مراكش على مجلس الأمن, أما الدول الإسلامية فما زالت كما عهدناها عندما أضاعت فلسطين وطعنت مصر من الوراء وتخلت عن تونس بالأمس اللهم إلا من كلام فارغ لا يتبعه عمل يتقوله المسئولون ليظهروا أمام شعوبهم بأنهم حريصون على مصلحة الإسلام والمسلمين وما دروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعورن ان مشكلة مراكش ليست بنت الساعة بل وليدة سنوات طويلة وقد أرادت فرنسا أن تنفذ جرينتها هذه منذ ثلاث سنوات على يد المقيم الوحشى ( جوان) ولكن لما كانت جماهير الشعب وافقه إلى عظمة السلطان وبذلت دونه المهج أقلعت فرنسا عن فعلتها لتستعد إلى ضربة أقوى ومؤامرة أخبث, وطوال هذه السنوات الثلاث كان المطلعون يترقبون وقوع هذه الجريمة النكراء لما يعلمونه من تقاعس الدول العربية الاسلامية عن نجدة المغرب في محنتها لكبرى وما محنة مراكش إلا محنة الإسلام أجل إنها محنة الإسلام الذى تأمرت عليه الصليبية العالمية .

لأنها تعلم أنه القوة المعنية التى تدفع المسلمين ليثأروا لحريتهم وعزتهم المسترقة المستعبدة والله أكبر والعزة ولله أكبر والعزة ولله ولرسوله وللمؤمنين.


ميزاننا

افتتاحية العدد السادس من السنة الأولى والذى صدر يوم الجمعة 21 جمادى الأولى 1372 الموافق 6 شباط – فبراير سنة 1953

أخى في الله:

يا من رضيت باله ربا وبالإسلام دينا, وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا: أعلم أن دعوتنا كالغيث لا يدرى أوله خير ام آخره, ولكنها على كل حال خير كلها في الشدة والرخاء والبأساء والضراء, ثم لا ندرى فيمن يكون الخير وأين هو؟ ومتى سيكون ورب أخ صغير نعلمه اليوم, وتلقنه الدعوة - على ضعف منا وتقصير – سيكون رجلها الأول, وبطلها الأمثل والقائم عليها قيام الصادقين, والمجاهدين من أجل هذا أوصيك أن لا تغتر بنفسك ولا تزن نفسك بالزمن الذى قضيته في دعوتك فميزاننا دقيق وكفتاه العمل المتواصل وخلوص النية لله رب العالمين" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".

" وما أمروا إلا ليعبدون مخلصين له الدين حنفاء".

ورب عامل اليوم, خامل في الغد والجديد السديد, خير من القديم العنيد, والقلوب يا أخى بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ورب مؤمن أمسى مؤمنا ثم أصبح كافرا, ورب كافر أضحى كافرا ثم أمسى مؤمنا صادقا والأعمال بخواتيمها ولكل أمرىء ما نوى . وأسأل اله التثبيت على نهج الاستقامة ولاتكن من الغافلين واذكر الله قائما وقاعدا وعلى جنبك.

وليكن ديدنك أن تفرغ جهدك لدعوتك ولأن يهدى الله على يديك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها, لذا فلتكن عنايتك بالفرد عظيمة, وجهه إلى الخير ولقنه الإسلام تلقينا, ثم رضه به, وعلمه أسلوب الدعوة إليه والصبر عليه. والإيمان التام بملكية كل واحد لهذه الدعوة وإنها ليست مقصورة علينا معشر الإخوان كالشمس المشرقة ترسل أشعتها على الأكواخ والقصور, والقيعان والدور فمن استنار بها فقد هدى, ومن عمى عنها فقد ضل ضلالا بعيدا , ومن أخذها حينا, ثم تولى عنها, جافته وتولت عنه, إلى من هو خير منه وأنفع واثبت منه وأصلح " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

ومن استقام لها وصدق, ودعا الله مخلصا له الدين. وعمل صالحا يرضاه الله , فقد استحق ثواب الأولى وحسن ثواب الآخرة ".

فادع واستقم أيها الأخ الأبر ولا تتبع الهوى فيضلك عن سواء السبيل واعلم بأن الدعوات الخالدة تصقلها المحن, وتثبتها الهزات والفتن, ففيها يميز الله الخبيث من الطيب, والمفسد من المصلح, وفيها يكشف الغطاء عن النفوس, والقلوب, فتظهر كما هى سافرة بينة, لا يجللها الرياء ولا يخفيها الأدعياء, وعند ذاك تختار الدعوة القلوب الزكية, والنفوس الأبية فتنظمها في عقدها, وتدخرها ليوم بؤسها وشدتها وكريهتها. وتنفلا عنها النفوس الحائرة والقلوب البائرة, وتبعد عنها عبثها وخبثها. لتنظف باطنها وتصلح داخلها والدعوات إنما تؤتى من الداخل لا من الخارج, فإذا صح باطن الإنسان نضر وجهه وصح جسمه والعكس بالعكس تماما.

والدعاة إلى الله لا يهمهم كيد أعدائهم بقدر ما يهمهم كيد القلوب التى تدعى القربى منهم, وتشتت الأهواء بين الجماعة الواحدة منهم وانشغالها والمحنة العظمى والابتلاء الأعظم. فمن خرج سليما من مثل هذه المحنة فقد نجا وأفلح ولن يسلم من مثل هذه المحن إلا من تعلم الصبر, والحلم وبعد النظر وراض قلبه على الحب الخالص, والعفو الصادق والدفع بالتى هى أحسن وخالط الناس وصبر على أذاهم فتوسع صدره واتسع أفقه , وكثرت تجاربه, وزاد صفحه فاتقى الله حق تقاته واقتدى بهذه الخصال , بسيد الخلق, وقائد الغر المحجلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأحبه الله وأحبه الناس وكان من المقربين.

" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم".

فسر أيها الأخ على هذه الصفات إن أطقتها وسوف تعان عليها من ربك الحبيب إلى قلبك والذى وهبته نفسك ومالك فهى سبيل الخير والنجاة, واصبر وصابر ورابط واتق الله الذى جعلته غايتك من دعوتك والله يثبتنى وإياك بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد والله أكبر ولله الحمد.


لبيك اللهم لبيك

افتتاحية العدد العشرين من المجلة الذى صدر في 11 من ذى الحجة 1372 الموافق 21 أب 1953

في مطلع هذا اليوم الأغر, يبتهج المسلمون في كل صقع ومصر يرتفع فيه صوت السماء مدويا بالشهادتين, بعيدهم المبارك الذى امتن الله سبحانه وتعالى به عليهم فجعله رمزا لوحدتهم وعنوانا لتعاونهم, وأودع فيه من الأسرار والذكريات كنوزا لا ينضب معينها , بل هى أبدا ملأى بالعبر طافحة بالمجد الأثيل!

وفى مثل هذه الأيام ومن كل عام منذ أمر الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بالأذان في الناس فدعاهم عليه السلام " يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوا إليه: يجتمع المسلمون على أديم مكة وصحراء أم القرى في تلك البقاع المقدسة ليشهدوا منافع لهم بحج بيت الله الحرام .

وفى مثل هذه الأيام المشرقة تصفو القلوب, وتغفر الذنوب وتنتزع الأحقاد , وتموت الضغائن فالكل إخوان في الله دانوا بدين واحد, وآمنوا برب واحد وحملوا عقيدة واحدة... فلا شرور ولا غرور ولا كبرياء ولا فجور الكل يمثل بين يدى الله الكبير المتعال خشعا قد عنت الوجوه للحى القيوم, ولا هتاف إلا التلبية والذكر والحمد والثناء والشكر.

وقديما وفى مثل هذه الأيام من الحقب السالفة شهد الكون أعظم تضحية منذ خلق الله الأرض في وهاد مكة وقلب إبراهيم الخليل صلى الله عليه السلام يجود بفلذة كبده, وهو أعز ما يملك في هذا الوجود وأحب من يحب, وقف عليه السلام ليضرب أروع مثل في السمع والطاعة للمولى القدير.... وقف لينفذ أمر الله بذبح إسماعيل تحقيقا لمشيئة من لا راد لمشيئته, ولا مفر من قضائه ولو كان بذبح الولد( والجود بالنفس أقصى غاية الجود)... وهناك أيضا وقف إسماعيل وهو يدرك ما يراد به, ويقدر ما سيلقاه.. وقف يشجع أباه, ويذكى روح العزم في نفسه ولسان حاله يقول – مرحبا بلقاء الله: مرحبا بالموت في سبيله.. هيا ألحقنى بالرفيق الأعلى.. عجل أبتاه ولا تحزن: وافعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين.

وفى هذه الساعة الرهيبة.. حيث تصطرع في النفس الأحاسيس النبيلة وتضطرم المشاعر... في هذه الساعة التى وقف فيها إبراهيم يغالب مشاعره" وإن هو لم يذبح فتاه فقد هم".

أبى الله إلا أن يظهر رحمته لعباده - بعد أن تجلى من إبراهيم إيمانه وطاعته, ومن إسماعيل إذعانه وشجاعته فيصدر أمر الله بالعفو وافتدى إسماعيل بذبح عظيم.. فيا لها من عبرة بالغة, وذكرى خالدة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

" فلما بلغ معه السعى قال : يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى؟ قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين! فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين ! إن هذا لهو البلاء المبين , وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين! إنه من عبادنا المؤمنين".

فليتدبر المسلمون هذا الحدث في هذه الأيام... وليمعنوا النظر فقد آمن إبراهيم بربه وعاش على هذه العقيدة الصادقة النيرة.. واسترخص كل غال ونفيس من أجلها.

وهى عقيدة كل مسلمو بل يجب أن تكون كذلك وإنها إن خالطت بشاشتها قلب إنسان, لم ينزعها جبابرة الرجال ولو قطع صاحبها دونها إربا إربا!.. وبعد فلبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد اوالنعمة لك وما أعظم النعمة التى أنعمتها علينا وماأجل الدين الذى اخترته لنا.. وما أروع هذه الأيام التى لو كشفنا عما ودعته فيها من ذكريات, وربطنا بينها وبين أعمالنا الحاضرة بسبب لكنا كما أردت لنا: خير امة أخرجت للناس" ولكن مرت على المسلمين أعياد كانوا فيها سادة الدنيا وقادتها, وغرة الدهر, ويتيمة الدين, وجنود الهدى والعرفان , ويمر هذا العيد على المسلمين وقد ذهبت عنه بهجته وزال رواده, وفقد المسلمون تلم المعانى التى كانوا يستشعرونها إذا ما حل بينهم.. يمر بهم العيد وقد تكالبت عليهم الدول الغاشمة , وتداعت عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها, وما بهم من قلة ولكنهم غشاء كغثاء السيل قد طمع فيهم من لا يدفع عن نفسه وتحكم في رقابهم وأموالهم كل باغ حتى أصبحوا غرباء في ديارهم مستعبدين في أوطانهم .. وهم مع هذا البلاء متقاطعون متخاصمون لا يرعى بعضهم لبعض إلاّ ولا ذمة" وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" فاللهم غفرانك وعفوك ورحمتك ونصرك لهذه الأمة فإنه لا نصر إلا نصرك, ولا هدى إلا هديك اللهم وفقنا للرجوع إلى حظيرة الدين وأعد على المسلمين العيد وقد تحروا واستقلوا واتحدوا في ظل دينك ولبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريط لك لبيك وسعديك والنصر والعزة كله بيديك فاقدرهما لنا بفضلك يارب العاملين.


طرق الخير

افتتاحية العدد الثانى والعشرين من السنة الأولى الصادر في 9 محرم 1373-18 أيلول سبتمبر 1953

ليس من الشرائع شريعة عنيت بالخير ودعت إليه وعددت مسالكه كالشريعة الإسلامية فقد بشرت به وبنتائجه ووضعت له الجزاء الأوفى وحثت عليه ورغبت فيه ونوعت طرقه ووسعت ميادينه وشعبتها شعبا مختلفات وجعلتها تلتقى جميعا في نقطة واحدة هى الخير وحده وهى نقطة الانطلاق في النفس الإنسانية فمن صفت عنده هذه النقطة وزكت وأصبح معدن حيث كان وتتفجر منه ينابيع الحكمة والرشاد وإذا خبثت هذه النقطة " نقطة الخير" في النفس الإنسانية خبثت تلك النفس وساءت أخلاقها وتدنست أعمالها بأعمال الشر التى تتفجر ينابيعها في الأنفس الخبيثة الشريرة التى ران على قلوبها ما كانت تكسب من أعمال منكرة وأفعال خبيثة قذرة وقد فهم المسلمون الأولون هذا المعنى في شريعتهم وفقهوا معناه ومغزاه عدد الجبال من الخير ولم يروه شيئا لأنه أصبح طابع نفوسهم وإلف أرواحهم ولم يفعلوا مثقال ذرة من شر لكرههم إياه وبغض نفوسهم له.. جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه النبى صلى الله عليه وسلم سورة الزلزلة: ( إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها ) إلى أن بلغ ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) هنا قال الأعرابى ( حسبى يا رسول الله) أى كفانى فقال الرسول صلى الله عليه وسلم فقه الرجل أى دخل في قلبه حقيقة الإيمان والإسلام وعرف معناهما ومغزاهما وفقههما من هذه الآية الكريمة المختصرة.

والله سبحانه وتعالى خلق الخير والشر والظلمات والنور والظل والحرور ووهب الصحة وابتلى بالمرض وخلق الموت والحياة والسعادة والشقاء وبضدها تتميز الأشياء ثم جعل الخير والشر ميدان صراع وابتلاء للإنسان فقال عزوجل ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) وهو سبحانه بعد هذا قد حث على الخير كثيرا ورغب فيه أكثر وأعلم الناس أنه عليم بما يصنعون فلا يضيع عنده مثقال حبة من خردل من خير أو شر وكفى به سبحانه حسيبا.

قال تعالى : ( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) وقال ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله) وأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم ألا تحقرن من المعروف شيئا ولو كان شق تمرة ولو أن نرد أخانا بكلمة طيبة او أن نلقاه بوجه طلق ومحيا ضحوك فأية عناية في الخير في الدنيا أكثر من هذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخالك بوجه طلق) رواه مسلم وخاطب صلى الله عليه وسلم المسلمات فقال ( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه) متفق عليه – الفرسن من البعير كالحافر من الدابة.

وورد عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه من رواية عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنه خلق كل إنسان من بنى آدم على ستين وثلثمائه مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمة عن طريق الناس أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد الستين والثلثمائة فإنه يمشى يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار) فمن عناية الإسلام بالخير أن جعل إزالة الحجر ورفع الشوكة من طريق الناس وهى أدق من الحجر – من أصناف الخير وشعبه وإنها صدقة ويجزى فاعلها على فعلها خيرا – أما يحق لهذه الشريعة الخالدة أن تسمى شريعة الخير ويطلق على دعوتها أنها دعوة الخير وعلى رسالتها أنها رسالة الخير والإنسانية والسلام والطمأنينة ومن نعمة الله على هذه الأمة أن جعل الخير كل الخير في رسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم وفى أمته إلى يوم القيامة فسموا بالخير ورفعوه إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه, وصنع الخير حتى مع الحيوان الأعجم قد جعل له الإسلام أجر وثوابا جعل في كل ذات كبد رطب أجرا, ورد عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى كان قد بلغ منى فنزل البئر فملأ ما ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجر؟ فقال : في كل رطبة أجر) متفق عليه.

فالإحسان إلى الحيوان طريق من طريق الخير فضلا عن الإحسان إلى الإنسان في مختلف وجوه الإحسان وكلها خير يوصل إلى السعادة والكمال ورضا الله عزوجل والإحسان في العبادة طريق من طرق الخير نفسها من أجل الخير وأنفعه لصاحبه لأن الله لا يضيع مثقال ذرة من خير بل يجزى عليها ويحفظها لصاحبها إلى يوم الدين وكفى به تعالى وفيا وحاسبا قال تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعلمون بصير) وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.

وعنه رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا هل أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال – إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وإنتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) رواه مسلم.

بل جعل الإسلام الغرس الذى يغرسه الإنسان ليستثمره والزرع الذى يزرعه ليأكله هو وولده جعله طريقا من طريق الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة ولا يرزؤه ( ينقصه) أحد إلاكان له صدقة) رواه مسلم.

وفى رواية له ( لا يغرس المسلم غرسا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة) وفى رواية لأه أيضا ( لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فلا يأكل منه إنسان ولا دابة ولا شىء آخر إلا كانت له صدقة)

فطرق الخير إذن شملت الإنسان والحيوان والنبات وأعظم بدين هذا شا،ه ولم يهمل مخلوقا يستحق الحياة إلا وأمر أتباه\عه بالإحسان إليه ووعدهم على هذا الإحسان خيرا كثيرا وأجرا جزيلا. فتبارك المنعم المتفضل الغنى العظيم الذى لم ينس للإنسان شق التمرة يقدمها هدية للإنسان مثله يسعفه بها ويعينه والحمد لله رب العالمين.


حول الجامعة العربية. والصلح مع إسرائيل

1جمادى الأولى سنة 1373 8 كانون الثانى سنة 1954

هنالك ضجة مفتعلة في الجامعة العربية فما يمر يوم إلا ونسمع أنباء باجتماع اللجنة السياسية أو باجتماع مجلس الجامعة أو الهيئة الاقتصادية او مجلي المعارف أو اجتماع رؤساء أركان حرب الجيوش العربية او مجلس وزراء الدفاع والخارجية أو إلأى غير ذلك من الاجتماعات التى لا طائل تحتها والتى تثير السخط لا الأمل والحقد لا البشرى والتى أرغمت الشعوب العربية على أن تفقد ثقتها بالجامعة... فأصبحت الجامعة أضحوكة الضاحكين ولهو السامرين..

ومن سوء حظ الجامعة أنها ولدت وحاملة معها جرثومة فنائها.. وجاءت فلسطين لتقد الدليل على أن الجامعة ولدت غير مكتملة لأنها من صنع " ايدن" ولا شك ان كارثة فلسطين كانت امتحانا عسيرا لهذه البذرة غير الطيبة التى غرستها أيادى ايدن وتشرشل.

لقد استبشرنا خيرا بتكوين الجامعة لأننا بالرغم من عدم توفر النية الخالصة والعزيمة الصادقة لدى رجالها فقد كنا نعقد الآمال الطويلة العريضة وكنا نرجو الله نخلصين أن ينبت بذرة الإسلام في نفوس رجالها لكى تكون نواه للجامعى الإسلامية ولكن هذا الأمل لم يدم فقد قدمت كارثة فلسطين دليلا واضحا على أن النيات الحسنة غير متوفرة وان العمل الخالص لله ثم للشعوب لم يكن رائد رجالها لأنهم أناس لم يعفروا جبينهم لله الواحد القهار.

واليوم تمر الجامعة بامتحانات عسيرة فهنالك الدعوة لصلح مع إسرائيل.. وكنا نشم رائحة الموافقة مبدئيا على الصلح من تصريحات أمين الجامعة ومن الأمين المساعد ومن بعض المسئولين في الحكومات العربية...

حتى جاء قرار اللجنة السياسية الأخير بشأن الصلح مع إسرائيل غامضا فهو لا يعترف مبدئيا باختصاص الأمم المتحدة بشأن التدخل لعقد الصلح بل يقول إن هذا الأمر من اختصاص لجنة الهدنة... فهل يا ترى – ستوافق الدول العربية على الصلح إذا طلبته لجنة الهدنة؟!! إن الأيام القريبة ستكشف هذا الأمر إلا أننا نقولها كلمة صريحة مدوية للمسئولين لقد قالت الشعوب الاسلامية كلمتها الأخيرة " أن اليد التى ستمتد لمصافحة إسرائيل ستقطع".

فليتدبر المسئولون هذا الأمر... وقد كان الأجدر بهم أن يرفضوا العرض من أساسه.. ولكن

لو أن نارا نفخت بها أضاءت

ولكنك تنفخ في رمــــــاد

وهنالك أمر آخر وهو الاجتماع الذى قدمته مصر للحكومة العراقية على مساعى العراق لضم الباكستان إلى ميثاق " سعد آباد" وجر الدول العربية إلى مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط والذى يقوم وزير خارجية الباكستان بدور مهم في تحضير هذا المشروع وإعداده بشكل آخر وربطه في الأخير " بميثاق الأطلسى"..

ونحب أن نقولها بصراحة لا نخشى في الله لومة لائم ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء إلا أن تتقوا منهم تقاه ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض)..

فكيف يجوز لنا بعد هذا الأمر الإلهى أن نلقى بأنفسنا في أحضان الكفر..

وما الكتلة الغربية إلا معسكر صليبى برهنت الوقائع وشهد التاريخ على عدائها الصليبى الدفين والحقد على الإسلام والمسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا.. وما تجزئة البلاد العربية وإقامة دولة إسرئيل في وسطها وتقتيل المسلمين في كل قطر إلا برهانا ودليلا على هذا العداء..

فليحذ المسئولون غضبة الشعوب الإسلامية إذا حدثتهم أ،فسهم بهذا التهالك على أقدام الصليبيين. والله مع المؤمنين دائما وأبدا.


خطر الإلحاد

افتتاحية العدد الثالث من السنة الثانية للمجلة الصادر يوم الجمعة 1 جمادى الأولى سنة 1373هـ الموافق 8 كانون الثانى يناير سنة 194 م.. وفيه تحذير صريح للملحدين من الشيوعيين وغيرهم..

يروع الفئة المؤمنة في هذا البلد ما ترى من تفاقم الإلحاد وطغيان الفساد في هذه الحقبة من الزمن. والذى يحز في نفوس المؤمنين هو سكوت الحاكمين ووقوفهم موقف المتفرجين على هذا الخطر الداهم الذى أحاط بالبلاد وتخطف منها زهرات شبابها وألقاهم في هوتة السحيقة, وجعل منهم معاول تهدم في صرح الأخلاق والدين والتاريخ فباسم العلم يهاجم الدين في عقر داره من بعض الأساتذة في المعاهد العالية ممن رشفوا من مناهل الغرب وترسبت في أذهانهم القذرة عقائد الغرب وسفالات الغرب وتهجمات الغرب التقليدية على الإسلام والمسلمين.

وباسم العلم تنكر حقائق التاريخ الناصعة ممن شوهوا الحقائق من تلامذة أولئك المستشرقين الحاقدين رسل الاستعمار وقادة الضلال الذين ربوا لهم أبناء من أبناء العرب وأرسلوهم إلى ديار الإسلام ليحملوا عنهم رسالتهم التبشيرية وعقيدتهم الإلحادية وطعنهم وانتقاصهم لأقدس شريعة سماوية يفديها أهلها بالمهج والأرواح, وباسم العلم يدس بعض الخائنين المنافقين المضليين على سيد الوجود وصفوة الدنيا وإمام المرسلين والمجاهدين وخير الأولين والاخرين محمد المبعوث رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه وما علم خفافيش الظلام من أولئك الأساتذة اللئام أن لمحمد جندا يفدونه بالأرواح ويتقربون إلى الله بمحاربة المرتدين من تلامذة الغرب ومتى ما استيقن المؤمنون بالله وبمحمد رسول الله حقائق هذه المطاعن والأفواه النتنة التى خرجت منها فسيعلمون كيف يدافعون عن دينهم ونبيهم الحبيب عليه صلوات الله وسلامه .

وباسم لعلم يضحى بالفضيلة فتذبح كل يوم بأيدى الجزارين من تلامذة الغرب الذين مدهم أسيادهم ومرشدهم بالمدى الحادة ليطعنوا بها الإسلام ويذبحوا الفضائل الخلقية من الوريد إلى الوريد ليصفوا لهم الجو فيعيثوا في الأرض فسادا ويستريحوا من القيود التى يفرضها عليهم الدين والعرف والخلق ويصبحوا كالبهائم في أخلاقهم وتصرفاتهم, لا دين يردعهم ولا قانون يمنعهم ولا حكومة مسلمة حازمة تصدهم وتقيم عليهم الحد الشرعى ومن أمن العقوبة أساء الأدب.

ايها المسلمون هذه صيحة مجروح,وأنه حزين , يبعثها إليكم لتستيقظوا وتستفيقوا إلى ما يتهددنا من خطر الإلحاد الذى تخطف أبناء بعض المؤمنين منا من بين أحضانهم فأصبح الأب بواد , والأبن بواد والعصا السحرية الاستعمارية تحرك هذا وذاك وتضحك عليهم معا.

أيها المسلون احذروا أن ترسلوا أبناءكم وبناتكم إلى المعاهد الشرقية او الغربية من غير أن تسلحوهم بالعقيدة الإسلامية السليمة لتكون عندهم المناعة الكافية لصد تيار الإلحاد والفساد والاحتفاظ بمقوماتهم وأخلاقهم ودينهم.

وأنتم أيها الحكام المسؤولون خذوا لهذا الأمر أهبته وقلموا أظفار الملحدين واطردوهم من معاهد العلم فإنهم يحملون السموم القاتلة لكرامة الأمة ,تاريخ الأمة وعقيدة الأمة وحقها وسيكونون أول المنقضين عليكم المنتقمين منكم فإنهم يعضون عليكم وعلى المؤمنين الأنامل من الغيظ.

