قراءة في تاريخ البناء الدعوي لجماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٩:١٨، ٤ مارس ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قراءة في تاريخ البناء الدعوي لجماعة الإخوان المسلمين

إعداد: مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية


محتويات

مقدمة

نعرض في هذا البحث لتاريخ ومراحل المسيرة الفكرية التي بناها الإمام المؤسس الشهيد حسن البنا رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عنا وعن أجيال الأمة خير الجزاء.

يمكن للمراقب تمييز الأطوار والمراحل التالية التي مر بها البناء الفكري للجماعة منذ تأسيسها على يد الإمام الشهيد ومؤسسيها العمال الستة رحمهم الله جميعا:

  • المرحلة الأولى : من النشأة حتى قبيل الحرب العالمية الثانية.
  • المرحلة الثانية : من تاريخ المؤتمر الدوري الخامس حتى تاريخ الحل.


المرحلة الأولى: من النشأة حتى قبيل الحرب العالمية الثانية

وتبدأ من تاريخ تأسيس الجماعة في 28 مارس 1928 وحتى مشارف وقوع الحرب العالمية الثانية 19389.


ميلاد الجماعة

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
الإمام الشهيد حسن البنا وبعض مجلس شورى الإسماعيلية

كانت الإسماعيلية بداية الانطلاقة الحقيقية والميلاد الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين، ففي الإسماعيلية بدأ الامام حسن البنا يساهم بدور فعَّال في حياة ذلك المجتمع، من خلال جميع الوسائل المتاحة بدءاً من المسجد، وانتهاء بالمقهى، ومرورًا بالمدرسة التي كان يمارس فيها أيضًا الدعوة.

واستطاع الامام أن يجتذب إليه الناس بعاطفته الدينية القوية، وإخلاصه في دعوته، وبساطته وتبسُّطه، فكان مصدر إعجاب وإجماع الجميع على اختلاف مستوياتهم الفكرية والعلمية والاجتماعية، وكان له تأثير عجيب على سامعيه بما أوتي من مقدرة بيانية فائقة متحدثًا وكاتبًا وخطيبًا، وبما حباه الله من حافظة قوية.

فبعد مضي نصف العام الدراسي الأول للإمام الشهيد بالإسماعيلية كان رحمه الله قد فرغ من دراسة المجتمع وتحديد الأسلوب الأمثل في التعامل معه، وكان ذلك إيذانًا ببدء المرحلة الأولى في العمل لتأسيس جماعة "الإخوان المسلمون".

فعندما عاد الإمام الشهيد من إجازة نصف العام في مساء أول فبراير عام 1928م وبينما هو يرتقي سلم المحطة ليعبر إلى الجهة الأخرى حيث توجد المدينة، حان وقت العشاء، فرفع صوته – رحمه الله - بالأذان وكانت هذه مفاجأة لم يألفها أحد، وتناقل الناس هذا الأمر، وتحدثوا عن هذا الشاب الجريء الذي لا يبالي بالأجانب المقيمين في الإسماعيلية ولا يحسب لهم حسابًا وكان ذلك أول نفير لبدء الدعوة في الإسماعيلية.

ثم كان من نتيجة دروسه وخطبه أن حضر إليه ستة نفر ممن تأثروا به وبدعوته من أهالي الإسماعيلية في ذي القعدة 1347هـ = مارس 1928، فحدَّثوه في شأن الطريق العملي الذي يجب أن يسلكوه لنصرة الإسلام والعمل لخدمة المسلمين، وعرضوا عليه ما يملكون من مال بسيط، وأقسموا له على الطاعة والولاء، وبعد المشاورة تم الاستقرار على اسم "الإخوان المسلمون" لكي يكون رمزا معبرا عن عهدهم مع الله ثم مع الإمام الشهيد على العمل لنصرة الإسلام ورفع شأن المسلمين بكل تجرد.. وكانت بيعة .

وكان تأسيس الجماعة قد أعقب نشأة جمعية الشبان المسلمين في يناير 1923 والتي ركزت جل أهدافها كما نصت عليه المادة الرابعة من قانونها الاساسي "تعمل الجمعية على توثيق الصلات والروابط بين الشعوب الإسلامية، وعلى الدفاع عن حقوقها مصالحها كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولا تتعرض الجمعية للمنازعات السياسية بأي حال".

في المرحلة الأولى من عمر الجماعة، تركز نشاطها في العمل على نشر الفكرة الإسلامية العامة بين الناس، وكان نظام الدعوة في هذا الطور نظام الجمعيات التي مهمتها الخير العام ووسيلتها الإرشاد والوعظ تارة، وإقامة المنشآت تارة أخرى.

وقد مثلت هذه المرحلة كذلك دور التعريف بالفكرة الإسلامية عامة والفكرة الإخوانية خاصة،

وكانت وسائلها النشر في الصحف والمطبوعات والمحاضرات وإصدار الرسائل والنشرات لشرح أهداف الدعوة وفكرتها، وكان بعضها يتحدث كذلك عن اعمال الجماعة الاجتماعية .

وفي نهاية هذه المرحلة ركزت رسائل الدعوة على توجيه الحكومات المصرية المتعاقبة للأخذ بتعاليم الإسلام والعمل على تطبيقها.

كما اهتمت إصدارات الجماعة في هذه الفترة بتناول القضايا الوطنية والقومية، علاوة على التنبيه لأخطار بعض الحركات الهدامة والجهود التبشيرية التي كانت تقوم بها الإرساليات المسيحية في أوائل العقد الثالث من هذا القرن خاصة في مدينة الإسماعيلية التي انتشرت بها محاولات هذه الإرساليات لتنصير الفتيات في تلك الفترة، بل وقامت الجماعة بتشكيل جمعيات لمقاومة هذه الجهود ودعت إلى تشكيل لجنة وطنية لمقاومة التبشير .

مقال كتبه الإمام الشهيد عام 1931: واجب العالم الإسلامى أمام ما نزل به

مجلة الفتح 2 صفر 1650 ـ 18 يونيو 1931

توالت الاعتداءات أخيراً على المسلمين فى كل قطر من أقطار الأرض، وكشر أعداؤهم عن ناب البغضاء، واذنوهم بحرب بعيدة المدى، وصرحوا بنياتهم، وكشفوا عن مخبأت ضمائرهم، وأعلنوا على رؤس الأشهاد.

أنهم يريدون أن يكون الدين كله لهم، والحكم بيدهم، وتزول من الوجود تلك البقية الباقية من المحمديين.

وتوالت الاحتجاجات والبرقيات من المسلمين فى كثير من أنحاء الأرض، وكلها بشدة وبلهجة قاسية و بحروف من نار، ولكن لم نحتج ؟

نحتج لأمة تجد فى تنصير إخواناً لنا، وتعتدى عليهم كل يوم عدواناً جديداً فى دينهم، وحريتهم وأموالهم، واولادهم، ومن تكلم أذاقته الهون وسوء العذاب.

أم لأمة تُزاحم إخواناً لنا على معايشهم فى أوطانهم، وتقيم خطتها على طرد ذوى الأملاك إلى الصحراء، والاستحواذ على أملاكهم بالقوى الجبرية، حتى مات معظمهم جوعاً وعطشاً ؟

أم لأمة أصبحت دسائسها ومكائدها فى البلاد الإسلامية تفوق الحصر، وإنها لتعمل فى طى الخفاء أفظع مما يتظاهر غيرها بعمله؟

أم لعصبة الأمم، وليس عصبة الأمم إلا ما نعلم ؟

لقد أسمعت إذا ما نديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادى

أيها المسلمون :

عبثاً أن تحاولون أن يكون الخصم هو الحكم، وأن تجدوا النصفة من أعدائكم ..

عبثاً تنتظرون الرحمة من قلوب هؤلاء، فقد جمدت حتى صارت كالحجارة أو أشد قسوة، وأظلمت واصبحت أحلك من سواد الليل، وانطمست حتى لا ترى بصيصاً من نور الحق ..

عبثاً تريدون أن تسمعوا كلمة عطف من فريق منهم، فقد اجتمع الجميع عليكم ن واتفقت كلمتهم فى وسائل إرهابكم، وإن تفرقوا فى مطامعهم، واختلفوا فى منازعهم فهناك سبيل واحد اتفقوا عليه وأقسموا ليُنفذُونه، هو القضاء على الإسلام والمسلمين، وهى إحن صليبية، وسياسة رجعية، تدفعهم إلى أعمال هى إلى الوحشية والجنون أقراب.

لا تخدعوا أنفسكم أيها المسلمون، وحسبكم غفلة وحسن ظن بالأيام، فقد وصف الله لكم القوم فى كتابه فقال تعالى : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ( البقرة : 217 )، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ما هو أصرح من ذلك، وهم لا يرضيهم منكم إلا الردة وإلا الاستعباد ، وبعد كل هذا لهم معكم حقد قديم ينتقمون منكم به { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برئ منك .. } ( الحشر : 16 ) .

هذه حقيقة ما هو واقع، وقد صرحوا به بالقول مرات، وأكدوا بالفعل، وتواترت عليكم به الأنباء .

صدقونى يا إخوانى، لقد ذاب قلبى أسفاً، وتقطعت نفسى حسرات مما يتوالى من النكبات على المسلمين، وأردت أن احتج فسألت نفسى :

لمن ؟

فأخذت أقلب الفكر وأستعرض الأمم البعيدة، فلم أجد فيها رحيماً، والقريبة فإذا هى مكبلة بقيود ثقيلة لا تستطيع معها حراكاً، وذكرت كلمة كانت عنواناً لمقال كتبه الأمير الجليل شكيب ( يظهر أن هذا اليوم كله علينا وليس لنا منه شئ ) فأخذ ذلك من نفسى كل مأخذ، ولولا بقية من الأمل فى أن يتدارك المسلمون أمرهم، ويجمعوا شملهم، لكان الموت أولى من حياة الذلة والمهانه .

ذل من يغبط الذليل بعيش
رب عيش أخف منه الحمام

أنا لا أقصد لوم من يحتج، فلو لم يكن فى الاحتجاج إلا أنه عاطفة شريفة، وغيرة إنسانية، وشعور دينى يصل نفوس المسلمين بعضها ببعض، ويشد أزرهم، لكان صاحبه يستحق التكرمة والثناء، ولكن الذى أريد أن أصل إليه أن يعتقد المسلمون أن الاحتجاج وحده لايكفى، بل لا يجدى، وأن الاحتجاج لا يرفع التبعية، ولا يعد صاحبه قد أدى واجبه، ولا يصح الاعتماد على الاحتجاجات وحدها، فقد تعودنا ان نهب ونحتج، بعد إرسال الاحتجاج نتناسى كل شئ كأن لم يكن، ويشعر أحدنا براحة الضمير لأنه احتج، ثم تأتى الحادثة الثانية فيكون موقفنا منها موقف الأولى، وهكذا تتوالى الحوادث كل واحدة أفظع من أختها ونقابل الجميع بالاحتجاج !!

هناك وسائل نستطيعها أجدى من الاحتجاج وأبلغ أثراً وهى السبيل إلى الخلاص :

الوسيلة الأولى:

ضم الصفوف وتوحيد القوى والتعارف، حتى يكون المسلمون الغيورين فى كل قطر سلسلة متصلة الحلقات، ويتحرك أحد طرفيها بحركة الطرف الآخر، ثم توصل هذه السلاسل فى كل الأقطار الإسلامية تحت رعاية مؤتمر عام مؤلف من مندوبين لكل قطر إسلامى، فيكون هذا المؤتمر بمثابة رياسة عامة للمسلمين، تنهض بهم للدفاع عن حقوقهم الإسلامية المشتركة، وترسم لهم سبيل العمل لهذا الدفاع، وبذلك يكون للمسلمين صوت مسموع، وجامعة ترهب أعدائهم، وتجمع كلمتهم .

أما وسائل ذلك فكثيرة وهى سهلة يسيرة إذا انتُدب لها قوم من أهل الغيرة على دين الله ونشطوا فى سبيلها .

الوسيلة الثانية:

مقاطعة كل ما هو غير شرقى فى العادات والتقاليد والبضائع، والاعتزاز بالعصبية الشرقية الإسلامية، والتظاهر بهذه العصبية حتى يشعر أعداء المسلمين بأن للمسلمين كرامة يجب أن تحفظ، وقومية يجب أن تصان .

وأذكروا أيها المسلمون أنكم أنتم الذين جرأتم أوربا وغير أوربا على احتقار دينكم، وأنكم أنتم الذين فتحتم لها باب العدوان عليكم، فإنها ما مست دينكم بالسوء إلا بعد أن رأت تبرمكم به، واشتغالكم عنه، ودعايتكم لعادتها ومظاهر حياتها، وفرنسا لو لم تر تعطيل الأحكام الشرعية فى كثير من الأقطار الإسلامية ما عطلتها فى ظهير البربر، وقس على ذلك .

وقد سمعنا ورأينا أثر ذلك فى التهاون منا فى ديننا فى خطابات مؤتمر المبشرين، وكيف أنهم يعدون ضعف العصبية الإسلامية أهم الوسائل التى يعتمدون عليها فى القضاء على الإسلام واتساع دائرة الحركة التبشيرية .

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
ظهواناً بها كانت على الناس أهوانا

فاذكروا دائماً أن أول جان على الإسلام هم أبنائه الأغراء المفتونون، الذين تركوا مظاهره ونددوا بها، وأوربا ترقبهم عن كثب، وتمدهم فى طغيانهم، وتشجعهم عليه بأساليب خفية، فقاتل الله اللادينيين من أبناء الأمم الإسلامية، الذين أذلوا الإسلام وأسقطوا هيبته بما انتهكوا من حرمة الخلافة،، وبما أقدموا عليه من انتهاك محارم الله،

فذكروا أنفسكم أيها الإخوان دائماً بأن ملاحدة المسلمين فى مقدمة خصومكم، وأن على رؤسهم قسطاً كبيراً من تبعية ما يقع الآن فى مختلف بلاد الإسلام، ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزرها، و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.

ومن الواجب أن نحول دون تفشى أفكارهم الموبوءة بيننا، وأن نضرب على يد من يريد أن يحسن الظن بأعدائنا، ومن يخدر أعصابنا بنظريات مزيفة، وألفاظ خلابة ليس تحتها إلا فساد القومية الشرقية، وضياع الوحدة الإسلامية، فلا فرق بين هؤلاء وبين الأوربيين، ومن تولى قوماً فهو منه كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين } ( المائدة : 51 )، فقاطعوا كل ما هو إلحادى، كما تقاطعون كل ما هو غير شرقى، فهم بمنزلة سواء.

