عبد الناصر بايع الإخوان وشكك بأنور السادات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
عبد الناصر بايع الإخوان وشكك بأنور السادات

الاثنين 23/3/2009م

هذه حلقة من حلقات فترة تاريخية اتسمت بكثير من الغموض وعدم الوضوح في ملامحها الدقيقة ، ويرجع ذلك إلى أن الذين يؤرخون لتلك المرحلة الحرجة من تاريخ مصر الحديث يعتمدون على عدد من المذكرات لأصحاب الفترة ذاتها ، ولا تخلو تلك المذكرات من أهواء شخصية وتأويلات فردية، مما يصعّب القضية على كاتب التاريخ أن يصل إلى الوجه الأمثل للحقيقة؛

لكن للحقيقة وجوه كثيرة تتعدد بتعدد أصحاب تلك المذكرات، ولا أحد يعرف أين تكمن المعايير السليمة للتعرف على ما حدث بالضبط بلا شك أو خوف، وفي السطور التالية نعيش مع مذكرات أحد رجال الثورة وعضو مجلس قياتها خالد محيي الدين؛

وفيها يقول:

'عدة أسابيع فقط مضت عليّ وأنا أمتلك هذا القدر الكافي من الزهو بعبارة ملازم ثان في الآلاي الأول دبابات ، فذات صباح ذهبت إلى الآلاي لأجد عدداً من الضباط الإنجليز يفحصون الدبابات،سألت عما يجري، فكانت الإجابة حادة كسكين قاتل : "الإنجليز سيأخذون دباباتنا "

كان الجيش الإنجليزي قد تلقى هزائم ساحقة في "دنكرك" على يد الألمان، وفقد الكثير من سلاحه ووجدونا فريسة سهلة فأخذوا دباباتنا كان الآلاي أربع كتائب دبابات فأخذوا دبابات ثلاث كتائب وتركوا كتيبة واحدة .

إحسسنا بالمرارة لا يمكن أن يوصف، وقدر المهانة لا يمكن تحديد حجمه، فكيف نكون جيشاً بلا أسلحة؟ وكيف يأخذ المحتلون سلاحنا ؟ وتحولت عبارة الآلاي الأول دبابات إلى كلمات ذات طعم مرير في فمي .

وبعد هذه الواقعة يقول خالد محيي الدين:

لأول مرة أشعر من موقعي كضابط في الجيش ، أنني أكره الاحتلال وأنني ضد الاحتلال ، صحيح أن الوطنية كانت لم تزل إحساساً عاطفياً ، لكنه بدأ في التدفق متواكباً مع أحداث عديدة صاحبت الحرب العالمية الثانية التي بدأت أحداثها وتداعيات معاركها تجتذب انتباهنا كمصريين وكعسكريين ؛
وأخذت جلساتنا في "ميسات" الضباط تصطحب بمناقشات ممتدة حول الأوضاع العالمية والمحلية، وبدأنا نتطرق لموضوعات جديدة تماماً علينا، فمن الحديث عن هتلر وموسوليني إلى الفاشية، ومن الحديث عن صمود الجيوش السوفيتية إلى الشيوعية .. ومن معاداة الفاشية إلى الديموقراطية .. وهكذا .

ثم يواصل خالد حديثة قائلاً:

بداية لم أكن أحب الملك لكنني كذلك لا أدعي أنني كنت في ذلك الحين أكرهه ، كنت أعتبره رمز الوطن وقائد الجيش ، لكن لم أكن مثل عديد من الضباط الذين كانوا يتعلقون بجلالة الملك ، ويعتبرونه المثال والقدوة والرمز للوطن والوطنية.

وكان حادث 4 فبراير 1942 إهانة لمصر وللملك وللجيش ، حيث حاصر الإنجليز القصر بالدبابات ، فاختلطت هذه المسائل معاً ولم يكن من السهل الفصل بينها ، ولم يكن هذا إحساسي وحدي ، ربما جميعاً كذلك .

وبدأت علاقة من نوع غريب مع جماعة الإخوان ، وتكونت مجموعة عسكرية تضم العديد من الضباط ، ولم نعد نلتقي في أماكن عامة وإنما بدأنا نعقد اجتماعات منتظمة في البيوت ، فكنا نجتمع في بيت مجدي حسنين ، وأحيانا في بيت الضابط أحمد مظهر "الفنان"؛

وفي هذه اللقاءات الإخوانية كان يحضر معنا جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسين حمودة وحسين الشافعي وسعد توفيق وصلاح خليفة وعبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم ، كانت علاقة الإخوان بهذه المجموعة من الضباط تتسم بالحساسية ، ففجأة وجد الإخوان أنفسهم أمام كنز من الضباط المستعدين لعمل أي شيء من أجل الوطن .

