فتحى الشقاقى: رمز التحول فى إتجاه الإسلام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
فتحى الشقاقى: رمز التحول فى إتجاه الإسلام


راشد-الغنوشى-مسئول-النهضة-التونسية.png

الشيخ راشد الغنوشي

عندما تتجمع أسباب تحولات تاريخية مهمة من أجل ولادة وضع جديد، يهيئ القدر القادر القائد المناسب لإنجاز ذلك التحول، وقد لا يكون هو ذاته مدربا او الناس من حوله للدور الذي يقوم به، ولكن لا تلبث الحقيقة ان تتجمع معالمها سافرة عندما يكون التحول قد قطع شوطا كبير ا، فكشفت المرحلة الجديدة عن وجهها سافرا لا يخفى عن ذي بصر، وظهرت علامات الشيخوخة والهرم والبلى على المرحلة القديمة رموزا ومعاني، ولأن التحول ليس عمل شخص، اذ الشخص رمز التحول مهما بلغ في التحريض وفي تفعيل معادلة التحول،

وانما هو عمل تيار قد تم تشكيله وبدأ يبرز على السطح، الا ان تيار التحول عندما يتشكل في تنظيم ذي تقاليد راسخة، كثيرا ما يصبح ذلك التشكيل التنظيمي الواسع ذو التقاليد المتكلسة عقبة في طريق التحول، الأمر الذي يعرض فرصة التحول للفوات والضياع، بسبب ضعف روح المغامرة لدى الكيانات الكبيرة شأن بعض المؤسسات العسكرية و الإقتصادية الكبيرة، التي تتعرض لخطر الإفلاس بسبب خشيتها من المخاطرة،

الأمر الذي يتيح الفرصة أمام شركات صغيرة ليس عندها ما تخشى عليه من المخاطرة، ان تلمح الفرصة فتهتبلها، فما تلبث كثيرا حتى تهيمن على الساحة، ولا ينجي المؤسسة الكبيرة عندها من إفلاس محتم الا ان تستدرك نفسها وتلحق بالركب، سواء من خلال اجماعها على تلمح التطورات الحاصلة في الواقع والإقدام على الإستجابة التحولية المطلوبة، أو ان يفرض عليها ذلك من خلال تمرد بعض اجزائها الأكثر حيوية على المركز وانخراطها في المرحلة الجديدة، فما يجد المركز سبيلا سوى الالتحاق بركب التحول، خشية التهميش والبوار، وذلك ما بقي متوفرا على الحد الضروري من عناصر حيوية كافية تسمح له بالتطور والتأقلم مع المتغيرات وإلا اندثر.

أحسب أن ما أنجزته حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بقيادة فتحي الشقاقي وإخوانه على صعيد القضية الفلسطينية، ومسار العلاقات العربية الإسرائيلية ، وبالأحرى على صعيد تطور الموازين بين التيار الإسلامي والعلماني في فلسطين والمنطقة، وعلى صعيد حركة الاخوان المسلمين التي نشأ في ظلها فتحي الشقاقي وإخوانه قبل ان ينفصلوا عنها شاقين الطريق أمام مرحلة تاريخية جديدة، أحسب انه جدير ان يندرج ضمن أعظم التحولات التاريخية في المنطقة منذ مؤتمر فاس 1982 الذي مثل اجماعا عربيا بمشاركة منظمة التحرير على الإعتراف بالكيان الصهيوني ، وكان محطة أخرى مهمة على طريق انحدار مشروع التحرير العلماني العربي بعد محطة 1967 والتي على فداحتها تمكن العمل التحرري العظيم الذي قادته منظمة التحرير بمرجعية علمانية الى ضخ روح الثورة والتحدي في شرايين المشروع العلماني المهزوم، هيأته ان يواصل قيادة الجماهير العربية باعثا فيها روح الأمل في التحرر وتحدي الأعداء.

ورغم ما مثلته " كامب ديفيد" من احتواء للنصر الجزئي لحرب 1973 ومواصلة مسار الهزيمة، فلقد تمكنت المقاومة مجددا من مواصلة قيادة الجماهير العربية بدعم من المعسكر الإشتراكي ومن جملة النظام العربي الذي عزل مصر الى حين، غير ان مؤتمر قمة فاس كشف بوضوح عن شلل النظام العربي وأي عمل تحريري رسمي بعيدا عن مصر ، وبدل ان يقود الضغط على مصر الى التحاقها بالنظام العربي حصل العكس والتحق النظام العربي بمصر بما في ذلك منظمة التحرير،

عندها انكشف المستور وانفتح المجال أمام قيادة جديدة للرأي العام بمشروع جديد، وكالعادة كانت القيادة الفلسطينية مؤشر التحول في المنطقة باعتبارها الأرضية الأساسية للصراع، فمن يرفع هذا اللواء لواء تحرير فلسطين ويؤديه حقه او حتى بعض حقه فقد اكتسب شرعية القيادة في المنطقة بغض النظر عن الإيديولوجيا التي يحملها، لقد ظهرت شيخوخة النظام العربي وبان سافرا أن المنظمة ليست بديلا عنه وانما هي جزء منه، وهيأ النمو الإسلامي الذي انبعث من اشلاء هزيمة 1967 كما تعزز باندلاع الثورة الإسلامية في ايران ، وتدعمت شرعيته باستسلام المنظمة واندراجها جزءا من النظام العربي الذي اتضحت وجهته في فاس نحو كامب ديفيد، هيأ كل ذلك للحظة التحول التاريخي،