أقدر عليكم وعلى الملحدين فتقوا غضب الله وخافوا عقابه وأخذه فإن أخذه أليم شديد واعلموا بأن السيل قد بلغ الزبى فإن تماديتن في السكوت على الملحدين أكثر من هذا فغن صبر المؤمنين سينفد وإذا نفد صبرهم ويئسوا – وبوادر اليأس منكم قد بدت – فإنهم سيعلمون كيف يحمون مقدساتهم ويثأرون لكرامة دينهم ونبيهم ويقدمون أنفسهم ضحايا رخيصة في سبيل الدين الحق والرسالة السماوية الخالدة التى باعوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجلي والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به. وذلك هو الفوز العظيم..

روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه حينما نزلت هذه الآية الكريمة وسمع تلاوتها انتحى ناحية واغرورقت عيناه بالدموع فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يبكيك يا ابا بكر ؟ فقال رضى الله عنه أبكى يا رسول الله من رحمة الله بنا وعطفه علينا, وهل أموالنا وأنفسنا ملك لنا حتى يشتريها الله منا؟.

بهذا أيها الملحدون يفهم المسلمون الإسلام فأموالنا وأنفسنا ملك لربنا وهى فدى لهذا الدين فمن طوعت له نفسه أن يتحدى المؤمنين فليعلم بأنهم له بالمرصاد وسوف لا يفرطون في صغيرة ولا كبيرة وإن جند الله لهم الغالبون.

فكفوا شركم وشرككم عن المسلمين فالله غنى عنكم وقد أعد لكم جهنم وساءت مصيرا.. " قل إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإنه غنى حميد".

هذه كلمة مؤمنة نوجهها للناس لعلهم يحذرون ذلك السخط الكامن وراء الملحدين فيعدوا له عدته, ويحاربوا أنصاره وحزبه أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هو الخاسرون والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وهو حسبنا ونعم الوكيل, به آمنا وعليه توكلنا وهو رب العرش العظيم.


ميزان الإنسان

افتتاحية العدد الرابع والعشرين من السنمة الأولى الصادر يوم الجمعة 8 صفر 1373هـ تشرين الأول أكتوبر 1953

حلق الله الإنسان من نطفة من ماء مهين, ثم خلق النطفة علقة, فخلق العلقة مضغة ثم جعله عظاما ثم كسا العظام لحما, ثم أنشأه خلقا آخر فجعله في أحسن تقويم فتبارك أحسن الخالقين.

وهذا التطور في الخلق شامل لكل مخلوق من البشر لا فرق بين عربى وعجمى, ولابين شرقى ولا غربى ولا بين أبيض وأسود, ولا بين اصفر وأحمر الكل سواء ثم أنعم الله على هذا المخلوق بنعم ظاهرة وباطنة وقسمها بينهم بالعدل والقسطاس المستقيم الذى عرف به هذا الرب العظيم ذو الجلال والإكرام.

فوهب لكل إنسان عينين ولسانا وشفتين وجوارح وجنانا, وعقلا ووجدانا ونفسا سليمة طيبة ألهمها فجورها وتقواها, ثم جعل التفاضل بين الناس في هذا الجوهر اللألاء وهو " الإلهام" فمن اتقى ربه وعرف خالقه فخاف عذابه وزكى نفسه من الفجور ولم يتق الإله المعبود فقد خاب وخسر خسرانا مبينا, فالتقوى إذا هى الميزان الدقيق والمعيار الذى يوزن به أعمال الناس ومنها تعرف أقدارهم ومنازلهم ومن الأشقياء هم أم من السعداء, ومن المبعدين المطرودين من رحمة الله أم من المقربين في جنة نعيم, ومن أصحاب اليمين هم أم من أصحاب الشمال , فمعرفة الله وخوفه, وتقواه هى التفاضل بها البشر فبمقدار ما يحمل الإنسان في قلبه من هذه الصفات تكون منزلته عند رب الأرض والسموات وكلما عظمت وعلت في نفسه هذه الأسس وسمت منزلته عند الله وازداد قربه منه تعالى, والعكس بالعكس فالتفاضل في الإسلام لا يكون بكثرة العرض وعلو المراتب والمناصب ولا بغلبة الجاه وقوة السلطان إنما يكون بالتقوى وبالتقوى وحدها قال تعالى:" إن أكرمكم عند الله أتقاكم" ورب أشعث أغبر أكرم عند الله من أصحاب الجاه والسلطان, لمعرفته بربه وخضوعه لخالقه وخوفه من عذابه الأليم الشديد, ورجائه في رحمته. لذا فقد أمر الله المسلمين بالتقوى ليحموا أنفسهم من عذاب الله وليتقوا الله ربهم الذى أعد جهنم للكافرين نزلا. وأزلف الجنة لللمتقين المحسنين. قال تعالى :" يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" وحق تقاته سبحانه أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر, وأن نجعله رقيبا علينا فلا نفعل إلا ما يرضيه ولا نتخطى الحدود التى وضعها لنا. ليغفر لنا ذنوبنا ويصلح أعمالنا قال تعالى :" يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سدسدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما".

وقال تعالى :" إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم". والتقوى من الوقاية وهى حماية النفس وحفظها وصيانتها من العذاب الذى أعده الله لمنكرى فضله وجاحدى إحسانه وكافرى نعمه.

ثم التقوى في الدنيا لباس الأبرار وسمة الأطهار تزين أصحابها وتجملهم وتضعهم على عين الحق فالتقى بر كريم ومحسن رحيم ليس بالفاحش ولا المتفحش يعيش في الدنيا وكأنه غريب عنها لذا لا يطعمه الكثير ولا يخزيه القليل فهو أكرم مخلوق في الدنيا وهو أنعم في الآخرة.

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله : من أكرم الناس ؟ قال : أتقاهم فقالوا: ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبى الله أبن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله, قاولا : ليس عن هذا نسألك/ قال فعن معادن العرب تسألونى ؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. ومعنى فقهوا أى تعلموا أحكام الشريعة وتفهموها, متفق عليه فأكرم الناس, وأفضل الناس, وأحب الناس إلى الله ورسوله , إنما هو أتقاهم لا أغناهم, ولا أقواهم , الله إلا إذا كانا الغنى أو القوى تقيا فذاك الذى يجمع السعادتين ويحوز الفضلين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

ومن دعء النبى صلى الله عليه وسلم: اللهم إنى أسألك الهدى,والقتى والعفاف والغنى . فالرسول الذى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ـأخر يسأل الله القتى فيما يسأل لعظمته عند الله, فالله الخالق الرازق البارىء المصور المبدىء المعيد المحى والمميت أحق بالتقوى وأجدر بالعبادة.

قال تعالى :" قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار, ومن يخرج الحى من الميت من الحى ومن يدبر الأمر قسيقولون الله فقل أفلا تتقون".

فإذا كنتم تقرون للخالق العظيم بهذه الصفات أفلا يجدر بكم أن تتقوه أيها الناس وتؤمنوا به له تسجدون. ومن لوازم تقواه عزوجل أن تعبدوه وحده ولا تشركو به شيئا وأن تطيعوه فلا تخالفوا له أمرا فتصلوا خمسكم وتصوموا شهركم , وتؤدوا زكاة أموالكم وتجاهدوا في الله حق جهاده وتبروا آباءكم وتصلوا أرحامكم , وتجمعوا كلمتكم,وتعتصموا بحبل الله المتين وتصدقوا إذا حدثتم وتؤدوا إذا اؤتمنتم وتخلصوا في أعمالكم ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وتتيقنوا أن الله رقيب عليكم ويعلم ما تصنعون وبذا تشرون أنفسكم من عذاب الله وتبلغون حقيقة التقوى ولا ينفعنا نسب ولا حسب ولا ولد ولا نسب وقد أنذر النبى صلى الله عليه وسلم فقال " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئا, يا بنى عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئا, يا عباس بن عبد المطلب لأ أإنى عنك من الله شيئا, يا فاطمة بنت محمد سلينى من مالى ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا".

فمن أراد أن يشترى نفسه ابتغاء مرضاة الله فليتق الله ربه وليعمل لما بعد الموت فما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار الجنة او النار.

في حديث شريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون, فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء" رواه مسلم.

وغذا اتقى المرء الدنيا جعلها بين يديه ولم يحعلها في قلبه فإنها غرارة قد تجر الإنسان إلى المهالك فتهوى به في نار جهنم , وقد عرف السلف الصالح حقيقتها وفلسفتها فعملوا لها على قدر مقامهم فيها, وعملوا للآخرة على قدر حاجتهم إليها ومقامهم فيها, فاستوحشوا من الدنيا وزهرتها واستأنسوا بالآخرة وأخبارها وآمالها وإذا دعت أحدهم لتفتنه عن أمر ربه أجابها هيهات هيهات وغرى غيرى أيتها الدنيا الفانية.

وصف ضرار بن حمزة على بن أبى طالب رضى الله عنه في خلافته بعد وفاه على لمعاوية فقال:" كان والهه يستوحش من الدنيا وزهرتها, ويستأنس بالليل وظلمته, كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه, يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب, كان والله كأحدنا يجبينا إذا سألناه, ويتبدئنا إذا أتيناه ويأتينا إذا دعوناه, يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله, وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرض الليل سجوفه وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ السليم ويبكى بكاء الحزين, وكأنى أسمعه وهو يقول : يا دنيا أبى تعرضت أو لى تشوفت, هيهات هيهات غرى غيرى قد بتتك ثلاثا لا رجعة لى فيك, فعمرك قصير وعيشك حقير , وخطركم كبير و آه... من قلة الزاد وبعد السفر وووحشة الطريق.

( صفة الصفوة لابن الجوزى) هكذا تفعل في القلوب التقوى فهل إلى التقوى من سبيل لتكون العاقبة لنا معشر المتقين.

قال تعالى [ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين].

خير ما أختم به كلمتى آية قرآنية جمعت صفات المتقين فاسمعوها وعوها:

قال تعالى: [ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب, ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين, وآتى المال على حبه ذوى القربة واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب, وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون].


احـذروا...

افتتاحية العدد الحادى عشر من السنة الثانية للمجلة الصادر يوم الجمعة 17 شوال 1373 الموافق 18 حزيران – يونيه 1954

أيها الإخوة الأحبة وددت اليوم أن أحذركم مما حذركم الله منه وأن أذكركم بآيات الله, فإن القلوب كثيرا ما تغفل فتقع فيما يسخط الله فيحبط الله عملها من حيث يعلم صاحبها أو لا يعلم ونعوذ بالله من شر الغفلة والعجلة.

يقول الله عزوجل:" فيحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" فمخالفة الله عزوجل في أى أمر من أوامره تسوق الإنسان إلى الفتنة, وتقوده إلى الضلال والعذاب الأليم فاحذروا أن تخالفوا الله في أوامره لذا أوصيكم بأن تتعقبوا أوامر الله في كتابه العزيز فتمتثلوها أمرا أمرا وتطبقوها كلمة كلمة.

ومن أوامر الله التى أذكركم بها الآن قول الله تبارك وتعالى:" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين, واعملوا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينة في قلو بكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان, وأولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم".

ويروى في سبب نزول هذه الآية الكريمة, أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث الوليد من عقبة بن أبى معيط على صدقات بنى المصطلق , فلما سمع بنو المصطلق بمقدمة فرحوا له وأعدوا أنفسهم للقائه واستقباله فرحا وتعظيما لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن الشيطان حدث الوليد بن عقبة أن القوم قاتلوه فرجع من فوره وقال لرسول الله: إن بنى المصطلق منعوا صدقاتهم فأغضب ذلك النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه, وهم بغزوهم واستعد لذلك ولما بلغ بنى المصطلق رجوع الوليد بن عقبة أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم يستطلعون ما الخبر؟ وصلى لرسول الله حين صلاة الظهر, قالوا: نعوذ بالله من سخط الله ورسوله: بعثت إلينا مصدقا ( جامع الصدقات) فسررن وقرت عيوننا ثم رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك لغضب من الله ورسوله, ولم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال وأذن لصلاة ثم نزلت هذه الآية الكريمة.

لذا كان يقول صلى الله عليه وسلم( التثبيت من الله والعجلة من الشيطان" وهذه الآية تقرر أصلا في الإسلام له خطر في الحياة الاجتماعية. ومن عرف أهلاق الناس في هذا الزمن وفساد الضمائر والذمم ومهارة المكارين من المستعمرين وأذنابهم المنافقين في محاربة العاملين للإسلام خاصة وتصويبهم أسلحة الدعاية الفتاكة وخاصة في ضعاف الإيمان من عرف هذا سلم من الوقوع في حبائل شياطين الإنس والجن الذين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

ومن عرف هذا عرف عظمة هذه الاية وخطرها في حياة المسلمين ولو أن النبى صلى الله عليه وسلم عمل بقول ابن عقبة لغزا قوما مؤمنين صادقين يحبون الله ورسوله, وسفك منهم دماء بريئة, واخذ منهم أموالا بغير حق وحاشا لرسول الله أن يقع في هذا وهو المتثبت المتأنى الحكيم الصادق الأمين.

فاحذروا ايها الإخوان الكذابين الأفاكين وكم قد فرق الكذب بين الأصدقاء وكم قد سفك من الدماء, وكم شن من غارات, واثار إحنا وترات وكم فرق الأقرباء والعشائر وذهب بالأنفس والأموال.

لذا كان للصدق من المكانة ما جعل النبى صلى الله عليه وسلم:" إن الصدق يهدى إلى البر يهدى إلى الجنة" وكان للكذب من الرداءة والحصة والخسة ما جعل النبى صلى الله يقول :" إن الكذب يهدى إلى الفجور, وإن الفجور يهدى إلى النار" ألا لعنة الله على الكاذبين.

فاحذروا أخطر الأخبار الملفقة فلبعض خصومكم من المنافقين حيل قد تخفى على أشدكم ذكاء وحذرا. واعلموا أن خطر الأخبار لا يجىء من الفسق وتعمد الكذب وحده و بل قد يجىء من أنواع أخرى, فقد يكون الرجل عدلا يجىء من أنواع أخرى فقد يكون الرجل عدلا لكنه لا يعرف كيف يسمع الأخبار ولا كيف ينقلها فلا يحسن السمع ولا يحسن الأداء, وما آفة الأخبار إلا رواتها.

وقد يكون الرجل عدلا ولكنه ذو غفلة وبلاهة فتدس إليه الأخبار من الشياطين المجرمين الكاذبين فيأخذها بغفلته وينقلها على أنها الصدق الواقع الذى لا يقبل الجدل, وهذا الصنف من البلهاء أخطر علينا من الكاذبين أنفسهم فاحذروا بلاهة البلهاء المغفلين فينا

وتأملوا معانى الآية دائما وأبدا" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" ففيها من ألدب العظيم مالا بد منه لتكميل أنفسكم الناقصة وإعدادها للتحمل الشاق وتغرب الحق, والبعد عن مواطن الباطل والزلل, الوقوع فيما قد يجرى إلى الضلال أعاذكم الله من شر الضلال والعجلة و الغفلة.

قال الإمام الحسن رضى الله عنه : فوالله لئن كانت هذه الآية نزلت فى هؤلاء خاصة إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شىء".

أيها الإخوان هؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاض عليهم نوره, وغمرهم أدبه, وهذبهم تعاليمه الصافية ورياضته الروحية النقية ومع هذا فقد وقع من أحدهم ما وقع. فاحذروا فى هذا الزمن الذى عم فيه البلاء أن تقعوا أنتم فى وكوارث قد ترجكم إلى الخسران المبين.

واعلموا بأن أعداءكم سيسلكون بكم كل سبيل ليزهدوكم فى دعوتكم ويبعدونكم عن حضوركم وسيصمونكم ويصمون قادتكم بما يأنف منه أخس الناس وأرذلهم وأحط المخلوقات وأسفلهم وسيبهتونكم, ويجندون لمحارتكم كل سلاح, وأمضى سلاح فى هذا العصر سلاح الدعايات, ألم تروا إلى محطات الإذاعات ألم تروا إلى صفحهم ومجلاتهم ألأم تروا إلى جواسيسهم ما يشيعونه فى الناس مما يفل العزائم ويشكك الناس ببعضهم بعض, كل ذلك وسائل لتفريق كلمة العاملين إبعادهم عن الميدان ليخلوا للمجرمين الآثمين.

واحذروا أن تفرقوا بين الدعوة والدعاة فالدعاة هو الدعوة سائرة على قدمين والضربة القاصمة إلى الدعاة لا للدعوة ودفاعكم عنهم دفاع عن الدعوة فلا تمنوا عليهم بالباطل دفاعكم عنهم, فدفاعكم عنهم دفاع عن الدين دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, دفاع عن الله عزوجل وطاعة أمرائكم طاعة لله, ألأم تروا إلى قول الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه" ومن أطاع فقد أطاعنى ومن أطاعنى فقد أطاع الله" هذا فى الإيجاب ومثله العكس فى السلب.

فاحذروا مرة أخرى أن تفرقوا بين الدعوة والدعاة الصادقين المخلصين وشر الأعداء إنما ينصب على القادة العاملين, هل سمعتم أحد من المشركين وصم أبا بكر بالسحر أو قال عمر كذاب أو ذكر عليا بالشم والارتياب ولكنهم قالوا ذلك وأكثر من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصموه بما علمتم من سيرته الطاهرة المبرأة من كل نقص.

واذكروا أيها الإخوة الثانية التى ذكرها الله عقب هذه الآية التى فسرتها لكم إذ قال الله تبارك وتعالى[ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم] وارجعوا إلأى ابن كثير حيث قال فى تفسيرها :" أى اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه, وتأدبوا معه, وانقادوا لأمره فغنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال تبارك وتعالى:" النبى اولى بالمؤمنين من أنفسهم" ثم بين {ايهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال :" لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم] أى لو أطاعكم فى جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم كما قال تعالى:

" ولو اتبع الحق أهواهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتياناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون".

انتهى كلام ابن كثير فتدبروه وكفى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والله أكبر ولله الحمد.


فى يوم عيدك أيها المسلم

افتتاحية العدد الخامس عشر من السنة الأولى الذى صدر يوم الجمعة 1 شوال 1372 الموافق 12 حزيران يونيه 1953.

الله اكبر الله اكبر الله أكبر وهو الكبير الذى عنت الوجوه لعظمته الله أكبر وهو القاهر فوق عباده الله أكبر وهو الحى القيوم الذى دبر الكائنات بحكمته الله أكبر وهو الواحد القهار الذى أبدع الموجودات وعمها بإحسانه ورحمته. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على سيدنا محمد الذى اصطفاه الله وأيده بنصر منه أيها المسلم إن يومك هذا يوم عيد وسرور ونشوة وحبور . يوم فرح وتهان وإحسان . يوم الفلاح والنجاح يومهنىء وسعيد إنه يوم العيد وفى هذا المبارك يتجلى المولى الكريم تبارك وتعالى على المخلصين بمزيد الخير والانعام . وينظر فيه تبارك وتعالى إلى من تاب وآمن وراقب الله فى السر والعلن وينظر إلى من تغافل فيه عن عيوب الناس وشغل بعيوب نفسه ويعز الله فيه من طهر قلبه من الغل والحسد وتأدب بآداب الإسلام الرفيعة وينظر فيه إلى الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويصلحون فى الأرض والذين هم لأماناتهم حافظون والذين هم للزكاة فاعلون وللفقراء راحمون واللدين متبعون ولأمر الله طائعون.

وإذا نظر الله إلى عبد نضر فؤاده وجعله فى عيد روحى وسمو إنسانى يتذوقه إلا من سمت نفسه بالتقوى والمعرفة اليقينية وخلصت من شهوة المظاهر وغرورها. وهذا هو العيد الحقيقى عند المتقين الأبرار وليس العيد لمن تمتع بالشهوات ولبس الثوب الجديد وقلبه مظلم معلق بالباطل والزور ليس العيد لمن لبس الجديد وهو لم يأخذ أهبته ليوم الوعيد ويظن نفسه أنه سعيد ليس العيد لخائن غشاش ولا لكذاب مرتاب يسعى بالأذى والفساد بين الناس ليس العيد لمتكاسل عاطل لا يعمل لأمته ولا لدينه ولا لنفسه ليس العيد لمن يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله الجسيم ليس العيد لمن طغى وتكبر وأعرض واستدبر وآثر الحياة الدنيا. إنما العيد لمن آمن ووعى ونهى النفس عن الهوى وأقبل إلى الدين يسعى.

ليس العيد لمن عق والديه فحرم الرضى الإلهى فى هذا اليوم المبارك ليس العيد لمن تجمل بالجديد وقلبه صلد جامد كالحديد لا يرعى فى الناس إلا ولا ذمة وهو فى الآخرة فى العذاب الشديد.

وما قيمة التجمل والتعطر إذا كانت القلوب سوداء مظلمة والله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى جمال الملبس وطيب العطور ولا إلى ضحامة الأجسام وجمال الصور ولكنه تعالى ينظر إلى القلوب فيغفر لأصحاب القلوب النقية الطاهرة ويعذب تلك القلوب الكدرة الدنسة التى ران عليها فأصبحت لا تفقه شيئا ولا تعى ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل).

وفى الحديث الشريف عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم). وعجبى لصاحب هذاالقلب الأسود يهنأ فى العيد وكيف تقلب فى العيش الرغيد وكيف يسعد بلبس الجديد وهو عما قريب سيكون فى العذاب الشديد فواجبك أيها المسلم أن تحافظ على عقيدتك واتزانك وتقاك ما استطعت ولا تجعل للمعاولالهدامة لى أعمالك وأخلاقك سبيلا. فاعبد ربك فى العيد بالإحسان إلى عباد ربك وكن من السجدين الشاكرين لله فى كل حين وأوان وأعلم هداك الله أن الدنيا مزرعة الاخرة وأن الدنيا عمل ولا حساب والاخرة حساب بلا عمل. فاعمل لدنياك وآخرتك واستعد ليوم الفزع الأكبر يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويوم يعض الظالم على يديه نادما على ما جناه( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار. وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب هذى بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكروا أولوا الألباب).

وأنت ايها المسلم الغنى أدخل السرور على اليتامى والمساكين فى يوم عيدك ففى البر بهم السعادة والطمأنينة والرضى الإلهى وهيهات هيهات أن تحظى بالراحة التامة والسعادة الحقيقية – إن كان لك قلب ذكر – وأنت فى تخمة وبطنة وجارك المسكين فى طوى وعذاب وهيهات أن تحظى بالهناء فى العيد وأنت تضييع أموالك فى غير وجوهها المشروعة كما يضيعها الكثير من الهمج فى الملاهى والمقاهى وبيوت الفسق والدعارة والفجور فكم من أموال تضيع وكم من كرامة تضحى على مذابح الرذيلة فى مثل هذه الأيام وكم يتعدى أهل الغرور حدود الأدب وكم تبرج فيها نساء الجاهلية الأولى فيكتسبن لعنة الله والناس أجمعين وكم من منكر وفجور يجريان فى الحفلات الفاجرة والاجتماعات المنكرة وترى الناس وقد ركبوا رؤوسهم انطلقوا ن قيودهم فلا دين يردعهم ولا قانون يمنعهم ولو علموا أن الحياة ظل زائل وأنها أضغاث أحلام وأن مصير الكل إلى الزوال لما ارتكبوا ما ارتكبوا من الآثام فكن أنت أيها المسلم فى يوم عيدك كما أرادك الله تقيا مؤمنا خاشعا خاضعا متبتلا منيبا إلى الله مواصلا للرحم مكرما للضعفاء عطوفا على الفقراء مشغوفا بحب الخير عاملا مجدا مقدما لفطرتك فى سبيل الله متلبسا بالفضيلة عاملا لنشرها وصل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك وافش السلام بين الناس وطهر قلبك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين فإن كنت كذلك كان الله معك ناصرا ومؤيدا ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز.


أدوار أربعة

افتتاحية العدد الثانى عشر من السنة الأولى التى صدرت يوم الجمعة 17 شعبان 1372 الموافق 1 مارسمايو 1953

اسمعوا لى أيها الإخوان الأجلة واعلموا أن القرآن الكريم يجب أن يمر بأربعة أدوار فى كل فرد منا أو أن تمر بأربعة أدوار فى القرآن الكريم.

فالدور الأول الذى يجب أن يمر به كل منا هو حسن قراءة القرآن الكريم وحسن أداء حروفه وتلفظه بصورة صحيحة وأن نجعل لنا من كل يوم وقتا لقراءته, ذلك لأ، تلاوته عبادة والاستماع إليه عبادة والنظر فيه عبادة وقد أمرنا الله تعالى بتلاوته والاستماع إليه.

والدور الثانى فهو فهم القرآن الكريم وأن الله لم ينزله ألغازا ولا بلغة مبهمة وإنما قال الله تعالى ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون).

وهنا يشير البارىء إلى استعمال العقل والتدبر عند التلاوة ويقول ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).

فواجب علينا نحن الإخوان المسلمين فهم القرآن ومعرفة الغاية التى أنزله الله من أجلها وما هى الأهداف التى يرمى إليها ومعرفة الصفات التى يحببها إلينا ويحثنا على الإنصاف بها والوقوف عن المسير فى الطريق التى يراها القرآن الكريم غير صالحة واعلموا أيها الإخوان أن الفهم لا يكون إلا بعد التلاوة والتدبر بما نتلوا.

وثالث الأدوار أيها أفخوان التى لابد من المرور بها إذا كنا حقا نريد النصر والفوز وكسب رضا الرحمن هو التطبيق وهو دور مهم جدا..