لكن هؤلاء الضباط لم يكونوا على ذات الدرجة من الولاء للجماعة ، فمثلاً صلاح خليفة وحسين حمودة كانا من الإخوان قلباً وقالباً ، أما الآخرون فكانوا مجرد عناصر تبحث عن طريق ، لسنا ضد الإخوان ، بل نحن معهم ، لكننا لينا معهم بالكامل؛

فعبد الناصر مثلاً كان يعتقد أن الإخوان يريدون استغلالنا كضباط لنكون أداة في أيديهم ونعطيهم مكانة سياسية بوجود نفوذ لهم في الجيش لكنهم لن يقدموا شيئاً للقضية الوطنية ، وكان جمال يلح في الاجتماعات : إذا كان لديكم نصف مليون عضو وأربعة آلاف شعبة فلماذا لا تبدأ بعمليات ضرب ضد الاحتلال ، ومظاهرات وتحركات جماهيرية؟

وأخيراً حاول حسن البنا أن يشدنا إلى الجماعة برباط وثيق ، وتقرر ضمي أنا وجمال عبد الناصر إلى الجهاز السري للجماعة ، وربما لأننا الأكثر تأثير وفعالية في المجموعة ، ومن ثم فإن كسبنا بشكل نهائي ويعني كسب المجموعة بأكملها ، وربما لأننا كنا نتحدث كثيراً عن الوطن والقضية الوطنية ، ومن ثم فقد تصور حسن البنا أن ضمنا للجهاز السري حيث التدريب على السلاح والعمل المسلح يمكنه أن يرضى اندفاعنا الوني ، ويكفل ارتباطا وثيقاً بالجماعة .

المهم اتصل بنا صلاح خليفة ، وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب ، وهناك قابلنا عبد الرحمن السندي المسئول الأول للجهاز السري للإخوان في ذلك الحين؛

وأدخلونا إل غرفة مظلمة تماماً واستمعنا إلى صوت أعتقد أنه صوت صالح عشماوي ، ووضعنا يدنا على مصحف ومسدس ، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام في المنشط والمكره "الخير والشر" ، وأعلنا بيعتنا التامة الكاملة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله .

لكنه لا يمكن أن نقول إننا في يوم كذا انسحبنا من الجماعة ، فقط أصبحت الشكوك تملؤنا وأصبحنا على غير وفاق ، وغير متحمسين ، وبدأنا نتباعد أنا وجمال ، وربما بدأت الجماعة هي أيضاً تستشعر أننا لا نمتلك الولاء الكافي فبدأت تتباعد عنا .

وعن الخلية الأولى للضباط الأحرار يقول خالد محيي الدين:

في بيت جمال عبد الناصر عُقد الاجتماع الأول للخلية الأولى لتنظيم "الضباط الأحرار": جمال ، وعبد المنعم عبد الرؤوف ، وكمال الدين حسين ، وحسن إبراهيم ، وأنا ، وبدأ جمال بالحديث وقال: "أنا معايا عبد الحكيم عامر ، وأنتم طبعاً عارفينه لكنه لم يستطع الحضور اليوم" .

إنها الخلية الأولى ، واجتماعها الأول في النصف الثاني من عام 1949 ن أقرر هذا وأكرره لأن الكثيرين حاولوا تقديم روايات مختلفة ، فالمرحوم أنور السادات قال رواية أخرى ، وآخرون أيضاً .

ولست أريد أن أنفي عن هؤلاء أنهم كانوا يعملون في الجيش معنا أو حتى قبلنا ، فلقد تمكن بعضهم من إقامة مجموعات منظمة في الجيش قبل "الضباط الأحرار "، ولكنها كانت شيئاً آخر غير "الضباط الأحرار" .

ومن هذه المجموعات كانت مجموعة جمال منصور ، وانتهى المر بالقبض على عدد منهم . وهناك مجموعة "الحرس الحديدي" بزعامة مصطفى كمال صدقي ، وكانت تميل للملك وفي خدمته ، كما كانت هناك مجموعة أنور السادات وقامت باغتيال أمين عثمان احتجاجاً على قوله : "إن العلاقة بين مصر وبريطانيا هي علاقة زواج كاثوليكي" ، وقد أكد أنور السادات في مذكراته أنه كان على علاقة بيوسف رشاد ، وأن رشاد هو الذي أعاده إلى الخدمة في الجيش بعد فصله منه .