أليس من التناقض العجيب أن نرفع عقائرنا بالمطالبة بالخلاص من أوروبا، ونحتج أشد الإحتجاج على أعمالهم ومنكراتهم، ثم من ناحية أخرى نقدس تقاليدها، ونتعود عادتها، ونفضل بضائعها ؟!

الوسيلة الثالثة:

أن نجاهد أنفسنا قليلاً ونحكمها، ونردها إلى العقل والتبصر، ونفهمها أن لذة العزة، وهناءة الضمير، وحياة الحرية، أهنأ وأسعد من كل شئ، ولا تعدلها لذة أخرى فى الوجود .

وأن هذه اللذائذ المادية، والشهوات الجسمية فانية منقضية، حتى يمكننا بذلك أن نتخلص من الإغراق فى ترف الحياة، فإن أوروبا لم تضحك علينا إلا بأدوات الزينة والتخنث، وآلات اللهو ووسائل الشهوات، وشغلتنا بذلك عن مهام الأمور وجلائل الأعمال، فها نحن لم نبرع فى المخترعات كما برعنا فى الرقص والتمثيل، ولم ننبغ فى العلوم و المعارف نبوغنا فى التهتك والخلاعة .

فإذا أقتنعنا أنفسنا بخطأ هذه الأفكار، وأمكننا أن نتحرر من رق الشهوة، تبع ذلك التحرر من رق المصالح الأوروبية، ومن رق أوربا تبعاً لذلك، وتوفر علينا ما ندفعه لشيكوريل، والبون مارشيه، وسلامندر، وغيرهم من أموال طائلة هى عدة الجهاد لنيل الحقوق فى هذه الأيام .

الوسيلة الرابعة:

أن نذكر هذه النكبات دائماً، وأن نتلوها على أنفسنا صباحاً ومساء ً، وأن نلقنها أبنائنا ونسائنا، وإخواننا، وأن ننشرها بين أصدقائنا وفى مجالسنا، حتى ينشئ شبابنا وهم على بينة من أمر أعدائهم، فلا يُخدعون كما خُدعنا، ولا يُلاقون ما لاقينا .

وهنا أقترح أن ننظر فى أجدى الوسائل لتخريج أبنائنا مشبعين بالروح الدينية، فإن نظم التعليم عندنا ـ والأسف ملئ القلب ـ لاتسمح بذلك ـ وهى تقربنا من الأفكار الأوربية، وتقتل فى نفوس النشئ كل شعور إسلامى أو قومى شريف، فأحرى بالمسلمين أن يحبون الإسلام ويريدون أن يشب أبناؤهم على مبادئه أن يعنوا بالأمر، ويفكرون فى أقرب الوسائل لذلك، وأمامهم السبل كثيرة، ليس هذا موضع تفصيلها، وإذا صدق العمل وضح السبيل .

وأعود فأقول: إن كثيرا من شبابنا والطبقات الراقية عندنا ماتت فى نفوسهم الغيرة الإسلامية،، فهم لا يهتمون بغير أنفسهم ومراتباتهم، ولا يفكرون فى إخوانهم، ولا يقدرون على الإخوة الإسلامية، فانشروا فيهم نبأ هذه النكبات، وذكروهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأثر المروى عنه: " ومن لم يهتم بامر المسلمين فليس منهم " لعل دم العزة يجرى فى عروقهم، ولا تيأسوا من إقناعهم، فقد سمعنا أن ( م ع ) وهو المتجاهر بالإلحاد والتفرنج صار بعد أن رأى استبداد فرنسا فى المغرب يقول:

إن اللمغاربة الحق فى التعصب للإسلام، فإذا صح ذلك ـ وقد سمعه منه مراسل الفتح فى باريس ـ كان فألاً حسناً فى رجوع بعض هذه الخرافات الضالة إلى حظيرة الشرق والإسلام.

الوسيلة الخامسة:

إن الله بيده الأمر كله، والأرض له يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وأن الله قوى قهار لا يعجزه أن ينتزع أرضه من أيدى أقوى دولة فيستخلف فيها أضعف دولة لينظر كيف يعملون، والتاريخ كفيل بذلك، وشاهد عليه فبنو إسرائيل ورثوا الأرض التى بارك الله فيها بعد أن كانوا أذل من الذل، وأقل من القلة، والعرب دانت لهم الممالك بعد أن كانوا أشد الأمم ضعفاً وتفرقاً .

أقسم لكم أيه الإخوان لو علم الله فى المسلمين من يصلحوا أن يكونوا خلفاء الله فى الأرض لأرسل على مضطهديهم عذابأً من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولبعث عليهم جنوداً لم تروها، وما يعلم جنود ربك إلا هو، ولخلص الأرض من أيديهم وأورثكم إياها .

وليس نقصد بذلك القعود عن العمل، وإنما نريد تجديد النفوس، وتطهير الأرواح، وتقوية العقائد، حتى تمتلئ النفوس بالأمل والإيمان،، وحتى نندفع إلى العمل بقوة وثبات كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فمن واجبنا أن نتعرف إلى الله بما يرضيه عنا، وأن نسير مع أوامره ونواهيه، فإذا رضى عنا أعانه بنصره، وأوضح لنا سبيل الخلاص، وكان معنا على أعدائنا، فأُخذو من مأمنهم، وزلزلوا فى مساكنهم، وذاقوا وبال أمرهم .

كتب معاوية إلى عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنهما ) أن أكتبى كتاباً توصينى فيه ولا تكثرى على، فكتبت عائشة إليه: ( سلام عليك، أما بعد : فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس )

القنوت فى كل صلاة

وبهذه المناسبة أذكر لحضاراتكم هذا الاقتراح:

من الأحكام الشرعية أن القنوت سنة فى كلف الصلوات بعد الركوع الأخير إذا نزلت نازلة بالمسلمين، وبما أن المسلمين فى هذه الأيام يواجهون كل يوم نازلة جديدة حتى تكسرت النصال على النصال، فيلوح لى تطبيق هذا الحكم فى كل المساجد الإسلامية، وفى كل الصلوات، فتقنت الأمة فى كل صلاة بالدعاء للمسلمين بالنصرة والخلاص، وبالدعاء على أعدائهم بالضعف والهزيمة،

فما رأى سادتنا العلماء فى ذلك ؟

وختاماً أيها العالم الإسلامى:

إذا قدرت على مجاهدة النفوس والثبات على العمل ـ وهو مر ـ فزت بالخلاص، وكان يومه قريباً : ( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ( الرعد : 11 )،

وإن لم يكن عملك إلا الكلام والاحتجاج، فاذكر أن خصومك عرفوا نفسيات الشعوب فلا يرهبون إلا القوة، ولا يفقهون إلا بلسان العمل المنتج، فوفر هذه الاحتجاجات، وارضى بما أنت فيه من الذلة والهوان، وهما سبيلان لا ثالث لهما .

فإما حياة تبعث الميت فى البلى
وتنبت فى تلك الرموس رفاتى

وإما ممات لا قيام بعده

فأى السبيل يختار المسلمون ؟


العودة إلى القاهرة وبداية مرحلة جديدة

في جمادى الآخرة 1351هـ = أكتوبر 1932م انتقل الإمام حسن البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة؛ ليزاول عمله كمدرس بمدرسة عباس بالسبتية، وكان ذلك إيذانًا بدخول الدعوة مرحلة جديدة.

ققد صدرت أولى نشرات الدعوة متمثلة في نشرة "رسالة المرشد " والتي ظهر منها عددان فقط ..

الأول بتاريخ 5 رمضان 1349هـ - 2 يناير 1931، والثاني في 20 شعبان 1351 الموافق 19 ديسمبر 1932 ..

وقد تصدرت كلتاهما توجيهات من المبادئ التي تربى عليها رجال الرعيل الأول للجماعة:

1- سلامة الاعتقاد والاجتهاد في طاعة الله تبارك وتعالى وفق الكتاب والسنة.

2- الحب في الله والاعتصام بالوحدة الإسلامية.

3- التأدب بآداب الإسلام الحنيف.

4- ترقية النفس والترقي بها إلى معرفة الله تعالى وإيثار الآخرة على الدنيا.

5- الثبات على المبدأ والوفاء بالعهد مع اعتقاد أن أقدس المبادئ هو الدين.

6- الاجتهاد في نشر الدعوة الإسلامية بين طبقات الأمة ابتغاء وجه الله.

7- حب الحق والخير أكثر من أي شيء في الوجود.

- انتقلت بعد ذلك جهود الجماعة في تقديم فكرتها عبر الوسيلة الثانية من خلال إصدار مجلة أسبوعية تسمى جريدة (الإخوان المسلمون) والتي ظهر العدد الأول منها بتاريخ 22 صفر 1352 هجرية 24 يونيو 1933 وظلت تصدر حتى 12 رمضان 1357 - 4 نوفمبر 1938.

وقد صدرت تحت عنوان "جريدة أسبوعية إسلامية جامعة تصدرها جمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة، وهي لسان حال جمعيات الإخوان المسلمين".

وبينت أن منهاجها، "خدمة كل هيئة تعمل لرفعة الإسلام وإعادة مجده، وتقصي فضائل النبوة المحمدية ونشر مقاصدها، والآداب المنقولة عنها والأحاديث الدالة على الأخلاق الفاضلة من الصدق والعفاف وحسن العشرة والإحسان إلى الجار والقريب وكل كائن حتى الحيوان".

وكان يرأس تحريرها المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري ومديرها المرحوم محب الدين الخطيب ..

أما الإمام حسن البنا فكان يقوم على تحرير القسم الديني فيها الذي كان يضم في بحوثه ما يتصل بعلوم الدين من تفسير وعقائد وفقه وأصول وتصوف وأخلاق ثم عظة منبرية.

وقد أسند الإمام الشهيد إلى المرحوم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (والده) باب ترجمة للأعلام المشهورة في القسم التاريخي بالجريدة ( وكان محدثا جليلا عكف على أمهات كتب السنة ورتب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وهو أجمع كتب الحديث على أبواب الفقه في عشرة مجلدات وأسماه (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني).

وتضمنت الجريدة كذلك قسما تعالج فيه الحوادث المشهورة في تاريخ الإسلام وما ترتب عليها من آثار، وبابا يختص بدراسة العالم الإسلامي وكان يتناول مجمل أخباره وأخبار الجمعيات والأندية والمساجد والمجتمعات الإسلامية، وقسمًا أدبيًا، وقسمًا خاصا بروضة الأطفال والمرأة وقسما صحيا وقسما في الزراعة وقسما للطلبة إبتداء من العدد 19 الصادر في الخميس 5 شعبان 1352- 28 أبريل 1934.

وقد بدأ اهتمامها بشرح دعوة الإخوان ونظرتهم الوطنية والقومية في مقالات السنة الثانية والثالثة .

- صاحب جهود الجماعة في نشر الفكرة الإسلامية وشرح دعوة الإخوان، الاهتمام كذلك بالنواحي الاجتماعية وإقامة المشروعات لخدمة المجتمع .. وقد ازداد الاهتمام بالأنشطة الاجتماعية والاقتصادية في الطور الجديد الذي بدأ مع انتقال الإمام البنا للعمل في القاهرة في عام 1932 وانتقال المركز العام إلى هناك، مع استمرار النزول إلى المساجد والوعظ فيها، وتجميع الأنصار وتأسيس الفروع، بحذر وصمت.


الإجتماع لأول لمجلس شورى الإخوان

حرص الإمام الشهيد على إحكام بناء الدعوة وإحسان تكوين هيكلها، فرأى ضرورة إيجاد مجلس شورى عام يوجه حركة الجماعة ويناقش أنشطتها، فدعا رحمه الله نواب فروع الجمعية آنذاك إلى الاجتماع بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس الموافق 22 من صفر 1352هـ الموافق 15 من يونيو 1933م، فاشتركت فيه الكثير من الفروع واعتذر البعض.

وقد تركزت قرارات هذا الاجتماع على قضية "محاربة التبشير": وذلك من خلال عرائض رفعت إلى الملك وإلى رئيس الوزراء بالنيابة ووزير الداخلية ووزير المعارف ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ، كما رفعت عريضة إلى شيخ الأزهر.

كما تم تكليف شعب الإخوان التي يقع التبشير في دائرتها بأن تقوم بالتوعية بأخطار المبشرين وإقامة المدارس لتعليم الفتيات، وكذلك إقامة الملاجئ وإقامة المشاغل لتعليمهن الخياطة وأعمال الإبرة.

وقد لخص الإمام البنا حالة الدعوة في الأعوام الخمسة الأولى من عمر الجماعة فكتب في إحدى مقالاته المنشورة سنة 1934، " أن فكرة الإخوان قد انتشرت فيما يزيد على خمسين بلداً من بلدان القطر المصري، وقامت في كل بلد من هذه البلدان تقريباً بمشروع نافع، أو بمؤسسة مفيدة.

ففي الإسماعيلية أسست مسجد الإخوان، وناديهم، ومعهد حراء لتعليم البنين، ومدرسة أمهات المؤمنين لتعليم البنات.

وفي شبراخيت أسست مسجداً، ومادياً ومعهداً للبنين، ودار للصناعة يتعلم فيها طلبة المعد الذين لا يستطيعون إتمام التعليم.

وفي المحمودية – البحيرة – قامت بمثل ذلك فأنشأت منسجاً للنسيج والسجاد، إلى جوار معهد تحفيظ القرآن الكريم.

وفي المنزلة – دقهلية – أقامت معهداً لتحفيظ القرآن.

وقل مثل ذلك أوبعضه في كل شعبة من شعب الإخوان المنتشرة في أنحاء مصر من إدفوا إلى الإسكندرية، كما تم تأسيس مطبعة خاصة بالجماعة..


نسخة نادرة لأولى رسائل الإمام "حسن البنا"

التاريخ :14 صفر1352 ه – 8 يونيو 1933م

هذه الوثيقة:

هي أولى رسائل الأستاذ المرشد إلى الإخوان المسلمين، وقد صدرت في فترة مبكرة من عمر الدعوة بعد انتقال الإمام البنا إلى القاهرة، قبل انعقاد مجلس الشورى الأول للإخوان بأسبوع واحد، ولم تصدر بعدها رسائل منفصلة، كما أشار الأستاذ المرشد في ثناياها، إذ صدرت مجلة جريدة الإخوان المسلمون الأسبوعية، ونشرت للإمام سلسلة مقالاته التي جمعت في رسائل منفصلة فيما بعد.

موضوع الوثيقة:

موضوع روحي تربوي مركز، يتناول معنى تربويًا هامًا، كان الإمام حريصًا على غرسه في نفوس الإخوان دائمًا، وهو التوازن بين العلم الذي يحصله الفرد وبين العمل به وتطبيقه وتحويله إلى واقع عملي في حياته وسلوكه، والترهيب من غلبة العلم والمعرفة دون التزام وعمل.