دور تتوقف عليه النتيجة فإما الفوز والسعادة إن اجتزناه وإما غير ذلك غن لم نتمكن من اجتيازه ( لا سمح الله)

ايها الإخوان إن الله قد أنزل هذا القرآن الكريم ليكون دستورا لحياتنا الخاصة والعامة نحكم به ونرتضى حكمه ونأتمر بأوامره وننتهى عن نواهيه ونعلم علما يقينا أن فيه خير ديينا ودنيانا قال تعالى[ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين) فما من خير إلا ودلنا عليه وأحله لنا ,أمرنا به وما من شر إلا ونهانا وحذرنا منه وحرمه علينا وأمرنا بالابتعاد عنه فليفهم ذلك كل منا جيدا وليحاول أن يطبق فالخير كل الخير فى التطبيق والشر والذلل والخسران فى عدم التطبيق ولأضرب لكم مثلا ( ولا مناقشة فى الأمثال) لو أن قائدا أرسل كتابا إلى ضباطه فى الميدان يأمرهم بالتقدم من الجهة الفلانية والهجوم على العدو ليلا والاستعداد وتجهيز الجنود بالمعدات الكافية من الرصاص والقنابل ويأمرهم فيه بالسير على الخطة المرسومة فى الكتاب المرسل اليهم..

ولكن الضباط حين وصلهم كتاب القائد أو الأمر احتفلوا بحامل الكتاب وتناولوا الكتاب وأخذوا يقبلونه آلاف المرات ويضعونه على رءوسهم وقلوبهم وعيونهم ثم اخذوا عدة صور له وأخيرا وضعوه فى صندوق من الذهب وعطروه بالمسك والعنبر وماء الورد كل ذلك يغنى عنهم من العدو شيئا!؟... هل كان ذلك يقربهم من النصر؟؟...

كلا وإنما فى ذلك ذلهم وخسرانهم من جهة وغضب آمرهم وسخطه من جهة أخرى. لأنه طلب إليهم تطبيق ما جاء فى الكتاب لا الاحتفاء بذات الكتاب كما قلنا وكذلك مثلنا أيها الإخوان إن لم نطبق ما جاء فى القرآن الكريم وإلا فلم ينزل الله كتابه ليعلق فى صدور الأطفال خوفا عليهم من الحسد وليكون حرزا لهم من كل مكروه او ليوضع فوق الرفوف فى البيوت للبركة أو لنستجدى به فى الطرقات إنه دستور حياة ومنهاج أمة..

أيها الإخوان إن التوراة لم تأت بعشر ما أتـى به القرآن الكريم ولم نر يهوديا استجدى بالتوراة ولا نصرانيا استجدى بالإنجيل. والقرآن الكريم النظام الشامل الذى ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) يستجدى به ( إنها لإحدى الكبر) وكذلك أنزله الله ليقرأ على الأموات وإلا فمعنى قوله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) وقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) و( من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). فالتطبيق أيها الإخوان نسأل الله أن يوفقنا لاجتياز هذا الدور الخطير ولا يتحقق التطبيق ولا يسهل إلا بعد الفهم ولا يكون الفهم إلا بعد التلاوة والتدبر...

أما الدور الرابع أيها الإخوان فهو الدعوة إلى ما جاء به القرآن لهداية الناس وحملهم على السير فى ركابه وإفهامهم بأنه الدستور الحق الذى ( لا يأتيه الباطل من بيد يديه ولا من خلفه) فهو دستور خالد سهل ميسور لا ظلم فيه ولا بغى ولا فجور وأن تذكر الناس بسعادة أجدادنا أيام كن القرآن دستورهم وكيف كانوا سادة الدنيا وخلفاء الناس فى الأرض ليس فيهم من يشكو ظلما ولا نجد فيهم للفقر أثرا وكلهم سعداء فى ظل الإسلام تحت راية القرآن وإذا قيل للأخ إن ذلك الزمان ولى وقد تطورت الأيام وتبدلت نفوس المسلمين فهند ذلك يكون للأخ تلاوته وفهمه وتطبيقه للقرآن دليل وبرهان على أن القرآن نظام كامل شامل لحياة الإنسان فى كل زمان ومكان وفى ذلك يقول الله عزوجل ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ويقول ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين ) فاحرصوا أيها الإخوان على أن نمر بهذه الأدوار الأربعة من القرآن الكريم وأن تجتازها بتوفيق الله إن شاء الله وأخيرا وليس آخرا أوصيكم أن تحافظوا على النظام والتدرج فى هذه الخطوات والله معنا ولن يترنا أعمالنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

والله أكبر ولله الحمد


ثلاث طوائف من الناس فى القرآن

افتتاحية العدد السادس عشر من السنة الأولى الذى صدر يوم الجمعة 14 شوال 1372 الموافق 26 حزيران – يونيه 1953

أيها الأخ المتفكر فى ملكوت السموات والأرض والمؤمن بأن للكون ربا جبارا متكبرا يفعل ما يشاء ويختار وما كان لهم الخيرة

يبعث الرسل وينزل عليهم ليبينوا للناس ما أنزل إليهم من ربهم.

لك أيها الإنسان المتدبر تحية من عند الله مباركة طيبة عبيرها من أريج زهر الجنة ونورها من نور رب العزة والجبروت.

أرسلها إليك من منبر الأخوة وأنت الجدير بها ولأبين لك بعد هذه التحية المؤمنة أن هذا الرب الكريم الذى نوحده ونعبده ولا نعبد ربا سواه قد أقسم الناس الذين شرفهم بالرسل وكلمهم بالعقل والعلم إلى طوائف ثلاثة وحثك على أن تكون من الطائفة الناجية المختارة التى رضى الله عنها وأرضاها.

1-طائفة منهم غفلوا عن سر وجودهم وجهلوا حكمة الله فى خلقهم وتنكروا للدين ينهشونها من كل جانب وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. لهم قلوب ولكنها ليست كقلوب المؤمنين لأنهم لا يفقهون بها ما يفقه المؤمنون ولهم آذان ولكنهم لا يسمعون بها, أولئك كالأنعام بل هم أضل. لا هدف لهم ولا غاية وهؤلاء هم الذين عناهم الله بقوله:" ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" الأعراف. وهم الذين عنوا كذلك بقوله تعالى: " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون". الأنفال.

2-والطائفة الثانية قوم حددوا هدفهم وعينوا غايتهم ولكنه هدف حقير وغاية رخيصة فهم يسعون إلى امرأة جميلة أو مركب وثير وطعام هنىء وشراب مرىء ولقب فخم ومنصب ضخم وحكم وسلطان وأنصار وأعوان ومال وبنيان وهؤلاء هم الذين يقول الله فيهم:

" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب" آل عمران.

وهؤلاء يشتركون مع الطائفة الأولى فى نسيان الله تعالى والتنكر لأوامره شغلتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله تعالى والله عزوجل يقول فى هؤلاء وأولئك " نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" وهؤلاء وإن ابتسمت لهم الحياة وأقبلت عليهم فى الظاهر واستحلوا الشهوات واستمرؤا اللذائذ وانغمسوا فى المنكرات إلا أن الله تبارك وتعالى يأبى إلا أن تكون عليهم حسرات مشوبة بالخزى والمنغصات عاجلا أو آجلا.

" فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون" التوبة. وفى التفسير المأثور لهذه الآية إنما يريد الله ليعذبهم بها أى يجمعها فى الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم بحبها وهم كافرون بمنع حق الله فيها.

وهكذا يجعل الله النعم نقما ويحول الخيرات شرورا ويجعل من جنة العصاة المجرمين جحيما يرسل عليهم فيها الحمم والعذاب الأليم جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد

و" ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجز من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى" طه

3-والطائفة الثالثة هم جماعة المؤمنين الذين عرفوا حكمة وجودهم وأدركوا السر من خلقهم وهؤلاء هم الذين استنارت بصائرهم فهدوا للحق وهدوا إلى صراط الحكيم الحميد فجعلوا هدفهم معرفة ربهم وغايتهم تحقيق الرسالة الألهية العليا وهى أن يكونوا لله فى الأرض كالملائكة فى السماء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وهم الذين وهبوا أنفسهم لله ولم يشذوا عن هدي نبيه ولم ينحرفوا عن دينه القويم وقد أوقفوا حياتهم لتحقيق الهداف التى رسمها الله لهم فى كتابه لا يريمون عنها وأهدافهم المرسومة هى التى جمعها الله فى قوله الحكيم:" يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" الحج.

فالأمر بالركوع والسجود أمر بالصلاة غذ الصلاة أكبر مظهر من مظاهر العبودية لله تعالى وفيها تطهير النفس وتزكيتها وتصفية الروح وتنقيتها من كل درن " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر".

والأمر بالعبادة أمر بكل نوع من أنواعها وفيها الفكر والتلاوة والدعاء والأمر بفعل الخير يتناول كل خير بالنسبة للناس جميعا. كما أن أول الآية يتناول حق الله تعالى وحق الناس وإذا أدى العبد حق الله تعالى وحق الناس فقد أدى ما عليه واستوجب بذلك الربح والفلاح ولهذا اختتمت الآية بقوله تعالى ( لعلكم تفلحون).

ثم إن مهمة المؤمن فى هذه الحياة لا تقف عند العبادة وحدها وفعل الخير بل تتعداهما إلى معالجة مشاكل الدنيا والصمود لها بكل حكمة وثبات بل وتتعدى هذا الجهاد فى سبيل اله والعمل على إعلاء كلمته حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وهذا ما ندبنا الله إليه وحثنا عليه لننال العزو والكرامة فقال تعالى:ط وجاهدوا فى الله حق جهاده" وحق الجهاد استفراع ما فى الوسع وبذل أقصى ما فى الجهد لنيل المقصود وهذا كله إنما هو ثمن اجتباء الله تعالى لنا واصطفائه إيانا ولذلك عقب هذه الأوامر بقوله :" هو اجتباكم" ولما كان يخيل للبعض أن فى هذا حرجا ومشقة نفى الله ذلك فقال:"وما جعل الله عليكم فى الدين من حرج" وذلك لأن الإنسان إذا مات فى سبيل الله أو قتل فإنما ذلك حياة له: " ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون" آل عمران. وإن الله تعالى فضل هذه الطائفة المؤمنة من الأمة الإسلامية المباركة التى جعلها الله فى موضع القيادة وجعل المسلمين شهداء على الناس فما عدلوه كان عدلا وما جرحوه كان مجروحا" وكذلك جعلناكم امة وسطا – أى عدلا – لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة

بينما الرسول صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ مرت بهم جنازة فأثنوا عليها خيرا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شرا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت فقال الصحابة يا رسول الله مرت الأولى فقلت وجبت ثم مرت الثانية فقلت وجبت فما وجبت فى الأولى وما وجبت فى الثانية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة وما أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله فى الأرض. أبو دواد قد يجد المؤمن فى نفسه أنه لا يقوى على القيام بهذه المهام الجسام فأرشده الله إلى قوتين لن يغلب ما تمسك بهما الأولى قوة النفس التى يستمدها من الصلاة والزكاة والثانية قوة الاعتصام بالله والثقة به وهذا ما أشار الله إليه فى قوله : " فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" هدانا الله لأقوم السبل ووجهنا الوجهة الصالحة إنه ما يشاء قدير وهم نعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


حديث من مكة

افتتاحية العدد الثالث والعشرين من السنة الأولى الصادر يوم الجمعة يوم 22 محرم الحرام 1373هـ الموافق 2 تشرين الأول – أكتوبر 1953م

الحمد لله الذى عنت الوجوه لكبريائه وعظمته وهو القادر الذى أبدع الموجودات وشملها بإحسانه ورحمته وصلى الله على سيدنا محمد إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين إلى جنة عرضها السماوات والأرض أ‘دت للمتقين.

أيها المسلون يا من أعزكم الله بإلإسلام وأكرمكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وجعلكم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله أحييكم أكرم تحية من اقدس مكان وأول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعاملين فيها آيات بيانات مقام إبراهمي ومن دخله كان آمنا. وأحدثكم أيها المؤمنون من هذه الديار المباركة الطيبة التى اختارها الله عزوجل فجعل فيها قبلة العالمين وأمرهم أن يولوا وجوههم شطرها وجمع حولها القلوب وجعلها مهوى الأفئدة والأبصار ومحط الآمال ومعقد الرجاء واجتباها الله وهو أعلم حيث يجعل رسالته فأشرق منها شمس الهداية لأقدس رسالة سماوية وأ‘ظم دعوة ربانية فطلع منها نور الإسلام وتلألأت أضواءه وسار فى الأفق حتى بدد بأقياس من أشعته ظلمات الجهل والظلم والشرك والشك وأنار الأبصار والبصائر, ايها المسلمون احدثكم اليوم من مكة المكرمة بعد أن وفقنا الله فقضينا حجنا وأدينا مناسكنا ورجعنا إلى ربنا منبيين إليه وقد انتهت أيام الحج لهذا العام وإنها حقا لأيام عظيمة مباركة ذات هيبة وجلال وقد بسط الله فوائد التكريم لعباده المتقين و أيام حفظ لنا التاريخ أخبارها ووعى الإسلام فجعلها عيده الأكبر ويومه الأغر المحجل وفى مقل هذه الأيام يتجلى الله الكبير المتعال على المخلصين بمزيد الإنعام ووافر الإكرام وينظر إلى أهل الصلاح ويقبل من تاب إليه وأناب وفى يوم من مثل هذه الأيام وقف النبى الكريم صلوات الله وسلامه عليه فحرم من المسلمين على المسلمين دماءهم واموالهم وأعراضهم إذ أنهم أمة واحدة وهم كنفس واحدة إخوة فى الله تجمعهم كلمة التقوى متحابون متناصرون متناصحون ورد عن ابى بكرة بن الحارث رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال " أى يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال : أليس هذا يوم النحر؟ قلنا: بلى , قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب ثم قال: ألا هل بلغت ؟ قلنا نعم ؟: اللهم اشهد)

والله يشهد وملائكته ونحن نشهد على أن الرسول الأمين قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ونصح لأمته وما ترك من سبيل يقربها إلى الله وسلك بها إليه وأمرها به ومن سبيل يباعد بينها وبين ربها إلا حذرها منه ونهاها هذا الرسول الكريم ولا تعصى له أمرا ففى ذلك الخير كل الخير والضمان لحياة حرة كريمة وعزيزة.

وليس للمسلمين اليوم وهم على ما عم عليه من التخاذل والتناحر والتدابر حتى أصبحوا فى حال لا يحسدون عليها وطمع فيهم من لا يدفع عن نفسه حتى كلاب البشرية وشذاذ الآفاق من اليهود المجرمين ومن شايعهم من المستعمرين والمستهودين ليس للمسلمين سبيل غير سبيل الله والرسول قال تعال وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).

أيها المسلمون:

إن طريق الله واحد لا يتعدد مستقيم لا عوج فيه فمن أراد النجاة والسلامة سلكه ومن تركه خاب وهلك وطريق الله هو الإسلام وهو دين الله الذى لا يرضى به بديلا( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) ( إن الدين عند الله الإسلام) وهو رسالة الخلود ونظام الحياة الشريفة الفاضلة ومهمة الإسلام أن ينشىء الناس نشأة شريفة فاضلة ليعيشوا فضلاء كرماء فى أمة شريفة مجيدة تعيش على الحب والتسامح والتناصر والتعاون والوفاء والعدل والمساواه والجد والعمل. أمة لا كالأمم , مهابة الإسلام تعلوها وسجاياه الحميدة تزيينها وتحليها عاشت بالإسلام زمنا نعم الزمن حملت فيهإلى الناس نور الهداية ومشغل العلم والحرية والعدل والمساواة لا فضل فيها لأحد على أحد إلا بالتقوى, لاظلم ولا اعتداء لاكبر ولا استعلاء, الحقوق مصونة والكرامة لكل أحد موفورة والرزق واسع والرحمة شاملة فالحياة رغيدة والعيش سعيد والتعاون ظاهر بين الناس فى كل مرفق من المرافق الحياة حتى أصبحت بحق خير أمة أخرجت للناس وتمنى نصرها وداومها من كان بالأمس خصما لها وتم لها النصر فى مشارق الأرض ومغاربها. وكانت عناية الله تصحبها وترعاها والأرض لله يورثها للصالحين من عبادهويمكن لهم فيها ماداموا على الطريقة والحجة الواضحة فإذا زاغوا أزاغ الله قلوبهم وتركهم فى ظلمات لا يبصرون, وتلك سنةالله ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا والمسلمون اليوم نسوا الله فنسيهم ووكلهم إلى أنفسهم فهانوا على أنفسهم وعلى الناس وتفرقوا أيدى سبأ وأصبحوا فى العالم الصاخب أضيع من الأيتام فى مأدبة اللئام وحالنا ظاهر لا يخفى على احد أضعنا الصلاة واتبعنا الشهوات فلقينا الغى الذى حذرنا الله منه إذ أصاب من كان قبلنا حينما صنعوا ما صنعنا والمستعان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

ايها المسلمون:

ما أحوجنا اليوم إلى عود حميد إلى رسالة الإسلام نرعاها قولا وعملا – كما رعاها السلف الصالح – لترعانا ونصونها لتصوننا وتنقذنا من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التى تتخبط اليوم فيها, فإذا هدنا إلى الله بالتوبة والطاعة والإنابة عاد إلينا بالمغفرة والعزة والنصر والفتح المبين إن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم.

نسأل الله عزوجل أن يرد المسلمين إليه ردا جميلا وأن يريهم الحق حقا يوقفهم لاتباعه وان يريهم الباطل باطلا ويوفقهن لاجتنابه إنه أكرم مسئول وخير مأمول وهو نعم المولى ونعم النصير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


عبء ثقيل

افتتاحية العدد الخامس السنة الأولى والذى صدر يوم الجمعة 7 جمادى الأولى 1372 الموافق 23 كانون الثانى – يناير 1953.

أيها الإخوة الأحبة سلام الله عليكم

كلمتى وصية . وبيان:

أما الأولى فأوصيكم بتقوى الله فى السر والعلن وأن تحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتعلملوا لله مخلصين له الدين حنفاء.

ومن تقوى الله , اتقاء شر النفس, ونزغات الشيطان.

فإن الشياطين من الأنس والجن ليحومون حول قلوبكم ودعوتكم فإذا غفليتم انقضوا عليكم انقضاض البوازى الجارحة: وسلبوكم أعز ما تملكون وما تحبون فاتقوا الغفلة , واتقوا هوى الأنفس ولا تكونوا من الذين قال الله فيهم ( لهم قلبو لا يفقهون بها, ولهم أعين لا يبصرون بها, ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) وغفلة القلوب مرض كمرض الجسوم لا يشفيه إلا التدريج فى العلاج, وعلاجه بالطاعة والعبادة والتهجد ودوام ذكر الله ومراقبته عزوجل. وأياكم وإكراه القلب بما لا تحب فإن القلب إذا أكره عمى ورضى الله عن الإمام على بن أبى طالب إذ يقول :" إن للقلوب شهوات وإقبالا وإدبارا فأتوها من قبل شهواتها وإقبالها شهواتها وإقبالها. فإن القلب إذا أكره عمى".

أيها الإخوان: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا , وسددوا وقاربوا واعملوا بصمت, ورفق وأناة" وواصلوا السير فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل . واعلموا أنكم دعاة إلى الله فلا يدانيكم فى الفضل أحد من العالمين إلا من دعا بدعوتكم وعمل صالحا كما تعلمون " ومن أحسن قولا ممن دعا بدعوتكم وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين". بيانى لكم هو أن تعلموا أن مهمتكم ثقيلة , ليست ميسرة ولا سهلة إنها مهمة النبياء وميراث رسل الله الأصفياء , وإنكم فى دعوتكم إنما تعالجون نفوسا بشرية إستحوذ عليها الشيطان فأنساها ذكر الله وأبعدها عن شريعة رسول الله حتى غدت أحكامها معطلة وحدودها موقوفة وشاع بينها المنكر وتناست واجب الأمر بالمعروف وجاهر الناس بالعصيان حتى غدت الدعوة إلى القرآن غريبة فى ديارها وأنتم من مبادئكم إعادة مجد القرآن, وإحياء شريعة الإسلام قولا وعملا, والتحاكم إليها والحكم بها" وإن أحكم بما أنزل الله إليك" الآية " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".

فأعدوا أنفسكم للأمر الجسيم, ووطنوها على الصبر والثبات فالعبء ثقيل والطريق بعيدة ومحفوفة بالمخاطر إلا أنها مأمونة العواقب مضمونة النتائج فى إحدى الحسنين هما النصر والفتح, وإما الشهادة والجنة" إنا سنقلى عليك قولا ثقيلا".

واعلموا أنه كلما عظم الشر فى الأمة ازدادت متاعبكم وعظمت عليكم المسئولية وكان العبء أجسم, وأجل وأخطر ولم يبلغ الشر فى زمن من الأزمان ما بلغه فى زمانكم هذا, فاستعينوا به على معالجته فى نفوس الناس ثانيا.

وعوجوا بهم إلى حيث المجد والخلود إلى حيث دعوة القرآن ورسالة الإسلام برفق ولين وأناة. فإن النفوس قد جمحت, والأرواح قد شردت فردوها إلى العقيدة الصحيحة بالحكمة والموعظة الحسنة.

واعملوا لله, واهنؤوا بعملكم, فإن للعامل منكم اليوم أجر خمسين رجلا من كانوا يعملون مثل عملكم, وهاكم البشرى نم رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رايتم شحا مطاعا وهوى متبعا, ودنيا مؤثرة وإعجاب أياما الصابر فيهن كالقابض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم" فاتقوا الله واصبروا وصابروا ورابطو واعلموا أن النصر مع الصبر والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون والحمد لله رب العالمين والله أكبر ولله الحمد.


لواء الأخوة الإسلامية: أهداف الإخوة بين عهدين

هذه افتتاحية مجلة لواء الأخوة الإسلامية التى صدرت فى العهد الجمهورى الجديد ورخصة جديدة وقد صدر منها سبعة أ‘داد فقط ثم هاجمها الشيوعيون وأ‘وانهم وحطموا مطبعتها وإدراتها وسلم الله رئيس التحرير من شرهم وغدرهم وكانوا عشرات الألوف يحملون معهم السلاح والحبال لقتل الصواف وسجله فى الشوارع ولكن الله سلم وحفظ وهذه افتتاحية العدد الأول الذى صدر فى يوم الخميس 12 رجب سنة 1978 هـ الموافق 21 كانون الثانى يناير سنة 1959م.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلوات اله وسلامه على النبى العظيم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

وبعد : فهذه (مجلة لواء الأخوة الإسلامية) أقدمها لقراء الأعزاء فى ثوبها الجديد إسلامية المنهج ربانية تدعو إلى الله وتكشف عن محاسن الإسلام ومزاياه العظيمة وترفع صوت الإسلام فى العراق وتحميه وتذود عنه, وتبشر به وتدعو إلى الله وتعرض أحكام الإسلام الخالد على المسلمين أنفسهم عرضا فطريا اثر بسيطا سهلا مجردا من الشوائب والبدع والخرافات مقتفية فى العرض اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان قبل تبلبل الأفكار وتفكك الوحدة الإسلامية وغلبة الدنيا واستبداد الأهواء والمطامع على الناس.

"ولواء الأخوة" مجلة الإسلام فى يسره وسماحته, وصدقه وصفائه, وعفوه وإحسانه ونقاوته وسلامته ووضوحه وبيانه وطهره وعفافه وعدله ومساواته وحلمه وأناته وصبره.

تسير فى خدمة دعوة القرآن وتجلى للناس فضائل الإسلام وترفه عنه مغالاة الغالين وزيف المبطلين ومغالطة الجاهلين المتعصبين, والملحدين المعاندين. والمسلمون عندها كأسنان المشط فهم فى الإسلام سواء لأفضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى, وقد ربط الله بين قلوبهم بحبله المتين وعقد بينهم بعقد الإخوة الإسلامية وجمعهم على كلمى التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وما عقده الله بيديه لا تفصمه يد البشر مهما أوتيت من قوة فى الندم والتخريب.

وستعمل هذه المجلة إن شاء الله لتنمية هذا العقد وتقويته وتوثيقه لتبعث الأخوة الحقيقية بين أبناء الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة والمجد الأثيل.

أما النعرات الفكرية والاجتماعية والعصبيات والجنسيات والإقليميات والطائفيات والحزبيات فى حدودها الضيقة ومستنقعاتها الآسنة فستلوى هذه المجلة عنقها عنها, وتصد عنها وتجارتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا, وستعالج قضاياها فى كثير من الجرأة والوضوح والإقدام على ضوء الإسلام ووفقا لمبادئه العالية وأحكامه القويمة.

نقول هذا مع علمنا ويقيننا بأن الإسلام وهو دين الله الذى ارتضاه واختاره للعالمين كان ولا يزال وسيبقى كما كان كالطود الشامخ يصد عاديات الزمن ويكسر كل رأس انتطح به.

وعبثا يحاول من أراد أن يثلم هذا العلم الأشم, ورب العزة والجبروت ومالك الملك يقول: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

ومن الأعراض التى ستعمل لها هذه المجلة وتجاهد فى سبيلها ما حييت هى :

1-العمل على تثبيت العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص فى النفوس وتقوية روح التدين فى الأمة الإسلامية.

2- عرض الإسلام على أنه نظام عالمى شامل يعالج الحياة فى مختلف شؤونها.

3- بعث الأخوة الحقيقية بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".

4- مكافحة روح ( التفرنج) والإنحلال فى النساء والرجال.

5-دعوة المسلمين إلى القوة وأسبابها " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".