طلب جمال ضم السادات للحركة لما له من خبرة سابقة في الأنشطة السياسية ربما نحتاج إليها وفعلاً تم ضمه إلى الحركة وإلى "لجنة القيادة" . والغريب في الأمر أن جمال أسرّ لي بعد فترة وجيزة أنه يشك في السادات وأنه كسول ، ولا يقدم للحركة شيئاً..

فسألته: لماذا ضممته إذن؟ فأجاب : لأنه مصدر مهم للمعلومات ، فهو على علاقة بيوسف رشاد وبمستر سمسون السكرتير بالسفارة البريطانية. وكان سمسون هذا ممثل المخابرات البريطانية في مصر في زمن الحرب العالمية الثانية ، وكان أنور يعرفه منذ حادثة القبض عليه هو حسن عزت عام 1942 .. وسألت عبد الناصر:ألا تخشى من السادات ؟ فقال:ربنا يستر ، بس لازم نبقى صاحيين .

الحقيقة أن صلاح سالم كان غير راض عن الوضع المميز لعبد الناصر في الحركة وكان يتساءل:لماذا جمال وليس غيره؟ وانتهز فرصة قيام عبد الناصر بمحاولة الاغتيال دون عرض الأمر على "لجنة القيادة" ليفجر الموضوع بصورة عنيفة ، وتفجر الاجتماع في مواجهة غاضبة كان أطرافها:جمال وصلاح وبغدادي .

وخرج صلاح من الاجتماع ليقابل ثروت عكاشة ليشكو له من أن جمال يفرض رئاسته على "لجنة القيادة" ، وأنه يظن نفسه كل شيء، ويحاول أن يعطي لنفسه قدراً أكبر منا جميعاً، وأنه لهذا لن يحضر الجلسات، وثار صلاح واحدة من ثوراته المعروفة وشتم جمال أمام ثروت؛

بل وأبلغ ثروت بأسماء "لجنة القيادة" ، وقال إن أكثرهم يتبعون عبد الناصر فيما يقول ، وأبلغه في نهاية الأمر أنه سيستقيل من اللجنة إذا لم يحصل على وضع مساو لوضع جمال، بحيث يكون له أن يعرف كل أسماء "الضباط الأحرار" مثل جمال عبد الناصر .

وبرغم الصلح الظاهري بين عبد الناصر وجمال سالم فإن عبد الناصر كان ساخطاً في أعماقه على صلاح، والحقيقة أن هذه الواقعة قد كشفت لي بعض خفايا شخصية عبد الناصر ، فقد استطاع منذ الوهلة الأولى السيطرة على نفسه ، وحاول استرضاء صلاح سالم ، لكنه كان في الحقيقة ، لا يغفر له ما فعل ولا ما قال .

ومنذ ذلك الحين بدأ عبد الناصر يتحدث عن نفسه كثيراً وعن دوره في تأسيس الحركة ، ولما كنت في هذه الفترة أقرب أعضاء "لجنة القيادة " إلى عبد الناصر ، فقد عرض عليّ خطة لحل "لجنة القيادة" للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها .

ولما أبديت دهشتي وسألته: كيف؟ قال: لا ندعوها للاجتماع ، ونبدأ أنا وأنت في مواصلة اجتماعاتنا بالضباط دون أن نشعر أعضاء "لجنة القيادة" الآخرين بذلك ، وبذلك تحل اللجنة حلاً واقعياً ودون أن يشعر أحد . وأبديت ترددي إزاء هذه الفكرة لكن عبد الناصر ألح عليها .

غير أننا فوجئنا بعد قليل بعودة بغدادي وجمال سالم من العريش وهما مصممان على تصفية الجو تصفية نهائية بانتخاب رئيس "للجنة القيادة" وإعداد لائحة داخلية تنظم عمل اللجنة . وعقدت لجنة القيادة اجتماعا بمنزل كمال الدين حسين بمنشية البكري لنجري انتخابات الرئيس .

جميعنا منحنا صوتنا لجمال عبد الناصر إلا .. أنور السادات ، كان غائباً وفوض عبد الحكيم عامر في الإدلاء بصوته ، وطلب منه التصويت لحسن إبراهيم قائلاً:إذا كنا نشكو من سيطرة جمال عبد الناصر فلننتخب شخصاً لا يستطيع السيطرة علينا ويمكننا أن نتحكم فيه ، وطلب منع التصويت باسمه لحسن إبراهيم .

والغريب أن حسن إبراهيم نفسه كان قد منح صوته لجمال عبد الناصر ، وبدت الأمور وكأنها تسير سراً حسناً ، وكأن الخلافات قد صفيت ، لكن الحقيقة أن عبد الناصر ظل غير مرتاح لجمال سالم وصلاح سالم وبغدادي والسادات . أو هذا على الأقل ما أحسست به من مناقشاتي المنفردة معه .