ويلاحظ فيها الروح الإيمانية العالية التي يشعر بها كل مَن يطالع الرسالة ويتأثر لا محالة بها، وهي أثر من آثار الفيض الرباني على قلب الإمام رحمه الله، كما يلاحظ فيها حرص الإمام على ضبط هذا الجانب من جوانب التربية والسلوك لدى الإخوان، والتركيز عليه في هذه الفترة المبكرة؛ يقينًا منه أن هذا هو الأساس الذي ستبنى عليه باقي جوانب التربية والإصلاح للشخصية المسلمة المنشودة.

نص الوثيقة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد نور الكون وجماله وعلى آله وصحبه، ومَن تبع هداهم إلى يوم الدين.

أيها الإخوان المسلمون الكرام، أيد الله بكم الحق، وألهمكم الرشد، وأمدكم بروح منه، وجعلكم من القائمين بأمره المهتدين بهدي رسوله، الداعين إلى شريعته، الظاهرين على الحق لا يضرهم مَن عاداهم حتى تقوم الساعة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والحنين نحوكم، والحمد لكم والشوق إليكم

وبعد فاعلموا إخواني أوضح الله لي ولكم نهج الحق أن الغرض من هذه الرسالة الخاصة بكم وبمن أحبكم من الإخوان الكرام التحدث إليكم والتذكرة بمبادئكم والتعاون معكم على الوصول إلى الغاية التي عاهدتم الله على العمل لها والجهاد في سبيلها، فأنصتوا تؤجروا وتفهموا ما يُتلى عليكم بقلوبكم فإن كنتم تعلمونه فهو ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وإن كان غير ذلك فهو طلب للعلم، وقد أمرنا رسولنا بطلب العلم ولو في الصين.

واعلموا إخواني أن العلم علمان؛ علم في القلب، فهو العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وقد بيَّن الله لكم صنفين من الناس في كتابه؛ صنفًا وصفهم بقوله ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولِئكَ كَالأْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179)، وصنفًا وصفهم بقوله ﴿اللًّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (الزمر: 23).

فالصنف الأول: هم الغافلون الذين لا يستمعون للعلم، ولا يفقهون العظة والنصح.

والصنف الثاني: هم المؤمنون الذين رقَّت قُلوبهم، وانشرحت بالإيمان صدورهم، فهم للعلم يستمعون وبالموعظة يتأثرون ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِّرُوا عَلَيْهَا صُمًّا وُعُمْيَانًا﴾ (الفرقان: 73)، فانظر أي الطريقين تسلك أيها الأخ الكريم.

يا أخي.. إن القلب المظلم لا يستفيد شيئًا كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر، وإن القلب الرقيق اللين الذي يفهم ما يسمع ويعمل بما يفهم هو موضع الفائدة ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَبَاتُه بِإذْنِ رَبِّه﴾ (الأعراف: 58)، فكن قلبًا مستنيرًا وفؤادًا واعيًا وجارحة مستعدة للعمل تكن من الفائزين، وإن قليلاً من العلم تحسنه ثم تعمل به خير من كثير تحفظه بدون عمل، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع.

يا أخي أرسل أحد تلامذة الإمام الغزالي- رضي الله عنه- إلى شيخه يطلب إليه أن يبعث له برسالة تتضمن ما ينفعه في دنياه وآخرته مع الاختصار، فأجابه الشيخ برسالة عظيمة جعل أولها وصيته بأن يعمل بما يعلم، ولأنقل لك ملخص هذا الفصل من هذه الرسالة لعظيم فائدته فاسمع:

قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:

"يا ولدي النصيحة سهلة، ولكن الصعب قبولها؛ لأنها في فم مَن لم يتعودها مرة المذاق، وإن مَن يحصل العلم ولا يعمل به تكون الحجة عليه أعظم، كما قال رسول الله "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه".

يا ولدي لا تكن من الأعمال مفلسًا، ولا من الاجتهاد في الطاعة خاليًا، وتيقن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد- مثاله: لو كان مع رجل عشرة أسياف هندية وأسلحة أخرى، وهو في صحراء فخرج عليه أسد مهيب، فهل تدفع عنه هذه الأسلحة بدون أن يستعملها؟

فذلك مثل العلم والعمل لا فائدة في الأول بدون الثاني.

ومثل آخر- لو مرض شخص بمرض مستعصي ووُصف له دواء مركب من عقاقير مختلفة، فأحضر الدواء ولم يستخدمه هل يشفيه هذا الدواء من مرضه؟

كذلك العلم لا يفيد النفس في الدنيا ولا يؤدي إلى النجاة في الآخرة إلا بالعمل.

والفُرْسُ يقولون: "كرمي دوخرار رطل هي بيمائي بأمي نحوري نباشرت سيداتي"

ومعناها بالعربية: "لو كلمت ألفي رطل خمر لم تكن لتصير نشوانًا إذا لم تشرب".

يا ولدي- لو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعدًا لرحمة الله إلا بالعمل ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم:39)، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110).

يا ولدي: ما لم نعملْ لم نأخذْ الأجرَ، وفيما يُنسب إلى سيدنا عَلِيٍّ- كرم الله وجهه-:

"مَن ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمنٍ، والمُنى بضائع الموتى"،

وقال الحسن البصري- رضي الله عنه-: "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب"،

وفي الخبر عن الله تعالى: "ما أقل حياءً مَن يطمع في جنتي بغير عمل.."،

وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني".

يا ولدي: عشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبب مَن شئت فإنك مفارقه، واعملْ ما شئت فإنك مجزي به، والعلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون، ولابد منهما معًا، وإن العلم وحده لا يبعدك اليوم عن المعاصي ولا ينجيك غدًا من النار، فإذا لم تجتهد اليوم في العمل..

فيوم القيامة تقول: "ارجعون لعلي أعمل صالحًا"

فيقال لك: "يا هذا أنت من هناك جئت"

انتهى.

أرأيت أيها الأخ المسلم هذه الوصية الغالية، إنها وصيتي إليك في هذه الرسالة فتفهمها، واستعد للعمل بها، واجعلها أساسًا تلاحظه، وتذكره فيما سيُعرض لك من الرسائل التالية إن شاء الله، والله ولي توفيقي وتوفيقك إلى ما يُحبه ويرضاه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفقير إليه تعالى

حسن أحمد البنا 
خادم مبادئ الإخوان المسلمين


الإجتماع الثاني لمجلس شورى الإخوان العام

انعقد في بورسعيد في 2، 3 من شوال 1352هـ الموافقين 19، 20 من يناير 1934م مجلس الشورى العام الثاني للجماعة، وانتهى المجلس إلى تحديد مبادئ الإخوان في صيغ عامة كما جاء في نصوص قرارات المجلس على الوجه التالي:

وافق الإخوان المجتمعون على وضع مبادئ عامة للإخوان يحفظونها ويدرسونها ويوضع لها شرح تفصيلي يبين مجملها، كما أشار إلى ذلك القانون الأساسي للإخوان المسلمين، وقد عرض فضيلة المرشد العام صورة من هذه المبادئ ملخصة فوافق عليها المجتمعون وتركوا لفضيلته صياغتها وإعلانها ".

وقد صيغت هذه المبادئ في صيغتها الختامية تحت عنوان “عقيدتنا” وصدق عليها مكتب الإرشاد العام بالقاهرة ، واعتبرت ميثاقا لكل أخ وجعلت نصوصها كالآتي :

1- اعتقد أن الأمر كله لله وأن سيدنا محمدا -صلى الله عليه وسلم- خاتم رسله للناس كافة.

وأن الجزاء حق، وأن القرآن كتاب الله، وأن الإسلام قانون شامل لنظام الدنيا والآخرة.

وأتعهد أن أرتب على نفسي حزبا من القرآن الكريم وأن أتمسك بالسنة المطهرة، وأن أدرس السيرة النبوية وتاريخ الصحابة الكرام.

2- أعتقد أن الاستقامة والفضيلة والعلم من أركان الإسلام.

وأتعهد بأن أكون مستقيما أؤدي العبادات وابتعد عن المنكرات، فاضلا أتحلى بالأخلاق الحسنة، وأتخلى عن الأخلاق السيئة وأتحرى العادات الإسلامية ما استطعت، وأوثر المحبة والود على التحاكم والتقاضي، فلا ألجأ إلى القضاء إلا مضطرا، وأعتز بشعائر الإسلام ولغته، وأعمل على بث العلوم والمعارف النافعة في طبقات الأمة.

3- أعتقد أن المسلم مطالب بالعمل والتكسب، وأن في ماله الذي يكسبه حقا مفروضا للسائل والمحروم.

وأتعهد بأن أعمل لكسب عيشي واقتصد لمستقبلي وأؤدي زكاة مالي وأخصص جزءًا من إيرادي لأعمال البر والخير، وأشجع كل مشروع اقتصادي إسلامي نافع، وأقدم منتجات بلادي وبني ديني ووطني ولا أتعامل بالربا في شأن من شؤوني، ولا أتورط في الكماليات فوق طاقتي.

4- اعتقد أن المسلم مسؤول عن أسرته وأن من واجبه أن يحافظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها.

وأتعهد بأن أعمل لذلك جهدي وأن أبث تعاليم الإسلام في أفراد أسرتي. ولا أدخل أبنائي أية مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم ، وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ تعاليم الإسلام.

5- أعتقد أن من واجب المسلم أحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه وأن راية الإسلام يجب أن تسود البشر، وأن من مهمة كل مسلم تربية العالم على قواعد الإسلام.

وأتعهد بأن أجاهد في سبيل أداء هذه الرسالة ما حييت، وأضحي في سبيلها بكل ما أملك.

6- اعتقد أن المسلمين جميعا أمة واحدة تربطها العقيدة الإسلامية وأن الإسلام يأمر أبنائه بالإحسان إلى الناس جميعا.

وأتعهد بأن أبذل جهدي في توثيق رابطة الإخاء بين جميع المسلمين وإزالة الجفاء والاختلاف بين طوائفهم وفرقهم.

7- اعتقد أن السر في تأخر المسلمين ابتعادهم عن دينهم، وأن أساس الإصلاح العودة إلى تعاليم الإسلام وأحكامه، وأن ذلك ممكن لو عمل له المسلمون وأن فكرة الإخوان المسلمين تحقق هذه الغاية. وأتعهد بالثبات على مبادئها والإخلاص لكل من عمل لها، وأن أظل جنديا في خدمتها أو أموت في سبيلها.


مجلس الشورى العام الثالث

عَقد المجلس جلساته في الفترة من يوم السبت 11 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 16 من مارس 1935م حتى يوم الاثنين 13 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 18 من مارس 1935م بالقاهرة ..

وقد اصدر المجلس العديد من القرارات الإدارية والتنظيمية علاوة على الإصدار الفكري التالي :

منهاج الإخوان المسلمين:

1- اعتبار عقيدة الإخوان رمزًا لهذا المنهاج.

2- على كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج كله من الإسلام، وأن كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة.

3- على كل أخ مسلم أن يعمل على نشر هذه المبادئ في جميع البيئات، وأن يتحمس لها تحمسًا تامًا، وأن يطبقها في منزله مهما احتمل في سبيل ذلك من المكاره.

4- كل أخ لا يلتزم هذه المبادئ لنائب الدائرة أن يتخذ معه العقوبة التي تتناسب مع مخالفته، وتعيده إلى التزام حدود المنهاج، وعلى حضرات النواب أن يهتموا بذلك؛ فإن الغاية هي تربية الإخوان قبل كل شيء.

موقف الإخوان المسلمين من غيرهم:

1- على الأخ المسلم أن يتعرف غايته تمامًا وأن يجعلها المقياس الوحيد فيما بينه وبين الهيئات الأخرى.

2- كل منهاج لا يؤيد الإسلام ولا يرتكز على أصوله العامة لا يؤدي إلى نجاح.

3- كل هيئة تحقق بعملها ناحية من نواحي منهاج الإخوان المسلمين يؤيدها الأخ المسلم في هذه الناحية.

4- يجب على الإخوان المسلمين إذا أيدوا هيئة ما من الهيئات أن يستوثقوا أنها لا تتنكر لغايتهم في وقت من الأوقات.

5- الهيئات النافعة توجه إلى الغاية بتقويتها لا بإضعافها.

6- يرحب الإخوان بكل فكرة ترمي إلى توحيد جهود المسلمين في سائر بقاع الأرض، وتأييد فكرة الجامعة الإسلامية كأثر من آثار اليقظة الشرقية.

7- الإخوان المسلمون يخلصون لكل الهيئات الإسلامية ويحاولون التقريب بينها بكل الوسائط، ويعتقدون أن الحب بين المسلمين هو أصلح أساس لإيقاظهم، وهم يناوئون كل هيئة تشوه معنى الإسلام مثل البهائية والقاديانية.

التكوين العملي للإخوان المسلمين:

1- على المكاتب والهيئات الرئيسية لدوائر الإخوان المسلمين أن تعني بتربية الإخوان تربية نفسية صالحة تتفق مع مبادئهم وتميز هذه المبادئ في نفوسهم، وتحقيقًا لهذه الغاية يكون الانضمام للإخوان على ثلاث درجات:

أ- الانضمام العام: وهو من حق كل مسلم توافق على قبوله إدارة الدائرة ويعلن استعداده للصلاح، ويوقع استمارة التعارف ويتعهد بتسديد الاشتراك المالي الذي يتطوع به للجماعة، وللنائب حق إعفاء من يرى عذرًا بالنسبة له من بعض الأعضاء، ويسمى الأخ في هذه الدرجة أخًا مساعدًا.

ب- الانضمام الأخوي: وهو حق كل مسلم توافق على قبوله إدارة الدائرة السابقة، وواجباته – فضلاً عن الواجبات السابقة – حفظ العقيدة والتعهد بالتزام الطاعات والكف عن المحرمات وحضور الاجتماعات الأسبوعية والسنوية وغيرها متى دُعي إليها، ويسمى الأخ في هذه المرتبة أخًا منتسبًا.

ج- الانضمام العملي: وهو من حق كل مسلم توافق إدارة الدائرة على قبوله، وتكون واجبات الأخ فيه – فضلاً عن الواجبات السابقة – إحضار صورته الشخصية وإعطاء البيانات الكافية التي تطلب منه عن شخصه، ودراسة شرح عقيدة الإخوان المسلمين والتعهد بالورد القرآني وحضور مجالس القرآن الأسبوعية، ومجالس الدائرة، والاشتراك في صندوق الحج والاشتراك في لجنة الزكاة متى كان مالكًا للنصاب، والانضمام إلى فرقة الرحلات ما دامت سنه تسمح بذلك والتزام التحدث باللغة العربية الفصحى بقدر المستطاع، وإلزام المنزل مبادئ الإخوان المسلمين والعمل على تثقيف نفسه في الشئون الاجتماعية العامة والاجتهاد في حفظ أربعين حديثًا نبويًا، وقبول مناصفات الإخوان التأديبية، ويسمى الأخ في هذه الدرجة من درجات الانضمام أخًا عاملاً.