ثم أرجوا بعد هذا أن تكون هذه المجلة صوت اليقظة الإسلامية الواعية ورسالة الوعى الناهض للدعوة الروحية والبعث الإسلامى المنتظر وطليعة الفتح لدعوة الإسلام النامية ورسالته السامية. هذه مبادئ أعلنتها وسطرتها فى العدد الأول للمجلة فى عهدها القديم ثم سرت عليها بقوة مستهدفا إرضاء ربى أولا وتحقيق المثل الإسلامية والرسالة المحمدية التى عشنا لها وسنحميها ونموت فى سبيلها حتى تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. ولقد أكملت المجلة سنتها الأولى وهى رافعة الراس كافحت الاستعمار والمستعمرين وحاربت أذنابهم وعملاءهم المجرمين وتصدت لأولئك المارقين الذين حادوا الله ورسوله فكبتوا كما كبت الذين من قبلهم, ولكنهم أضمروا لها الغدر والكيد وضاقوا بعا ذرعا وعبسوا بوجهها وبسروا ثم أدبروا واستكبروا وتجبروا وأخيرا أصدورا أمرهم بإلغاء امتيازها, ولما ينقض من عمرها السنة الثانية ثم أعقبوها بحل جمعية الأخوة الإسلامية ومصادرة أملاكها المنقولة وغير المنقولة.

وظنوا أن سياسة الكبت ستدوم, وأنهم فى الحكم خالدون, ولم يعوزهم إلا أن يقولوا كما قال إمام الفراعنة المتجبرين من قبلهم " أنا ربكم الأعلى , فأخذه الله نكال الآخرة والأولى, إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى" فأغرقه الله فى الدنيا وسيحرقه أنبياء الله, ورسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولم يتعظ هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون لهذا الجبار حديثا فبغوا فى البلاد وأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد وصدق الله غذ يقول " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين".

وهكذا.. فلم تشرق شمس يوم 14 تموز 1958 إلا وقد أحيط بهم " وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار" فكانوا عبرة للمعتبرين ومثلا للخالين وصعق الإستعمار وأذنابه صعقة مذهلة طوحت به وبآماله فى هذه البلاد الحرة الكريمة, وحيا الله جيش العراق وأبطال العراق وعلى رأسهم اللواء الركن عبد الكريم قاسم وحماهم من كل كيد وغدر ووفقهم لما فيه رضاء الله عزوجل وصالح البلاد والعباد.

ويسرنا ونحن فى غمرة هذا العهد الجمهورى الجديد أن يعود " لواء" الأخوة الإسلامية عاليا خفاقا ليتم ما فاته من خدمة هذا الدين العظيم خلال السنوات الخمس العجاف, ولنجدد العهد أمام الله على الإخلاص لديننا وأمتنا وبلادنا التى هى وطننا وحبها جزء من إيماننا ممتزج بدمائنا وأرواحنا, والعمل لخدمة بلاد الإسلام والبلاد العربية جزء منها, والعمل على وحدة الصف وجمع الكلمة وتوحيد الجهود فى هذا البلد المسلم العريق الذى حمل لواء الإسلام وكان مستودع البطولات ومستقر الحضارة الإسلامية ولا تزال جذور هذا الإسلام العظيم تنبض بالحياة فى قلب أغلبيته الساحقة وجموعه الزاخرة من الشمال إلى الجنوب وسوف لن تقتلع هذه الجذور من قلوب الشعب العراقى لأبى المسلك... بل فى يقيننا أنها ستزيد صلابة وقوة فى هذا العهد الجديد الذى صرح قائده الهمام عبد الكريم قاسم ذات مرة أن هذه الثورة قائدها الله ولولا الله ما انتصرت فقد شاءت إرادة الله أن يطوح برجال ذلك العهد ويجعلهم عبرة للناس ومثلا( وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم ونبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال).

هاهنا موطن العبرة والذكرى – وضربنا لكم الأمثال – فحق الإسلام علينا عظيم وجسيم ومن انتصر به نصره الله ومن أخذ به فقد هدى إلى صراط مستقيم فعلينا أن نعتبر ونسير بهدى هذا الدين ننصره وننشره ونصد عنه افتراء المفترين وحقد الضالين المضلين ( الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).

وأملنا أن تسير الحكومة الجمهورية بهدى الإسلام, وأن يكون لهذا الدين نصيبه الأكبر من عنايتهم ورعايتهم فالدين دين الله فمن نصره كان حقا على الله نصره وتثبيت أقدامه " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم". وأخيرا نسأل الله عزوجل أن يوفق أولياء الأمور لما فيه صلاح الدنيا والدين وأن يعينهم فى جهودهم التى يبذلونها, وأن يريهم الحق حقا ويوفقهم لأتباعه وأن يريهم الباطل باطلا ويوفقهم لاجتنابه... فالله ا الملاذ وهو البر الكريم والغفور الرحيم منه النصر وله الأمر والحكم وإليه ترجعون والحمد لله رب العالمين.

رئيس التحرير/ محمد محمود الصواف


نحو مجتمع أفضل .. من آثار الحكم بما أنزل الله

افتتاحية العدد الثانى من لواء الأخوة الإسلامية الصادر يوم الخميس 19 رجب 1378 الموافق 29 كانون الثانى يناير1959

الإسلام رسالة السماء إلى الأرض وهو نعمة الله الكبرى , وهدايته العظمى إلى العالمين" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين". وكما أن الله تبارك وتعالى أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة . فكذلك أنزل من السماء شريعة السماء فأحيا بها القلوب, وأنهض العزائم وبعث الشعوب, ووحد الأمم وجعل منها أمة واحدة, كانت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله, وتدعو إلى الله بالحكمة والسداد والموعظة الحسنة والرشاد. لقد أناط الله بهذه الأمة هداية الناس. وجعلها أمة وسطا لتكون شاهدة على الناس ويكون الرسول عليها شهيدا فأدت الأمانة, وبلغت الرسالة وجاهدت فى الله حق جهاده, حتى جعلت كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

وتكون ذلك المجتمع الإسلامى السعيد, تحت ظل الإسلام, وفى هداية القرآن وأقيم حكم الله فى الأرض, ذلك الحكم الآلهى العادل لاذى عاش الناس فى كنفه فى دعة ورغد وسكون وكانت غاية هذا الحكم كما بين الله عزوجل فى عدة مواضع من القرآن العظيم, أن يقيم الحق ويحكم بالعدل ويقيم المآثر والمكارم التى يحب الله أن يتحلى بها المجتمع البشرى, كما يحب الله أن يتخلق الناس بالأخلاق الربانية السامية, وأن يبعث خيراتها فى هذا المجتمع تلك المآثر والخيرات المبينة على الصدق المحض والعدالة الناصعة والأمانة النقية الطاهرة ويستأصل وينفى عن الأرض كل ما حرمه الله من الفواحش والمنكرات ويطهرها من شوائبها وأدناسها كالغدر , والغش, والاعتداء, والخيانة ويقضى على كل ما يتوقع منه أن يكون مبعث فساد فى الأرض, ويأتى على مصالح عباد الله من صنوف الشر والفوضى والإباحية.

ومن اسباب عظمة الحكم بما أنزل الله هو أن عنى بالناحيتين الروحية والمادية فمن حق الجائع فى الحكم الإسلامى أن يطعم, ومن حق العارى أن يكسى ومن حق الجريح أن يداوى ومن حق المريض والمصاب أن يواسى وهذه الحقوق مضمونة فى الحكم الإسلامى للمسلم وغير المسلم..

وإنما أنعم بها الإسلام على الإنسان من حيث هو إنسان, لها منزلة الحقوق الأساسية فى دستور الحكم الإسلامى. لذا فقد كانت رسالة الإسلام رسالة خير, وبركة ورحمة للناس كافة و نادت أنها رسالة رسالة عالمية شاملة, ودعوة ربانية كاملة, وأنها للبشر كافة. فلم يجىء الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم رسولا لقريش خاصة ولا لعرب الجزيرة وحدهم, ولا للجنس السامى أو الآرى, إنما أرسل إلى البشرية كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وإلى الشعوب أجمعين فى أقطار الأرض كلها قال تعالى:" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا".

فآمن به من أسعده الله بهذا الإسلام العظيم, وجمعت أولئك المؤمنين فكرة ربانية واحدة وعقيدة سماوية خالدة, آخت بينهم فعاشوا بهذا بهذا الإخاء منعمين, وظلوا فيه مرفهين. إخاء دائم, وحب خالص رصين, بين قلوب متآلفة ونفوس متجانسة, الله الذى جمع بينها وألف " لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" الأنفال – 62 حتى أصبحوا وكأنهم على قلب رجل واحد منهم. تألف منهم المجتمع الإسلامى السعيد الذى أصبح كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا, بفضل التضامن الاجتماعى والتكافل الإسلامى الذى طبعهم عليه دينهم الحنيف حتى جعل احدهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وكانوا يدا على من سواهم دينهم النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم, وخلقهم التواضع والحب والإحسان صنعتهم يد الله فكانوا خير أمة أخرجت للناس وصقلتهم أنامل الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم الرفيقة, فكانوا كالأنجم الزهر فى حياة البشرية التائهة أناروا وقادوها إلى حيث الخصب والخير والحياة والنماء.

ولقد أفصح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه صفة هذا المجتمع الذى انعدمت فيه الجريمة وعاش أهله عيشة الحب والكرامة والهناء. فقد روت بطون التاريخ أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أسند إلى عمر بن الخطاب قضاء المدينة المنورة فمكث عمر سنة كاملة لم يفتتح جلسة فى محكمة ولم يختصم إليه اثنان , والمدينة آنذاك عاصمة الخلافة الإسلامية ومحط الركبان من كل مكان فمل عمر مكانة, فمل عمر مكانه وطلب من أبى بكر إعفاءه من القضاء فقال له أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟؟

فقال عمر رضى الله عنه : لا يا خليفة رسول الله, ولكن لا حاجة بى عند قوم مؤمنين.

عرف كل منهم ماله من حق فلم يطلب أكثر منه. وما عليه من واجب فلم يقصر فى آدائه.

أحب كل منهم لأخيه ما يجب لنفسه, إذا غاب أحدهم تفقدوه إذا مرض عادوه وإذا افتقر أعانوه وإذا احتاج ساعدوه وإذا أصيب واسوه.

دينهم النصيحة وخلقهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ففيم يختصمون؟؟؟

هذه الصورة المثالية التى أعطاها عمر بن الخطاب رضى الله عنه للمجتمع الإسلامى الأول, الذى تربى على مدرسة القرآن. وتخرج على ي عادى الأمة ومعلم الناس الخير محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه, فأين نحن من هذا المجتمع الكريم؟؟ وأين نحن من تلك الأخلاق؟؟ إن مجتمعنا اليوم يئن تحت وطأة الأنانيان,تأكله وتكاد تأتى ـأتى عليه الخصومات , وتقتله العصبيات والحزبيات فى حدودها الضيقة ومستنقعاتها المليئة بالأقذار والأكدار. أمة واحدة ذات رسالة خالدة أصبحت وكأنها أمم متناحرة لا ترقب أحداهما الأخرى إلا ولا ذمة وقد نسيت رسالتها وأضاعت رشدها وبعدت عن ربها, وتناست دينها, وتنكرت لمبادئها ,فوقعت فيما وقعت فيه من العذاب قال تعالى:

" قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض".

حقا إنه لعذاب أليم شديد, أن ترى الأمة الواحدة تنتاحر وتتخاصم فتفتح بعملها هذا منافذ للمستعمر الكافر الذى يتربص بها الفرص , وماذا دهانا أيها الناس ؟ ما الذى أصابنا فأفقدنا رشدنا وهدانا؟ إننا نقولها صريحة, ونعلنها واضحة بينة إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به لولها – وقد صلح أولها بالإسلام فلا صلاح لنا إلا بهذا الإسلام العظيم فجميع النظم والمبادىء الوافدة علينا ر يمكن أن تنسجم مع طبيعتنا ومثلنا وأخلاقنا العامة لقد عاش سلفنا الصالح الإسلام عيش المحبة, والسلام تآخوا وتعاونوا وتناصروا فلماذا لا نسعد نحن بمثل ذلك العيش الهنىء فى وسط ذلك المجتمع العظيم الذى انعدمت فيه الجريمة حتى أصبح ولا مكان للقاضى فيه, ولا محل للجريمة بين أبنائه.

وإذا جهلنا نحن هذه المبادىء السماوية الربانية فماذا على الإسلام من جهل مسلم كما قال ذلك الرصافى:

فإن كان ذنب المسلم اليوم جهله

فماذا على الإسلام من جهل مسلم

هذه صورة من صور المجتمع الإسلامى فى عهده الأول نسأل الله عزوجل أن يوفقنا ويوفق أمتنا ورجالنا العاملين المخلصين وعلى رأسهم اللواء الركن عبد الكريم قاسم الذى نادى ولا يزال ينادى بجمع الصفوف ووحدة الكلمة نسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا وقلوبهم أخوانا, ويجمعنا وإياهم على طاعته أعوانا. وأن يردنا إليه سبحانه وتعالى ردا جميلا وأن يجعل كلمته هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والحمد لله رب العالمين.


فى سبيل الله والمستضعفين

افتتاحية العدد الثالث من لواء الأخوة الإسلامية الصادر يوم الخميس 27 رجب 1378 هـ الموافق 5 شباط – فبراير 1959

لقد اشتد الباس بين الناس, وعمت الفوضى, وسادت الأرض أمواج الفتن وظلام الكفر والفساد حتى أصبحت الحاجة ماسة لظهور الإسلام يصحح الأوضاع الفاسدة,ويقوم المعوج من الأمور ,يضع للحياة المضطربة والشعوب والقبائل المتناحرة الأسس القوية الصالحة ليقوم عليها بناء مجتمع سليم وملك حكيم, وعيش كريم.

لقد ظهر الإسلام العظيم حقا وكان العرب بل العالم أجمع فى أمس الحاجة إليه بل كانوا على موعد مع رسالة الله التى بشر بها الأنبياء والمرسلون وأحس بظهورها الحكماء وتعطش لها العلماء والعقلاء ظهر الإسلام وهو يحمل معه عناصر الخلود والبقاء والخصب والنماء وآتى الناس العقيدة الحقة والتوحيد الخالص, والشريعة الصحيحة السمحاء والنظم التى تعين على بعث العالم من جديد, وإخراجه من الظلمات إلى النور وصدق الله إذا يقول:" كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد" إبراهيم.

وإلى جانب هذه النظم التى وضعها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا من الزمن لبعث العالم من جديد وضع أسسا وقواعد للجهاد وللدفاع عن النفس ولحماية الضعفاء ونصرة المظلومين ومحاربة الظلم والطغيان حتى أصبح المسلم بغريزته مفطورا على حب نصرة المظلوم وكر شوكة الظالم وهاكم ما دعا إليه القرآن العظيم بقوله تعالى:" وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" النساء. ففى هذه الآية العظيمة من الصراحة والقوة والبيان, وما يحرك القلوب المؤمنة ويهز أوتارها ومشاعرها لتبادر على تنفيذها وتهمل المستحيل , وتجازف فى سبيل رفع الظلم والعبودية عن المظلومين وتعمل على كبت الظالمين ودحرهم أينما كانوا. وقد جعل الله هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان سبيلا لإثارة النخوة فى نفوس إخوانهم المؤمنين وهز الأريحية وإيقاظ شعور الرحمة والألفة فوصفهم بما يجعل نفس الحر تشتعل حماسة وغيرة على إنقاذهم والسعى فى رفع الظلم عنهم.

لنقف قليلا مع القارىء الكريم عند هذه الآية العظيمة التى يحرض الله فيها عباده المؤمنين على الجهاد فى سبيله. وعلى السعى فى استنقاذ المستضعفين والمستذلين والمستعمرين من المؤمنين والمؤمنات نقف قليلا لنرى العجب العجاب فى دين العزة والكرامة والحرية والحق فقد اشتملت هذه الآية على أمين مهمين وحكمين خطيرين كم أحكام الجهاد ودواعيه فى الإسلام.

1-الجهاد فى سبيل الله

فصدر الآية يقول:" وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله؟" أى أى عذر لكم أيها المؤمنون يمنعكم أن تقاتلوا فى سبيل الله لتقيموا التوحيد مقام الشرك وتحلوا الخير محل لشر, وتضعوا العدل والرحمة موضع الظلم والقسوة؟!

وفى سبيل الله: هى تأييد الحق والانتصار له بإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام وبث دعوته والوقوف أمام الأعداء إذا هددوا أمتنا أو أغاروا على أرضنا وديارنا أو نهبوا أموالنا أو صدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس, أو وقفوا فى سبيل نشر ديننا وشريعتنا وكل عمل يقوم به المؤمن فى هذا السبيل بنفسه أو ماله أو لسانه فهو فى سبيل الله إذا كان خالص النية صادق النية, صادق العزم صافى الغرض نبيل المقصد والهدف.

2-الجهاد فى سبيل المستضعفين

هذا هو الأمر الثانى الخطير الذى شرعته الآية الكريمة وفرضت على المؤمنين القتال من أجله وهو استنقاد المستضعفين واستخلاصهم من براثن الجبابرة والظالمين والمستعمرين الكافرين فى كل زمان وأن كانت الاية نزلت فى المستضعفين من المؤمنين ويفتنوهم عن دينهم ويردوهم عن ملتهم فالعبرة فى كتاب الله بعموم لفظه لا بخصوص السبب الذى نزلت الآية من أجله. فأنت ترى أيها المؤمن أن هذه الآية الكريمة لم تكن مجرد نداء جاف موجه لنصرة المظلومين, واستنقاد المستضعفين, بالمفهوم العادى البارد البليد الذى نفهمه نحن اليوم إذا سمعنا آيات الله تتلى. فلا تتحرك ولا نندفع وكأن القرآن الكريم يخاطب غيرنا من البشر, أو أنه يدعو المؤمنين فى هذه الآية بقوة وبصراحة إلى حمل السلاح وتضحية النفس والنفيس لدفاع عن الضعفاء والمظلومين, وتخليصهم من براثن الاستعباد, وقيود العبودية وشرور الاستعمار والإستذلال وآفات الطيش والغرور, أولئك الذين فقدوا النصير والمعين, وتقطعت بهم الأسباب فاستغاثوا بربهم, ودعوه مخلصين ليفرج كربهم ويخرجهم من تلك القرية الظالم أهلها. لذا فقد نص علماء المسلمين بوجوب الجهاد على عامة أهل المشرق من المسلمين إذا سبيت أو أسرت أمرأة مسلمة واحد م فى المغرب وكذا العكس.

ولهذا وغيره من ألسباب شرع الجهاد والقتال فى الإسلام, وما شرع القتال إلا لعدم حرية الدين وظلم المشركين للمسلمين , وإلا فالقتال قبيح ولا يحيزه العقل السليم إلا لإزالة قبيح أشد منه ضررا والأمور بمقاصدها وغايتها كما قال الله تعالى بعد الآية السابقة التى ذكرها وفصلنا الأمر فيها بإختصار.

" الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله, والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا" وهكذا الدنيا منذ خلق الله البشر ليعمر هذه الأرض, معسكران: معسكر الرحمن ومعسكر الشيطان, والأبرار والفجار والأشرار والأخيار يتصارعان ويتصاولان.

ولقد شهد المسلمون فى التاريخ معارك ضارية كانت الحرب فيها سجالا بينهم وبين أعدائهم ولكن النتائج كانت دوما فى صالح المسلمين – وستكون كذلك دوما وأبدا.

إن العالم الإسلامى يجتاز مرحلة خطيرة من مراحل كفاحه وجهاده, وأن الغيوم الدكناء تتراكم حوله تنذر بخطر كبير, وشر مستطير , فعلى المسلمين أن يعدو للأمر عدته وعليهم أن يعلموا أن الجهاد أن الجهاد اليوم أصبح فرض عين عليهم بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم, وهذه سبايانا, وضحايانا,’ والمستضعفون من رجالنا ونسائنا وصبياننا فى الجزائر وفلسطين وعمان كلها تستغيث وتستنجد وتسعى وتحفد ولا من مغيث وكأنها تناى شعوبا صماء. وهذه مؤامرات الاستعمار وأذناب الاستعمار وعملائه وخدامه تسعى فى الأرض الخالدة رسالة الإسلام التى آمنا بها دينا ودولة قيادة وعبادة مصحفا وسيفا والتى أمرنا الله فيها بجهاد الأعداء فى سبيل الله والمستضعفين فهل نحن مستعدون.؟ نرجو ان نكون كذلك والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.


قضية الإسلام الكبرى

افتتاحية العدد الرابع من لواء الإخوة الإسلامية الصادر يوم الخميس 4 شعبان 1378 الموافق 12 شباط" فبراير 1959

فى عقيدتي أن قضية الإسلام الكبرى فى هذا العصر إنما هى قضيى فلسطين وتليها فى الضخامة والخطورة والألم قضية الجزائر, ثم قضية عمان ثم ما سيحدث من قضايا فى ديار الإسلام ونذكر اليوم قضيتنا الكبرى بمناسبة مرور الذكرى المشرفة ذكرى الإسراء والمعراج على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام. هذا الحدث التاريخى الهام الذى انزل الله فيه قرآنا يتلى., وجعل مبدأه يحج إليها, ومنتهاه حرما بارك الله حوله, وجعله أمانة فى عنق المسلمين وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين, ولأمر ما جعل الله الإسراء إلى المسجد الأقصى فى فلسطين وفى الجزيرة العربية غير فلسطين من البلاد فى شمالها وجنوبها, وشرقها وغربها, والله أعلم حيث يجعل المعجزات. ويبين الآيات ويكشف المغيبات. ففلسطين قلب الوطن الإسلامى النابض. وهى ثغر الجزيرة التى يربض فيها نبى الإسلام ورسوله الأمين " محمد" صلوات الله وسلامه عليه.

وهى طريق الإسلام إلى عاصمة الدينية المقدسة مكة المكرمة. وهى همزة الوصل بين ديار الإسلام فى آفريقيا وآسيا ثم هى بعد كل هذا مسرى محمد صلى الله عليه وسلم وإن أرضا وطئتها قد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم العظيم لعار على الدين أن تدنس هذه الأرض بأقدام الأرجاس والأنجاس من شذاذ الآفاق وحثالات البشرية وعار على الأمة الإسلامية أن يرفرف علم للكفر فى هذه الديار الإسلامية وفيهم عرق ينبض بالحياة والإيمان, ولسان ينطق بالحق والعدل والإحسان , إننا لنشعر ان العالم الإسلامى يمر فى فترة مظلمة قاسية وفتن كقطع الليل المظلم تدع الحليم فينا حيرانا وبمثل هذه الحالات تمتحن العزائم وتبتلى الرجولات , ليميز الله الخبيث من الطيب.

والناس فى هذه الحالات صنفان, ضعفاء الإيمان وأقوياؤه.

أما الضعفاء فيفرون إلى اليأس, ويقبعون فى زوايا القنوط والخمول ويلقون السلاح ويخلدون إلى الدعة والسكينة. فتصاب الأمة من بعدهم بالشلل, وتقعد عن العمل ويستولى عليها اليأس المميت والقنوط المقيت, أما أقوياء الإيمان فيكثرون عند الفزع, وينهضون إلى الجهاد والعمل وإن قعد الناس يحدوهم الإيمان بالله والأمل الباسم فى إيقاظ الشعور,وبعث الهمم لا نتشال أمتهم من كبوتها وإقالتها من عثرتها, وهؤلاء هم الفائزون ولهم النصر المبين ولهم الدرجات العلى بما صبروا واستقاموا. وهم الوقاعد والركائز لكسب معارك النصر والسير بأممهم إلى اعلى الدرجات,

وما احوجنا إلى هذا الصنف من الرجال ونحن فى معارك مستمرة مع الإستعمار وعبيد الإستعمار, وسوف نبقى فى صراع دائم ولن يكسب المعركة النهائية إلا بالإيمان وإن معركتنا فى فلسطين لم تبدأ بعد وقد آن الأوان لأن نجدد لها العزائم والسواعد, ونحشد لها الإمكانيات والمواهب, ونبدأ العمل الجدى ونصحح الأوضاع الفاسدة, ونبدأ مرحلة جديد من مراحل كفاحنا مع اليهودية العالمية الآثيمة, ,أنصارها المجرمين السفاكين . فقد كنا نستجدى حقنا من هيئة الأمم استداءا ذليلا, ونعلق انتصارنا الموهوم على رضاها وهى العدوة لحاقدة وصدق الله العظيم إذ يقول:" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم".

ويقينى أن مرحلة جهادنا وكفاحنا يجب أن تختلف عمما مضى ونحن فى هذا العمل الجمهورى الجديد. إننا نحتاج إلى خطوات عملية نبدأ بالإصلاح الشامل لجميع مرافق الأمة, وتقوية الداخل ماديا وروحيا ةالإتصال بالعالم الإسلامى اتصالا مباشرا قائما على أساس الدين الصحيح, والأخوة الصادقة والحب الخالص والعمل على جعل ديار الإسلام دارا واحدة بعيدة عن كل سلطان أجنبى يحكمها القرآن ويسودها الإسلام, وترفرف فوقها راية الحق , والقوة , والحرية. إننا فى حاجة إلى يقظة شاملة تردنا إلى الله ردا جميلا, لعلنا نذكر قضية الإسلام الكبرى فى هذا العصر قضية فلسطين بل يجب أن نذكر دوما وأبدا فى يقظتنا ومنامنا, فى حلنا وترحالنا مساجدنا وآثارنا الإسلامية فى حيقا ويافا واللد والرملة وطبرية وصفد والناصرة ولا ننسى الثأر لشهداء قبية ودير ياسين , وسنأخذ لهم بالثأر مهما طال الزمن ونجز رؤوس المجرمين المعتدين ونقضى على الأفعى الإسرائيلية. ويسدل الستار على خرافة اسرائيل التى أقامتها الإستعمار خنجرا مسموما فى قلب البلاد العربية وقبلة الديار الإسلامية الأولى." ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون" لروم والحمد لله رب العالمين.


