فايقة إسماعيل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فايقة إسماعيل... سيرة مجاهدة

مقدمة

من الملاحظ أن معظم الرموز النسائية الإسلامية لا يحظين بالشهرة والانتشار الذي لمثيلاتهن من التيارات الأخرى، ويكاد ينحصر دورهن وتأثيرهن على ذوات الانتماء الإسلامي فقط بعكس الرموز النسائية العلمانية؛ حيث استطاعت الدوائر الإعلامية العربية والغربية في إظهارهن كرموز عامة ونماذج للمرأة العربية على اختلاف انتماءاتها.

لكن قليلاً من النساء وضعن لأنفسهن هدفًا وغاية يسعين له ويعملن من أجله.لقد حفل العصر الحديث بأمثال هؤلاء ليكنّ نبراسًا ونورًا يضيء للحيارى الطريق ويهديهم إلى أعظم الغايات وهى الله رب العالمين.

فايقة إسماعيل حجزت لنفسها مكانًا بين سير الصالحات المجاهدات في العصر الحديث.

نشأتها

هي فايقة أمين إسماعيل، ولدت بمحافظة الإسكندرية عام 1909م في بيت عرف بحب الالتزام والعمل لله، فقد كان والدها رجلاً تقيًا كريمًا عمل على تربية أبنائه تربية إسلامية قائمة على معرفة الله وطاعته.

شبت الفتاة وهى حريصة منذ صغرها على أداء الصلوات في أوقاتها خاصة صلاة الفجر، وكانت كثيرة القيام والصيام كثيرة التصدق على من تعرف من ذوى الحاجة، كما أنها كانت بارة بوالديها وصلة رحمها.

تقدم لخطبتها محمد حسين إبراهيم، وكان شابًّا حسن الخلق، فوافقت الأسرة على هذا الزواج، فبنى بها عام 1923م، ورزقهما الله بأربع من البنات وأربعة من الأولاد وهم: محمد عبد المنعم، ومحمد عبد القادر، ومحمد عبد السلام، ومحمد عبد الحافظ.

بين الصفوف المؤمنة

كانت لنشأتها الطيبة أثر طيب في حياتها؛ فقد التحقت بدروس العلم التي كانت تقام في المساجد منذ عام 1938م، حتى تعرفت على الأخوات المسلمات فنشطت وسطهن، وكانت مثالاً يحتذى به في العمل لدين الله، فما كلت ولا وهنت يومًا ما، وظلت تجوب بدعوتها لتوصيلها للناس.

التحق ابنها الأكبر محمد عبد المنعم وهو أحد قيادات محافظة الإسكندرية الآن بركب الإخوان، فلم تعترض طريقه ولم تثبط همته، بل كانت مشجعة ومحفزة له على السير قدمًا في طريق الدعوة رغم الصعاب؛

وفى هذا الصدد يذكر قوله:

"نحن نشأنا في بيت متدين الأم والأب، ودربنا على الصلاة منذ الخامسة من عمرنا، وكان بيتا قريبًا من أحد المساجد بالإسكندرية حتى كنا نصلى جميع الصلوات بالمسجد، وتدربنا على الصوم في الثانية عشرة من عمرنا، وكان هذا مدخلاً طيبًا لأن أنخرط في دعوة الإخوان، والعجيب أني لم أجد إطلاقًا أي معارضة من البيت أو المحيطين بي حينما شاء الله أن أنضم إلى هذه الدعوة، بل كان الوالدان يسانداننا كل المساندة".

(والأستاذ محمد عبد المنعم هو أحد الدعاة البارزين في محافظة الإسكندرية، ولد في 14/6/1931م، تعلم في مدارس الإسكندرية المختلفة، وحصل على ليسانس الآداب سنة 1957م في جامعة الإسكندرية قسم التاريخ والآثار، ثم دبلوم معهد التربية العالي للمعلمين سنة 1958م، اعتقل من 1954 إلى أبريل 1956، ومن 1965 إلى 1971م.

تعرف على هذه الدعوة منذ سنة 1950. منذ أن كان طالبًا في كلية الآداب. فتعرف على هذه الدعوة من خلال المحاضرات العامة التي كان يلقيها بعض الأساتذة الدعاة أمثال: الأستاذ مختار عبد العليم رحمه الله).

فايقة إسماعيل... مواقف تربوية

لم يكد الابن محمد عبد المنعم يلتحق بركب الإخوان عام 1950م حتى كانت محنة حادثة المنشية عام 1954م، والتي اعتقل فيها وظل حتى عام 1956م، فما جزعت الأم وما أصابها هلع، بل كانت نعم المؤمنة الصابرة المحتسبة الثابتة، بل المدافعة عن الحق وأهله، بل نشطت في جمع التبرعات لأسر الإسكندرية، وكانت معينة لهم على محنتهم، ولم يقتصر دورها على ذلك فحسب، بل كانت تساعدهم تارة بالمال، وتارة أخرى تصبرهم وتخبرهم بأن فرج الله قريب، وظلت كذلك حتى خرج ابنها عام 1956م.