د- وهناك درجة رابعة من درجات الانضمام وهي درجة الانضمام الجهادي وهي ليست عامة بل هي من حق الأخ العامل الذي يثبت لمكتب الإرشاد محافظته على واجباته السابقة، وفحصها من حق المكتب، وواجبات الأخ في هذه المرتبة – فضلاً عما سبق – تحرّى السنة المطهرة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً في الأقوال والأفعال والأحوال، ومن ذلك قيام الليل وأداء الجماعة إلا لعذر قاهر، والزهادة والعزوف عن مظاهر المتع الفانية، والبعد عن كل ما هو غير إسلامي في العبادات وفي المعاملات وفي شأنه كله، والاشتراك المالي في مكتب الإرشاد وصندوق الدعوة، والوصية بجزء من تركته لجماعة الإخوان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما دام أهلاً لذلك، وتلبية دعوة المكتب متى وجهت إليه في أي وقت وفي أي مكان، وحمل المصحف ليذكره بواجبه نحو القرآن الكريم والاستعداد لقضاء مدة التربية الخاصة بمكتب الإرشاد، ويسمى الأخ في هذه المرتبة مجاهدًا.

من مظاهر الدعوة:

كان للدعوة في هذه المرحلة من المظاهر الروحية في الاجتماعات والعادات الإسلامية والعبارات المأثورة، ومن المظاهر العملية التي لا يأباها الدين من الشارات ونحوها ما يميزها عن غيرها.

- بناء على نظرة الجماعة إلى مفهوم "الإخوة الإسلامية " التي ربت عليه أبنائها والتي تجعل كل مسلم يعتقد أن كل شبر أرض فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم قطعة من الأرض الإسلامية، فقد قرر مجلس الشورى العام للجماعة في دورته الثالثة المنعقدة في عام 1352هـ- 1935 توسيع نشاط الدعوة العامة وزيادة الاهتمام بقضايا مصر وقضايا أقطار العالم الإسلام،

وبدأت مرحلة الاهتمام بشؤون العالم الإسلامي وقضاياه السياسية على وجه خاص، وأخذ الإمام الشهيد يتحدث في خطبه وكاتبا في مقالاته داعيا إلى أن يتمتع الوطن الإسلامي بحريته واستقلاله وكان يعتبر الإخوان حماة قضاياه عامة والسياسية منها خاصة .

- كما بدأ الاهتمام بإنشاء الشعب خارج مصر حين انتدب الإمام البنا رحمه الله اثنان من أعضاء مكتب الإرشاد العام سنة 1935 لزيارة سوريا ولبنان وفلسطين، كما لعب الطلاب المبتعثين للدراسة في مصر والذين انتسبوا للجماعة خلال سني دراستهم دورا كبيرا في نشر فكرة الجماعة، إذا أنهم لما عادوا إلى أقطارهم كانوا الدعاة للفكرة والمبدأ.

وفي منتصف هذه المرحلة بدا اقتحام الإخوان الميدان السياسي، فابتدأ الأستاذ البنا في إلقاء أحاديث دينية واجتماعية بالإذاعة والأندية، وفي إرسال رسائل إلى رؤساء الوزارات المصرية المتعاقبة، من عهد محمد محمود حتى قيام الحرب العالمية الثانية،

وكان محور الرسائل:

الدعوة إلى الإصلاح الداخلي على أساس النظام الإسلامي، وتناول الناحية الإصلاحية الاجتماعية بالبيان مع الدعوة إلى أن تشمل جهود الإصلاح،الإصلاح الأزهري ليقوم الأزهر بدوره واستخدام الأزهريين في الوظائف العسكرية والإدارية وتجديد الكتب الدينية بما يتناسب مع روح العصر، وإصلاح الطرق الصوفية، ووضع أصول وقواعد إسلامية للتوفيق بين الطوائف الإسلامية المختلفة، والترحيب بكل فكرة ترمي إلى توحيد جهود المسلمين في سائر بقاع الأرض وتأييد فكرة الجامعة الإسلامية كأثر من آثار اليقظة الشرقية.

كما تناولت هذه الرسائل مناهج التعليم فدعت إلى تقرير التعليم الديني كمادة أساسه في كل المدارس وفي الجامعة أيضًا، ووضع سياسة ثابتة للتعليم تنهض به وترفع مستواه .

ودعت إلى الاهتمام بالريف المصري الذي الذي كان يعيش في فقر وبؤس وجهل وغفلة وتتفشى فيه الأمراض والعادات الضارة والسيئة والخرافات ،

كما هاجمت بعض رسائل الجماعة سياسية الحكومات تجاه الريف ، ودعت إلى إصلاح هذه الأوضاع بصورة حاسمة والعناية بشأن القرية وتنقية مياهها ووسائل الثقافة فيها وتشجيع الإرشاد الزراعي والاهتمام بترقية الفلاح من الناحية الاجتماعية .

وفي سنة 1355 هـ – 1936 م، أرسل الأستاذ البنا خطاباً إلى الملك فاروق، ومصطفى النحاس – رئيس الحكومة حينذاك – وإلى ملوك ورؤساء الدول العربية، وحكام بلدان العالم الإسلامي المختلفة، وكثير من زعمائها الدينيين والسياسيين، رسالة يدعوهم فيها إلى طريق الإسلام، وأصوله، وقواعده، وحضارته، ومدنيته، ويدعوهم فيها إلى نبذ طريق الغرب ومظاهر حياته ونظمها، مع تبيين خصائص كل من الطريقين، وتوضيح أن الإسلام كفيل بإمداد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه في الجندية، والصحة، والنظام، والاقتصاد، وانتهى في رسالته بدعوتهم إلى أن يكونوا أول من يتقدم باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقارورة الدواء، من طب القرآن، واستنقاد العالم المريض.

وقد وضع في هذه الرسالة منهاجا للإصلاح الشامل في مختلف مظاهر الحياةً.


حصيلة المرحلة

في غفلة كاملة من المستعمرين الإنجليز.. ومن الملك وحاشيته .. ومن الأحزاب السياسية بدأ الإمام الشهيد في بناء جماعته .. وبعد مضي عشر سنوات من العمل الصامت الدؤوب والسعي المتواصل، وبإصرار في غير ضوضاء ولا ضجيج ولا دعاية ولا تهريج ، قضاها الإمام البنا ورجال الرعيل الأول في بث الدعوة ، ونشر الفكرة ، وتوضيح المفاهيم وتجنيد الدعاة ، وتجميع الأنصار، وربطهم ببعضهم البعض برباط الإيمان والعقيدة ..

عشر سنوات كاملة بذلت فيها الجهود لإزالة البناء الفكري القديم السائد في المجتمع المصري وإحلال المفاهيم الإسلامية الصحيحة والسلوك الإسلامي القويم ، لم يحس خلالها المحتلون الإنجليز بخطر الجماعة، ولم يشعر بها الملك ، ولم تر فيها الأحزاب شيئا من خطر المنافسة على مواقعها الشعبية .

وقد حدد الإمام حسن البنا - رحمه الله - خطته في النهوض بالأمة فكتب تحت عنوان: "في سبيل النهوض": "يجب أن تكون دعامة النهضة "التربية"؛ فتربى الأمة أولاً وتفهم حقوقها تمامًا، وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، وتربى على الإيمان بها، ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة.

أو بعبارة أخرى تدرس نهضتها درسًا نظريًّا وعمليًّا وروحيًّا، وذلك يستدعي وقتًا طويلاً؛ لأنه منهج دراسة يدرس لأمة، فلابد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل، وكل أمة تحاول تخطي حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان".

وقد حرص الإمام البنا في بداية الدعوة في هه المرحلة على ألا يصطدم بالواقع الذي تحياه البلاد في المجال السياسي ومن كونها واقعة تحت الاستعمار.

وحاول قدر المستطاع تجنب الدخول في مهاترات سياسية حزبية التي لا تجني الجماعة من ورائها سوى الصراعات والمهاترات وهي السمة التي كانت معروفة وشائعة في تلك الفترة، وحتى لا تعد الجماعة حزبًا من الأحزاب القائمة فينصرف عنها الناس، حتى انه دفع العمال المنتمين للجماعة لاستقبال الملك فؤاد في الإسماعيلية؛ حتى يري الغرب كيف أن المصريين يحترمون ملكهم.

ولكنه كان - رحمه الله - مع ذلك يربي أفراد جماعته على معنى السياسة، وأنها إصلاح، وليست حربًا بين كل حزب وآخر، أو صراعًا على الكرسي، فلم تلتفت أية حكومة للإخوان إلا على أنهم جماعة دينية تربي أبناءها على معاني الدين، بالرغم من أن الجماعة لم تكن بعيدة عن السياسة منذ نشأتها .

وأوضح الإمام هذا المعنى بجلاء في رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، والتي صدرت في مايو 1934م حينما قال:

"يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن في يميننا، والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة الصالحة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس -والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.

يا قومنا: لا تحجبنكم الألفاظ عن الحقائق، ولا الأسماء عن الغايات، ولا الأعراض عن الجواهر، وإن للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة، وتلك هي سياستنا لا نبغي بها بديلاً، ولا نرضى سواها دينًا، فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الدنيوية، والسعادة الأخروية، ولتعلمن نبأه بعد حين".

ويصف الإمام الشهيد حسن البنا الصورة التي سارت عليها الدعوة خلال تلك الحقبة فيقول :

" كانت مصر يوم نبتت هذه الدعوة المجددة لا تملك من أمر نفسها قليلا ولا كثيرا ، يحكمها الغاصبون ، ويستبد بمرها المستعمرون ، وأبناؤها يجاهدون في سبيل استرداد حريتها والمطالبة باستقلالها ، ولم يخل الجو من منازعات حزبية ، وحزازات سياسية تذكيها المآرب الشخصية ، ولم يشأ الإخوان المسلمون أن يزجوا بأنفسهم في هذا الميدان ، فيزيدوا خلاف المختلفين ، ويمكنوا للغاصبين ، ويلونوا دعوتهم وهي في مهدها بلون غير لونها، ويظهروها للناس في صورة غير صورتها، فتقلبت الحكومات ، وتغيرت الدوليات ، وهم يجاهدون مع المجاهدين ، ويعملون مع العاملين منصرفين إلى ميدان مثمر منتج هو ميدان تربية الأمة ، وتنبيه الشعب وتغيير العرف العام ، وتزكية النفوس ، وتطهير الأرواح وإذاعة مبادئ الحق والجهاد والعمل والفضيلة بين الناس .

واعتقد انهم قد نجحوا في ذلك إلى مدى يحمدون الله عليه ويسألونه المزيد، فقد اصبح للإخوان المسلمين في كل مكان دار، ودعوة على كل لسان ، واكثر من ثلاثمائة شعبة تعمل للفكرة ، وتقود إلى الخير وتهدي إلى سواء السبيل ،

أصبح في مصر كذلك شعور إسلامي قوي دفاق ، يركن القوى إليه ، ويعتز الضعيف به ، ويأمل الجميع في ثمراته ونتائجه ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

- كما مثلت العشر سنوات الأولى التي كانت عمر هذه المرحلة الخطوة الأولى في طريق جهاد الدعوة، وفيها تم بناء الجماعة ، وجمع الأنصار، وتربية القاعدة الصلبة التي حملت مراحل العمل التالية .

وقد لخص الإمام الشهيد في مذكراته أنشطة الجماعة في هذه المرحلة فقال إنها انتظمت الأنواع الآتية:

1- المحاضرات والدروس في الدور والمساجد.

2- إصدار (( رسالة المرشد العام ))عددين فقط، ثم (( مجلة الإخوان المسلمين )) الأسبوعية .

3- إصدار عدد من الرسائل والنشرات.

4- إنشاء الشُعب بالقاهرة، وزيادة شُعب الأقاليم، وبدء نشر الدعوة وتأسيس الشُعب في الخارج.

5- بدء تنظيم التشكيلات الكشفية والرياضية.

6- تركيز الدعوة في الجامعة والمدارس وإنشاء قسم الطلاب الانتفاع بجهود الأزهر الشريف ((علمائه طلابه )).

7- إقامة عدة مؤتمرات دورية للإخوان في القاهرة والأقاليم.

8- المساهمة في إحياء الاحتفالات الإسلامية والذكريات المجيدة في القاهرة والأقاليم كذلك.

9- المساهمة في مناصرة القضايا الإسلامية الوطنية وبخاصة قضية فلسطين .

10- تناول الناحية الأخلاقية السياسية والاجتماعية بالبيان والإيضاح والتوجيه وكتابة المذكرات والمقالات والرسائل بهذا الخصوص.

11- المساهمة في الحركات الإسلامية، كحركة مقاومة التنصير وحركة تشجيع التعليم الديني.

12- بدء مهاجمة الحكومات المقصرة إسلامياً ومهاجمة الحزبية والدعوة في وضوح إلى المنهاج الإسلامي وتأليف اللجان لدراسات فنية في هذه النواحي.


خاتمة المرحلة

في ختام استعراض تطور البناء الفكري للجماعة في هذه الفترة، نقدم مقتطفات من نصوص ولوائح عمل الجماعة في هذه المرحلة ..

ومن نافلة القول أن هذه القوانين وتلك اللوائح تناولت ما هو أوسع من ذلك بل ونظمت كافة شئون الجماعة وفقا لظروف الفترة التي كانت تمر بها الدعوة والحالة التي كانت عليها الجماعة في هذه الفترات.

1- مثل "القانون الاساسي للإخوان المسلمين " الأول واللائحة الداخلية المنظمة له، أولى وثائق البناء الفكري للجماعة.

ومما ورد فيه من بنود حول مقاصد وأهداف الجماعة في هذه المرحلة ..

قانون جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية

في عام 1930م صدر القانون الأول للإخوان المسلمون وقد وافقت عليه الجمعية العمومية في انعقادها الثالث بتاريخ أول جمادى الأولى 1349هـ الموافق 24 سبتمبر 1930م، ثم أتبعه الإخوان بصدور لائحة جمعية الإخوان المعدلة التي عدلت بعض نصوص هذا القانون في عام 1351هـ الموافق 1932م.