لتنتقل راية المقاومة لتحرير فلسطين ومن ثم راية المقاومة الشعبية من يد التيار العلماني المستسلم رسميا وعلى السنة قطاع واسع من نخبته الى يد الإسلاميين، وكان الاخوان المسلمون هم عمودهم الفقري فضلا عما يملكون من شرعية تاريخية باعتبارهم التنظيم العربي الوحيد الذي جاهد في فلسطين سنة 1947 - 1948 واوشك ان يجهض الكيان اللقيط لولا خيانة الحكومات العربية، اضافة الى ما يتمتعون به على الساحة من وزن شعبي تنامى منذ اكثر من خمسة عشر عاما خلت في ظل ضغط محدود، غير ان الذي حصل انه ليس المؤسسة الرسمية في الإخوان هي التي تولت لحظة التفجير ، وانما فرع صغير منها انشق عن المؤسسة الأم وأطلق الصاعق، صاعق الإنتفاظة والجهاد، كانوا ثلة من الشباب الذكي الحاصل على درجات علمية راقية في الطب والهندسة والإقتصاد والعلوم وابرزهم الدكتور فتحي الشقاقي والدكتور رمضان عبدالله.

ولأن جسم الإخوان على قدمه لا يزال حيا، فلم يلبث ان تحرك في الإتجاه التاريخي الصحيح الذي اعلن عن ولادته قاطعا صرته كادر صغير في الإخوان هو فتحي الشقاقي وثلة قليلة من اخوانه، وبانخراط الإخوان في تيار المرحلة الجديدة أصبح التحول سافرا لا تخطئه عين، وكتب الله لفتحي واخوانه ان يكونوا المقص الذي دشن المرحلة الجديدة، المرحلة الإسلامية لا لقيادة العمل التحريري فقط، وانما لقيادة المنطقة كلها، وهو لعمري من اعظم تحولات عصرنا.

ما يمكن لي ان اضيفه بعد هذا التشخيص المجمل، يتعلق بالشخص ذاته الذي كتب الله له شرف الإعلان عن هذا التحول والتحريض عليه بأقوى خطاب وأعدله، والتوفيق الى تقدم نماذج راقية في الأداء الجهادي دوخت جنرالات الجيش الذي ربما يكون الناس قد نسوا اليوم انه كان يوما قد سلم له بوصف الجيش الذي لا يقهر، غير ان احدا اليوم في العالم وحتى في اسرائيل، لا يجرؤ ان يصف ذلك الجيش حتى بالصمود أمام الأطفال فضلا عن البطولة، بعد ان شاهدوه يولي الأدبار أمام أطفال الحجارة، ناهيك عن الرعب العام في المجتمع الإسرائيلي والجيش الذي لا يقهر من شباب أحسن تدريبهم الطبيب فتحي الشقاقي او المهندس عياش.

عرفت فتحي خلال عدة مؤتمرات اسلامية، اخرها المؤتمر القومي الإسلامي في لبنان ، عرفته صلبا عنيدا متواضعا مثقفا متعمقا في الأدب والفلسفة، أشد ما اعجبني فيه هذا المزيج من التكوين الذي جمع الى شخصه المجاهد الذي يقض مضاجع جنرالات الجيش الذي لا يقهر وشخصية المخطط الرصين الذي يغوص كما يؤكد عارفوه في كل جزئيات عمله بحثا و تمحيصا يتحمل مسؤولية كاملة، جمع الى ذلك شخصية المثقف الإسلامي المعاصر الواقعي المعتدل وهو مزيج نادر بين النماذج الجهادية التي حملت راية الجهاد في عصرنا، اذ حملته على خلفية ثقافية بدوية تتجافى وكل ما في العصر من منتوج حضاري، كالقبول بالإختلاف والتعددية والحوار مع الآخر بدل تكفيره واعتزاله، وكذا تقدير الثقافات الأخرى والفنون والأداب،

واعتبار أن ليس خارج دائرة الوحي من حقيقة مطلقة، وأنه مع انقطاع النبوة انتفت أمكانية النطق باسم الحق الأعظم، انه بقدر ما شوه مفهوم الجهاد وهو من اعظم المفاهيم النبيلة في الإسلام، كما شوه الإسلام جملة على يد خوارج هذا الزمان الذين اعملوا سيف الجهالة انه سيف الإسلام ضد القريب و البعيد فكفروا وقتلوا بالشبهة وانتهوا الى سفك دماء بعضهم بعضا في افغانستان والجزائر، بقدر ما شوه اولئك مفهوم الجهاد بقدر ما زين الدكتور فتحي هذا المفهوم وشرفه وأعلى قيمته وحببه للناس، جاعلا منه سبيلا قويا للدعوة للإسلام، وذلك من خلال الأرضية الثقافية الإسلامية المعاصرة المعتدلة، التي أرسى عليها هذا المفهوم، فوضعه في محله وضبطه بظوابط شديدة حد المبالغة في التورع، من مثل تقيده بتوجيهه ضد جنود الإحتلال الإسرائيلي فقط

رحم الله فتحي الشخص ورحم الله فتحي الرمز ورحم الله فتحي المرحلة التاريخية التي أعلن تدشينها، مرحلة قيادة المشروع الإسلامي للجهاد الإسلامي لتحرير فلسطين ، في اعتدال واتساع افق يستوعبان كل ابناء امتنا المخلصين، وكل اصحاب الضمائر الحرة، المناضلين من اجل تمكين صاحب الحق المغتصب في فلسطين وفي كل مكان من حقه، بعيدا عن كل نزوع اقصائي او استجداء أو استسلام.

المصدر

للمزيد عن الشيخ راشد الغنوشي

مؤلفات وكتابات الشيخ راشد الغنوشي

.

أقرأ-أيضًا.png

مفات متعلقة

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

ألبوم صور الشيخ

وصلات فيديو

تابع وصلات فيديو

.

أقرأ-أيضًا.png
ملف الإخوان في تونس

.