كان محمد نجيب صاحب فكرة الإسراع باعتقال القادة المجتمعين بكوبري القبة أثناء خروجهم لشل سيطرتهم وإفشال أية خطة للتحرك المعاكس .

كان السادات قد أتى من رفح متأخراً ثم ذهب إلى السينما ، وهناك تشاجر مع أحد الأفراد وذهب إلى قسم البوليس وعمل محضراً بالخناقة ، وعاد إلى البيت في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ليجد ورقة من عبد الناصر تبلغه بضرورة الحضور ، فقد بدأت الحركة .

ويحاول البعض إلقاء بعض الشكوك على السادات ، وفي البداية أقرر أن أنور السادات كان على علاقة بيوسف رشاد رجل الملك المخلص ، لكن أنور السادات لم يفش سرنا له ، ولو فعل ذلك لكان مصيرنا جميعاً هو الإعدام ، فقد كان السادات يعرف كل أعضاء لجنة القيادة ولو أبلغ عنا لكان وجه مصر قد تغير ، لكنه لم يفعل .

تقرر أن يكون نجيب رئيساً للجمهورية ، وتغير اسم "مجلس القيادة" إلى مجلس قيادة الثورة وأصبح نجيب رئيساً لمجلس الثورة أيضا . ومنح مجلس الثورة سلطة القيادة وتقرر تكوين ما يسمى بـ "المؤتمر المشترك" وهو اجتماع يضم أعضاء مجلس الثورة ومجلس الوزراء معا ، ويتولى مهام السلطة التشريعية لحين انتهاء فترة الانتقال التي حددت بثلاث سنوات .

والحقيقة أنني وجمال كنا القرب إلى بعضنا البعض رغم خلافاتنا ، وكثيراً ما كنت أستشعر أنه يثق فيّ أكثر مما يثق في عدد من الآخرين رغم اتفاقهم معه في الرأي ورغم التفافهم حوله ، وتأييده في كل ما يقول .

كان نجيب من أنصار مد فترة الثلاث سنوات ولم يتحدث في الديموقراطية إلا فيما بعد ، أي عندما بدأ يفقد سلطته ، وكان نجيب منذ البداية قد أعد نفسه ليستمر حاكما ، ولم يكن نجيب وحده صاحب الطموح غير المحدود ، كان هناك جمال عبد الناصر؛

لكن جمال كان أكثر ذكاء ، فكان يربط طموحه بطموحات الحركة ، وطموحات الثورة ، بل وطموحات مجلس الثورة ، وإذ كان نجيب يعلم علماً يقينياً أن جمال عبد الناصر لن يسمح له الاحتفاظ بكل السلطة في يديه ، فقد حاول أن يبحث عن مصدر للقوة يتحصن به ضد سلطة "مجلس الثورة"

ولجأ محمد نجيب إلى الجماهير ، فأكثر من جولاته الجماهيرية وتحدث إليها بلهجة خالية من الترفع وتبدي أمام الناس حاكماً بسيطاً يمتلك مشاعر أبوية ، وحاول أن يكون نسخة معدلة ومحسنة من مصطفى النحاس ، وقد أكسبه ذلك جماهيرية واسعة كانت تثير القلق لدى جمال عبد الناصر وبعض الزملاء في القيادة؛

كما كان نجيب يمتلك نفوذاً وسط السودانيين في فترة كانت مصر تتطلع فيها لقبول السودان لمبدأ الوحدة معها ، وكان نجيب يلح صراحة أو تلميحاً ويحاول أن يرتب أن يكون الوحيد الظاهر أمام الجماهير وأن يتوارى كل أعضاء مجلس الثورة منكرين لذواتهم ، ولم يكن هذا سهلاً ولا مقبولاً .

لكن كل هذه الأوراق التي امتلكها محمد نجيب كانت أضعف بكثر من أوراق مجلس الثورة ، ومن نفوذنا داخل القوات المسلحة ، ومن الأغلبية في المجلس التي كانت دائماً إلى جانب جمال عبد الناصر؛

وأخيراً رضخ نجيب وقبل أن يصبح رئيساً للجمهورية وان يتخلى عن موقعه كقائد للقوات المسلحة ، خاصة وأن الزملاء قد تحدثوا طويلاً عن انشغاله عن القوات المسلحة وفي هذه الحالة يصبح محمد إبراهيم رئيس الأركان قائدنا جميعاً . وتم اختيار عبد الحكيم عامر قائداً عاما للجيش .

المصدر