تمهيد: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين بالبينات والهدى وعلى آله وصحبه ومن قام بدعوته إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

وبعده.. فهذا هو القانون الأساسي "لجمعية الإخوان المسلمين" تتقدم به إلى كل غيور على دينه وأمته راجين أن يكون عونًا لهم في هذا الواجب الأقدس واجب الدعوة إلى الله ومنه سبحانه يستمدون المعونة والتوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير.

الباب الأول – في تأليف الجمعية واسمها

مادة 1- تألفت بمدينة الإسماعيلية عام 1347هـ 1928م جمعية تسمى "جمعية الإخوان المسلمين".

الباب الثاني – في مقاصد الجمعية

مادة 2- هذه الجمعية لا تتعرض للشئون السياسية أيًا كانت ولا للخلافات الدينية ولا صلة لها بفريق معين فهي للإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان.

مادة 3- تنحصر أغراض الجمعية في إصلاح حال المسلمين في فروع حياتهم الاجتماعية والخلقية على التفصيل الآتي:

‌أ- تقوية رابطة التعارف بينهم وتكوين وسط طاهر منهم في كل مكان يكون شعاره طاعة الله وتهذيب النفس وتعلم الدين الإسلامي وتتصل هذه الأوساط بعضها ببعض حول المركز العام.

‌ب- نشر التعاليم الإسلامية ومقاومة الأمية بتعليم القراءة والكتابة لمن أحب ذلك من الإخوان والمحافظة على القرآن الكريم.

ج- الدفاع عن الإسلام في حدود القانون.

‌د- نشر الدعاية الصحية بين طبقات الأمة وبخاصة القرويين منهم.

‌ه- معالجة الأزمات الاقتصادية من ناحية وعظية إرشادية.

‌و- علاج الآفات الاجتماعية المتفشية في الأمة كالسكر والتخدير والمقامرة والبغاء ونحو ذلك.

‌ز- تشجيع أعمال الخير كمساعدة الفقراء وتجهيز الموتى ومعونة المشروعات الخيرية النافعة والقيام بها كلما أمكن الجمعية ذلك.

مادة 4- تسعى الجمعية إلى تحقيق أغراضها السالفة بالطرق الآتية وبكل طريق مشروع يساعد على ذلك.

‌أ- فتح مدارس لتعليم العلوم الدينية والمدرسية وفق منهاج خاص تضعه الجمعية ويسند إدارة هذه المدارس إلى حضرة الأستاذ حسن أفندي البنا بصفته واضع أساس الفكرة ولما له من الخبرة الفنية كمعلم وله أن يختار من يساعدونه في هذه المهمة من رجال الجمعية أو من غيرهم.

‌ب- إنشاء مدارس ليلية لتعليم الشبان الدين الإسلامي من فقه وعقائد وأخلاق وسيرة نبوية مشفوعًا ذلك بسيرة الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ولابد لكل مدرسة من مكان فسيح للصلاة.

‌ج- بذل النصيحة للمسلمين في المجامع العمومية كالمقاهي ونحوها وفي كل مجتمع مناسب وإنشاء ناد للتعارف الإسلامي إلى جانب المدرسة الليلية.

‌د- إلقاء المحاضرات والكتابة في الصحف وتوزيع النشرات ونحو ذلك مما يدخل في باب الكتابة والنشر. ‌ه- تكوين الشعب والفروع في القرى المجاورة لكل بلد رئيس فيه مدرسة للإخوان.

وقد كان هذا القانون النموذج الذي سارت عليه جمعيات الدعوة التي تم تاسيسها في محافظات ومناطق مصر المختلفة ، كما يتضح ذلك بجلاء من نموذج من قانون جمعية الإخوان في شبراخيت.


قانون جمعية الإخوان المسلمين بـ شبراخيت تأسست سنة 1349هـ - 1930م

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هدى ونورًا ورحمة للناس أجمعين، وبعد

فإنه نظرًا لما حل بأبناء الأمة الإسلامية من المحن والفتن بسبب تفريطهم في أمر دينهم دفعت الغيرة جماعة من المسلمين ببندر شبراخيت بحيرة على تأليف جمعية دينية أغراضها ومقاصدها نشر الأحكام الشرعية، والحض على التحلي بمكارم الأخلاق والعمل على المحافظة على كتاب الله تعالى "القرآن الكريم" – وكذا العمل على عمارة ما يتهدم من بيوت العبادة "المساجد"

– والعمل أيضًا على إزالة الخصومات التي تقع بين أفراد وجماعات المسلمين بإصلاح ذات البين وتأليف القلوب

– وغير ذلك من الأمور التي تعود على أبناء الأمة الإسلامية بالسعادة في الدنيا والآخرة والله نسأل المعونة والتوفيق.

وهذا هو القانون الأساسي للجمعية تتقدم به إلى كل مسلم غيور على دينه وأمته راجية أن يكون عونًا لها في هذا الواجب الأقدس – واجب الدعوة إلى الله، والله الهادي لأقوم سبيل – قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 31].

القانون:

الباب الأول – في تأسيس الجمعية واسمها ومركزها

مادة (1) تأسست عام 1349هجرية (1930م) جمعية اسمها جمعية الإخوان المسلمين، وهي مرتبطة بجمعيات الإخوان المسلمين الحالية وما يؤسس من نوعها في أي بلد من البلاد الإسلامية الأخرى بشرط الاتحاد في المقاصد والأغراض.

مادة (2) مركز الجمعية هو بندر شبراخيت على أن الفروع التي تنشأ في دائرة المركز تكون تابعة للجمعية وتحت إشرافها.

الباب الثاني – في مقاصد وأغرض الجمعية

مادة (3) هذه الجمعية لا تتعرض للسياسة ولا للخلافات الحزبية أو الدينية ولا صلة لها بفريق معين فهي للإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان.

مادة (4) تنحصر مقاصد الجمعية وأغراضها في إصلاح حال أبناء الأمة الإسلامية في فروع حياتهم الدينية والخلقية والاجتماعية على التفصيل الآتي:

أ-تقوية رابطة التعارف بينهم وتكوين وسط طاهر منهم يكون شعاره طاعة الله وتهذيب النفس وتعليم الدين الإسلامي وتتصل هذه الأوساط بعضها ببعض حول المركز العام.

ب-نشر العلوم الإسلامية والمحافظة على القرآن الكريم بتحفيظه لأبناء المسلمين وتقريب معانيه بعبارات موجزة تقبلها عقول النشء وكذلك مقاومة الأمية بتعليم القراءة والكتابة والحساب ونحوها لمن أحب ذلك.

ج-الدفاع عن الإسلام في حدود القانون.

د-نشر الدعاية الصحية بين طبقات الأمة وبخاصة بين القرويين.

هـ-معالجة الأزمات الاقتصادية من ناحية وعظية إرشادية.

و-علاج الآفات الاجتماعية المتفشية في الأمة كالسكر والتخدير والمقامرة والبغاء وغيرها.

ز-تشجيع أعمال الخير كمساعدة الفقراء وتجهيز الموتى ومعونة الأعمال الخيرية بوجه عام والقيام بها كلما أمكن ذلك.

ح-المصالحات بين الأفراد والعائلات بالطرق المشروعة الودية.

ط-عمارة وترميم بيوت العبادة "المساجد" كلما أمكن ذلك.

مادة (5) - تسعى الجمعية إلى تحقيق مقاصدها وأغراضها السالفة بالطرق الآتية وبكل مشروع يساعد على تحقيقها.

أ- إنشاء مدارس لتعليم العلوم الدينية والمدرسية وفق منهاج خاص تضعه الجمعية ويعهد مجلس إدارة الجمعية في إدارة هذه المدارس إلى لجنة مكونة من خمسة أعضاء ينتدبهم المجلس من بين أعضائه ويجب أن يكون من بينهم رئيس الجمعية.. ولهذه اللجنة الحق في أن تضم إليها عضوين آخرين من أعضاء الجمعية أو من غيرهم بشرط عرض الأمر على مجلس الإدارة في أول جلسة له.

ب- فتح أقسام ليلية لتعليم أبناء الأمة أحكام الدين الإسلامي من فقه وعقائد وأخلاق مشفوعًا ذلك بسيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، ولابد لكل قسم من مكان فسيح معد للصلاة.

ج- بذل النصح للمسلمين في المجامع العامة وإنشاء نادٍ للتعارف إلى جانب كل قسم ليلي.

د- إلقاء المحاضرات والكتابة في الصحف وطبع وتوزيع النشرات ونحو ذلك.

هـ- تكوين الفروع في القرى المجاورة.


لائحة جمعية لإخوان المسلمين المعدلة سنة 1351هـ / 1932م

أجريت تعديلات على قانون الجماعة الأول بتاريخ أول جمادى الأولى 1349هـ الموافق 24 سبتمبر 1930م وذلك في يناير 1932م وكان من أهم تلك التعديلات هو ما نصت عليه المادة (12) من القانون المعدل أن للمرشد العام للإخوان المسلمين أن يختار عنه نائبًا يكون رئيسًا للفرع، وهي أول مرة يذكر فيها لقب المرشد العام للإخوان المسلمين.

ولم نستطع الحصول على القانون المعدل ولكن حصلنا على لائحة الإخوان الداخلية المعدلة في تلك السنة وسنعرض لها إتمامًا للفائدة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

مادة 1-هذه هي اللائحة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين وهي تتم قانونهم الإداري وتوضح مجمله، وهي القسم الثاني من منهجهم الأساسي وموادها في قوة مواد القانون تمامًا.

الباب الأول: "مقاصد الإخوان المسلمين ووسائلهم":

مادة 2- أهم الفضائل الإسلامية التي يتربى عليها الإخوان ما يأتي:

‌أ- تصحيح العقيدة الإسلامية والتوبة إلى الله من المعصية، والاجتهاد في الطاعة وفق السنة مع مجانبة البدعة، والإقبال على تعلم العلم الإسلامي، والتعبد بتلاوة القرآن، والمأثور من أقوال الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله.

‌ب- الحب في الله والبغض في الله والاعتصام بالوحدة الإسلامية وأخوة أهل الإيمان.

‌ج- التأدب بآداب الإسلام وحسن الخلق والتحلي بالفضائل:

من الحلم، والتسامح والكرم والتواضع، وما إلى غير ذلك من الأخلاق الكريمة، والتخلي عن أضدادها .. وهذا هو القسم الأول من رتب مبادئ الإخوان المسلمين.

‌د- تربية النفس والرقي بها إلى الإيمان بالله إيمانًا صادقًا؛ ينتج التوحيد والإخلاص، والمراقبة والتوكل، والأنس بالله ومحبته، ويبعد عن أضدادها من الرياء ومراعاة الخلق والغفلة عن الله.

‌ه- إيثار الآخرة على الدنيا بحيث يصير ذلك خلقًا للإخوان يحملهم على الاهتمام بشئون آخرتهم كاهتمامهم بشئون دنياهم أو أشد.

‌و- الشجاعة في الحق والثبات على المبدأ مع اعتقاد أن أقدس المبادئ هو "الدين".

وهذا هو القسم الثاني من مبادئ الإخوان المسلمين

‌ز- الأمل في النجاح وعدم اليأس وتقدير المرشد العام للإخوان، والسمع والطاعة له.

‌ح- حب العمل للمجموع، وتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

‌ط- الاجتهاد في نشر الدعوة الإسلامية بين طبقات الأمة حبًا في خيرها وسعادتها لا لشيء آخر من عرض الدنيا ومآربها.

وهذا هو القسم الثالث من مبادئ الإخوان المسلمين

‌ي- حب الحق والخير أكثر من كل شيء في الوجود مادة 2 فقرة "أ" من القانون.

مادة 3- وعلى حضرات الأعضاء حفظ هذه المبادئ العشرة حفظًا جيدًا والرجوع إلى شرحها في كتاب القول المبين في شرح مبادئ الإخوان المسلمين.

الباب الثالث: المبايعات، والأوراد، والوظائف العبادية:

الفصل الأول: المبايعات:

مادة 16- كيفية المبايعة أن يجلس المُبَايِع أمام المُبَايَع كجلوسه للصلاة مستقبل القبلة مغمض العينين على طهارة كاملة، ثم يستحضر كل منهما في قلبه عظمة الله تبارك وتعالى وحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وشخص المرشد ثم يلقنه المبايع صيغة البيعة وهو يرددها بعده ثم يتلو آية ختام البيعة ثم يتلو آيات التعاهد (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ) [النحل: 91] الآية (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ) [الفتح: 10] الآية، ثم يدعو الله لمن يبايعه سرًا ويأذنه بتلاوة ورد الإخوان ووظائفهم، ثم يلقنه الشهادتين ويصليان ويسلمان على النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك تتم البيعة ويوقع الأخ على الصورة الكتابية منها لتحفظ مع أوراقه.

مادة 17- مبايعات الإخوان أربعة:

1-بيعة الأخوة: ونصها: (أستغفر الله العظيم وأتوب إليه "ثلاثًا"، اللهم إني أعاهدك على طاعتك وترك معصيتك، وحب مرشدي وإخواني فيك، والبعد عن إخوان السوء، والاجتهاد في تعلم أحكام الدين والإخلاص لمبادئ الإخوان المسلمين والمواظبة على وردهم وأن ألزم بذلك زوجتي وأبنائي وأنشره بين إخواني وأصدقائي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).

ورمز هذه البيعة الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 102، 103].

2-بيعة العمل: ونصها: (أستغفر الله العظيم "ثلاثًا"، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم إني أعاهدك على الثبات على مبادئي، والعمل لتحقيق غاية جماعتي، والسمع والطاعة لمرشدي ونائبي، والتأدب بآداب ديني ما حييت، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).

ورمز هذه البيعة الآية الكريمة: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105].

3-بيعة النقابة: نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، ونستغفر الله العظيم ونتوب إليه، اللهم إني أعاهدك على البر بإخواني، والسمع والطاعة لمرشدي ونائبي، وحسن الخلق في كل شأني، وتحمل الأذى في نصرة مبدئي، والإخلاص لك في عملي، وإيثار الآخرة على الدنيا في جهادي ماحييت، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).

ورمز هذه البيعة الآية الكريمة: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ) [المائدة: 12].

4-بيعة النيابة: ونصها: (بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه "ثلاثًا"، اللهم إني أعاهدك على نسيان نفسي والفناء في مبدئي وغايتي والسمع والطاعة لمرشدي وإخلاص النصيحة لإخواني وتقديم مصالحهم على مصالحي، والجهاد في نصرة ديني، وأن أقتدي في أقوالي وأفعالي وأحوالي بسنة نبيي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أحب الله ورسوله والمرشد أشد من حبي لنفسي ووالدي وولدي والناس أجمعين، وأقسم بالله على ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).

ورمز هذه البيعة الآية الكريمة: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [الفتح: 18].

