طبيعة دعوتنا البناء.. وليس من طبيعتها الهدم فليطمئن الزعماء

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
طبيعة دعوتنا البناء.. وليس من طبيعتها الهدم فليطمئن الزعماء
'من رسائل الإمام البنا'

بقلم : الإمام الشهيد حسن البنا

مقدمة

طبيعة دعوتنا البناء.. وليس من طبيعتها الهدم فليطمئن الزعماء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سأتحدث إليكم الآن كتابةً- وقد كنت أشافهكم- ليكون القولُ أضبطَ والتعبيرُ أدقَّ وأبينَ لما أريد أن أطرحه أمام حضراتكم من فكرٍ بمناسبة هذه الخطوات الجديدة التي تخطوها دعوتنا الموفقة في طريق الخير إلى الغاية المنشودة، ويسرني أن أقول لكم هنا إن دعوتنا تسير إلى الإمام، وها أنتم ترون تقدمها في القاهرة وهي في الأقاليم أوسع تقدمًا، والحمد لله رب العالمين.

ولقد لفت هذا التقدم أنظار الناس إليكم، وتركهم يتساءلون عنكم، وترككم أملاً من آمال طلاب الإصلاح الصحيح في بلدنا الناهض، ورجاءً لأهل الإيمان والذين يريدون الخير بالإسلام وأهله، فاحمدوا الله على هذا الفضل وسلُوه دائمًا أن يسدِّد خُطانا، وأن يتقبَّل منا، وألا يتركنا إلى أنفسنا، واعلموا أنها تبعةٌ جديدةٌ تلقَى على كواهلكم، وسأتحدث إليكم في نقاط ثلاث أولها: دعوتنا، وثانيتها: موقفنا الذي يجب أن يكون بالنسبة للهيئات التي تعمل للمصلحة العامة، وثالثها: تقسيم العمل فيما أرى.. والله أسأل التوفيق والتسليم.

أولاً: طبيعة دعوتنا

لكل دعوة خصائص، ومن خصائص دعوة الإخوان- فيما أعتقد- أمورٌ تحقَّق بعضها، ونغفل عن البعض الآخر، وحبَّذا لو لاحظنا الجميع حتى يكون النجاح تامًّا والتوفيق كاملاً إن شاء الله.

من هذه الخصائص : الإيجابية والبناء، فدعوتنا تبني ولا تهدم، وتأخذ بالإيجاب دائمًا، فعلينا أنفسنا قبل كل شيء.

ومن خصائصها: مطابقة العمل للقول؛ فعلينا أن ندرس قانوننا وفيه الكفاية ويتحقق بما يقول.

ومن خصائصها: الربانية؛ فعلينا أن نُديم صلتنا بالله ما استطعنا لذلك سبيلاً بدوام الذكر والدعاء بالمأثور، وفي رسالة "المأثورات" غناء.

ومن خصائصها: التجمع؛ فعلينا أن نتجمَّع دائمًا، وأن نتشوَّف إلى اللقاء، وأن نشعر بحقوق الأخوة.

ومن خصائصها: الاحتمال والكفاح؛ فلنريِّض أنفسنا على ذلك، ولتتسع صدورنا لكل شيء، هذه مجملات تفصيلها تعلمونه جميعًا، ويجمعها جميعًا البناء والعمل فاعملوا.

ثانيًا: موقفنا من الدعوات الأخرى

موقفنا من الدعوات في هذا البلد دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية -بناء على طبيعة دعوتنا- موقف واحد -على ما أعتقد- نتمنى لها جميعًا الخير، وندعو لها بالتوفيق، وإن خير طريق نسلكها ألا يشغلنا الالتفات لغيرنا عن الالتفات لأنفسنا، إننا في حاجة إلى عدة وإلى تعبئة، وإن أمتنا -والميادين الخالية فيها- محتاجة إلى جنود وإلى جهاد، فالوقت لا يتسع لنتطلع إلى غيرنا ونشتغل به، كل في ميدانه، والله مع المحسنين حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق.

ستسمعون أن هيئةً من الهيئات تتحدث عنكم؛ فإن كان هذا الحديث خيرًا فاشكروا لها في أنفسكم، ولا يخدعنَّكم ذلك عن حقيقتكم، وإن كان غير ذلك فالتمسوا لها المعاذير، وانتظروا حتى يكشف الزمن الحقائق، ولا تقابلوا هذا الذمَّ بذمٍّ مثله، ولا يشغلنَّكم الردُّ عليه عن الجدِّ فيما أخذتم أنفسكم بسبيله، وثِقوا أن ذلك لن يصرف عنكم ولا يضركم ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (آل عمران: من الآية 186).

وستسمعون أن هيئةً تتهمكم بالاتصال بهيئات أخرى تكرهها أو تصادمها؛ فلا تهتموا بذلك أيضًا، ولا تحاولوا أن تزيلوه أو تُثبتوه؛ فإن على المتهِم أن يُثبت والبينة على من ادَّعى، والأمر لا يتعدَّى أحد موقفين؛ إما أن يكون هذا المتهِم جادًّا فيحاول أن يتأكد ويتثبَّت، وسيؤديه تثبُّته ولو بعد حين إلى معرفة حقيقة دعوتكم، وأنكم لا تتصلون إلا بالله ورسوله، ولا تعملون إلا للإسلام وأهله، وإما غير جادٍّ فيما يقول، وإنما هو يتسلَّى بالتهم ويتلذَّذ بالغيبة، فهذا لن يضرَّكم أمره شيئًا، فدعوه يتروَّح بهذا القول ما شاء له التروُّح، وسلوا الله تعالى لنا وله الهداية والتبصرة.

وستسمعون أن قومًا يريدون أن يتَّصلوا بكم أو أن تتَّصلوا بهم من أهل العمل العام، إما صادقين أو غير صادقين، فأحب أن أقول لكم هنا بكل وضوح إن دعوتكم هذه أسمى دعوة عرفتها الإنسانية، وإنكم ورثة رسول الله صلى لله عليه وسلم وخلفاؤه على قرآن ربه، وأمناؤه على شريعته، وعصابته التي وقفت كل شيء على إحياء الإسلام في وقت تصرَّفت فيه الأهواء والشهوات وضعفت عن هذا العبء الكواهل، وإذ كنتم كذلك فدعوتكم يتبعها الناس ولا تأتي هي أحدًا، وتستغني عن غيرها؛ إذ هي جماع كل خير، وما عداها لا يسلم من نقص، إذن فأقبلوا على شأنكم، ولا تساوموا على منهاجكم، واعرضوه على الناس في عز وقوة، فمن مدَّ إليكم يده على أساسه فأهلاً ومرحبًا في وضح الصبح وفلق الفجر وضوء النهار، أخٌ لكم يعمل معكم ويؤمن إيمانكم وينفذ تعاليمكم، ومن أبى ذلك فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.

أيها الإخوان..

لا تستعجلوا، فلا زال الوقت أمامكم فسيحًا وستكونون المطلوبين لا الطالبين، فإن العزة لله جميعًا، ولتعلمن نبأه بعد حين.

ذلك فيما أرى ما يجب أن يكون من موقفنا أمام الهيئات جميعًا نريد لها الخير ونلتمس لها العذر ولا نطلب ولا نرد، ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: من الآية 94).