فقه إنكار المنكر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٠:٥٠، ١٤ ديسمبر ٢٠١٠ للمستخدم Moza (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم
حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال الله تعالى: (كنتم خير أمّة خرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) سورة آل عمران، الآية )11. فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات خيرية هذه الأمة. ثمّ أمرنا بأن يكون من بيننا من يقوم بهذا الواجب (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون) ولا أريد أن أدخل في خلاف العلماء حول (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهل هو فرض عين أم فرض كفاية، طالما أنّ الذين يقولون بالوجوب الكفائي يعتبرون أنّه إذا لم تحصل الكفاية لا يسقط الوجوب عن الباقين، ومعلوم أنّه من المحال أو من الصعوبة بمكان كبير حصول الكفاية في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ورغم أنّ الأمر بالمعروف لا يخلو من بعض الإشكالات أحياناً، إلاّ أنّ إنكار المنكر تحيط به مجموعة من الالتباسات تترك أثراً كبيراً على مسار الدعوة الإسلامية، وقد تؤدّي أحياناً إلى وقوع منكر أكبر دون التمكّن من تغيير المنكر القائم، وهذه نتيجة لا يمكن أن تقبلها الشريعة بحال. ومن أجل ذلك رأيت من الواجب أن أتحدّث عن جوانب محدّدة في فقه إنكار المنكر فأقول:

المنكر قد يكون: - ظاهرة فردية

- أو ظاهر جماعية

- أو عمل مؤسسة

- أو عمل الدولة.

وفي جميع الحالات يطلب من المسلم أولاً: التغيير باليد إن أمكن، وهو إزالة المنكر.

ثانياً: التغيير باللسان، وهو الإنكار.

ثالثاً: التغيير بالقلب، وهو الكره.

وسأتناول كلّ حالة من هذه الحالات مع بيان كيفية إنكار المنكر فيها بشيء من التفصيل.


المنكر حين يكون ظاهرة فردية

وهذا يقع في مجتمع إسلامي تسوده أحكام الشريعة وأخلاقها، لكن بعض الأفراد ينساقون وراء شهواتهم أو مصالحهم، بل وربّما تكون عندهم قناعات فكرية فيرتكبون بعض المنكرات. والمجتمع الإسلامي يحاصر هذه الحالات الفردية بكلّ الوسائل الممكنة، ومنها إنكار كلّ فرد يراها فيزيلها إن استطاع، أو يكتفي بإنكارها باللسان إن لم يستطع، أو بإبلاغ السلطات المختصّة إن كان هذا المنكر يخضع للعقاب ووقع فيه صاحبه علانية دون أن يتجسّس عليه أحد.

فحين يكون المنكر ظاهرة فردية، فإنّ الواجب :

· تغييره باليد إن أمكن، ولا يكون ذلك إلاّ لصاحب السلطان ضمن سلطانه أو بإذن منه. فالرجل صاحب سلطان في بيته، وصاحب المصنع يملك السلطة في مصنعه، وصاحب المؤسسة يملك السلطة في مؤسسته، وولي الأمر صاحب السلطان في المجتمع كلّه وعلى كلّ أفراده. وفي المجتمع الإسلامي قد يأذن ولي الأمر لبعض الناس بإزالة بعض المنكرات باليد، فيكون من حقّ هؤلاء تغيير هذه المنكرات المحدّدة باليد، وليس لهم أن يزيلوا غيرها، وهؤلاء هم المحتسبون.


· التغيير باللسان، وهو إنكار المنكر بالنصيحة، وهذه قد لا تؤدّي إلى التغيير الفعلي، ولكنها سمّيت كذلك من قبيل المجاز. فالمسلم إذا رأى منكراً يقع خارج سلطانه، وهو لا يملك أن يغيّره بيده، وجب عليه أن ينصح صاحب المنكر نفسه، وصاحب السلطة عليه. قال رسول الله (صلَى الله عليه وسلَم) (الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم) رواه أصحاب السنن.


· التغيير بالقلب، وهو شعور يحسّ به المسلم عندما يرى منكراً لا يستطيع إزالته، ولا يستطيع أن ينصح صاحبه بإزالته خوفاً من ضرر يلحق به، لكنّه في هذه الحالة يجب عليه أن يشعر بالاشمئزاز من هذا المنكر، والغضب من فاعله، والخوف من الله بسببه، ولقد كان من دعاء الصالحين في مثل هذه الحالة قولهم: (اللهمّ إنّ هذا منكر لا نرضى به فأعنّا على إزالته).


المنكر حين يصبح ظاهرة اجتماعية

يظهر هذا الأمر بوضوح في غياب دولة إسلامية تنفّذ أحكام الشريعة، فإذا ببعض المنكرات تنتشر، ففي لبنان مثلاً تنتشر ظاهرة خلع الحجاب حتّى بين المسلمات، ولو أنّ النسبة الكبرى منهنّ يلتزمن بالحجاب، لكن كشف الرأس ليس ظاهرة فردية تقوم بها امرأة أو عشرات أو مئات، إنّما هي ظاهرة اجتماعية واسعة. ومثلها - ولو بنسبة أقلّ - ظاهرة الجلسات المختلطة مع التبرّج، وظاهرة التعرّي على الشواطئ، وكلّ هذه المنكرات تدعمها القوانين السائدة. فتغيير المنكر هنا لا يمكن أن يكون باليد إلاّ لصاحب السلطان وهو الرجل في بيته سواء كان أباً أو زوجاً، ومن يكون له سلطان آخر. وهذا التغيير يزيل المنكر في حالات فردية ولا يغيّر الظاهرة الاجتماعية التي تحتاج إلى تغيير في القوانين السائدة باتجاه تطبيق الأحكام الشرعية. ويبقى الإنكار باللسان واجباً تجاه المنكرات التي تشكّل ظواهر اجتماعية، ولو أنّ إزالة هذا النوع من النكرات لا يمكن أن تتحقّق إلاّ بعد نجاح الدعوة وشيوع الالتزام الإسلامي في المجتمع وتطبيق الأحكام الشرعية، وقبل ذلك يكون أمام الداعي أمران:


الأول: إزالة بعض هذه المنكرات باليد حين الاستطاعة.