أما بيعة الكمال فتكون بين المرشد والأخ المبايع بحسب ما يفيض الله على قلبيهما.

مادة 18- يحتفل الإخوان بكل أخ يترقى من درجة إلى درجة احتفالاً لائقًا بعد تلقينه البيعة، ويقلد في هذا الاحتفال شارته الخاصة بهذه الدرجة، كما يحتفلون بالإخوان المنتسبين بعد قبولهم احتفالاً يقلدون فيه وسام الجمعية العام بعد مبايعتهم بيعة الأخوة.

الفصل الثاني: وظائف الإخوان وأورادهم:

مادة 19- تنقسم أورادالإخوان إلى ما يأتي:

‌أ- الورد العام وهو: أستغفر الله "مائة"، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم "مائة"، لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله "مائة" صباحًا ومساء، وتستحسن الطهارة والصمت عن الكلام العادي وإغماض العينين واستحضار صورة الرسول صلى الله عليه وسلم والاستمداد منه حتى ينتهي الورد.

‌ب- ورد الاجتماع وهو: نستغفر الله "عشرًا"، اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه "عشرًا"، لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله "عشرًا"، وهذا الورد تستفتح به اجتماعات الإخوان الخاصة.

‌ج- ورد الختام: سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك "ثلاثًا" سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين "ثلاثًا"، لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله "ثلاثًا"، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ثم تلاوة الفاتحة والدعاء لمرشدهم وإخوانهم والمسلمين جميعًا وأنفسهم والانصراف على ذلك بالأدب والخشوع.

مادة 20- يرتب كل أخ على نفسه ما يستطيع القيام به من أذكار الصباح والمساء ليجعلها وظيفة دائمة له، يتلوها بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وفق (رسالة الذكر والمأثورات) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذكار الصباح والمساء ولا يترك ما رتب على نفسه إلا لعذر قاهر.

بعض خصائص سياسات الدعوة في الطور الأول

لعل من صنع الله لدعوة الإخوان أن نبتت في الإسماعيلية ، وأن يكون ذلك على إثر خلاف فقهي وانقسام دام سنوات حول بعض النقاط الفرعية التي أذكى نار الفرقة فيها ذوو الأغراض والمطامع بين الأهالي في هذه المدينة.

وأن يصادف نشأتها عهد الصراع القوى العنيف بين الأجنبي المتعصب والوطني المجاهد فكان من أثر هذه الظروف أن تميزت سياسات الدعوة بخصائص خالفت فيها كثيراً من الدعوات التي عاصرتها ومثزتها عن غيرها.

ومن هذه الخصائص :

1- البعد عن مواطن الخلاف.

2- والبعد عن هيمنة الأعيان.

3- والعناية بالتكوين والتدريج في الخطوات.

4- والبعد عن الأحزاب والهيئات.

5- وإيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات.

6- وشدة الإقبال من الشباب.

7- وسرعة الانتشار في القرى والبلاد.

وقد استفاض الإمام الشهيد في الحديث عن هذه الخصائص فيما عرف بعد ذلك بـ " رسالة المؤتمر الخامس " التي نستهل قراءتنا للطور الثاني من تاريخ البناء الفكري للجماعة بالحديث عنها.



المرحلة الثانية: من تاريخ المؤتمر الدوري الخامس حتى تاريخ الحل

بدأت الخطوات الأولى في هذا الطور مبكرا في خريف عام 1937م، والذي سار بشكل متواز مع "مرحلة التكوين" في منهج بناء الجماعة- والتى تعني باستخلاص فريق ممن عرفوا الدعوة واستجابوا لها، وفهمونها حق الفهم، ويطبقونها على أنفسهم ومن يليهم تمام التطبيق، ويستعدون لحمل أعبائها والبذل فى سبيلها - وذلك عندما بدأ الإمام البنا بتطبيق نظام الكتائب، وقد جاء معسكر الدخيلة ليؤكد على البعد التربوى لتلك الفترة،

كما مثل مؤتمر الطلاب المنعقد فى فبراير 1938م إعلانًا فى أوساط الطلاب الإخوان عن تلك المرحلة، ثم جاءت مجلة "النذير" الصادرة فى 30 مايو 1938م لتفصح بشكل واضح عن تلك المرحلة،

وقد مثل ما جاء في مؤتمر الطلاب ومجلة النذير تعبيرا عن أهداف الإخوان السياسية فى تلك المرحلة.

كما حدد الإمام الشهيد سمات هذه المرحلة في مقالة مستفيضة تحت عنوان : " خطوتنا الثانية " كتبها – رحمة الله- في افتتاحية العدد الأول من مجلة " النذير " في مايو 1938 الموافق ربيع الأول 1357 هـ، حيث قال :

" منذ عشر سنوات بدأت دعوة الإخوان المسلمين خالصة لوجه الله، مقتفية أثر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم سيد الزعماء، وأهدى الأئمة واكرم خلق الله، متخذة القرآن منهاجا، تتلوه وتتدبره وتقراه وتتفحصه وتنادي به، وتعمل له، وتقول على حكمه، وتوجه إليه أنظار الغافلين عنه من المسلمين وغير المسلمين، وكذلك كانت، وستظل دعوة إسلامية محمدية قرآنية، لا تعرف لونا غير الإسلام ولا تصطبغ بصبغة غير صبغة الله العزيز الحكيم ولا تنتسب إلى قيادة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعلم منهاجا غير كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

والإسلام عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية، وعمل، وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم، ومصحف وسيف، ولا ينفك واحد من هذين عن الآخر، وإن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن

ويتساءل الناس : ما خطوتكم الثانية ؟…

سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، وسنتوجه بدعوتنا إلى المسؤولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه، وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وسندعوهم إلى مناهجنا، ونضع بين أيديهم برنامجنا، وسنطالبهم بان يسيروا بهذا البلد المسلم بل زعيم الأقطار الإسلامية في طريق الإسلام، في جرأة لا تردد معها، وفي وضوح لا لبس فيه ومن غير مواربة أو مداراة فان الوقت لا يتسع للمداورات، فان أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم، وان لجأوا إلى المواربة والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة، فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب، أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام، ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها، حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين !!.

وقد حدد الإمام الشهيد موقف الإخوان من الحكام والزعماء والأحزاب والهيئات في نفس الافتتاحية مخاطبا الإخوان بالقول:

" في هذه الخطوة .. ستخاصمون هؤلاء جميعا في الحكم وخارجه، خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم، ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا يسيرون عليه، ويعملون له، وسيكون هؤلاء جميعا منضمين لكم في وحدة قوية، وكتلة متراصة متساندة، إن أجابوا داعي الله وعملوا معكم، وحينئذ يجتمعون ولا يتفرقون، ويتحدثون ولا ينتقدون، فهو موقف إيجابي واضح لا يعرف التردد، ولا يتوسط بين الحب والبغض، فأما ولاء وأما عداء، ولسنا في ذلك نخالف خطتنا، أو ننحرف عن طريقنا، أو نغير مسلكنا، بالتدخل في السياسة كما يقول الذين لا يعلمون، ولكنا بذلك ننتقل خطوة ثانية في طريقتنا الإسلامية، وخطتنا المحمدية، ومنهاجنا القرآني ولا ذنب لنا أن تكون السياسة جزءا من الدين، وان يشمل الإسلام الحاكمين والمحكومين، ليس في تعاليم الإسلام اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن في تعاليم الإسلام: قيصر وما لقيصر لله الواحد القهار.

أيها الإخوان :

أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه لأول عدد منها، وأدعوكم إلى الجهاد العملي بعد الدعوة القولية، والجهاد بثمن وفيه تضحيات، وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد، وان يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة، وان يدعى المترفون منكم إلى السجون وما هو أشق من السجون، ولتبلون في أموالكم وأنفسكم، فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز ويستعد له، ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الجهاد سواء كان شعبة من شعب الإخوان أو فردا من أعضاء الجماعة فليبتعد عن الصف قليلا، وليدع كتيبة الله تسير، ثم فليلقنا بعد ذلك كل في ميدان النصر إن شاء الله " ولينصرن الله من ينصره ) ولا أقول لكم إلا كما قال إبراهيم عليه السلام من قبل (من تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم ).


المؤتمر الخامس يحدِّد معالم فكر الجماعة

جاء المؤتمر الخامس بعد هذا المقال بحوالي ثمانية أشهر، وقد مثل ماجاء في هذا المؤتمر وما صدر عنه إعلانا للعامة خارج نطاق الإخوان عن بدء المرحلة الجديدة والتي بدأت خطواتها التنفيذية كما سبق القول منذ أكثر من عام ليتم وتدشين هذا الطور .

ففي الذكرى العاشرة لتأسيس الجماعة، اعقد المؤتمر العام الخامس للجماعة في (2 من فبراير 1939م = 13 من ذي الحجة 1357هـ)، و في هذا المؤتمر تم وضع الأسس التنظيمية للجماعة، وإعلان دخولها إلى معترك الحياة السياسية.

كما حدَّد المؤتمر معالم فكر الجماعة وأساس عملها للمرحلة اللاحقة ..

تحدث فيه الإمام الشهيد إلى الإخوان أعضاء المؤتمر، ووضع النقط على الحروف، فحدد غاية الإخوان وأهدافهم ووسائلهم ومناهجهم، والخطوات التي تمر بها الدعوة لتصل إلى غاياتها، وأعلن في صراحة ووضوح وشجاعة رأي الجماعة في كل القضايا المطروحة على ساحة العمل السياسي، مؤكدا على شمولية الإسلام، الذي يشمل الدنيا والآخرة، والدين والدولة، بكل ما تحمل كلمة الدولة، من محتوى، وان طريق الجماعة هو ذلك كله، وأن هدفها هو تحكيم شريعة الله في ارض الله .

ففي كلمات دقيقة وواضحة وحاسمة قال الإمام الشهيد مخاطبا الإخوان أعضاء المؤتمر:

نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة، تنظم شؤون الناس في الدنيا وفي الآخرة، وان الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقدة وعبادة، ووطن جنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف .

والقران الكريم ينطق بذلك كله، ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان فيه جميعه، والى هذا تشير الآية الكريمة ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله إليك ) القصص .

ويضيف الإمام الشهيد بعد أن تلا العديد من آيات القرآن التي تؤيد ما ذهب إليه من شمولية الإسلام فيقول :

وهكذا اتصل " الإخوان المسلمون " بكتاب الله، واستلهموه واسترشدوه، فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الكلى الشامل، وأنه يجب أن يهيمن على كل شؤون الحياة، وان تصطبغ جميعها به، وان تنزل على حكمه، وان تساير قواعده وتعاليمه وتستمد منها مادامت الأمة تريدان تكون مسلمة إسلاما صحيحا، أما إذا أسلمت في عبادتها وقلدت غير المسلمين في بقية شؤونها، فهي أمة ناقصة الإسلام، تضاهي الذين قال الله فيهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى اشد العذاب، وما الله بغافل عم أتعملون ) .. البقرة .

إلى جانب هذا يعتقد الإخوان أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللذان أن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا، وان كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها. ولهذا يجب أن تستقى النظم الإسلامية التي حمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي، معين السهولة الأولى، وان نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة، والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وان نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية، حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به، ولا تلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه والإسلام دين البشرية جميعا.

والى جانب هذا أيضا يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام كدين عام انتظم كل شؤون الحياة ( كل الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة، وخصوص في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون، ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها.

ولضمان الحق والصواب في هذا التطبيق أو تحريهما على الأقل عنى الإسلام عناية تامة بعلاج النفس الإنسانية، هي مصدر النظم ومادة التفكير والتصوير والتشكل، فوصف لها من الأدوية الناجعة ما يطهرها من الهوى، ويغسلها من أدران الفرض والغاية، ويهديها إلى الكمال والفضيلة، ويزجرها عن الجور والقصور والعدوان، وإذا استقامت النفس وصفت، فقد اصبح كل ما يصدر عنها صالحا جميلا.

يقولون أن العدل ليس كل نص القانون ولكنه في نفس القاضي، وقد تأتي بالقانون الكامل العادل إلى القاضي ذي الهوى والغاية فيطبقه تطبيقا جائرا لا عدل فيه، وقد تأتي بالقانون الناقص الجائر إلى القاضي الفاضل العادل البعيد عن الأهواء والغايات فيطبقه تطبيقا فاضلا عادلا فيه كل الخير والبر والرحمة والإنصاف.

ومن هنا كانت النفس الإنسانية محل عناية كبرى في كل كتاب الله، وكانت النفوس الأولى التي صاغها الإسلام مثال الكمال الإنساني، ولهذا كله كانت طبيعة الإسلام تساير العصور والأمم وتسع لكل الأغراض والمطالب، ولهذا أيضا كان الإسلام لا يأبى أبدا الاستفادة من كل نظام صالح لا يتعارض مع قواعده الكلية وأصوله العامة .

وكان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل مناحي الإصلاح في الأمة وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحية.

فـ" تستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين »:

1- دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى الدعوة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله .

2- وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شي ء وبخاصة في العقائد والعبادات ماوجدوا الى ذلك سبيلا.

3- وحقيقة صوفية : لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس ونقاه القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله والارتباط على الخير.

4- وهيئة سياسية : لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة، والحرص على قوميته إلى ابعد حد.

5- وجماعة رياضية : لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أن لبدنك عليك حقا "، وان تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تؤدي كاملة صحيحة إلا بالجسم الق ي فالصلاة والصوم والحج والزكاة لابد لها من جسم يحتمل أعباء الكتب والعمل والكفاح في طلب الرزق، ولأنهم تبعا لذلك يعنون بتشكيلاتهم وفرقهم الرياضية عناية تضارع وربما فاقت كثيرا من الأندية المتخصصة بالرياضة البدنية وحدها.

6- رابطة علمية ثقافية : لان الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولان أندية الإخوان هي في الواقع مدارس للعلوم والتثقيف، ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح .

7- وشركة اقتصادية : لان الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه، وهو الذي يقول نبيه صلى الله عليه وسلم : نعم المال الصالح للرجل الصالح » ويقول : من أمسى كالا من عمل يده أمسى مففورا له » أن الله يحب المؤمن المحترف .

8- وفكرة اجتماعية : لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي، ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

وهكذا نرى أن شمول معنى الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولا لكل مناحي الإصلاح، ووجه نشاط الإخوان إلى كل هذه النواحي، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلى ناحية واحدة دون غيرها يتجهون إليها جميعا ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعا" .

وبعد أن حدد الإمام الشهيد معنى الإسلام وصوره الماثلة في نفوس الإخوان المسلمين حدد غاية الإخوان ووسائلهم ومهمتهم فقال :

إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياته ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة )..

وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم، حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها، والحرص عليها والنزول على حكمها.

.. وأن " الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه أن الله ليزغ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم عروة من عرى الإسلام.

والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك أحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رأى لنفسه أن يكون فقيها مرشدا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويرد الفروع والأصول، وترك لأهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره فان النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد، ونفخة في رماد وكما ..

ويضيف –رحمه الله- :

... قد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد، وإذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله، وتنفيذا لأحكامه، وإيصالا لآياته، وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم …

أما والحال كما نرى :

التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف ...

هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف

وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فان وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قراني، فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وان لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله .. ".

وقد خصصت مجلة النذير عددها التالى للحديث عن وقائع المؤتمر ونشرت نص المرشد الإمام البنا فيه، والتى صدرت بعد ذلك فى كتاب مجموعة رسائل الإمام البنا بعنوان: رسالة "المؤتمر الخامس"،

وقد تناولت كلمة الإمام البنا النقاط التالية:

1- الإخوان فكرة فى نفوس أربعة: أوضح فيها كيف نشأت فكرة الإخوان فى عقول وقلوب أربعة "الإمام البنا، والشيخ أحمد السكرى، والشيخ حامد عسكرية، والشيخ أحمد عبد الحميد".

2- إسلام الإخوان المسلمين: أوضح فيها شمولية الإسلام كما يفهمه الإخوان وكما هو؛ عقيدة وعبادة، فهو وطن وجنسية، ودين ودولة، ومصحف وسيف، وركز على هذا المفهوم بصورة قوية، وكان جديدًا لدى الناس يومئذ، وأن مصدر ذلك القرآن والسنة.

3- فكرة الإخوان المسلمين: أوضح فيها أن دعوة الإخوان فى ظل فهمها لشمولية الإسلام تعتبر دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية، وذلك لمن يريد أن يتعرف على الإخوان المسلمين.

4- خصائص دعوة الإخوان المسلمين:

أشار فيها إلى خصائص دعوة الإخوان التى تميزها عن غيرها، وهى:

البعد عن مواطن الخلاف، وعن هيمنة الكبراء والأعيان، وعن الأحزاب والهيئات، والعناية فى التكوين والتدرج فى الخطوات وإيثار العمل على القول، وشدة الإقبال من الشباب، وانتشارها فى المدن والقرى.

4- غاية الإخوان المسلمين:

أوضح فيها أن غاية الإخوان تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة فى كل مظاهر حياتها، ووسيلتهم فى ذلك تغيير العرف العام، وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم.

5- الإخوان والقوة والثورة:

لأول مرة يتحدث الإمام البنا عن أن الإخوان يمكن أن يستخدموا القوة العملية التى هى شعار الإسلام لإحقاق الحق فى الوقت الذى لا يجدى فيه غيرها، وأن القوة فى فهم الإخوان هى قوة الإيمان والعقيدة، وقوة الوحدة أو الأخوة، وقوة الساعد والسلاح. ولا يمكن التخلى عن إحداها.

أما الثورة فلن يلجأ إليها الإخوان لآثارها المدمرة، والتاريخ يشهد بذلك.

6- الإخوان والحكم: أوضح الإمام البنا أن الحكم فى كتب الفقه من العقائد والأصول، وليس من الفقهيات والفروع، ولذا يجب أن يكون طبقًا للشرع، والإخوان لا يقصدون الحكم لأنفسهم، وإنما هم جنود أى فرد أو هيئة تحكمهم بشرع الله.


7- الإخوان والدستور: ذكر الإمام البنا أن النظام الدستورى هو أقرب النظم إلى الإسلام، كما أوضح موقف الإخوان من القانون؛ فهم لا يرفضون أى قانون لا يتصادم مع قواعد وحدود الشريعة، ثم أوضح أن الإخوان يؤمنون بثلاث دوائر هى: الوطنية والقومية العربية والإسلامية، دون تعصب لجنس أو عرق، وأن الإسلام هو الإطار الذى يجمع الكل، كما أن الخلافة هى رمز الوحدة الإسلامية، والإخوان يعملون لعودتها لحماية العالم الإسلامى.

8- الإخوان والأحزاب: أوضح الإمام البنا أن الأحزاب الموجودة إذ ذاك قد أفسدت على الناس حياتهم، وأتلفت أخلاقهم؛ ولذا فلا يرجى منها مصلحة، ولا خير فى بقائها إذا استمرت على ذلك.

9 - الإخوان ودول أوروبا: قال الإمام البنا: إن دول أوربا جاءت إلينا، واحتلت أرضنا، وسترى منا ما يسوؤها؛ فالإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال.

وقد طالب المتحمسين أن يتريثوا، ولا يستعجلوا قطف الثمار قبل الأوان، كما طالب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا فليس مع الجهاد راحة.


تعليق للإمام البنا بعد المؤتمر

أعقب الإمام البنا كلمته الجامعة في هذا المؤتمر بمقالة وافية في مجلة النذير، رسم فيها طريق المرحلة المقبلة للجماعة تحت عنوان "بعد المؤتمر"؛ قال فيها:

"الآن وقد انتهى مؤتمركم، وانتهى به هذا العام الهجرى الفائت، واستقبلتم عامكم الهجرى الجديد، واستقبلتم كذلك السنة الثانية لهذه الصحيفة المباركة (النذير)، ماذا أنتم فاعلون؟

لقد تم المؤتمر بحمد الله موفقًا ناجحًا كل النجاح، ولقد كان بحق فاصلا بين دورين من أدوار طريقكم: دور الاعتكاف عن الميدان العام، ودور الظهور فى هذا الميدان.

ولقد وقف خطباؤهم من فوق هذا المنبر فى هذا الجمع الحاشد يدعون الناس جميعًا: الهيئات، والأفراد، والجماعات والأحزاب والأمة كلها إلى سلوك طريقكم، والعمل على مبادئكم، والاندماج فى صفوفكم، والإيمان بدعوتكم؛ فهو عرض عام للبضاعة على رؤوس الأشهاد، ونعم المعروض على الناس كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، ولهذا الظهور فى الميدان العام مطالبه وتبعاته.

هذا موقفكم أنتم الخاص، وموقف الأمة عمومًا موقف الحائر فى مفترق الطريق يتلمس الهادى ويترقب الدليل؛ فهى لا تخاصمكم ولا تتأبى على دعوتكم، ولكنها تريد منكم أن تقدموا لها البراهين الواضحة والحجج الظاهرة البينة على أفضلية منهاجكم، وأحقية دعوتكم، ووفور الأمن فى طريقكم، ثم هى لا تلبث بعد ذلك أن تكون كما تريدون.

أما الموقف العالمى الآن فلعله أوفق الأوقات لكسب المعركة، ولعل هذه الظروف التى أتيحت للعالم الإسلامى فى هذه الأيام أبدع ظروف مرت به لو استفاق قادته، وعرف عظماؤه كيف يستفيدون منها لأممهم المظلومة المحرومة، وإذن فالموقف ملائم من كل نواحيه.

أظننى أيها الإخوان قد تناولت فكرتكم فى كلمة المؤتمر من الوجهة النظرية بما لا يدع فى نفس أحد شبهة، وبما لا يحتاج بعد ذلك إلى شرح أو بيان، ولكن الكلام وحده لا قيمة له إن لم تصدقه الأعمال، ويتبعه التنفيذ المباشر، وإن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

أيها الإخوان المسلمون،

العمل مع أنفسنا هو أول واجباتنا؛ فجاهدوا أنفسكم، واحملوها على تعاليم الإسلام وأحكامه، ولا تتهاونوا معها فى ذلك بأى وجه من الوجوه.

أدوا الفرائض، وأقبلوا على الطاعة، وفروا من الإثم، وتطهروا من العصيان، وصلوا قلوبكم ومشاعركم دائمًا بالله الذى له ملك السماوات والأرض.

قاوموا الكسل والعجز، ووجهوا شبابكم ومشاعركم وعواطفكم إلى الفضيلة الطاهرة النقية، وخالفوا نزعات الطيش ومضلات الهوى، واحرصوا على الوقت فلا تصرفوه فى غير فائدة، وحاسبوا أنفسكم فيه حسابًا عسيرًا، واحذروا أن تمر بكم دقيقة واحدة لا يكون لأحدكم فيها عمل طيب وسعى مبرور.

والعمل مع بيوتكم وأسركم أيها الإخوان أقدس واجباتكم؛ فالأمة هى مجموع هذه الأسر، وإذا قويت دعائم الأسرة قوى بناء الأمة، واطمأننا على الجيل الجديد كل الاطمئنان؛ فتلطفوا مع أهليكم وأسركم وأصدقائكم وأقربائكم، واحملوهم جميعًا على خطتكم، وأقنعوهم فى أدب ولطف، ومنطق وحجة بوجاهة رأيكم، واعتدال طريقكم، وفائدة عملكم حتى يكونوا معكم فيما أنتم بصدده من عمل مجيد نبيل.

ووحدتكم أيها الإخوان، وارتباطكم هو السلاح الأول، وهو أقوى الأسلحة فى أيديكم، فاحرصوا على هذه الوحدة، وكونوا دائمًا مع الجماعة، ولا تخالفوا عن أمر إخوانكم، ولا تفرقن بينكم المشاغل الزائلة ولا الأوهام القاتلة.

انشروا الفكرة فى كل محيط يتصل بكم؛ فى الحوانيت، والشوارع، والبيوت، والمساجد، والمقاهى، والمجالس العامة والخاصة، وفى القرى والريف والمدن والعواصم، وفى المصانع والمعامل، والحقول والمدارس.

واجمعوا قلوب الناس جميعًا على كتاب الله، وتحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله أجمعين، ورحمة الله للعالمين؛ فلواؤه لواء الحمد، وشرعته منهاج الرشد، وهديه أفضل الهدى، ومن استظل بظله وسار تحت رايته فاز فى الدنيا بالنصر، ولينصرن الله من ينصره، وفاز فى الآخرة بالأجر، يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه،

واجعلوا فى كل شارع جماعة إخوانية، وفى كل قرية كتيبة قرآنية، وفى كل مدينة راية محمدية، وفى كل فج من الفجاج أخا يهتف بمبادئكم ويتمادى بتعاليمكم، ويعطى كلمتكم، ويبايع بيعتكم، ويجهز نفسه ليمثل مكانه فى الصف، وإن يوم النداء لقريب.

ألفوا الفرق الرياضية بأنواعها فى شعبكم؛ فالقوة شعاركم، ولا قوة فى جسم ضعيف ضئيل، ووجهوا عنايتكم إلى الجوالة، وليكن فى كل شعبة من شعبكم فرقة من شبابها؛ فهو الجهاد فى سبيل الله، وهو ذروة سنام هذا الدين، وهو التدرب الذى يضاعف الله فيه الأجر، ويجزل المثوبة.

كوّنوا الكتائب؛ فإن جيوش الليل تنزل بالنصر على جيوش النهار. وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، وأنيروا حنادس الظلام بآيات الكتاب الكريم، وناجوا الله والناس نيام ينَل لكم من أعدائكم، ويبارك فى أعمالكم، ويرزقكم التأييد والمعونة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

اقتصدوا من أموالكم لإيمانكم ومستقبلكم؛ فإنكم لا تدرون ما الموقف غدًا، ولا يصرفنكم ذلك عن الثقة بمولاكم، والاعتماد على بارئكم، وإنما هو على حد قول النبى الصالح (يَا بَنِى لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ) [يوسف: 67]، (وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات: 22-23].

أيها الإخوان،

إنكم فى دور تكوين، ولم تتم خطوتكم الثانية بعد، بل أنتم لا زلتم فى أولها؛ فلا يلهينكم السراب الخادع عن حسن الاستعداد وكمال التأهب، اصرفوا تسعين جزءًا من المائة من وقتكم لهذا التكوين، وانصرفوا فيه عن الخلق أجمعين، واجعلوا العشرة الأجزاء الباقية لما حولكم من الشئون حتى يشتد عودكم، ويتم استعدادكم، وتكمل أهبتكم، وحينئذ يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين.

أيها الإخوان،

الإيمان القوى، والعمل الصحيح، والإقبال على الطاعة، والبعد عن المعصية، والحرص على الوحدة والعمل الدائب، والجهاد المستمر، وحسن النظام، وإخلاص الغاية.. كلها دعائم لا بد أن تتوفر فى مجتمعاتكم بوضوح تام؛ حتى تذللوا ما يعترض طريقكم من عقبات، وإنها لكثيرة، لا تتيسر إلا لمن يسرها الله عليه.

وبعد فإنى لعظيم الأمل فى إيمانكم، وجميل تقبلكم لمثل هذه النصائح التى لا يمليها إلا الأمل فيكم، والحرص على خير الدعوة التى نفتديها جميعًا بكل ما فى الوجود.

فاعملوا والله معكم، وإنى كذلك لعظيم الشكر لهؤلاء الإخوان الكرام الذين تجشموا مشقة سفر بعيد مديد ليصلوا رحمًا، ويؤدوا واجبًا، ويعينوا إخوانهم فى مرضاة الله، وفقكم الله، وسدد خطاكم، وجعله عام يُمن وبركة وخير".

- عقد الإمام البنا بعد ذلك مؤتمرين جامعين، كان الأول فى المنصورة، وضم أعضاء مجلس شورى الإخوان بالوجه البحرى، ثم عقد مؤتمرًا آخر بأسيوط ضم أعضاء المجلس من الوجه القبلى، فى فبراير ومارس من عام 1938م، عالج فيهما الإمام البنا نفس موضوعات المؤتمر الخامس.

كما أصدر الإخوان رسالة المنهج التى تعتبر برنامج عمل تلك الفترة، وكذلك "رسالة التعاليم" التى تعتبر دستورًا للفهم والتنظيم والحركة عند الجماعة، وفى نفس الإطار جاء سهم الدعوة ليكمل المنظومة التى أرادها الإمام الشهيد.

ثم صدرت بعد ذلك رسالة " بين الأمس واليوم " قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية، والتي حدد الإمام الشهيد الأهداف العامة للجماعة ... حيث قال فيها تحت عنوان "أهدافنا العامة ":

"ماذا نريد أيها الإخوان: أنريد جمع المال وهو ظل زائل ، أم سعة الجاه وهو عرض حائل أم نريد الجبروت في الأرض " ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده " الأعراف .. ونحن نقرأ قول الله تبارك وتعالى : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " القصص ..

شهد الله أننا لا نريد شيئا من هذا، وما لهذا عملنا، ولا إليه دعونا، ولكن اذكروا دائما أن لكم هدفين اساسين :

ا – أ ن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان اجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.