الناس رجلان

افتتاحية العدد الخامس من لواء الإخوة الإسلامية الذى صدر يوم الخميس 11 شعبان 6378 الموافق 20 شباط – فبراير 1959

الناس فى هذه الدنيا رجلان. رجل آمن بالله ربا, وبالإسلام دينا وبالقرآن دستورا, وبمحمد نبيا وإماما , وقائدا ورسولا, فعرف طريقه وسلك سبيله, وسار إلى الله يحث الخطا حتى أدرك غايته الكبرى ففر إلى الله مسرعا وهو يقول:" وعجلت إليك رب لترضى"

ورجل كفر بكل هذه المثل والمعانى والحقائق واستبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير فعبد الدنيا وركب سفينتها الهوجاء. وصار من أصحاب الغنائم والمنافع والشهوات.وجند نفسه للشيطان يطيعه فيما أمر, ويعبده مع من عبده من حثالات البشر وهذا النمط من الرجال صنفان:

صنف جهر بكفره وتنكر لربه وأرتكس مع حزبه وإذا ذكر الله اشمأز قلبه واسود وجهه وتقطب جبينه وإذا ذكر الشيطان استبشر وتهلل وباهى وتجبر.

فهو مع المؤمنين رجل صالح المؤمنين.ومع الكفار كافر من أمكر الكافرين. وهذا هو المنافق الذى أعد الله له الدرك الأسفل من النار" وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزىء بهم ويمدهم فى طغيانهم يعمهون" أوائل سورة البقرة.

وهذا الصنف من المنافقين نوعان: أصيل ودخيل. أما المنافق الأصيل فهو الذى عمى قلبه عن حقائق الإيمان بعد أن استبان له الحق فأنكره, وأضاء له الإسلام فأطفأ مصباحه,وارتكس فى الظلام, فمثله " كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يبصرون".

وأما المنافق الدخيل فرجل رأى سوق النفاق نافقه وسار مع الركب المضل لم يكفر قلبه ولكن مصلحته وذاتيته أعمت هذا القلب وطمست منافذ النور فجرى فى الظلمات وراء مصالحه ومنافعه لا يرى غيرها طريقا ومذهبا.

ومن هذا وذاك يتكون المجتمع البشرى إذ الفرد هو اللبنة الأولى فى بناء هذا العالم الضخم, والناس فيه مؤمنون وكفار وأبرار, وفجار, وأشرار وأخيار وأطهار واقذار والصراع بين هذين الصنفين فى هذه الحياة ممدود وموصول أبد الحياة والناس هم الناس والنفوس هى النفوس. ومن وراء هذا الصراع يتميز الخبيث من الطيب إذ لكل من المعسكرين أتباعه وأشياعه وأعوانه وأنصاره.

ومن واجب الأخيار أن يتمسكوا بحقهم وخيرهم وأن يثبتوا عليه ثبات الشم الرواسى. وعليهم أن ستعذبوا كل ما سيجدون فى طريقهم من مشاق ومتاعب ولا يفرطوا فى حقهم أبدأ ولو بقى الواحد منهم وحده فى الميدان ولن يبقى وحده أبدا والله معه. فإن الحق لن ينقلب باطلا مهما قل متبعوه والباطل لن ينقلب حقا مهما كثر أنصاره ومشايعوه, بل الحق حق والباطل باطل وكفى كيف وأن القوة الكاثرة وقيادة السفينة التائهة بأيدى أهل الحق فما عليهن إلا أن ينتظموا ويعملوا ويجاهدوا ويثبتوا والعاقبة للمتقين وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.

والمؤمنون إذا دافعوا أو قاتلوا فإنما يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله ونشر الحق والعدل ونور الإسلام بين الناس, ولا يريدون بأحد سوءا ولا يرجون من أحد جزاء ولا شكورا.

وأما الكافرون فهم إنما يقاتلون إتباعا لوسوسة الشيطان وتزيينا للكفر وطلبا للاستعلاء فى الأرض والانتقام بغير الحق وتسخير الناس بمصالحهم وشيطانيهم وأغراضهم وشهواتهم الدنيوية, فلو ترك الدفاع والقتال والذب عن حياض حقهم لغلب الطغيان وعم الفساد وسادت الفوضى وشقى الناس جميعا.

وقد جرت سنة الله أن الحق يعلو ويسمو, والباطل يسفل ويخبو. وأن الذى يبقى هو الأصلح والأمثل, ولا يمكن للباطل أن يخطو خطوة إلى الأمام إلا إذا غفل أهل الحق عن حقهم, فإذا هم أفاقوا من غفوتهم واستيقظوا من رقدتهم تغلب الحق على الباطل ورده خاسئا وهو حسير. وعلم المؤمنون حقا أن النصر مع الصبر وأن العسر يسرا, وأن العاقبة لهم مهما طال الزمن قال تعالى:" قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" الأعراف ( 127)

ولقد حدد الله غاية الرجلين من القتال فقال " الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كقروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا".

ولعل خير ما أختتم به كلمة اليوم هو قول الحق تبارك وتعالى فى أول سورة محمد – صلى الله عليه وسلم – وأملى أن يتدبره القارىء مليا ليجدد عهده مع الله ويندفع للعمل الخالص مع أجل إيمانه وعقيدته وشريعته وإسلامه وأهله وأوطانه. ويستيقن أنه على الحق ومستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها وغيره على الباطل ولا سند له ولا معين وقد أضل الله عمله وأشقاه. قال تعالى:" الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله اضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم".

المؤامرة الكبرى

افتتاحية العدد السادس من لواء الإخوة الإسلامية الصادر يوم 18 شعبان 1378 الموافق 26 شباط –فبراير 1959 فى العهد الجمهورى.

تواجه البلاد العربية اليوم أخطر مؤامرة ضد وطنها لعزيز ومصالحها لمشتركة ومقدساتها التى تفتديها بالمهج والأرواح, وقد اشتركت الدول الكبرى فى التعاون على حبك هذه المؤامرة وفتل خيوطها والسير بها حتى تتحطم آمال العروبة والإسلام وقد اصبحت هذه الديار أشواكا ناخرة فى جسم المستعمرين وقذى فى عيونهم وشجى فى حلوقهم.

إن تهجير ثلاثة ملايين رأس من اليهود المجرمين المعتدين وقذفهم فى الأرض المغتصبة من فلسطين جريمة كبرى لم يشهد التاريخ فى نختلف أدواره أخطر منها وهى تعدل أو تفوق جريمة تكوين إسرائيل المجرمة فى الأرض المباركة والديار المقدسة.

إن معركة العرب والمسلمين مع الصهيونية العالمية هى فى حقيقتها وفى مآلا ونتائجها يوم تنكشف الحقائق والأمور للناس جميعا, معركة الإنسانية مع أخطر مؤامرة على القيم والفضائل والخلاق عبر القرون والأجيال بل هى معركة التاريخ ومعركة الإسلام الكبرى فى هذا العصر وهى امتداد المعارك صلاح الدين ونور الدين الشهيد فليفقه المسلمون أمرهم ويعدوا للغد عدته وإن غدا لناظره قريب.

إن الفلسفة اليهودية العدوانية الخبيثة التى سوغت لأصحابها أن يقيموا دولة على أرض يملكها غيرهم بعد تشريد مليون نفس طيبة من أهلها يعيشون دولة على ا{ض يملكها غيرهم بعد تشريد مليون نفس طيبة من أهلها يعيشون اليوم أتعس الحياة ويقضون أمر الأيام فلسفة ذات طبيعة عدوانية لا يمكن أن يحترم لأصحابها عهد ولا ذمة ولا يمكن أن يقف عدوانها عند حد.

والرقعة التى اغتصبوها من فلسطين وأقاموا عليها ملكهم المنهار ما هى إلا نقطة ارتكاز لتوسع مبيت يعدون له عدته. وقد دخل فلسطين منذ قيام إسرائيل المجرمة أكثر من مليون ونصف رأس من يهود العالم ولا تزال أفواجهم تترى كل يوم والمنطقة المحتلة التى بأيدى العدو لا تحتمل من فيها تقذف بها دول العالم الناحية وتنفق عليها دولة أمريكا المستعمرة وبريطانيا المعتدية وإسرائيل مدللتهما الخسيسة, وروسيا الملحدة الكافرة يظهر نم هذه المؤامرة الخطيرة أنهم بدأوا يحققون قرار المؤتمر الصيهونى الأول الذى انعقد سنة 1897 وقرر." أن تكون مساحة البلاد كافية لحاجات خمسة عشر مليونا من اليهود المشتتين فى أنحاء العالم".

وقرارات هذا المؤتمر هى أنجيل الحركة اليهودية!!

كما وجه بن غوريون إلى اليهود بيانا أثناء اجتماع هيئة الأمم فى سنة 1948 وكان إذ ذاك رئيسا للوزارء يعلن فيه: أن الهدف النهائى هو جلب يهود العالم جميعا إلى إسرائيل. فكيف يتحقق هذا إلا بالحرب والغصب والسلب والنهب؟

إن بن غوريون نفسه يعن تبنى اليهود للحرب كوسيلة أساسية لتحقيق هدفهم الكبير فقد قال فى شهر مارس سنة 1949 فى حفلة تخريج الضباط اليهود فى المدرسة العسكرية:" سنجعل الحرب حرفة يهودية حتى يتم تحرير بلادنا بأجمعها, وحتى يعود الشعب اليهودى بأسره إلى استيطان أرض الآباء والأجداد من الفرات شرقا إلى النيل غربا".

هكذا يصرح بن غوريون المجرم يريد أن يجعل الحرب حرفة يهودية ويكون منها العصابات يعتدى بها ويغتصب ويسفك الدماء البريئة.

وأى حق هذا الذى يدعيه ابن غوريون القذر فى الآباء والأجداد.

إن الأسطورة الكبرى التى روجها اليهود فى العالم هى أسطورة الحق التاريخى فى فلسطين والتاريخ نفسه يكذب دعوى اليهود الباطلة فى هذا الحق المزعوم فلقد عاش الكنعانيون والفينقيون وهم قبائل عربية فى فلسطين منذ حوالى 2500 سنة قبل الميلاد – أى قبل دخول اليهود بأكثر من أف وثلاثمائة سنة ولم يقم فيها حكم إلا قرابة خمسين سنة فقط فى عهد داوود وسليمان عليهما السلام وسرعان بعد هما ماتنازعوا فيما بينهم وأقاموا دولتين تحارب إحداهم الأخرى حتى استولى عليهم الآشوريون والكلدانيون استيلاء نهايئا فى فلسطين. وكان اليهود دائما أقلية وكانوا مع ذلك فى حرب متواصلة مع سكان البلاد الأصليين.

ومما هو جدير بالذكر أن المسلمين عندما فتحوا فلسطين تسلموها من النصارى االبيزنطيين وكانت خالية من اليهود تماما حتى أن بطريرك نصارى القدس " صفر ونيوس" إشترط على الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه عندما سلمه القدس ألا يسمح ليهودى واحد بسكناها وقد مضى على هذا الفتح الإسلامى أكثر من ثلاثة عشر قرنا من الزمن انقطعت صلة اليهود فيها كشعب انقطاعات نهائيا إلى أن عاد الإستعمار البريطانى الغاشم إلى هذه الديار المقدسة فوهب مالا يملك وأعطى هذا الحق المزعوم إلى هذه الشراذم البشرية الشريرة التى ما حلت بأرض إلا أفسدتها وكانت وبالا على أهلها.

وما زال الإستعمار يرعى هذه الشراذم والعصابات ويتبناها لتكون خنجرا فى خاصرة البلاد العربية والإسلامية

إن العرب والمسلمين يجب أن ينتبهوا إلى هذا الخطر الداهم الذى يتهددهم ويتهدد كل ما يملكون من ديار وقيم وأخلاق ومقدسات إن حربنا مع اليهودية العالمية لم تكن حرب مصالح تنتهى بإنتهاء تلك المصالح السياسية أو الإقتصادية.

إن حربنا مع الصهياينة إنما هى حزب إبادة فإما أن يقضوا علينا قضاءا مبرما ويأتوا على كل ما نملك بالهدم والتخريب وإما أن نمحق الصهيوينة من الوجود ونريح العالم من شرور اليهودية المجرمة وهذا ما سيحققه لنا ربنا وسيجزى الخير على ايدينا ونشهد مصارع أعدائنا ويحق وعد رسولنا الأعظم صلوات الله عليه وسلامه..

لتقاتلن اليهود ولتقتلنهم حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودى ورائى تعال فاقتله. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله والحمد لله رب العالمين.


ما لهذا المسعور؟!!

هذه كلمة صريحة فى صنم من أصنام الشيوعية فى العراق وكاهن من كهانها الخطيرين نشرناها فى العدد السدس من لواء الإخوة الإسلامية من المجلة والذى صدر فى 18 شعبان سنة 1378 الموافق 16 شباط فبراير سنة 1959 ومن عاش تلك الفترة فسوف يعرف اسمه من وصفه.

أسمعت بهذا الذى يهرف وينهش هذا أو ذاك؟

أسمعت بهذا " المخلوق" الغريب الذى لم يدع بابا إلا ولجه ولم يدع أحدا إلا نهشته؟

أسمعت بهذا الذى نصب نفسه(....) للحراسة – كما يدعى – ولكن من أى نوع ؟ إنه من المسعورات

أسمعت بهذا الذى خرج على " الإنسانية"؟ من يدرى ماذا استحال هذا " المخلوق " الذى يشبه الإنسان؟

إنك ةلا شك تعرفه حق المعرفة تعرفه لأنه لا يشبهه أحد, وهل يا ترى إنه من ال" أحد" حتى يشبهه واحد من الخلق؟!

لا شك يا أخى أنه تصدى لك كما تصدى لغيرك ووقف على الطريق يؤذى السابلة غاديهم ورائحهم مثله كمثل الذى قال الله فيه" إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث"... ولكن ماله؟ ما لهذا المسعور يبسط لسانه فى هذا وذاك؟ ماله يواجه الناس ككل يوم بأنواع الشتائم والسباب؟ ماله يخرج كل يوم على الناس باسطوانة مليئة بالدس والأكاذيب تأنف الآذان من سماعها وتأنف النفوس الكبيرة من الالتفات إليها؟ إنك ولا شك عرفت الآن هذا المسعور بعد أن رسمته لك.

إنه" مسعور" ولكن من نوع جديد.. مسعور من مسعورى القرن العشرين.

ما أغرب هذا القرن وأعجبه!! ففى كل يوم يخرج لنا أمرا غريبا وشيئا عجيبا وكان من غرائبه وعجائبه هذا " الكائن" الغريب..

لو اقتصر على النهش بفمه لهان الأمر ولم يكن ثمة عجب.. إلا أنه ينهش بفمه وقلمه, وينهش القريب والبعيد والحاضر والغائب, واليقظ والنائم, والنابه والغافل.. وهنا العجب فلو كان مسعورا كغيره من المسعورات لهان الأمر ولما تقرب إليه أحد ولسلم الناس الحذرون من شره.. ولكنه مسعور غريب من نوع جديد ... أنه مسعور فى كل شىء فيه.. مسعور قذفت به الحضارة الجديدة...

قد رسمته لكم فاعرفوه!!

إحسان عبد الوهاب


الجنس الثالث ؟؟

افتتاحية العدد السابع من لواء الأخوة الإسلامية والذى صدر يوم الخميس 25 شعبان 1378 الموافق 5 آذار – مارس 1959

جزى الله وزير التربية والتعليم سيادة الزعيم الركن كل خير, فقد نطلق بالحكمة وفاه بالصواب وانتصر للفضيلة وأهاب إذ أهاب بحملة مشعل الثقافة النيرة أ، يكونوا" قدوة حسنة لطلابهم فيجعلوا من المدرسة معهدا علميا يصنع الرجال, رجال العلم والثقافة وأمهات صالحات. لا معهد تجميل علميا يصنع الرجال, رجال العالم والثقافة وأمهات صالحات. لا معهد تجميل يقتل النفوس ويفسد الروح".

ثم دعا إلى تربية محتشمة فاضلة فلا تبرج بعد اليوم ولا ميوعة.... الخ فقد عرف الداء الدفين الذى ضج الناس منه بالشكوى تارة, والتأوة والأسف أخرى, والطعن واللعن والاستنكار ثالثة.

حقا إننا نريد من المعاهد أن تكون مصانع لتخريج الرجال الصالحين والأمهات الصالحات. لا مصانع لتخريج العاطلين والعاطلات, والمتحللين والمتحلالات والمفسدين والمفسدات.

مصانع للبطولة والرجولة تنشىء وتبنى وتجاهد على أساس من العقيدة والفضيلة والكرامة والخلق.

أما هذه الميوعى وهذا التبرج الخليع فإنه يأتى على بنيان الأمة من القواعد ويقضى على كل كمقوماتها الخلقية والإجتماعية. ولقد كان لوزارة المعارف فى عهودها المختلفة الأثر الأكبر فى شيوع الفساد وطغيان التبرج والتحلل والإلحاد ولقد قادت حركة التبرج الخليع والسير بالمرأة فى الطريق التى رسمها لها المستعمر الكافر والذى يخرجها من أخلاقها وعقائدها وأنوثتها ووظيفتها الأصلية التى خلقت من أجلها وكان هذا بتأثير أولئك الذين رضعوا لبان الغرب ودرسوا فى مدارسها المسمومة وتسربلوا بسرابيلهم وذهبوا فى تقليدهم مذاهب الخبط والخلط حتى أصبحوا لا يميزون بين حق وباطل, ولا بين خطأ وصواب ولا بين مجتمع ومجتمع فكل ما جاء من الأجنبى فهو حس وجميل ولو كان سما قاتلا وكل شرقى فهو متأخر ورجعى ولو كان فيه الخصب والنماء والحياة للأمة.

ففى الوقت الذى كان يتجرع فيها الغرب غصص خروج المرأة على فطرتها ووظيفتها كانت وزارتنا بالسير فى ذلك الطريق الذى انتهى بالغرب إلى ما هو فيه من مشاكل اقتصادية واجتماعية وأخلاقية هزت دعائم مجتمعه هزا عنيفا أفقده استقراره واتزانه وعرض سلامته وكيانه لأشد الأخطار . وضج أدباؤه وعلماؤه ومفكروه بالشكوى والألم لما وصلوا إليه من التحلل والإنهيار الخلقى والاجتماعى.

لقد أساءت المرأى إلى نفسها وأساء إليها الذين نادوا بما زعموا أنه حريتها من غير فهم لأصل هذه الحرية ولا لطبيعتها.

لقد كانت المرأة درة مصونة محفوظة مأمونة, ولها المقام الأعظم فى القلوب والنفوس. فلما خرجت على طبيعتها وأنوثتها أصبحت حملا ثقيلا ييق به الأب والأخ, بل أصبحت مشكلا يتطلب الحل.

إن الله عزوجل لم يخلق المرأة لهوا وعبثا ولم يخلقها لتبرز مفاتنها ومحاسنها فى السهرات وتكشف عن جمالها وتنصبه شركا فى الأسواق والطرقات وتتبرج تبرج الجاهلية الأولى والأوربية الأخرى, بل الله تبارك وتعالى نهاها وزجرها عن ذلك وقال " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى".

إن المتبرجات المائعات خرجن على أنوثتهن, وخرجن على آدابهن وخرجن على دينهن وعقائدهن, وخرجن على أخلاقهن وتقاليدهن وأمتهن. إن هذا الصنف من النساء المتبرجات خرجن عن طبيعى المرأة وأنوثة المرأى ووظيفة المرأة ولا يمكن أن يندمجن فى الرجال ويصرن من صنف الرجال فكن صنفا ثالثا أو جنسا ثالثا كما سماهن أجد الكتاب الأجانب.

فقد كتب الدكتور العلامة محمد محمد حسين أستاذ الأدب العربى بجامعة الإسكندرية موضوعا علميا فى مجلة الأزهر الغراء تحت عنوان الجنس الثالث قال فيما قال " أحسن ما قرأته فى وصف النساء المترجلات اللائي يابين إلا الخروج على فطرتهن, والزج بأنفسهن فى ميادين الرجال, تسميه أحد الكتاب لهن " الجنس الثالث". فالواقع ان هذه التسمية وصف صادق كل الصدق لهذه الطبقة الجديدة من النساء التى برزت مشكلتها فى المجتمع الأوربى منذ أواخر القرن الميلادى الماضى. بعد أن تكاثر عددها وطغى سيلها – ذلك لأنهن قد فقدن أنوثتهن فلم يعدن نساءا, وابتذلن أجسادهن وأرخصن مفاتنهن حتى عافها الرجال.

من أجل ذلك سماهن " الجنس الثالث" بعد أن أخرجن أنفسهن من عداد النساء واستحال عليهن أن يدخلن فى عداد الرجال. فهن يخالفن الرجال طبيعة وتركيبا ويخالفن النساء وظائف وأعمالا".. انتهى

المرآة فى الحق نصف المجتمع ولها اليد الطولى فى نهضة الأمم وتقدم الشعوب وبناء الرجال وصلاح الحال. ومحلوقة شريفة هذه وظيفتها فى الحياة , عار عليها أن تقضيها فى اللهو واللعب والتفاخر والتباهى الكاذبين والتباكى على الحرية التى خدعوها باسمها وغشوها برسمها وغيروا طبائع الأشياء وشوهوا معالمها حتى جعلوا من النساء رجالا ومن الرجال أطفالا.

إننا نربأ بالمرأة المسلمة أن تنزل إلى هذا الميدان الخطر ,أن تنزلق فى هذا الطريق الوعر ونرجو أن تفوت على المستعمرين وعملائهم خطتهم الخبيثة فى إفساد مجتمعنا وانحلال روابطنا الإجتماعية والأخلاقية والدينية. والله يرعاها ويصونها من كيد أعدائها والله من وراء القصد.


من أنتم ؟... نحن لا نعرفكم

هذا ما وجهناه من كلام للزمرة الشيوعية فى العراق قبل أكثر من ربع قرن من الزمن بعد أن طغت وبغت وقتلت وسحلت وتجبرت ويكاد أن يكون قد أصبح كل شىء تحت سطوتها الشارع والجيش والصحافة والإذاعة ومع كل ذلك تحديناها وهاجمناها بمثل هذه الكلمة الصريحة وقد صدر العدد السابع من لواء الأخوة الإسلامية فى يوم 25 شعبان سنة 1378 هـ الموافق 5 آذار 1959 وعلى أثره كان الهجوم الهمجى على دار الأخوة لقتلى وسلحى وتحطيم لمجلة والدار ولكن الله سلمنى بفضل منه وإن تحطمت الدار ولمجلة معا من قبل عشرات الألوف من المتظاهرين.

أيتها الزمرة المستهينة بوجودها, والمستعبدة نفوسها وعقولها الناكرة لكيانها..

أيتها الزمرة التى تفرق من ظلها, وتحسب كل صيحة عليها وتهرب من تكاليف الحرية...

أيتها الزمرة التى كامن نخاسها فى دمائها وتغلغلت العبودية فى أعماقها..

أيتها الزمرة التى تخشى الاستقلال لأنه لم يكن لها وجود مستقل..

أيتها الزمرة التى لا تعرف كيف تعيش بطلاقة فهى قد ألفت عيشة الحظيرة...

أيتها الزمرة التى تضع خطامها فى أنفسها وتدلل على نفسها لتنقاد منه لأنها لا تعرف كيف تمشى وحدها رافعة الرأس ناصعة الجبين...

أيتها الزمرة الى يزكم أنفيها عبير " الحرية" لأنها ألفت رائحة الحظائر النتنة...

أيتها الزمرة التى لا تعرف معنى " الكرامة" لأنها لم تعش فى أى معنى من المعانى السامية قفوا مكانكم من أنتم؟؟ الشعب لا يعرفكم..

أنـتم غرباء عن هذا الشعب الذلا لم يعد يريد إلا الحرية.

أنتم غرباء عن هذا الشهب الذى ناضل وكافح من أجل الحرية..

ثم تأتون إليه بأساليبكم الماكرة ودعوتكم المضللة لتضعوا " الخطام فى أنفه من جديد...

الشعب يأنف من ذاك فلقد عرف الشعب طريقه..

أنتم غرباء عن هذا الشعب مهما حاول أن تظهروا بأنكم منه الشعب لا يعرفكم وسينبذكم نبذ النواة..

أزيلوا المكياح عن وجوهكم فلطالما خدعتم الشعب وغررتم به...

أنتم غرباء عنا فى كل شىء.. فى أفكاركم ومشاعركم وإحساسكم ورغباتكم وآمالكم ومواردكم ومصادركم...

غرباء فى كل مقومات الشعب التى قام بها وأسس كيانه عليها..

أجسادكم هنا ونفوسكم هناك... فى أرض الأسياد..

شيئا من الوفاء ... لأوطانكم التى فيها تعيشون..

شيئا من الوفاء... لشعبكم الذى إليه تنتمون..

