غطرسة القوة الأمريكية... والالتفاف حول السودان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٥٧، ٢٣ يونيو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (ارتكاس النموذج الأمريكي)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مقالة-مراجعة.gif
غطرسة القوة الأمريكية... والالتفاف حول السودان

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه... وبعد؛

رسائل.gif

فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان على وجه الأرض، وحدد لحياته عليها هدفًا وغايةً، وأوضح له أنه محاسب على ما حققه في حياته في يوم يُردُّ فيه إلى الله ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون:115)، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ (البقرة: 281).

وينبغي أن لا تخرج حركة الإنسان المؤمن الواعي برسالته عن إطار هذا التكليف الإلهي، سواء كانت تلك الحركة الإنسانية فردية شخصية، أو في إطار أي تجمع بشري؛ يقول الحق تبارك وتعالى في معرض توضيح مسار حركة الإنسان على الأرض قارنًا بين العبادة وفعل الخير والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: 77-78)، كما يجعل الله تعالى التمكين في الأرض وسيلة لأداء العبادات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج:41).

وقد كان غياب الوعي بهذا الدور وتلك الرسالة، وعدم الالتزام بها السبب الرئيس وراء الصراعات الدامية التي شهدها التاريخ الإنساني عبر القرون، وما سببته للبشرية من هلاك وخراب ودمار، سالت فيها الدماء أنهارًا، وضاعت فيها الثروات، وبُددت فيها الطاقات بعد أن سادت الأثرة ونزعة السيطرة على الآخرين وإخضاعهم بالقوة والقهر، وهضم حقوق الشعوب المستضعفة المنهزمة، وشهدت البشرية نماذج مُحزنة ومُخزية لسيطرة غطرسة القوة وضياع الحق ونسيان الرسالة التي كلَّف الله تعالى الإنسانَ بأدائها على وجه الأرض.

ارتكاس النموذج الأمريكي

ويمثل النموذج الأمريكي الحالي أسوأ ما ارتكست إليه البشرية حين تفقد بوصلة التوجيه الإلهي، وحين تُسيطر ثقافة المُتع والشهوات، وحين تعلو المصالح والمنافع المادية فوق كل المبادئ، وبعد أن تفردت واشنطن بقيادة سياسة العالم اندفعت في سياساتها الظالمة المجحفة، محطمة كل القيود الأخلاقية، ومتخطية ما سبق أن اتفق عليه أسلافها من قوانين ونظم دولية، على الرغم من أن تلك القوانين والنظم كانت قد وُضعت لضمان سيطرة القوي على الضعيف، لكن الاندفاع الأمريكي الجامح المتفلت من أي وازع ديني أو أخلاقي يرفض أن يحُدَّ حركته قيدٌ وضعه الآخرون.

وزاد الطين بلة أن سيطرت على الإدارة الأمريكية الحالية نزعات وتوجهات تصب كلها في خانة تأجيج الصراعات وإثارة الحروب والفتن على كل مستوى، واستطاع "حزب الحرب" في واشنطن المتلبس بأفكار اليمين الجديد والموجَّه من قِبل المسيحية الصهيونية، والذي تُحرِّكه مصالح شركات النفط وتجارة السلاح أن يدفع العالم في اتجاه سلسلة من الكوارث.. واحدة تلو أخرى.

وبالرغم من زخارف الإجراءات الديمقراطية للنظام السياسي الأمريكي، والحديث عن التوازن بين السلطات، فإن صُنْع السياسات الخارجية الأمريكية، كما يقول الكاتب الأمريكي روبرت هيجز، يشمل فقط حفنة من الناس؛ "فعندما يقرر الرئيس الأمريكي وحاشيته من كبار المستشارين الذهاب إلى الحرب فإنهم يذهبون إليها ببساطة، وما من أحد يستطيع وقفهم.