الثاني: الدعوة العامّة لإزالة جميع المنكرات من المجتمع كلّه، وهذه لا تكون إلاّ باللسان، وبالحكمة والموعظة الحسنة.


المنكر حين يكون عمل مؤسسة أو عمل الدولة

نحن نعيش في مجتمع مختلط، والمؤسسات فيه تخضع لقوانين هذا المجتمع وليس للأحكام الشرعية - إلاّ إذا كانت مؤسسات إسلامية واختارت الالتزام بالأحكام الشرعية إلى جانب هذه القوانين - وقد يكون بعض أعمال هذه المؤسسات الاجتماعية منكراً، كما قد يكون عمل الدولة نفسها في كثير من الأحيان منكراً في نظر الأحكام الشرعية. وقد تشمل هذه الأعمال بعض المسلمين ممّن لا يرضون بهذا المنكر ولا يستطيعون تغييره.

- إنّ المطلوب منّا في هذه الحالة السعي لإزالة المنكر من المؤسسة أساساً ومن سائر المؤسسات المماثلة ومن الدولة كلّها، وهذا لا يكون إلاّ بتغيير القوانين التي تحكم عمل الدولة والمؤسسات، وهو لا يمكن أن يتحقّق إلاّ عن طريق العمل السياسي. وهذا يدخل في إطار إنكار المنكر باللسان والدعوة إلى الله.

- وإذا لم يكن ممكناً إزالة هذا المنكر بالكلّية، فإنّ المطلوب هو إزالته جزئياً من قبل المؤسسات الاجتماعية التي يملكها أو يديرها مسلمون، وذلك عن طريق نصحهم والتأثير عليهم، وقد يتجاوبون بالنسبة لبعض المنكرات دون غيرها حسب مصالح المؤسسة وإلزامية القوانين العامّة وقناعات أصحاب المؤسسة. وهذا أيضاً يدخل في إنكار المنكر باللسان والدعوة.

- وإذا لم يكن ممكناً إزالة المنكر لا كلياً ولا جزئياً، فإنّ إنكاره يبقى واجباً، وهو جزء من دعوتنا إلى الإسلام، ومطالبتنا بإصلاح أحوال المجتمع. وهذا لا يكون إلاّ باللسان.

إنكار المنكر باللسان وكراهته بالقلب فرض دائم، أمّا تغييره باليد فهو مقيّد بالاستطاعة: وأختم الكلام في هذه المسألة بحديث رسول الله r الصحيح المشهور (من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه الستّة إلاّ البخاري.

قال النووي في شرحه لهذا الحديث - في صحيح مسلم - : (إن غلب ظنّه أن تغييره بيده يسبّب منكراً أشدّ منه، من قتله أو قتل غيره بسببه، كفّ يده، واقتصر على القول باللسان، فإن خاف أن يسبّب قوله مثل ذلك غيّر بقلبه، معناه فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير للمنكر، ولكنه هو الذي في وسعه، وهذا هو المراد من الحديث). والمسلم مكلّف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب، فلا عتب بعد ذلك على الفاعل - أي الذي نهى عن المنكر - لكونه أدّى ما عليه) فالنهي عن المنكر قد يؤدّي لإزالته، وقد لا يؤدّي لذلك.

ونقل السيوطي عن العزّ بن عبد السلام - في شرح هذا الحديث في سنن النسائي المطبوع بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله، طبعة دار البشائر ببيروت - قوله: (التغيير لا يتأتّى باللسان ولا بالقلب، فيتعيّن أن يكون المعنى فلينكره بلسانه وليكرهه بقلبه، فيثبت لكلّ واحد من الأعضاء ما يناسبه). أمّا قوله في الحديث: "وذلك أضعف الإيمان" (فلم يذكر للذمّ، وإنّما ذكر ليعلم المكلّف حقارة ما حصل في هذا القسم - وهو الكراهة بالقلب - فيرتقي إلى غيره) وإلاّ (فقد يعظم إيمان الشخص، وهو لا يستطيع التغيير بيده، فلا يلزم من العجز عن التغيير ضعف الإيمان).

وذكر السندي - في شرحه لهذا الحديث - المطبوع مع سنن النسائي بتحقيق الشيخ أبو غدّة المذكور آنفاً - : ("فإن لم يستطع فبلسانه" أي إن لم يستطع تغييره وإزالته بيده، فبلسانه، أي فلينكر بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، أي فليكرهه بقلبه، وليس المراد: فليغيّره بلسانه وقلبه، إذ اللسان والقلب لا يصلحان للتغيير عادة سيما بالنظر إلى غير المستطيع. والاكتفاء بالكراهة بالقلب هي أضعف الإيمان، أي أضعف أعمال الإيمان المتعلّقة بإنكار المنكر في ذاته، لا بالنظر إلى غير المستطيع، فإنّه بالنظر إليه هو تمام الوسع والطاقة، وليس عليه غيره).