ألم يكن فيكم " شىء" من الوفاء؟

نحن لا نعرفكم . فمن أنتم؟

إحسان عبد الوهاب


الأمة الولود

نشرت فى مجلة المجتمع التى تصدر فى الكويت وهذا الموضوع وما يأتى بعده إلى آخر هذا الكتاب هو بعض ما كتبته ونشرته الصحف والمجلات خلال هذا العام والذى قبله ولارتباط هذه الموضوعات بموضوع الكتاب الحقتها به راجيا الفائدة والله الموفق

فى مجلسى الدائم بين العشائين فى الحرم المبارك وأمام الكعبة المشرفة ببلد الله الحرام مكة المكرمة صانها الله وحماها وزادها شرفا ومهابة وعزا. يأتينى بعض الشباب من شبابنا المهذب المثقف وأحيانا من شبابنا فى الخليج العزيز أو من بعض الوافدين من ديار الإسلام إلى البلد الحارم. ويجلسون إلى وينهالون بالأسئلة المختلفة عن أمور إسلامية أوقضايا فقهية أو اجتماعية أو سياسية أحيانا.

وقبل فترة قصيرة جاءتنى زمرة طيبة من هؤلاء الشباب المؤمن المتوثب ولم يكد يستقر بهم المجلس حتى انهالوا بالأسئلة الخطيرة التى تحمل روح النقمة والثورة واليأس الخطير فأخذتهم بالرفق واللطف والأناة والحكمة التى جيب أن تعالج فى مثل هذه المواقف الحساسة وحديثى إلى الشباب حديث الروح إلى الروح. فهم روح الأمة وهم عصبها وقوتها إذا استقاموا استقامت وإن زاغوا زاغت, ويجب أن نعالج مشاكلهم يمنتهى الحكمة وأن نخاطب عقولهم وعواطفهم معا, وأن نفتح لهم الصدور ولا نضيق بأسئلتهم مهما كانت خطيرة بل يجب أن نفتح لهم القلوب ونتجاوب مع أسئلتهم ونؤيدهم ونعطيهم كل الحق فيما سألوا عنه. أولا ثم نأخذ بالجواب المتأنى والحكيم والمتبنى لقضاياهم, واستفساراتهم وهم أبناؤنا وأحفادنا وحاملو اللواء فى مستقبل أمتنا فعلينا ان نفتح لهم الطريق ونبصرهم بالخطأ والصواب فى منتهى الرفق وأن نجلس إليهم ونسمع منهم ونربى فيهم روح الرجولة والقوة والشجاعة والصراحة فى قولة الحق ولا نكبهم ولا نصدهم, ولا نتهمهم ظلما وعدوانا بالمروق أو النزق أو الطيش والغرور بل علينا إن وجدنا شيئا من هذا عند بعضهم وهم قليل فعلينا أن نستل منهم هذا بالأسلوب التربوى الحكيم الرصين وأن نأخذهم بطريق المنطق والإقناع العقلى ثم نخاطب عواطفهم وشهامتهم بالعطف على أنتهم والأخذ بيدها ومعالجة قضاياها بالتبصر والعمل المتواصل بالحكمة الصادقة والإحسان والمعروف بين الناس. والمثل الأعلى لنا جميعا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كيف عالج نفوس الشباب وكيف رباهم وأنشأهم على عينه وأوصى بهم حيرا وقال فيا روى عنه صلى الله عليه وسلم:" أوصيكم بالشباب خيرا, لأنهم أرق أفئدة بعثنى الله بالحنفية السمحة فحالفنى الشباب وخالفنى الشيوخ ثم قرأ قوله تعالى ( فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم) بهذا الأسلوب سرت وبهذا الأسلوب يجب أن نسير جميعا فى معالجة قضايا الشباب المعاصر وهو يلاقى أعقد المشاكل وأخطر المؤامرات على أمته ودينه ووطنه ويرى واقعا مبكيا, ووضعا مترديا وأمه ضيعها رجالها, وغفل عنها أبطالها حتى أصبحت تائهة ضائعة تهوى بها الريح فى مكان سحيق..

لقد قلت لهؤلاء الشباب وهم حولى: يا شباب الإسلام شكرا الله لكم حماستكم وغيرتكم على مصالح أمتكم وإننى استبشر بالخير حينما أجد مثل هذه اليقظة فى روح شبابنا المؤمن الذى أجده فى حرم الله يطوف حول كعبة الله يؤدى حق الله بالصلاة فى بيت الله ثم أجده يتوجه إلى طالب علم يسأله ويستفتيه ويبث له ما فى نفسه من حرقة ومرارة وأسف ثم يطلب الهداية إلى الطريق الأقوم الذى قد يؤدى بع إلى انقاذ أمته من هذه الهوة السحيقة التى تردت فيها وطمع فيها أخس وأحقر خلق الله فى الكون وهم اليهود أ‘داء الله وأولياؤهم من النصارى الصليبيين وغيرهم من الملحدين الكفار.

إخوانى الأعزاء : اسمعوها منى وأنا لكم ناصح أمين: لا تيأسوا ولا تحزنوا بل واصلوا الجهاد والعمل لبعث الحياة فى أمتكم الغافلة وإذا كنتم أنتم طلائعها وشبابها وتحملون مثل هذه الروح الوثابة فأمتنا بخير بإذن الله وهى بفضل الله امة الخير والعطاء والفضل والنجباء وقد عودنا تاريخها الطويل أنها أمة ودود ولود, كلما نبا بها الدهر أو جفاها القريب والبعيد وظن أعداؤها أنهم قهروها وغلبوها ودمروا كل شىء فيها حتى لم يبق إلا أن تلفظ أنفاسها الأخيرة, وعنا يظهر العجب ويتألق الذهب,, وتنطلق العزة الإسلامية وتنبعث وتولد الرجولات وتقوم الأسود من العرين المستكين وتظهر الزعامات والقيادات الراشدة والمجاهدة فى سبيل الله وتعلوا كلمة الله ويعود المسلمون وكأن كل واحد منهم الأسد العصور والبطل الغيور وكما قيل فيهم:

إنما الإسلام فى الصحراء

امتهد ليىء كل مسلم أسد

إخوانى : إن المعركة اليوم إنما هى معركة الإسلام الكبرى, ومعركة التاريخ , ومعركة الأجيال جميعها من امة هذا النبى العظيم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذى رفع علم الجهاد وطهر البلاد من أدران الشرك والكفر والوثنية والضلال والفساد وأزال النفاق وقضى على المنافقين المفسدين فى الأرض.

وأمتنا ذات تاريخ طويل مديد وهو ملىء بالعبر والعظات ولقد مرت على أمتنا فترات وعهود سوداء بلغت حالتها من التمزق والتشتيت كالذى بلغناه نحن اليوم, وربما أكثر سوءا وأشد منقلبا. تفرق فى الداخل ودويلات هنا وهناك وحملات صليبية ضارية قاسية زادت عن ثمانى حملات وزاد جنودها على مليونى جندى صليبى وبلغوا مناهم واحتلوا القدس الشريف وأعطوا الأمان للمسلمين فدخل المسلمون ساحات المسجد الأقصى الفسيحة علماؤهم وفضلاؤهم ونساؤهم وأطفالهم. ودخل عليهم جنود الكفر من كل باب وخانوا العهد معهم شأنهم دائما وأبدا, وبدأوا تقتيلا وذبحا حتى خاضت خيولهم بدماء المسلمين وقتلوا فى هذه الفترة أكثر من سبعين ألفا من المسلمين ولم ينكر هذا الأمر حتى مؤرخوهم فقد قال مكسيموس موند : فى كتابه تاريخ الحروب المقدسة صفحة 172 ما يلى:

لم يرقر الصليبيون أحدا من سيوفهن لا من الرجال ولا من النساء العجز ولا من الأطفال. وظن المسلمون أن مسجد عمر يحميهم من الموت ولكن ظنهم قد خاب إذ أن الصليبيين لحقوا بهم خيالة ومشاة ودخلوا المسجد المذكور وأبادوا كل من وجدوه فيه بحد السيف وذم المؤرخون قسوة هؤلاء الجنود البربرية كما ورد فى كتاب تاريخ العرب والتمدن الإسلامى لمؤلفه ريمون واجليس صفحة 272 ما يلى:

إن أول عمل قام به الصليبيون بعد هذه المجزرة الرهيبة أنهم كتبوا إلى البابا يهنئونه بفتح بيت المقدس قائلين:

" وإذا أردت أن تعلم ما جرى لأعدائنا فثق أنه فى إيوان سليمان ومعبده كانت خيلنا تخو صفى بحر من دماء العرب المسلمين إلى ركبتها" انتهى ومكثوا أسبوعا كانلا يقتلون ويذبحون فى المسلمين. جرى كل هذا والمسلمون لا تدرى أأيقاظ همو أم نيام وقد مزقتهم الخلافات وتشتتوا وتمزقوا إلى دويلات لا تملك من أمرها شيئا وتفرقوا شيعا ففى كل جزيرة أمير المؤمنين ومنبر.

وفى وسط هذا الظلام الحالك وفى غفلة الكفر وعنجهية الفاتحين المشركين الذى مكثوا قرابة مائة عام يتمتعون بخيراتنا ونقاء بلادنا ونقاء بلادنا وصفاء جوها ويعيشون على تخاذلنا واستنامتنا إلى الذل المقيت فى هذه الحالة وقد تردت الأمة وتمزقت وتشتتت فى هذه الحالة ولد الأبطال وقام الرجال, وانطلق المقيد من العقال. لقد ولد البطل المسلم عماد الين زنكى وتولى إمارة الموصل الحدباء ثم نشأ ولده عماد الدين زنكى وهو من أبطال تاريخنا الكبار فكون جيش الفتح من الموصل وغيرها وبدأ رحمه الله بتصفية الطفيليات من الزعامات المنافقة الخائنة والضالعة مع الصليبيين ثم انتقل إلى جوار الأمر ولده نور زنكى رحمه الله فأكمل مسيرة الجهاد حتى استشهد فى سبيل الله...

ثم تولى بطل العرين المغوار صلاح الدين فأتم تصفية الجبهة الداخلية وأبى أن يقاتل الصليبيين وفى أثوابه من المنافقين والخائنين صل وثعبان .

وعندما فتح مدينة حلب وكانت فيها جيوب تتآمر عليه فتحها فى شهر صفر سنة 583هـ ودخل قلعتها الحصينة أقام له أهل حلب المؤمنون الأبطال حفل تكريم وترحيب وأنشد قاضى حلب قصيدة شعرية ومما قاله فيها:

وفتحك ا لقلعة الشهباء فى صفر

مبشر بفتوح القدس فى رجب

وشاء الله. أن يعز جنده ويفتح لهم القدس الشريف فى السابع والعشرين من الشهر نفسه رجب من عام 583 هجرية بعد أن صدقوا فى جهادهم فى سبيل الله وصدقوا ما عاهدوا الله عليه وقام فيهم الأبطال والقادة العظام. فعز الإسلام وارتفعت راياته خفاقة عالية فى الآفاق وذهل أ‘داء الإسلام وانصرفوا عنا صاغرين والحمد لله رب العالمين.

مثل آخر.......

ومثل آخر أيها الأخوة أبلغكم ما صنع هولاكو السفاك بقبة الإسلام وحاضرته الكبرى بغداد. وكان بعض المؤرخين يقول:" بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية" – هذا فى العصر العباسى الذهبى ثم جاء أمر التمزق والتفرق وجاء دور الخونة والمنافقين فتآمروا مع المغول فاحتل المغول العراق, وعاثوا فيه فسادا وسقطت فى أيديهم عاصمة الخلافة الإسلامية فقد وقف النصارى مع التتار كما وقف المنفقون وأخلاف الباطنيين وعلى رأسهم ابن العلقمى المعروف بخيانته وغدره. واقاموا المجازر البشرية ونهبوا الأموال وسبوا النساء وذبحوا الأطفال وهربوا كل شىء وعاثوا به فسادا.

لقد وصل الحال بالسفاح الهمجى تيمور لنك أن أمر جنده الوحوش أن يصنعوا له من رؤوس المسلمين القتلى منائر مرتفعة كالجبال وتجعل وجوه أصحابها بارزة عدد الرؤوس التى صنعوا منها الجبل المخزى فكان أكثر من عشرين ألفا من رؤوس المسلمين.

ولقد كانت بلاد الشام منقسمة متفرقة فى أخلاق اليوبيين بعد ذلك المجد الذى بناه الأبطال الأجداد الكرام وأول ما بدأ به الغول مدينة حلب الشهباء وكان أميرها توران شاه بن صلاح الدين اليوبى وهو رجل صادق والمغول حاصروا البلد سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان ولكنهم سرعان ما غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا الله. بعد أن قاتل أهل حلب قتالا شديد ولما اقتحم الجيش المغولى المدينة هرب النساء والأطفال إلى جامع حلب وبقية المساجد. فلحق بهم جند الكفر وربطوا النساء بالحبال أسيرات ثم وضعوا لسيف فى الأطفال فقتلوهم جميعا وأحرقوا القلعة بمن فيها ومن لجأ إليها, وفعلوا من المنكرات ما هو معروف مشهور فى تاريخهم الأسود ثم ماذا كان؟؟

قام رجال مؤمنون صادقون من المسلمين لله فتصلوا بهؤلاء القوم من جند هولاكو, وجنكيز خان وتيمور لنك فأثروا فيهم وأدخلوهم فى الإسلام وهذا أمر عجب من العجب أن ينقلب الوحش المفترس إلى الإنسان الساكن الهادىء الرحيم الكريم, أن يتحول العدو اللدود إلى أخ حميم وصديق يقول أحد الكتاب من المؤرخين:

لا يزال التاريخ ساكنا مدهوشا واجما أمام حدث دخول التتار فى حظيرة الإسلام, ولا يكاد يعرف أولئك الأبطال الغر الميامين أن أسمعكم كلمة نقلها رئيس تحرير جريدة الداعى التى تصدر فى الهد الأستاذ/ نور عالم خليل المينى العدد 10 جمادى الأول 1403 هـ حيث قال:

واعجبنى قول مؤرخ أديب عربى كبير:" إن الحوادث التى ظهرت على مسرح العالم, وكان لها تأثير بعيد المدى فى تغيير الأحوال وقلب الوضع رأسا على عقب,وتحويل مجرى التاريخ, يعود الفضل فى معظمها على العمل بصمت وهدوء ولم ترض طبيعتهم الكبيرة وإخلاصهم لوظيفتهم أن يضيعوا لحظة من عمرهم العزيز على كسب الشهرة وتلميع أسمائهم وظلمهم التاريخ أو شاء الله أن يكون جزاؤهم موفورا عنده فلم يبال بهم التاريخ, لم يضعهم فى ألإطار الذى يستحقونه.. أما الذين شغلوا مكانه" البطل " فلم يكونوا أبطالا بالمعنى الدقيق".

وهذا المعنى الجميل يوافق الدعاء العظيم الذى دعا به البطل الفاتح طارق بن زياد حيث ناجى ربه ودعا لأصحابه بالنصر فقال: رباه إن الغزاة المجاهدين عبيدك الغامضون الذين لا يعرفهم غيرك.. إذا ركلوا برجلهم الصحراء انشقت... وإن ركلوا برجلهم البحر انفلق وانكمشت الجبال.. أ،هم عرفوك وأحبوك فزهدوا فى العالم واستغنوا عن الدنيا لا يطلبون إلا شهادة فى سبيلك".

مثل ورجاء أخير....

أحبائى وإخوانى . هل عرفتم شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال رحمه الله لقد بزغ نجك فى عصر مظلم. وجاء إقبال فى زمن عصيب تتشوق فيه الشعوب الإسلامية وشعوب الشرق عامة إلى الخلاص من ظلال التخلف, واغلال الاستعمار الصليبى الجديد, ووهدة الضعف والانحلال, وضياع الإنبهار بحضارة الغرب وقد كان محمد إقبال صرخة إسلامية عميقة داوية تفتح الروح وتوقظ الهمم وتشكل إرادة الجهاد الأكبر والكفاح المتواصل لقد كان بحق شاعر اليقظة الإسلامية وشاعر الحرية والوحدة والكرامة الإنسانية. ولقد عاش إقبال وهو يصرخ فى المسلمين لكى يفجر فيهم الطاقات والقوى الكامنة ويسمو إلى الذرى الشماء. لقد كانت نقطة البدء فى فلسفة إقبال وفكره هى الذات الإنسانية المسلمة فلقد كان يؤمن بالقوى العجيبة فى ذات الإنسان تلك القوى التى تستطيع أن تحلق إلى آفاق النجوم ومما قاله رحمه الله:

شيمة المؤمن عزم وثقة

حيثما هم بأمر حققه

بهما يسمو ويمضى قاهرا

لا أرى اليائس إلا كافرا

نظرة المؤمن مصباح منير

فهو بالخير وبالشر بصير

وفى قصيدة أخرى قال رحمه الله:

معيشة الفرد خيال

والبقاء للأمم

فكن فداء الهدف الأعلى

إذا نادى العلم

منزلك العلوى لاتحجب

صرحة الغيوم

فأنت خير من دعا

وأنت خير من حكم أنت من الجيش الذى
غبار خيله النجوم

فى العالم الأول من

مطلع الأنوار كنت

قم وانتشر التوحيد فى

الدنيا ووحد الأمم


الجيل الجديد

يقول فضيلة الأخ العلامة الشيخ أبو الحسن الندوى حفظه الله فى كتابه ( روائع إقبال):

إن الدكتور محمد إقبال – رحمه الله يتمنى للإسلام جيلا جيدا . شبابه طاهر نقى, وضربه موجع قوى, إذا تكلم كان رقيقا رفيقا, وإذا جد فى الطلب كان شديدا حفيا , وكان فى حالتى الحرب والصلح عفيفا... نزيها... آماله قليلة ومقاصده جليلة, غيور فى العسر رؤوف كريم عند اليسر تراه ظامئا إن أبدى له الماء دنيه, ويموت جوعا إن رأى فى الرزق ذلة. يجمع بين جلال إيمان الصديق,وقوة على, وفقر أبى ذر, وصدق سلمان, يقينه فى أوهام العصر كمصباح فى ظلمات الصحراء.. يعرف فى محطة بحكمته وفراسته ,وبأذان السحر... الشهادة فى سبيل الله أحب إليه من الحكومات والغنائم.

وكان رحمه الله يخاطب العرب ومما خاطبهم به قوله:

كل شهب قام بينى نهضة  :::وأرى بيناكم منهدما

فى قديم الدهر كنتم أمة  :::لهف نفسى كيف صرتم أمما

وفى 12 أبريل – نيسان سنة 1983 م انتقل محمد إقبال إلى جوار ربه بعد أن ملأ الدنيا الإسلامية حرارة وحماسة إلى شباب الأمة ورجالها . وبعد عشر سنوات فقط قامت دولة الإسلام باكستان وانحسر الإستعمار عن ديار الإسلام وفى كل مكان وقامت دول فى عالمنا الإسلامى وتنفست الشعوب نسمات الحرية والكرامة ولكن الإستعمار الخبيث لم يشأ أن يتركنا فقد عادت حجافلة بوجوه وسيوف نصرانية وسيوف نصرانية ومبادىء ماركسية ومؤامرات ظاهرية وباطنية ومع كل هذا فسوف يكون النصر للإسلام بإذن الله فالأمة الولود لا يمكن أن تعقم . ومتى ما ارتفع العلم وتقدم للقيادة أبطال العرين وليوث المسلمين جاء النصر المبين, وما النصر إلا من عند الله. والتاريخ يعيد نفسه وكما قد قيل الليالى حبالى ويلدن كل عجيب. وإذا كانت القوتان العظيمان كما تسميها الصحافة وهى قوة أمريكا وقوة روسيا فإن قوة الله فوق كل قوة ونسأله عزوجل أن ينزل عليهما صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود حتى يجعلهما يبابا خرابا. وبآيات عاد وثمود أختم كلمتى هذه فقد قال الله تعالى فى سورة فصلت( فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ؟؟ أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى ايام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. وإما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون).

وما أدرانا لعل الله أن يجعل من الرؤوس النووية التى يركبونها فوق الصواريخ ويصنعونها وينفقون عليها الملايين تكون هى الصواعق التى تدمرهم بإذن الله وتأتى على كل شىء حتى يصبحوا لا يرى إلا مساكنهم فيذهب القذر ويسكنها البشر من بعدهم.

وصدق الله العظيم إذ يقول( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم).

فتكون هى الصواعق وهى القوارع – والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والحمد لله رب العالمين.


جزيرة الجهاد "قبرص المسلمة"

نشرت فى مجلة المجتمع الكويتية:

الصراع بين الحق والباطل قديم, ومعركة الإسلام مع قوى الباطل نشبت منذ أن شع نوره وانطلقت دعوته فى جنبات الصفا والمروة بمكة المكرمة فيها كلما رأى أعداء الله نصرها وتأييد الله لها,واليوم نرى أعداء الله يعدون العدة ويتآمرون سرا وجهرا ليقفوا فى وجه الإسلام المشرق الزاحف الذى حطم الحواجز التى وضعوها فى طريقه وهدم ما بنوا من قلاع وحدود ليضربوا منها دعوته ويصدوا عن سبيله. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

واليوم حديثنا عن مأساة دامية كنا نتحدث عنها وقلوبنا مليئة بالأسى والأسف والحزن العميق, حتى قدر لنا أن نراها ونعيش أحداثها ونحن فى وسط شعبها التركى المسلم بمدينة " فأما غوستا" بدولة قبرص الاتحادية التركية الإسلامية.

فقد قرر المكتب التنفيذى لمؤتمر العالم الإسلامى – ويشرفنى أننى أحد أعضائه منذ سنة إقامة المؤتمر العالمى الإسلامى فى كراتشى عاصمة باكستان سنة 1950م وقد قر المكتب التنفيذى إقامة دورة لمؤتمر إسلامى عام فى جزيرة قبرص ما بين 7 -11 من جمادى الأولى 1400هـ الموافق 23 -2 من شهر مارس آذار 1980 بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامى.

وفى الموعد المحدد تقاطر المدعون من كل حدب وصوب وجمعت قبرص ولأول مرة, رجالا يعتبرون فلذات أكباد العالم الإسلامى. وما أشد سرور شعبها المسلم بهذا اللقاء الإسلامى الكبير الذى بعث فى نفوسهم الأمل والحياة وأشعرهم بوحدة العالم الإسلامى واتحاد مصالحه وقضاياه.

أول جزيرة فتحها الإسلام

وجزيرة قبرص الجميلة ذات السهول الخضراء والمنبسطة والجبال الممتدة المكللة هاماتها بالخضرة صيفا وبالثلوج شتاء وهى ساكنة بهدوء ووقار وكأنها تحكى أحداث تلك الأيام الخالدة التى كان فيها للإسلام رجال... فى صدورهم إيمان, وفى قلوبهم عزائم, وفى نفوسهم نخوة وغباء وشمم. لقد كانت قبرص من أهم القواعد التى كان ينطلق منها الروم للإغارة على الثغور الإسلامية إبان الفتوحات الإسلامية ألأولى. ولما ولى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه معاوية بن أبى سفيان أميرا على بلاد الشام. ورأى معاوية رضى الله عنه أن يتخلص من هذه القاعدة الخطيرة قبرص. ولما لم يكن للمسلمين أسطول بحرى اقترح على الخليفة عمر إنشاء أسطول إسلامى من القتال فى البحر. حيث لما يألفوه بعد. وهم أهل البادية والصحراء فتردد فى أول الأمر ثم وافق على ألا يكون القتال إلزاميا بفرض على المسلمين بل يترك لاختيارهم. وشاء الله أن يختار عمر شهيدا وتولى أمر المسلمين بعده عثمان بن عفان رضى الله عنه وأرضاه فأعاد معاوية الاقتراح على عثمان فوافق فى الحال وقام معاوية بإنشاء أول أسطول بحرى إسلامى, واستعمل على البحر عبد الله بن قيس رضى الله عنه وتمكن المسلمون من فتح قبرص سنة 28 للهجرة وقد اشترك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحملات التى انطلقت من شواطىء الشام ومصر وكان منهم: أبو ذر الغفارى ,وأبو الدرداء, وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت الذى استصحب زوجته معه وهى " أم حرام" وكانت قد تمنت الشهادة فى سبيل الله فدعا لها رسول الله بذلك واستشهدت فى قبرص وكان لها تأثير عظيم فى الحملة الإسلامية ودفنت هناك بقبرص ولها مسجد كبير ولكنه يقع فى القسم اليونانى المفصول عن القسم التركى.

ولما رأى أهل قبرص رؤوس الفتنة قد ظهرت بين المسلمين أخلوا بشروط الصلح التى عقدوها مع معاوية ظنا منهم أن المسلمين قد ضعفوا. إلا أن معاوية لم يمهلهم طويلا إذ سرعان ما غزا الجزيرة من جديد فاحتلها عام34 للهجرة وسيطر على جميع أرجائها, وأسكن فيها اثنى عشر ألفا من جند المسلمين فنشروا فيها الإسلام وبنوا المساجد وعمروها بالإيمان والعامل الصالح. ولكن بقيت جزيرة قبرص هدفا بارزا للصليبية وأعوانها وفى أيام الحملات الصليبية اتخذوا منها قاعدة أمدهم الصليبى إلى بيت المقدس. وتجمعت القوى الصليبية الحاقدة فى جزيرة قبرص, واتخذها مقرا لها, كما أصبحت شواطئها ملجأ للقراصنة الذين يغيرون على السفن والبلاد الإسلامية. وبقيت تحت حكمهم حتى دخلها العثمانيون المسلمون عام 979هـ 1571م ومكثوا فى قبرص ثلاثة قرون تقريبا عملوا خلالها على توطيد دعائم الإسلام فى الجزيرة وقد أسكن فيها السلطان سليم الثانى حامية مسلمى وقام فيها الدعاة بصدق وإيمان فبثوا المدارس والمساجد ولم يمض قرن من الزمن حتى كان المسلمون فيها ثلاثة أمثال النصارى اليونانيين وهكذا أصبحت قبرص بلادا إسلامية وجزء لا يتجزأ من ديار الإسلام.