ولا تزيد أجهزة المخابرات والسلك الدبلوماسي والقوات المسلحة عن أن تفعل ما يُقال لها"، وقد اتضح ذلك بعد الاندفاع الجنوني لشنِّ الحرب على العراق، فقد قدَّمت المخابرات المركزية ووزارة الخارجية مبررات للحرب ومزاعم عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وسرعان ما ظهر أن هذه المبررات ملفقة وغير صحيحة، واضطر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول إلى الاعتراف بأن ما قاله أمام مجلس الأمن الدولي لتبرير العدوان على العراق لم يكن صحيحًا.

وتلعب وسائل الإعلام الأمريكية دورًا رئيسًا في تسويق صناعة الحرب وتهيئة الرأي العام لتقبل الاندفاع نحوها، والتغرير بعقول الناس، وإظهار المعتدي الظالم حملاً بريئًا، ولو كان شارون وعصابته الصهيونية المعتدية.

وفي إطار ما سبق أن عرضناه بإيجاز يمكن فهم ما يحدث في فلسطين والعراق، وما يتهيأ له المسرح الدولي، وما يمكن أن يحدث في دارفور في السودان، وفي كل حالة يقدم "مهندسو الحرب" الأمريكيون المزاعمَ التي يحاولون أن يخدعوا بها العالم، ففي سبيل تحقيق المطامع الصهيونية تحارب الولايات المتحدة الشعب الفلسطيني الأعزل، وتَصِمُ مقاومته الشرعية والمشروعة للاحتلال بالإرهاب، وتمد الغاصب المعتدي بالسلاح والمال، وكل أسباب البقاء.

وتحت زعم تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل (التي ثبت عدم وجودها) تشن الحرب على الشعب العراقي، وقد كشف أحد التقارير مؤخرًا أن 37 ألف مدني قتلوا في العراق من جراء الحرب التي شنتها إدارة الرئيس بوش على العراق، بينما تقيم تلك الإدارة الدنيا ولا تقعدها إذا قُتل صهيوني معتدٍ في فلسطين .

السودان.. ومزاعم جديدة

ولا تعدم الإدارة الأمريكية تقديم المبررات والمزاعم الجديدة، فمن محاربة الدول المارقة- كالعراق- إلى مواجهة ما يُسمى بالدول الفاشلة، تحاول واشنطن إظهار أن الحكومة السودانية قد فشلت في القيام بواجباتها تجاه مواطنيها السودانيين في إقليم دارفور؛ ومن ثم تندفع نحو تدويل القضية، ونقل ملفها إلى مجلس الأمن الدولي، ووضع الشروط المجحفة التي يصعب- إن لم يكن مستحيلاً- على الحكومة السودانية أن تحققها في مدة شهر واحد حسب قرار مجلس الأمن؛ الأمر الذي يهيئ المناخ الدولي للقبول بالتدخل العسكري الأمريكي- أو الموجَّه أمريكيًا- في السودان.

وبعد أن انكشف زيف الترهيب بأسلحة الدمار الشامل العراقية رفعت واشنطن راية التدخل في السودان لأسباب إنسانية، ونحن نتمنى حقيقةً أن تتحكم الدوافع الإنسانية في السياسة الأمريكية، ولو حدث ذلك لتوقف الدعم الأمريكي السافر للكيان الصهيوني الغاصب، ولانسحبت القوات المحتلة من العراق، ولتوقف مسلسل إثارة الفتنة والصراعات في أكثر من بلد، ولتراجع التصعيد الأمريكي ضد السودان، والغريب أن يتهم الكونجرسُ الأمريكي حكومةَ السودان بممارسة إبادة جماعية ضد سكان إقليم دارفور قبل أن ينطق بهذا الاتهام متمردو دارفور أنفسهم أو منظمات الإغاثة العاملة هناك أو هيئة الأمم المتحدة.