لكن لم تمر الأيام على خير، بل كانت المضايقات الأمنية لهم في كل مكان، وظلوا صابرين طيلة تسعة أعوام حتى كانت الفاجعة الكبرى عندما أعلن عبد الناصر اعتقال كل من سبق اعتقاله بعد ما شعر زبانيته بروح إسلامية تسرى وسط المجتمع، كيف هذا وهم الذين يخططون ويدبرون للقضاء على كل مظهر إسلامي، فنسجوا خيوط مؤامرة تحبط هذه الروح؛

وفتحت أبواب الجحيم والسجون عام 1965م ليحشر فيها آلاف الشباب المسلم، بل وكثير من النساء المسلمات في عصر لم يعرف المروءة ومعنى الرجولة، وكان محمد عبد المنعم أحد هؤلاء الشباب، وتلقت الأم الخبر والصدمة بقلب مؤمن محتسبه ما حدث لها لدى الله، مبصرة بطريق أصحاب الدعوات، ورددت ما قالته السيدة أسماء بنت أبى بكر في ولدها عبد الله بن الزبير وهو يواجه القتل: "اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين".

ولقد ظلت ثلاثة أعوام لا تراه ولا تسمع إلا أخبار المذبحة الكبرى التي يخوضها الأنذال زبانية عبد الناصر مع خيرة أبناء هذه الأمة.

حتى ظهرت بادرة أمل عندما سمحوا بالزيارات بعد نكسة 1967م، فذهبت إليه مع الزائرين .. لا لتقول له: إن قلبي ملهوف عليك، لكن لتشد على يديه وتدعو له بالثبات، وتوصيه بألا يهن أو يضعف، وكانت تفتخر به أمام جيرانها بأنه يعمل ذلك من أجل الله؛

ولا تنتهي الزيارة إلا مع قولها له:

"إني لأدعو الله سبحانه وتعالى أن تكون يا بني آخر إخوانك خروجًا من السجن حين يأذن الله لكم بالخروج، فإنك عندي لست بأفضل منهم، واستجاب الله لها وكان ولدها من أواخر من خرجوا من معتقلهم".

ولم يقتصر شدها لأزر ولدها فحسب، بل كانت تشد من أزر إخوانه الذين كانوا معه، والذين كانوا يحرصون على رؤيتها وقت الزيارة، كما كانت تشد من أزرهم خلال الرسائل التي كانت ترسلها لولدها، والتي كانت بمثابة رسائل إلى كل الإخوان؛ إذ كانت تبدؤها بقولها: "أبنائي".

ولم تكتف بذلك، بل كانت تحدث جيرانها وصديقاتها عن دعوة الإخوان وجهادهم وصبرهم وثباتهم، كما كانت تذهب إلى من تعرف من أمهات وزوجات المعتقلين لتصبرهن وتبشرهن بالأجر العظيم. (5)

وعندما توفي زوجها كان ولدها ما يزال خلف قضبان السجون، فلم تشعر الجيران بأن زوجها مات، وظلت تقرأ عليه القرآن طيلة الليل، وتكثر من الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وكانت نعم الزوجة الصابرة الثابتة وقت تلقيها العزاء، وكتبت لولدها تواسيه في وفاة والده واعدة إياه بالزيارة، وحينما حل وقت الزيارة خلعت الأسود حتى لا تزيد الهم على ولدها وإخوانه، وكانت تقص عليه وفاة والده، وكيف أنعم الله عليها من فضله بالرضا والطمأنينة، ولم يصدر منها إلا الرضا بقضاء الله.

وظلت على هذا تزوره وتكتب إليه وتحيي إخوانه وقت زيارتها له، وتبث فيهم الأمل والعزيمة حتى أفرج عنهم في عهد السادات، كما أفرج عن ولدها.

رحيلها

ظلت الأم المجاهدة بعد خروج المعتقلين على صلة بكل بيوت الإخوان، تعمل على تعريفهم طبيعة المرحلة التي تمر بها الدعوة، حتى ألم بها المرض، ومع ذلك لم يقعدها أو تترك صلاتها وصيامها ودعاءها بأن يلحقها الله بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، حتى فاضت روحها إلى بارئها في 15 ديسمبر 1978م.

رحلت فايقة إسماعيل بعد أن سطرت اسمها وسط أسماء برزن في العمل الإسلامي أمثال: زينب الغزالي الجبيلي، والأديبة أمينة قطب شقيقة الشهيد سيد قطب، وأمينة الجوهري زوجة محمود الجوهري الذي كان سكرتيرًا لقسم الأخوات المسلمات، ونعيمة خطاب زوجة المستشار حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، وآمال العشماوي كريمة محمد العشماوي باشا وزير المعارف المصرية؛

وزوجة منير الدلة أحد قيادات الإخوان بمصر والتي ذكرها ريتشارد ميتشل في كتابه "الإخوان المسلمون" وتحدث عن دورها وتأثيرها في جماعة الإخوان خاصة وأن منزلها شهد أخطر الاجتماعات في تاريخ مصر المعاصر بين قيادات الإخوان والضباط الأحرار، والتي أسفرت عن ثورة يوليو 1952م وفاطمة توفيق، وزهرة السنانيري، وفاطمة عبد الهادي.

رحمها الله رحمة واسعة وألحقنا بها غير مبدلين أو مغيرين.

الهوامش

  1. مجلة لواء الإسلام، العدد العاشر، السنة 43، غرة جمادى الآخرة 1409هـ، 9/1/1989م.
  2. محمد عبد الحكيم خيال، محمود محمد الجوهري: الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، الطبعة الثانية، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، 1993م.
  3. مجلة المنار، رجب 1421 هـ، أكتوبر 2000م