وتأبى الصليبية إلا أن تستمر فى ضرب الإسلام وإذلال المسلمين فجاءت هذه المرة إلى قبرص عن طريق بريطانيا.. ففى عام 1296هـ 1878م كانت السلطنة العثمانية قد ضعف فانتهزت بريطانيا المستعمرة الفرصة ففرض رئيس وزرائها اليهودى درزائيلى معاهدة مع الدولة العثمانية عرفت فيما بعد" التحالف الدفاعى" وأكره السلطان على قبول الاحتلال البريطانى لقبرص مقابل ضمان بريطانيا الكاذب الدفاع عن الممتلكات العثمانية فى آسيا. وكما فعلت بريطانيا فى فلسطين حين عملت خلال استعمارها لها على تشجيع اليهود على الهجرة والإستيطان فيها وخلق المتاعب والمشاكل أمام أصحاب الأرض الأصليين من المسلمين كذلك فعلت فى قبرص.

فبعد احتلال بريطانيا العدوة اللدودة لهذه الجزيرة عمدت فورا إلى إضعاف المسلمين وتشجيع النصارى من بلاد اليونان على الهجرة إليها فى حين كانت تضيق على الأتراك المسلمين وتسعى لإذلالهم وإضعافهم لحملهم على الهجرة فتم لها ما أردت وانخفضت نسبة المسلمين وازداد عدد النصارى !!

ولم تكتف بذلك بل إنها عرضت على اليونان بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ضم قبرص إلى اليونان مقابل دخولها مع الحلفاء فى الحرب ضد ألمانيا.

واستمرت المشاكل فى قبرص حتى أدى الأسقف مكاريوس اليمين على أنه سيناضل من أجل إلحاق قبرص باليونان. وتوالى بعد ذلك تسريب السلاح إلى النصارى اليونانيين حتى من بعض الدول العربية. وقامت منظمة أيوكا اليونانية بحملات ارهابية وسفكت الكثير من دماء المسلمين وأجبر أكثر من ستة آلاف مسلم على ترك قراهم ومنازلهم فدمرها الإرهابيون ودمروا أكثر من ثلاثين قرية مسلمة وأحرقوها وهدموا أكثر من مائة مسجد للمسلمين وكان أثار حفيظة المسلمين لتأسيس منظمة للدفاع عن أنفسهم. واستمرت حركات الإرهاب بلا انقطاع إلى عام 1974 م حيث أدى الأمر إلى تدخل الجيش التركى المسلم فى 15 تموز 1974 لانقاذ المسلمين الباقين من حركات الإبادة الجماعية التى شنها عليهم اليونانيون ولقد شهدنا ثلاث مقابر جماعية يندى لها جبين تاريخ الإنسانية لو كان لها ضمير يحس أو قلب يتحرك ولكن أبى ذلك لمن ملئت قلوبهم حقدا على الإسلام والمسلمين. لقد كان تدخل الجيش التركى أمرا لا مفر منه ولولا هذا التدخل المشكور من جيش تركيا المسلم البطل لأصبحت مأساة قبرص تشبه إلى حد كبير مأساة الأندلس ونكبة المسلمين على أيدى المتعصبين من أ‘داء الإسلام والمسلمين.

وفى عام 1975 أعلن الجانب الإسلامى من قبرص " الدولة الاتحادية القبرصية التركية".

وفى هذه السنة نفسها توصل الطرفان لاتفاقية تبادل المواطنين وعقد اجتماع قمة عام 1977م وآخر فى عام 1979 تنص على تشكيل جمهورية اتحادية من منطقتين وطائفتين الطائفة التركية المسلمة والطائفة اليونانية الرومية النصرانية. ومع كل ذلك – وقد أشرفت على الأمر هيئة الأمم – فما زال الروم يعلنون بأنهم سيناضلون من أجل إعادة قبرص إلى ما قبل عام 1974 م أى قبل تدخل الجيش التركى لانقاذ المسلمين من براثن هؤلاء الأعداء وقد بدأ هؤلاء الأعداء بحملة إعلامية مركزة منافية لمقررات القمة ومليئة بالأكاذيب والافتراء ضد حقوق الشعب القبرصى التركى المسلم واستعدوا العالم المسيحى كله ضد تركيا المسلمة المجاهدة التى لم تصنع شيئا سوى إعادة المر إلى نصابه,

وانقذت حياة الآلاف المؤلفة من المسلمين الأتراك من دمار محقق وإبادة جماعية لم يشهد التاريخ لها مثيلا.

قبرص اليوم

واليوم تشهد قبرص حربا اقتصاديا,وتضييقا سياسيا: مؤامرات من هنا وهناك ولقد شاهدت وفود المؤتمر أمورا أذهلتهم فمساجد المسلمين لا تزال مهدمة ومآذنها تشكو إلى الله ظلم الظالمين. زلا تجد فيها واحدة سليمة من آثار دمار والمدافع والحرائق. ,كذا القرى والمدن التى تركها الشعب التركى المسلم تحت ضغط حملات الإبادة الجماعية التى مارسها أعداؤهم من الروم واليونانيين. فبيوتها مهجورة وقد هدمت أو حرقت. وأراضيها الخصبة التى كساها الله جل جلاله بالحلل السندسية. وأنيت فيها الزهور النرجسية. وقد يصل العشب إلى ركبتك وأنت تسير فى وسطه. ومع ذلك فهى متروكة من غير زراعة لضعف أهلها وعدم تمكنهم من النفقات الضرورية لزراعتها.

والمأساة التى آلمتنا وحزت فى نفوسنا جميعا أننا زرنا القسم التركى من العاصمة نيقوسيا فرأينا أثار الكآبة والدمار وضعف الحركة التجارية فى الأسواق وعلى مرمى العصا منا القسم اليونانى من نيقوسيا العاصمة وفيها الحركة الدؤوب والنشاط الاقتصادى والعمرانى, والمحزن فى الأمر ان الفضل فى هذا النشاط الاقتصادى او أكثره على أقل تقدير يعود إلينا نحن معشر العرب المسلمين فسفاراتنا هناك. وطائراتنا تحط هناك والسائحون منا يلقون عصا الترحال هناك. والمستوردون ينقلون مختلف صنوف البضائع من هناك والبواخر تنطلق من هناك وتنقل لنا آلاف مختلف الأطنان من مختلف البضائع التجارية وهذا مع العلم اليقينى أو شبه اليقينى أن هذا القسم من قبرص وهو القسم اليونانى هو قاعدة تجارية كبرى لإسرائيل عدوة العرب وعدوة المسلمين جميعا ترد البضائع من إسرائيل ويختم بالبصمة القبرصية ثم تصدر إلى حيث يشاء التجار العرب المسلمون هداهم الله وأيقظهم من غفلتهم.

أما القسم التركى المسلم فهو فى شبه عزلة اقتصادية وسياسية واجتماعية ولولا أبواب تركيا المفتحة لهذا القسم لأصبح فى خطر الزوال. ولقد حدثنا مسئول كبير وأخبرنا أنهم فى العالم الماضى رموا فى البحر أكثر من سبعمائه طن من أجود أنواع البرتقال إذ لم يجدوا مجالا لتصديرها ولم يعرفوا تاجر يتقدم إليهم لشرائها هم فى شبه عزلة اقتصادية وسياسية. وعلى العرب خاصة والمسلمين عموما الالتفات إلى هذه القضية الخطرة والمبادرة إلى الاعتراف بدولتها التركية المسلمة برئاسة الرجل المسلم البطل الأستاذ / رؤوف دنكتاش الذى جاهد ولا يزال يجاهد لتحرير بلاده وشعبه من السيطرة الأجنبية والإستعباد البغيض. وهم فى أمس الحاجة إلى أن يعود النشاط الاقتصادى والسياسى إليهم وذلك بفتح السفارات فى بلادهم ونزول الطائرات وتكوين خط بحرى تجارى لينقل بضائعهم إلى بلاد إخوانهم المسلمين. وفى هذه الجزيرة التى تصل مساحتها قرابة عشرة آلاف كيلو متر الخير الكثير والخصب الوفير وشعب مسلم مؤمن يتلهف لرؤية إخوانه فى العقيدة والدين نسأل الله أن يوحد كلمة المسلمين والحمد لله رب العالمين. حرب وجود وليست حرب حدود


يا رسول الله.. إن اليهود أهل لؤم وعدر ونكث

نشرت فى جريدة الشرق الأوسط الدولية:

جاء وصف اليهود باللؤم , والغدر , والنكث على لسان سيد من ساداتهم وعالم من علمائهم, هداه الله للإسلام ونبذ اليهودية الكفارة القذرة, إنه قول الصحابى الكريم عبد الله بم سلام بن الحارث وهو من بنى قينقاع و لما قدم النبى الأكرم صلوات الله وسلامه عليه المدينة المنورة جاءه عبد الله بن سلام وبعد أن سأله بعض الأسئلة وأجابه عليها النبي العظيم شهد شهادة الإسلام أمام البنى صلى الله عليه وسلم. ثم أراد أن يظهر صدق قوله فى وصف اليهود وخاف أن يبهتوه, فقال : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامى يبهتونى عندك, فأرسل إليهم فاسألهم عنى أى رجل " ابن سلام" فيكم؟ قال : فأرسل إليهم النبى فقال: أى رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا:" خيرنا وابن خيرنا, وعالمنا وابن عالمنا, وافقهما وابن أفقهنا". قال: أرأيتم إن أسلم تسلمون؟ قالوا " أعاذه الله من ذلك" قال: فخرج عليهم ابن سلام قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. فقال اليهود" هو شرنا ابن شرنا , وجاهلنا ابن جاهلنا". هذا مثل صادق يبين ويكشف طبيعى هؤلاء القوم الأرجاس الذين نشأوا على الغدر , واللؤم والكذب والبهتان. وقد تكلفت سورة البقرة من كتاب الله عزوجل وهى سنام القرآن, ببيان أوضاعهم وصفاتهم, ونكثهم وغدرهم وجرائمهم فى قتل الأنبياء, وإنهم كلما عاهدوا عهدا نبذه فريقا منهم بل أكثرهم لا يعقلون الخ... فلا يتصورن أحد منا أن هؤلاء يريدون السلام, وهم دعاة حرب وخصام وعصابة غدر من اللئام, تحلم بأن تبيد أمتنا الإسلامية وتقضى على شعوبنا, ومن ثم تحتل أرضنا وديارنا وتقيم عليها الحضارة اليهودية المزعومة وتتمتع بالخيرات التى أفاضها الله علينا فى ديار الإسلام. وحربهم معنا حرب وجود, وليست حرب حدود . ففى أحلامهم وفى نياتهم الخبيثة أن يقضوا على أمتنا وأن يقتلوا الإسلام الصامد العظيم من جذوره بعد أن يبيدوا شعوبه ويقبروها فى قبور جماعية فى وديان أرضيها وأوطانها واسمعوا ما يقوله السفاح اليهودى المجرم مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل فى كتاب أصدره باللغة الإنكليزية وسماه" التمرد" قال فيه:" لن يكون هناك سلام مع العرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأكمله حتى ولو وقعنا مع العرب معاهدة الصلح" ثم يقول فى موضع آخر من الكتاب نفسه" إن الأسلحة العبرية " اليهودية" هى التى ستقرر حدود الدولة العبرية... ولا يمكن آن نشترى السلام مع أ‘دائنا بالمفاوضات فهناك نوع واحد من السلام يمكن ان يشترى: هو سلام القبور".

هكذا يريد سفاح القرن العشرين أن يقبر الأمة الإسلامية ويقضى على إسلامها وحضارتها الخالدة. والتى ستقضى عليه وعلى أمته الملعونة فى الكتب السماوية كلها بإذن الله يوم تنشر رايات الإسلام المطوية اليوم. يقول ابن عباس رضى الله عنهما, إن الله لعن اليهود فى التوارة ولعنهم فى الإنجيل, ولعنهم فى الزبور ولعنهم فى القرآن ثم قرأ قوله تعالى[ لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون].

وهذه أحلام اليهود جميعا فى إبادة الإسلام والقضاء على المسلمين يقول اليهودى ابن غوريون فى شهر مايو 1949 فى حفلة تخريج الضباط اليهود فى المدرسة العسكرية: سنجعل الحرب حرفة يهودية حتى يتم تحرير بلادنا بأجمعها وحتى يعود الشهب اليهودى بأسره إلى استطيان أرض الآباء والأجداد من الفرات شرقا إلى النيل غربا.

ومقولة اليهود: حدودك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل أصبحت خطة مرحلية يقفزون منها بعد تكوين دولتهم الموسعة إلى جميع أقطار العالم الإسلامى وظهر ذلك واضحا على لسان وزير المذابح والمجازر البشرية شارون لعنه الله حيث تناقلت الصحافة العالمية تصريحه الخطير الذى قال فيه: إن مصالح اسرائيل وحدودها سوف تشمل الخليج والجزيرة وباكستان وإيران وتركيا وشمال أفريقيا برمتها. وقد سبق لليهودى المجرم موشى ديان حينما دخل القدس الإسلامية أن صرح بقوله: هانحن ندخل القدس ونحن بطريقنا إلى يثرب" المدينة المنورة" لنرد ثارات خيبر, فالحرب إذا حرب وجود... وليست حرب حدود. فإسرائيل سوف لا تقف عند حد. والحرب عندها حرفة, وصناعة. دربت عليها أجيالها المعاصرة ودربتهم على سفك الدماء. وأباحت لهم القتل الجماعى وإفناء أعدائهم المسلمين فهل فقه المسلمون هذا؟


معركة الإنسانية

أيها الناس جميعا: إن معركة الأمة الإسلامية مع الصهيونية العالمية إنما هى فى حقيقتيها وفى مآلها ونتجائها, يوم تنكشف الحقائق والأمور للناس إنما هى معركة الإنسانية مع أخطر مؤامرة على القيم, والفضائل والأخلاق عبر القرون والأجيال, بل هى معركة التاريخ بين الخير والشر وبين الإنسانية الرفيعة , والوحشية الوضيعة, وبين البشرية الصافية فى فطرتها وأصالتها وبين أعداء البشرية الذين هم أراذلها وشرارها على مر العصور والدهور وهم يسعون فى " الأرض فسادا" كل الأرض وإلحادا وفوق ذلك فهى معركة الإسلام الكبرى فى هذا العصر المظلم. وهى بنفس الوقت إمتداد لمعارك صلاح الدين . ونور الدين الشهيد.

إن الفلسفة اليهودية العدوانية الخبيثة التى سوغت لنفسها أن تقيم دولتها على أرض يملكها غيرها, بعد أن شردوا أهلها, وساموهم ولا يزالون يسومونهم سوء العذاب ويتابعونهم حتى فى مهاجرهم ومخيماتهم ويعملون فيهم قتلا وتشريدا.

إنها فلسفة ذات طبيعة عدوانية وحشية خبيثة مجرمة قذرة لا يمكن أن يحترم لأصحابها عهد ولا ذمة, ولا يمكن أن يقف عدوانها عند حد. فلتعلم الأمة الإسلامية هذا. ويكفينا عبرة وذكرى خمسة وثلاثون عاما منذ قيام اسرائيل ونحن نراوح فى أماكننا وننحسر مخذولين مهزومين. عدونا يترفع ويتوسع ونحن نخضع ونخنع, عدونا يستهتر ويضرب قرارات هيأة الأمم بالأقدام ونحن – العقلاء جدا – نحمل حقائبنا ونلجأ إلى العدو الذى أقام اسرائيل وأوجد إسرائيل, وسلح إسرائيل وإلى من مدها بالرجال أيضا ونشتكى إليهم شأن الضعيف المخذول, وهم يضحكون منا ويشمتون بنا وتمتلىء قلوبهم فرحا وسرورا بهزائمنا, وتفرقنا وتمزقنا. إذ خيال الحروب الصليبية لم تذهب من العقل الباطن فيهم جميعا أمريكا الغادرة الكافرة وروسيا الملحدة والغرب الصليبى كله. إننا لم نغلب من قلة عدد ولا عودد, بل كنا الأكثر سلاحا ورجالا, ولقد عايشت القضية بنفسى وشهدت المآسى والمخازى لقد كنت مع المتطوعين المسلمين فى جنوبى لبنان أولا فى ترشيحا وعيطرون, ثم انتقلت إلى نابلس وطولكرم وقلقليلية. وطيرة بنى صعب الباسلة التى عجز اليهود عن احتلالها أو النيل منها رغم عشرات بل مئات الهجمات التى شنوها عليها ثم جاءت اتفاقية رودس المشئومة فسلمتها لليهود بجرة قلم ملوث بالخذلان والخيانة. كما شهدت شجاعة المتطوعين وشوق الجيوش العربية للقتال وشجاعتها, ولكنها حبست وقيدت كما تحبس الأسود فليس عندها أوامر بالقتال, وكنت مع قادة الجيش العراقى الباسل سنة 1948 ومع جنوده ورأيت آثار الكآبة على كل وجه, ولا يمكن لإسرائيل أن تنسى معركة جنين التى احتلتها بأكثر من عشرة آلاف جندى, ثم عاجلها فوجان فقط من أفواج لواء القائد المسلم البطل عمر على رحمه الله فطردها شر طردة وأوقع فيها مجزرة رهيبة تركت وراءها أكثر من الفى يهودى قتيلا نافقا فى وديان جنين وجبالها. ولم يستشهد من العراقيين سوى 34 شهيدا. ,ليتكم ترون جبن اليهود وخورهم وخوفهم وهم ينهزمون لا يلوون على شىء وصدق الله العظيم إذ يقول فى سورة الحشر( لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله, ذلك بأنهم قوم لا يفقهون , لا يقتلونكم جميعا إلا فى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).

شهدت هذا وأكثر من هذا ورأيت النكبة الكبرى التي أكثرها يعود إلى تخاذل القادة وخيانة السادة وتآمرهم وتراجعهم أمام دولة الخبث والغدر والمكر والخديعة والتى أقام اسرائيل وهى بريطانيا فهى المجرمة الأولى فى كل ما جرى ويجرى فى ساحتنا ثم تبعتها فى المكر والغدر أمريكا وروسيا وبقية الدول الصليبية الحاقدة وكلمة أقولها لله ثم للتاريخ إن الذى تطهرت يداه من التلوث بدماء المسلمين فى فلسطين ولبنان وصبرا وشاتيلا هو الملك الصالح الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود فقد أصر على عدم دخول الجيوش العربية ورأى وهو الرأى الصائب أن نسلح الفلسطينيين أولا ثم نرسل المتطوعين المسلمين معهم بطريق غير رسمى وجهز المتطوعين بالفعل وأمر عليهم اللواء المسلم سعيد الكردى رحمه الله ولكن القادة العرب أبوا عليه ذلك وألحوا عليه حتى وافق مكرها حتى بلغنى أنه رحمه الله قال بعد هذا القرار: لقد ذهبت فلسطين . لا أريد أن أسترسل فى قضايا التاريخ إنما هى العبرة والذكرى ولهذا يجب أن يدرس التاريخ.


لغة القوة

والعالم اليوم مع بالغ الأسف لا يعرف إلا لغة القوة وقد فقد معانى العدالة والإنسانية. ولغة القوة السائدة وزهى التى تنطق وحدها .والقوة فى الأمة ذاتية لا تستورد من أحد, فإذا غيرنا منهجنا السابق, وسلكنا منهج القوة الذاتية وربينا الأمة على الجهاد الصادق المنبثق كم روح الإسلام, ومبادىء الإسلام, واستعملنا هذه القوة فى محلها,وزمانها ومكانها وردعنا إسرائيل التى لا تعرف إلا هذه اللغة حينذاك نكون قد أعدنا كرامتنا المهدورة وسمعتنا الملوثة بأوحال أذل خلق الله ,وأجبن عبد الله وهم اليهود الذين أستأسدوا اليوم علينا معشر العرب والمسلمين وهم القوم الأذلاء...

اننى لا أستهين بالرأى العالمى فله وزنه وله فوائده السياسية. ولقد كان معنا منذ مذابح دير ياسين, وقبية , واليوم هو معنا بعد مذابح صبرا وشاتيلا ولكننى بنفس الوقت أقول إن الرأى العام العالمى لو اجتمع كله وكان معنا سوف لا يرجع شبرا من أرضنا ولا مثقالا من كرامتنا المهانة, ولا قطرة من دمائنا المهدرة إن الذى يعيد لنا كرامتنا, ويعيد لنا هيبتنا كأمة رائدة لها تاريخ فى الجهاد والإستبسال والفتوح ولا ينكره أحد. أنما هو جهادنا الذى لحقنا من وراء العزائم التى لحقتنا, ولا تزال تلحقنا, منذ قيام هذه الدولة المسيخة إسرائيل وحتى اليوم, ومعاركنا مع هذا الكيان الصهيونى مستمرة وسوف تبقى مستمرة لأن الحرب ح كما قلت – حرب وجود... لا حرب حدود. فأما تبيدنا إسرائيل وهذا ما تحلم به وتصرح به وتعمل له دائبة. أو أننا نعود إلى ربنا وجهادنا الصادق ونقتلعها من جذورها ونزيلها من الوجود, وتعود لنا كرامتنا وهيبتنا وأرضنا وقدسنا ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله وما النصر إلا من عند الله ينصر من يشاء وهو عزوجل على كل شىء قدير وهذا اليوم آت لا ريب فيه بعون الله.


أثر التوارة..... والسلام

أما السلام والحديث عن السلام مع اليهود فهو ضرب من الأحلام الفاسدة, أرأيتم إنسانا يسالم ذئابا ؟؟ أرأيتم عاقلا يصاحب العقارب ويضعها فى جيبة؟ أرأيتم حكيما يستنيم إلى الأشرار والفجار؟؟ وإذا فعل إنسان ذلك ألا يكون مشمولا بقول القائل:

من استنام إلى الشرار نام وفى

أثوابه منهم صل وثعبان

أو بقول قائل:

من لم تفده عبرا أيامه

كان العمى أولى به من الهدى

لقد نقت للقارئ الكريم من تصريحات زعماء الصهيونية من اليهود السفاحين. وأود أن أنقل شيئا من توراتهم المزيفة والتى يتربون عليها وينشئون أجيالهم على قواعدها الدموية واسمعوا لتروا العجب العجاب من شأن هذه الأمة المسيخة التى تنفث السموم فى نفوس أجيالها وتربيهم على احتقار الأمم واستعباد الشعوب وتزرع فيهم الحقد الأسود وقسوة القلوب التى لا يشفيها إلا أن ترى دماء أعدائها مسفوحة مهدورة فتشرب منها.

1-جاء فى سفر يشوع:6- ما يلى وحرموا – اقتلوا- كل ما فى المدينة – أريحا – من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف واحرقوا المدينة مع كل ما بها.

2- وهناك أبيات من قصيدة بعنوان : صلاة لمضيفى إسرائيل كتبها س. شالوم وهى تدرس لأطفالهم بمدراسهم قال فيها. اعل قلبنا من حجر, دعه لا ينبض أو يلين, عندما تتقدم رأيتنا فوق دمهم المسفوك.

3- وجاء فى سفر التكوين : 27 0 ليستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل.

وإلى القراء الكرام نموذجا واحدا فقط مما مثله اليهود فى تنفيذ هذا التوجيه التوارنى المزعوم الذى رضعوا لبانه منذ الصغر فى معاركهم الأولى مع المسلمين سنة 1948 وهى مجزرة دير ياسين.


مذبحة دير ياسين

مذبحة دير ياسين فى أرض فلسطين وبطلها وزعيمها المجرم رئيس العصابة مناحم بيغن رئيس وزراء إسرائيل اليوم ومخطط مجازر صبرا وشاتيلا فى لبنان. لقد وقعت هذه المذبحة فى يوم 6 نيسان – أبريل سنة 1948 وراح ضحيتها 250 مائتان وخمسون شهيدا ما بين رجل وامرأة وطفل منه "25"امرأة حبلى بقرت بطونهن وانتزعت الأجنة منها. و52 طفلا مسلما أحتزت رقابهم وقطعووا وذبحوا أمام أعين أمهاتهم المسلمات. ولم يكتف اليهود بمن قتلوا من الأبرياء بل جمعوا من بقى على قيد الحياة من النساء والفتيات المسلمات وجردوهن من ملابسهن, وأركبوهن سيارات نقل مكشوفة, طافت بهن فى الشوارع اليهودية من مدينة القدس وغيرها امتهانا وإذلالا, وهتكا للحرمات وطاب الكثير من اليهود أن يلتقطوا صورا تذكارية لهذه الأعراض المستباحة والمستذلة. وفى الوقت الذى قال فيع كاتب يهودى اسمه: جون كيحش: إنها أبشع وصمة فى تاريخ اليهود. قال السفاح بيغن فى كتابه" قصة الأرغون" إنه لولى النصر فى دير ياسين لما كانت هناك دولة إسرائيل...

لقد أوجدنا جوا من الرعب المجنون أكثر من سبعمائه وخمسين ألف عربى يفرون تاركين وراءهم كل شىء... ألأمر الذى كان له أهمية سياسية واقتصادية لا حدود لها. انتهى.