لماذا السودان؟

ولو لم تكن هناك مشكلة في دارفور لعبثت الأصابع الأمريكية المثيرة للفتن لخلق أكثر من مشكلة للسودان الذي لا يُراد لمشروعه الإسلامي أن يكتمل، ولا يُراد له أن يكون همزة الوصل بين العرب والأفارقة، ولا قنطرة عبور الإسلام إلى مناطق غير المسلمين في مختلف أنحاء القارة السمراء، ولا أن يكون سلة غذاء للعالم العربي تُغنيه عن الاعتماد على القمح الأمريكي والزبد الأوروبي.

ولو لم تكن هناك مشكلة دارفور لعبثت الأصابع الأمريكية والصهيونية لخلق أكثر من مشكلة لضرب العمق الإستراتيجي لمصر، وتعريض أمنها القومي للخطر والتعرض لمنابع النيل، شريان الحياة لمصر، وتهديد مختلف دول الجوار العربية المحيطة بالسودان، وتوجيه رسالة للجميع بأنه ليست هناك دولة في المنطقة بمنأى عن عبث الأصابع الأمريكية والصهيونية.

نستغرب الصمت العربي الرسمي

ولأن الأمر على هذا القدر من الخطورة، فإن الإخوان المسلمين يستغربون استمرار الصمت العربي الرسمي- في معظمه- تجاه ما يجري في السودان، ويعتبرونه بمثابة كارثة ينبغي تداركها على الفور، ويدعون الحكومات العربية للالتئام في اجتماع طارئ للجامعة العربية؛ لاتخاذ موقف ثابت وصلب يدعم الموقف السوداني في مواجهة دعوات التدخل الخارجي، ويؤكد حق السودان في حماية أراضيه والتعامل مع مشكلاته الداخلية بما لا يفتئت على حقوق الدولة ولا يضيع حقوق المواطنين.

وإذا كانت الجامعة العربية قد عجزت عن اتخاذ موقف قوي في مواجهة الغزو الأمريكي البريطاني للعراق بسبب انقسام الموقف العربي، وبسبب التخريب الذي مارسه النظام العراقي السابق في نسيج العلاقات العربية، فإن الحال مختلف هذه المرة، وقد أثبتت التجربة أن المخطط لا يستبعد أحدًا؛ حتى الهاربين إلى أحضان الغزاة، وأن التكتل العربي الإسلامي هو الخيار الحتمي الوحيد لمواجهة تلك الهجمة الشرسة.

ويدعو الإخوان المسلمون الحكوماتِ والشعوبَ العربيةَ والإسلاميةَ إلى دعم الموقف السوداني بكل أوجه الدعم الممكنة ماديًّا ومعنويًّا، وعلى وجه الخصوص تقديم الدعم الإغاثي والإنساني بمختلف أشكاله بما يقوي الموقف السوداني، وعدم ترك الساحة مكشوفة أمام بعثات التنصير الأجنبية التي تحركها المخططات الاستعمارية، ويرحب الإخوان في هذا الصدد بالتحرك الإغاثي المصري، ويطلبون زيادته.

كما يدعو الإخوان المسلمون مختلف فصائل وقوى المجتمع السوداني إلى التكاتف والتلاحم وعدم السماح باختراق الجبهة السودانية الداخلية، وأن تتحرك قوى الإصلاح والمصالحة لرأب الصدع والتقريب بين وجهات النظر.

ويدعون القوى المتحاربة إلى أن تتقي الله في دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأن تحتكم إلى كتاب الله- عز وجل- وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم-، وأن تنتبه لما يُحاك من خلالها ضد السودان من مؤامرات قبل أن يفرض عليها الاحتكام إلى شريعة بوش التي لا ترعى في المسلمين إلاً ولا ذمة.

ولعل أحد الدروس التي يجب أن نستوعبها من أحداث دارفور أن انفكاك اللُحمة بين الشعوبِ والحكوماتِ، وغياب التنمية، وانعدام الخدمات تكون لها آثار سلبية خطيرة تهدد وحدة المجتمعات، وتوشك أن تُصيبها بالتفكك.

نسأل الله تعالى أن يحفظ السودان وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.