هذه نماذج قليلة عن هذه الأمة اليهودية المسيخة التى حذرنا الله منها وأخبرنا أنها شر أمة فى عدواتنا, واشد أمة فى حربنا حيث قال سبحانه وتعالى ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)

وحربنا معهم طويلة الأمد كثيرة العقد ليس لها إلا الفرد الصمد, إذا اتجهنا إليه سبحانه, وصدقنا فى جهادنا , وأعددنا الأمة إعدادا إسلاميا ظاهرا وباطنا, وحتى علم الله عزوجل منا صدق العزائم وصفاء السرائر وخلوص النوايا كتب لنا النصر المبين,وأزال عنا غشاوة المذلة والهوان ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله فى هذه الحرب الدائمة التى كما قلت: إنما هى حرب وجود وليست حرب حدود.


المفكر المسلك رجاء غارودى وغربة الإسلام

فى اليوم الحادى عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1402هـ أعلن المفكر الفرنسى الكبير روجيه غارودى إسلامه أمام المؤسسة الثقافية الإسلامية فى جنيف وسمى " رجاء غارودى" وتزوج امرأة مقدسيه طيبة من عائلة معروفة هى سلمى نور الدين الفاروقى.

لقد هزت هذا الحدث التاريخى الأوساط الثقافية والعلمية فى الشرق والغرب خاصة وقد سبق للجراح الفرنسى الكبير الدكتور موريس بوكاى أن وضع كتاب " الإنجيل والقرآن والعلم" وفيه نشر ما توصل إليه بعد بحثه العميق وبالعلم المعملى التجريبى الثابت: أن القرآن وحى من عند الله , وأن محمد صلى الله عليه وسلم نبى من عند الله, وأن ما أتى به القرآن ليس من قول البشر. ويعزى بوكاى الغرب بعيدا عن معرفة الحقيقة ولاستسلام بنيه للأفكار الخاطئة والمسممة حول الإسلام ورسوله.. وما دروا أن القرآن خلافا للكتب السماوية لم يتغير ولم يتبدل, وإنه باق وصالح لكل زمان ومكان, وأن آياته منذ أربعة عشر قرنا تحمل من الظواهر الكونية وحقيقة الإنسان وخلقه ما لم يعرفه الإنسان إلا فى عصرنا هذا. وما زالت عقولنا قاصرة عن معرفة الكثير من حقائقه.

ومن تصريحات بوكاى التى أعلنها فى مكتب رابطة العالم الإسلامى فى باريس ونشرتها جريدة الرابطة " أخبار العالم الإسلامى" فى يوم 28 شباط " فبراير" سنة 1983, قوله :" لا مغالطات علمية فى القرآن المسيحيون فى حاجة لمعرفة أخطاء كتبهم. الأناجيل قاصرة وتخاطب أزمانا غابرة وتحمل أخطاء سافرة. القرآن تحدث عن تحولات الإنسان عبر العصور وهكذا أصحاب العقول الكبيرة والثقافات الواسعة, تهدى أصحابها بإذن الله إلى الحقيقة الناصعة والتوحيد الخالص. إن هؤلاء الرجال الأفذاذ احترموا عقولهم الواسعة فأعلنوا إسلامهم بكل شجاعة وبطولة ورجولة, ولم يلتفتوا إلى ما قد يصيبهم من وراء ذلك من حرمان وحرب ضروس من أعداء الإسلام وهم كثر فى هذا الزمان... فالله يحيمهم ويدفع عنهم ويثبتهم بالقول الثابت فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

لقد تتبعت أخبار هؤلاء العلماء الفضلاء الكبراء وقرأت أكثر ما كتب عنهم وما نشر بأقلامهم, خاصة المفكر الكبير رجاء غارودى, فأعجبت بفكره النير,وفهمه العميق للإسلام ولمحاته الروحية, ولمساته الواقعية الحضارة الإسلام ومبادىء الإسلام وتاريخ الإسلام ودفاعه القوى الدقيق عن دين الله الحق الإسلام العظيم.

لقد تاقت نفسى وأحبت هذا الرجل لأحمل له التحية والتهنئة والشكر العميق, ولأرحب به أخا مسلما أحببناه فى الله بظهر الغيب, ودعونا له بالتوفيق والتثبيت والنصر على أعداء الله الذين أشهر فى وجوههم سيف الحق , وبدأ يقارع الباطل وجحافل الباطل خاصة أعداء الله والإنسانية كلها اليهود والصهيونيون المفسدون فى الأرض والذين سيهدمون صروح الإنسانية من قواعدها ويقضون على ما بقى فيها من ثمالة الخير وبقية الروحانية والرحمة والمعروف.

حقا لقد تطلعت إلى رؤية هذا الرجل المسلم الكبير وشاء الله أن يحقق لى ذلك. فقد أكرمه الله بزيارة مكة المكرمة لأداء العمرة المباركة إلى البيت العتيق ثم التوجه إلى المدينة المنورة للصلاة بمسجدها الطاهر ثم السلام على النبى وصدق نبوته, واتبع النور الذى جاءه من ربه.

وفى الرياض وعند الأخ الوزير المؤمن الدكتور محمد عبده يمانى وزير الإعلام التقينا اللقاء الأول وتعانقنا وتآلفنا وتحادثنا, وكأن أحدنا يعرف الأخر منذ عشرين سنة, إنها الأرواح ما تعارف منها وائتلف وما تناكر منها واختلف وهو ذو روح شفافة وقد أسبغ عليها الإسلام قبسات من نور الإيمان. فأصبح مشرق الوجه وضاح لجبين, تنطق شفتاه بالإيمان ويخفق قلبه بحب الإسلام وينساب متحدثا عن عظمة الإسلام وحضارته الأصيلة الباهرة فيأسر القلوب ويحيى الأرواح, وكأنك إذ تسمعه تشاهد إماما كبيرا من أئمة الدين يتحدث عن عظمة الدين ويكشف عن أنوراه ومباهجه المتلألئة الوضاءة.

جلسنا قرابة نصف الساعة ثم دعانا الدكتور يمانى للغداء مع المفكر الإسلامى الكبير ومع من دعا من رجال الفكر والأدب وبعض الوزراء ووكلاء الوزارات تكريما لهذا المسلم العالم الذى أكرمه الله بالإسلام وأكرم به المسلمين ليشد من أزرهم,ويضع لبنة قوية فى تدعيم الصحوة الإسلامية الجديدة والتى تنات بها الركبان فى كل مكان. وكان الإجتماع . وانهالت عليه الأسئلة وبدأ يجيب عليها إجابات شافية وافية.

وكان مترجمه الشاب التونسى موفقا كل التوفيق فى نقل أفكاره إلينا وبأسلوب شيق وكلام عربى فصيح. كما كان ينقل الأسئلة إليه بلغة فرنسية واضحة. وقد دامت الجلسة اكثر من ساعتين قبل الغداء, وأخيرا سأل أحد الأساتذة الكرام الأستاذ رجاء غاردوى عن رأيه فى حديث " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"... الخ.

وهنا أجاب الرجل إجابة الذكى اللبق وخلاصة قوله:

إنه يتحدث الآن عن عموم وشمول دعوة الإسلام وعظمة حضارة الإسلام. أما مثل هذه الأمور فمن الممكن أن يعلنها إخوانى المسلمين ويذكروا الحكمة فيها, ثم سكت.

وهنا طلبت أنا الكلام فى الموضوع فأعطى لى فقلت:

إخوانى الكرام. إن هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التى نطق بها من لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال:" بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" حديث. ومن المؤسف أن البعض قسر هذا الحديث تفسيرا محدودا وهو: أن الإسلام سوف يعود غريبا. والغريب مهما سما فهو مجهوا وذليل منكمش منحسر, ولابد أن يعود الغريب إلى وطنه الأول وتنتهى عند ذلك عالميته الشاملة وينحسر ندة العظيم الذى شمل أقطار الأرض ودخلت أنواره فى كل صقع من أصقاع هذه الأرض. وفى الحق أن هذا الحديث العظيم من المبشرات بعز الإسلام, وعودة رسالته الشاملة الكاملة الخالدة وانتشاره فى آفاق الدنيا.

فالإسلام بدأ غريبا فى وسط ظلام الشرك والكفر والوثنية والإلحاد والفساد وجابه أعداءه التقليديين الثلاثة وهم: المشركون والمنافقون واليهود وقد تعاونوا جميعا وتآمروا عليه ليطفئوا نوره, ويوقفوا زحفه وتحركه ويطمسوا معالمه. وكان بينهم وعندهم غريبا ومنكرا لا يعرفونه ولكنه بفضل الله انتصر وانتشر, وفتحت له القلوب, وسادت رسالته, وعمت دعوته وقامت دولته, وفتحت له الأمصار ودخلت فيه الأمم والشعوب أفواجا أفواجا, وهى سعيدة فرحة بهداية الله لها وإتباعها لأفضل وأكمل رسل الله محمد صلى الله عنه وسلامه عليه وتمسكها بالدين السائد القائد إلى الهدى والرشاد.

واليوم يعود الإسلام غريبا فى وسط الكفر والشرك والضلال والانحلال والفساد والإلحاد الذى كاد يعم الكرة الأرضية. بل قد يتعجب المتعجبون إذا قلنا غن الإسلام أصبح غريبا حتى فى أوساط الكثيرين من أهله الذين آمنوا به تقليدا وسجلوا فى سجلات المسلمين وراثة, ولكنهم شيئا عن إسلامهم, ولا يفقهون له حديث ولا يقيمون له حكما ولا يطيعون له أمرا.

ثم يواجه الإسلام اليوم أخرط أعدائه وأشرس حساده وهم الأعداء الثلاثة أنفسهم والتاريخ يعيد نفسه والأعداء هم المشركون والمنافقون واليهود . وقد اجتمعت كلمتهم وتوحدت صفوفهم للقضاء على الإسلام وطمس معالمه والقضاء على أممه وشعوبه. والكفر ملة واحدة وقد وضعوا المخططات وأنفقوا المليارات للتبشير والتدمير وضرب قلعة الإسلام, وأقاموا الدويلة المسيخة الكافرة إسرائيل لتكون خنجرا مسموما فى جسم الأمة الإسلامية ثم أطلقوها كلبة مسعورة, وأمدوها بأسباب الحياة والمال والرجال والسلاح وكل أسباب التدمير والتخريب.

وانكشف الغطاء اليوم وبرج الخفاء وسقطت الأقنعة المزيفة للمبادىء الضالة التى ارادوا بها أن يحلوها محل الإسلام وهى القومية والاشتراكية والشيوعية والعلمانية وغيرها وغيرها..

والإسلام يواجه اليوم هذه التحديات كلها مجتمعة وسوف ينتصر عليها بإذن الله وينتشر ويزدهر وتقوم دولته وتعم دعوته وتعلو رسالته وتعز أمته.

ألا ترون معى أن اعتناق الإسلام من هذا الرجل المفكر الكبير ومثله من المفكريم وغيرهم ألا ترون أنه من الأدلة لواضحة على ابتداء ازدهار دعوة الإسلام؟

ألا ترون هذه الصحوة المباركة فى كل مكان دليلا على بداية النهضة الإسلامية وانتشار الإسلام وانتصاره فى كل ميدان وازدهار وعلو كلمته؟ إنه حديث مبشر, بدأ الإسلام غريبا.. فانتشر وانتصر, وازدهر وعلا وسما وساد وقاد. وسيعود غريبا ثم ينتشر وينتصر ويزدهر ويسود ويقود بإذن الله وتوفيقه" وما ذلك على الله بعزيز".


حول جهاد الأفغان : شهادة... ورجاء.. وتحذير

الحمد لله الغنى الكبير العزيز الحكيم, والصلاة والسلام على النبى الأمين إماما المجاهدين وقائد الغر المحجلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

إخوانى المؤمنين ممن أفاض الله عليهم من فضله ونعمه وبره وإحسانه وفى هذه البلاد المقدسة خاصة وفى الخليج المسلم العزيز وسائر بلاد المسلمين الطيبة.

هذه شهادة صادقى أقدمها لله عز وجل أولا ثم للمسلمين عامة بعد رأى العين وإحساس القلب. ودموع العين حول الجهاد الإسلامى الكبير فى بلادنا الإسلامية البطلة أفغانستان بعد أن قضيت فى ربوعهم ومع جنودهم وقادتهم ورجالهم وعلمائهم ومعسكراتهم قرابة شهر الزمن.


أول اللقاء بأفغانستان

إخوانى المسلمين: لقد قدر لى أن أتشرف بزيارة هذه البلاد الباسلة البطلة قاهرة الفاتحين ومذلة المتجبرين بعون من رب العالمين. لقد زرتها قبل ما يقرب من خمسة عشر عاما فحف بى المسلمون وأكرمونى أيما إكرام بداية من ملك البلاد إلى العلماء والمشايخ والشباب المثقف والوجهاء لأنى مسلم أولا وقادم من البلد المقدس لديهم والحبيب إليهم مكة المكرمة. وأحمل رسالة مخطوطة من الملك الشهيد فيصل ابن عبد العزيز أسكنه الله الجنة وجعله فى الشهداء الخالدين.

لقد كنت موضع إكرامهم واحترامهم وألقيت العديد من المحاضرات فى جامعة كابل" كلية الشريعة" وفى المساجد وأقيمت لى الولائم والدعوات ودخلت قصورهم الفارهة ذات الأسوار العالية والساترة وذات الحدائق الغناء والبهجة والرواء وكانت لهم مزارع تسر الناظرين وكانت لهم أملاك وتجارات وعقارات وهم شعب أبى كريم ومسلم ملتزم بالإسلام فكرا وعقيدة وسلوكا. وهم كرماء فضلا بزينهم الخلق الإسلامى وتلوهم مهابة الإسلام وجماله وبهاؤه, ولقد عشت بينهم أبرك الأيام وأسعد الأوقات وأطيبها, ثم خرجت منهم وغادرتهم وأنا ملىء بحبهم وتقديرهم والإعجاب بشاعتهم وكرمهم.

واليوم...

واليوم قدر لى أن أزور هذا الشعب الأبى البطل فى مهاجره على حدود أفغانستان المجاهدة وفى أرض باكستان المسلمة" بشاور" فماذا رأيت؟

رأيت العجب العجاب مما أدهشنى وكاد يقطع نياط قلبى لقد والله بكيت وبكيت حتى دف أدمعى وتجمد. لقد رأيت أصحاب تلك القصور الفارهة والوجاهات العالية وأصحاب تلك الأملاك والبساتين والعقارات والثروات رأيتهم فى خيام مهلهلة وليتها تجمعهم وتكفيهم فالكثير منهم لا يجدون الخيمة التى تؤويهم. والبطانية التى تغطيهم وتحميهم من ذلك البلاد القارس الشديد, وقد يجتمع العشرة منهم فى خيمة واحدة لا تكفى لأربعة أشخاص وأطفالهم على الأرض ونساؤهم مثل أطفالهم. ولقد بلغ عدد المهاجرين إلى باكستان أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر كما بلغ المهاجرون إلى إيران أكثر من مليونى مهاجر.

ولقد زرت المستشفيات المتواضعة التى أسستها الجماعات الإسلامة فى باكستان كما زرت المستشفى النسائى الوحيد لأخواتنا الأفغانيات وأنا الوحيد الذى سمح لى بهذه الزيارة إذ أن المرأة الأفغانية بفضل الله لا تزال فى حجابها الساتر وحيائها الفاخر, ودارت معى الطبيبة وهى محجبة فماذا رأيت؟؟

رأيت المريضتين فى سرير واحد . ورأيت مريضات يفترشن الأرض فوق " مفرش" رقيق إذ لا مكان لهن فى الأسرة.

أما الرجال فالحق أنهم رجال فى المستشفيات كما أنهم رجال فى الجهاد وساحات الشرف والبطولة لم أر مريضا يئن أو يشكو بل أراه يبتسم وهو مقطع الأرجل أو الأيدى وكل ما يتمناه أن يشفى ليعود إلى الميدان الجهاد وكانوا يستقبلوننى بالسرور والبشاشة وهم يقولون لى : الجنة الجنة . أى أنهم يتمنون الشهادة والجنة التى أعدها الله للشهداء والصالحين.

إخوانى المسلمين:

إن هذا الشعب الأبى لم تزلزله هذه النكبة التى لو نزلت بالجبال الشم لدكتها, فهو شعب عزيز ذو أنفة وكرامة وكبرياء على العدو. لقد فقدوا كل شىء من أموالهم وأوطانهم ومنازلهم وعقاراتهم ولكنهم لم يفقدوا كرامتهم ولا رجولتهم ولا إيمانهم بالله عزوجل فهم شعب أباة لم تزلهم النكبة بل شدت من عزائمهم وربطت على قلوبهم فزداداو يقينا وألهموا صبرا وعزما وتضحية وجهادا.

لقد زرت معسكرات المجاهدين الأبطال ومنها معسكر أبو بكر الصديق ومعسكر خالد بن الوليد ومعسكر عمر بن الخطاب, ومعسكر سلمان الفارسى وكل معسكر يزيد شبابه ورجاله على اثنى عشر الفا وكلهم يتسابقون ويطلبون إلى قادتهم أن يرسلوهم إلى ساحات الجهاد والشرف داخل أفغانستان. والذى يمنع من إرسالهم هم قلة المال والإمكانيات المادية. والشعب الأفغانى مستنفر كله للجهاد فالرجال يقاتلون والشباب يقاتلون, والأطفال يقاتلون, والنسا يقاتلن ولا ينقصهم إلا المال والمال عصب الحياة ومادة الجهاد, إنهم – نصرهم الله – يقاتلون عن ديارنا وأوطاننا جميعا فمعركة الإسلام واحدة والكفر ملة واحدة, وهم يقاتلون الشيوعية الملحدة الكافرة ويدفعون عنا ظلمها وضلالها وظلامها. ومجرد ثباتهم فى جهادهم هذه السنوات الأربع العجاف أمام هذه القوة الطاغية الباغية التى غزتهم ودمرت كل شىء فى بلادهم.. هذا الثبات والصبر معجزة ومفخرة لهذا الشعب البطل بل وللإسلام الذى نصرهم الله به وثبتهم الله على جهادهم الصادق إنهم أعادوا بجهادهم عهود الجهاد الأولى من عهد الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

ولقد نصرهم الله فى مواطن كثيرة على الغزاة الروس المجرمين السفاحين السفاكين الذين دمروا كل شىء حتى الزروع والمواشى والدواجن.

ولقد ظهرت فى جهاد إخواننا الأفغانيين كرامات ظاهرات تدل على عناية الله سبحانه بهم ونصره لهم مما حدا بصحفى فرنسى أن يصيح: لقد رأيت الله فى أفغانستان.

كما أعلن صحفى إيطالى إسلامه وقال فى التليفزيون الإيطالى فى روما لقد رأيت الطيور تدافع عن المجاهدين تحت قذائف الطائرات الروسية فى أفغانستان.


رجاء وتحذير

بعد هذا البيان المقتضب أرجو المسلمين جميعا أن ينفروا جميعا خفافا وثقالا ليمدوا إخوانهم المجاهدين الأفغانيين بالمال الذى هو عصب الجهاد وفى بعض آيات الله قدم الله عزوجل بالمال على الجهاد بالنفس:

[ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون]

هلموا أيها المؤمنون هلموا أيها المسلمون أيها الأغنياء قبل فوات الأوان واحذروا أن ينزل بنا عذاب الله الشديد إذا نحن لم نستجب لداعى الجهاد الإسلامى الكبير وقد وجب الجهاد على كل مسلم فى هذه الأيام الحالكة وانظروا إلى تهديد الله ووعيده لمن لا يستجيب ولا ينفر.

قال تعالى[ إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شىء قدير] سورة التوبة.

واحذروا أن تنزل بنا القارعة والطامة التى نزلت بإخواننا المسلمين واحذروا النكال والعذاب وغضب الله الى قد ينزل بنا فى الدنيا قبل يوم القيامة.

واسمعوا لقول رسولنا الأمين الذى لا ينطق عن الهوى إذ قال عليه الصلاة والسلام:

" من لم يغز أو يجهز غازيا فى أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة" رواه أبو داوود وابن ماجة وليعلم المسلمون جميعا أن الجهاد اليوم أصبح - كما قلت – فرض عين على كل مسلم. فإما المشركة الفعلية بالجهاد بالنفس والمال وإما القارعة والعذاب والذل الذى يصيب القاعدين عن فريضة الله القائمة.

وعلى كل مسلم مهما كانت قدرته أن يشارك فى هذا الميدان بعد أن فتحت أبواب الجنات للمجاهدين الصادقين كل على قدر طاعته وحالته ولا تستقلوا القليل فمن القليل يجتمع الكثير الكثير ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه والله الغنى ونحن الفقراء والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

إخوانى المسلمين: هذه صيحة صادقة من أخ لكم فى الله يريد لكم الخير والسعادة والعز فى الدنيا والآخرة حصنوا أموالكم بالإنفاق فى سبيل الله واحفظوا أنفسكم من نقمة الله وغضبه إذا أنتم بخلتم ولم تستجيبوا لنداء الله ونداء الجهاد فى هذه الظروف المظلمة الحالكة التى تهددنا أحداثها بأوخم العواقب وشر المصائب نعوذ بالله من غضب الله وعقابه ونسأله السلامة فى الدين والدنيا والآخرة.

واسمعوا لهذه الآية الكريمة فى آخر سورة محمد صلى الله عليه وسلم وتمنعوا وتفكروا فى أولها وآخرها لعلنا نتقى الله فيما وهبنا من نعمه وبركاته وعطائه سبحانه وتعالى إذ يقول:

( هأنتـم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوم غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين....

لأهمية هذا النداء فقد نشر فى أكثر الصحف والمجلات الإسلامية بالعالم العربى والإسلامى.

ولأجل أن نقرن العمل بالقول فإننى محمد محمود الصواف – عضو المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى وعضو المجمع الفقهى الإسلامى بمكة المكرمة.

أسجل على نفسى تبرعا قدره 40 أربعون ألف ريال سعودى. وسيكون هذا التبرع سنويا مادام الجهاد قائما فى أفغانستان والله شهيد على ما أقول.


كلمة الختام: شهادة وشكر ودعاء وثناء

هذه كلمة حق لا يجوز لمثلى أن يغفلها أو يتركها , وفيها الشكر والدعاء والثناء. لتلك الكوكبة لمباركة الصالحة من الشباب المؤمن الذى يلتف حول دعوة الله, وباع نفسه لله عزوجل وعاهد الله وأشهدنى على هذا العهد أن ينصر دين الله ويصدق مع الله ويجاهد فى سبيل الله حتى تكون كلمة الله هى العليا. وكلمة الذين كفروا هى السفلى.

وأشهد أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. ولا أزكى على الله عزوجل أحد وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.

لقد بذلوا من جهودهم وعرقهم وسهرهم, فى إخراج المجلة وفى خدمة الدعوة فى مختلف مجالاتها ما تقر له الأعين وأسجل لهم وجميعا هنا شكرى دعائى وثنائى وشهادتى بإخلاصهم وتضحياتهم وصدقهم وبذلهم حتى مما مملكت أيمانهم وهو قليل قليل. ولكن كانت فيه البركة والنعمة للدعوة المباركة... لقد أسسنا قسما للناشئة من الشباب الصاعد فكان أحدهم يأخذ أسبوعية من والده قدرها ربع دينار عراقى فيأخذ لنفسه منها خمسين فلسا فقط ويأتى بالباقى وهو مائتا فلس ويقول : خذ أستاذ هذه للدعوة وهو مسرور مغتبط بهذا العطاء فاغتبط وأسر وكأنى ملكت الدنيا حينما أرى ابنائى وشبابى المؤمن يتقدم بمثل هذه التضحيات والنفقات عن طيب نفس ومن مثل هذه التبرعات بنينا وشيدنا وقمنا بعمل ربنا وخالقنا يعلم حقيقته ونتائجه على الجيل الذى عاش هذه الفترة من تاريخ الحركة الإسلامية فى العراق.إننى لا أستطيع أن اسمى أحدا إخوانى وأبنائى وحملة الأمانة معى وهم كثيرون بفضل الله. فالله يعرف أسماءهم والله يجزيهم أوفر الجزاء على ما قدموا وبذلوا وضحوا فى سبيل دعوة ربهم, ودعوة حبيبهم ونبيهم العظيم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. ولهم شكرى وثنائى ودعائى المستمر المتواصل فكل واحد منهم يمثل قطعة من كبدى, وإذا كانت الأيام قد فرقت أجسامنا فقلوبنا مرتبطة, ومحبتنا فى الله دائمة ومتواصلة بإذن الله وما كان له دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.

وأحب أن أختم كلمتى هذه بدعاء القائد المسلم البطل طارق بن زياد فاتح الأندلس هو والقائد العام لمغوار موسى بن نصير رضى الله عنهم وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم ومأواهم: قال طارق بن زياد يدو ويناجى ربه:

رباه إن الغزاه المجاهدين عبيدك الغامضون الذين لا يعرفهم غيرك إذا ركلوا برجلهم الصحراء انشقت وإن ركلوا برجلهم البحر انفلق وانكمشت الجبال..ز إنهم عرفوك وأحبوك فزهدوا فى العالم, واستغنوا عن الدنيا لا يطلبون إلا شهادة فى سبيلك" انتهى.

اللهم أجزهم جزاء المجاهدين فى سبيلك والصابرين والصادقين فى أداء أمانة دعوتك إنك نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيد الدعاة وإمام الصادقين والمجاهدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مكة المكرمة

أخوكم ومحبكم/ محمد محمود الصواف