2 - أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة، تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس، وما لم تقم هذه الدولة فان المسلمين جميعا آثمون، مسؤولون بين يدي الله العي الكبير عن تقصيرهم هر إقامتها، وقعودهم عن إيجادها، ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دولة تهتف بالمبادئ الظالمة، وتنادي بالدعوات الغاشمة، ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام ".


المؤتمر السادس فى ذى الحجة 1359هـ يناير 1941م

ظروف انعقاد المؤتمر

حينما حل الموعد الدورى للمؤتمر العام للجماعة والذي سبق وأن قررت عقده كل عامين، وهو المؤتمر السادس في هذه السلسلة، كانت مصر تمر بظروف إستثنائية؛ نتيجة إندلاع الحرب العالمية الثانية بل واشتداد وتيرة أحداثها في هذه الفترة ، فقد تم فرض الأحكام العرفية على البلاد مع قيام هذه الحرب وأصبحت مصر تحت الحكم العسكري ..

ونظرًا للحشد الكبير الذى يحضر هذا المؤتمر من أعضاء الجماعة من كافة أنحاء مصر، فقد تخوف رئيس الحكومة آنذاك حسين سرى من هذا المؤتمر فى ظل تلك الأجواء؛ وخاصة أن الشارع المصرى كان معبأ ايضا ضد الإنجليز بسبب سياستهم القمعية ضد الشعب وقياداته.

وكان الإخوان يعقدون مؤتمراتهم قبل فرض الأحكام العرفية بدون تصاريح رسمية من الحكومة، إلا أنه فى ظل هذه الأحكام أصبح لا بد من الترخيص لأى اجتماعات أو مؤتمرات من الحاكم العسكرى، فضغطت إنجلترا على الحكومة لمنع الإخوان من عمل المؤتمر حينما حل موعده فى ذى الحجة سنة 1359هـ.

فقد تقدم الإخوان طبقًا لقانون الأحكام العرفية بطلب للحاكم العسكرى بالتصريح لهم لعقد المؤتمر فى سراى آل لطف الله بالجزيرة التى عقد بها المؤتمر الخامس فلم يوافق على ، فطلبوا عقده بالأزهر الشريف فرفض ذلك أيضًا، فطلبوا عقده بدار الشبان المسلمين بالقاهرة فلم يوافق، وعرف الإخوان أن النية مبيَّتة لعدم السماح بعقد المؤتمر، حتى فقد الإخوان الأمل فى عقد المؤتمر.

لكن الإخوان واصلوا الاتصالات مع الحكومة لعقد المؤتمر، وتدخلت كثير من الشخصيات الوطنية المحبة للإخوان من المسلمين والمسيحيين على السواء لدى الحكومة لإقناعها بعقد المؤتمر، وفى آخر لحظة استطاع الوسطاء إقناع الحكومة بإعطاء ترخيص للإخوان بعقد المؤتمر، بشرط ألا يحضر من كل شعبة أكثر من اثنين وأن يعقد المؤتمر بدار الإخوان.

وكانت دار الإخوان بالحلمية لا تتسع لأكثر من ألفى شخص، لكن الإخوان وافقوا على ذلك منعًا للصدام مع الحكومة.

ووجه المركز العام الدعوة إلى شعب الإخوان بانعقاد المؤتمر فى موعده، وأعد له إعدادًا خاصا؛ حيث تألفت له لجنة خاصة تنظم فاعلياته ووقائعه، كما رتب له الإمام البنا ترتيبًا خاصا يليق بالظروف انعقد فيها..

ورغم الرقابة المفروضة على الصحف والتعليمات القاضية بحظر نشاط أخبار الإخوان فى هذه الفترة، إلا أن بعض الصحف أشارت على استحياء للمؤتمر؛ مثل جريدة الوفد المصرى.

انعقاد المؤتمر

فى يوم الخميس الحادى عشر من شهر ذى الحجة المبارك سنة 1359هـ الموافق التاسع من يناير 1941م توافد على دار الإخوان المسلمين بالحلمية أكثر من خمسة آلاف شخص من كافة أنحاء القطر المصرى لحضور المؤتمر الدورى السادس، ولما كانت دار الإخوان لا تتسع لأكثر من ألفى شخص -كما ألمحنا من قبل- فقد نصبت السرادقات فى الشوارع المجاورة لاستقبال هذه الحشود، وفى الساعة السادسة انعقد المؤتمر الذى حضره أعضاء مكتب الإرشاد، وأعضاء من الشعب ، وكثير من أعضاء الجمعيات والهيئات الإسلامية، فضلا عن حضرات أصحاب الفضيلة علماء الأزهر، وكثير من أعضاء مجلس النواب والشيوخ، وقد تولى لجنة النظام بالمؤتمر أعضاء جوالة الإخوان بالقاهرة والأقاليم الذين أربى عددهم على 500 جوال.

كلمة المرشد العام

جاءت كلمة فضيلة المرشد الإمام حسن البنا – رحمه الله- في هذا المؤتمر جديدة فى موضوعها وعرضها، ومما يجدر الإشارة إليه أن الإمام البنا كان إذا أراد أن يعد بيانًا ليلقيه فى مؤتمر من المؤتمرات الإخوانية العامة السابقة يجلس بينه وبين نفسه ساعتين أو ثلاثًا ليعد بيانًا كاملا من جميع وجوهه، إلا أنه فى هذا المؤتمر أجهد نفسه أيامًا وليالى ليطلع على كثير من المطبوعات الإحصائية والبيانات الوافية عن الأوضاع العامة، ولذا جاء بيانه فى هذا المؤتمر كأطول خطاب ألقاه فى مؤتمر سابق.

وسنشير هنا إلى أهم المحاور التى جاءت فى هذا الخطاب:

من هم الإخوان المسلمون:

أوضح الإمام البنا أن الإخوان المسلمين هم الغرباء عند فساد الناس، وأنهم دعاة الإسلام وحملة القرآن وصلة الأرض بالسماء، وورثة محمد -صلى الله عليه وسلم- وخلفاء صحابته من بعده، ولقد مَنَّ الله على الإخوان ففهموا الإسلام فهمًا نقيًّا صافيًا سهلا شاملا يساير العصور ويفى بحاجات الأمم ويجلب السعادة للناس؛ فهو عقيدة وعبادة، ووطن وجنس، وخلق ومادة، وسماحة وقوة، وثقافة وقانون، كما أنه دين ودولة وحكومة وأمة ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين فى أمم الأرض أجمعين.

وأوضح أن كل شعبة من شعب الإخوان وحدة متصلة الروح مؤتلفة القلوب جمعتها الغاية السامية، وأن هناك آلافًا من الشباب المؤمن مستعدون للعمل والجهاد فى سبيل الإصلاح الحق،

كما يوجد للإخوان دور فى كل مكان مجهزة للدعوة والإرشاد والتوجيه الصالح بها فرق منتظمة تزاول الرياضة البدنية والروحية، وألسنة وأقلام مفصحة، وبعثات مستمرة تنفر فى سبيل الله، وأن ذلك ليس للمباهاة ولكن ليعلم الإخوان أن الله قد كتب للدعوة من الإيمان والإخلاص والفهم والوحدة والتأييد والتضحية ما لم يكتبه لكثير من الدعوات.

وأوضح الإمام أنه بعد اثنى عشر عامًا من العمل ما زال البعض يسأل عن الإخوان، فأوضح غاية الإخوان ووسائلهم وموقفهم فى هذه الظروف.

غاية الإخوان:

فالإخوان يعملون لغايتين؛

قريبة وهى المساهمة فى الخير العام أيًّا كان لونه ونوعه والخدمة الاجتماعية كلما سمحت بها الظروف،

وغاية وهدف الإخوان الأسمى هو إصلاح شامل كامل، تتعاون عليه قوى الأمة جميعًا، ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل.

ولذا فالإخوان يريدون بعث الأمة الإسلامية النموذجية التى تدين بالإسلام الحق وتعرف فى الناس بأنها دولة القرآن التى تذود عنه وتدعو إليه.

هدف الإخوان:

ولذا كان هدف الإخوان العودة إلى النظام الإسلامى الاجتماعى والتحرر من كل سلطان أجنبى.

وسيلة الإخوان:

أما الوسيلة العامة فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر؛ حتى يفقهها الرأى العام ويأخذها عن عقيدة وإيمان، ثم النضال الدستورى حتى يرتفع صوت هذه الدعوة فى الأندية الرسمية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان حين يجىء الوقت المناسب ليمثلوا الأمة فى الهيئات النيابية.

وقال – رحمه الله - أما ما سوى ذلك من الوسائل فلن يلجأ إليها الإخوان إلا مكرهين، وسنكون حينئذ صرحاء شرفاء لا نحجم عن إعلان موقفنا واضحًا لا لبس فيه، ونحن على استعداد لتحمل نتائج عملنا أيًّا كانت، ونحن نعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفناء فى حق الدعوة هو البقاء، وعندئذ تدنو ساعة النصر ويحين وقت الفوز.

نحن والسياسة:

أقول بصراحة ووضوح:

أما إننا سياسيون بمعنى إننا حزبيون نناصر حزبًا ونناهض آخر فلسنا كذلك ولن نكونه، وأما إننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه، وأننا نعمل جاهدين لذلك فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأتِ فيه بشىء جديد.

الإخوان والهيئات:

1- نحن والسراى: أما موقفنا من العرش فنحن مخلصون له وللجالس عليه، ونسأل الله أن يمده بعنايته وأن يصلح به البلاد؛ لأنه مظهر النظام الحكومى الذى يعتبره الإسلام ظل الله فى الأرض.

2- نحن والحكومات: وموقفنا من الحكومات على اختلاف ألوانها هو موقف الناصح الذى يتمنى لها السداد والتوفيق، وأن يصلح الله بها الفساد. ولقد رسمنا لكثير منها مناهج الإصلاح وتقدمنا بمذكرات ضافية فى كثير من الشئون، ولفتنا نظرها إلى وجوب إصلاح الأداة الحكومية ومنابع الثقافة وسياسة التعليم والصحف ووسائل الإعلام والقانون بالوجهة الإسلامية.

3- نحن والأحزاب: أما موقفنا من الأحزاب فلسنا نفاضل بينها ولا ننحاز إلى واحد، ولكننا نعتقد أنها تتفق فى أن كثيرًا من رجالها قد عملوا فى القضية السياسية المصرية واشتركوا فى الجهاد فى سبيلها، فنحن فى ذلك لا نبخس حقهم، لكن حزبًا منهم لم يحدد بعد منهاجًا دقيقًا لما يريد من إصلاح وهى لهذا لا تتفاوت فى المناهج والأغراض.

والإخوان يرفعون دعوتهم فوق هذا المستوى، ونحن لا نهاجمهم؛ لأننا فى حاجة إلى المجهود الذى يبذل فى الخصومة، وندع ما بهم للزمن؛ معتقدين أن البقاء للأصلح.

4- نحن والهيئات الإسلامية: أما موقفنا من الهيئات الإسلامية جميعًا على اختلاف نزعاتها فموقف حب وإخاء وتعاون، ونحاول جاهدين أن نقرب بين وجهات النظر.

كلمة حق: ثم أوضح الإمام البنا للذين ما زالوا يظنون أن الإخوان يعملون لحساب شخص أو جماعة أننا لا نريد إلا الإعذار إلى الله بإبلاغ الدعوة.

موقفنا من الظروف الحاضرة:

كما أوضح أنه فى الفترة بين المؤتمر الخامس وهذا المؤتمر مرت أحداث جسام تعامل معها الإخوان بما يناسب كل حادثة مستنيرين بوحى الغاية السامية؛ فقد أيد الإخوان الحكومة فى موقفها من الحرب من حيث "الحياد والاستعداد"، وهو موقف واضح ومستنير، ولو اكتملت شروط الصحة فإن الحياد مستحيل مع معاهدة 1936م، لكننا مجبرين على هذا الموقف.

وعلى إنجلترا أن تسمح للشعوب بحق تقرير مصيرها؛ فلن يفيد القهر والجبروت، وستدخل الحرب على أغنيات الديمقراطية والديكتاتورية ألحانًا جديدة.

فنحن ندعو الساسة فى العالم إلى الاهتداء بنور الله، وأن يتخذوا الإسلام الحنيف الذى أخذ من كل شىء أحسنه أساسًا لنظمهم، فتتحقق الوحدة الإنسانية الروحية التى تصلح العالم.

خاتمة: ختم الإمام البنا خطابه في هذا المؤتمر بالقول:

والجدير بالذكر أنه أشار إلى أن كثيرًا من الناس ستضحك من هذه النظرات حين يستمعون إليها، وأولئك هم الذين يئسوا من أنفسهم وغفلوا عن تأييد الله لعباده المؤمنين، أما أنتم أيها الإخوان فتؤمنون بذلك وتعتقدون أن الله غالب على أمره وأنه معكم على ذلك البرهان.


الدعوة وكيد الحكومات المتعاقب

تحققت نبوءات الإمام البنا، ودخلت الجماعة والدعوة طورا جديدا، بدخولها ساحة العمل السياسي، وتحديد مواقفها من جميع القوى السياسية في وضوح وصراحة وحزم وحسم وشجاعة، فاتسعت ميادين نشاطها وتضاعفت، وأقبلت على الانضمام لصفوفها جماهير الشعب المصري خاصة عنصر الشباب الجامعي ومختلف الطوائف العمالية والمهنية من عمال وصناع تجار وأصحاب أعمال ومهندسين وموظفين وأطباء ومدرسين ومحامين، واصبح بها ممثلون لطوائف المجتمع المصري بجميع طبقاته وفئاته، وضربوا في النشاط الاقتصادي بسهم وافر، واقبلوا على النشاط الرياضي والكشفي، وانتظمت أعمالهم في الفروع التي عمت القطر، وأصبحوا قوة يحسب لها كل حساب، وتوالى على حكم مصر في هذه الفترة من رؤساء الوزارات المصرية:

على ماهر، وحسن صبري، وحسين سري، مصطفى النحاس، وأحمد ماهر، والنقراشي، وإسماعيل صدقي، والنقراشي ثانية، وفي وزارات الأولين على ماهر، وحسن صبري.

وقد نزلت الجماعة بكل ثقلها في الميدان، فكانت تراقب أعمال كل حكومة، وتنقد منها ما تراه منحرفا عما هو في صالح قضايا الوطن، وكان يتراوح هذا النقد بين النصيحة التي تتضمنها صحفهم أو رسائلهم المفتوحة أو الخاصة وبين الإضرابات والمظاهرات والإنذارات، وبدت لجماهير الشعب المصري كأنما هي الجماعة الوحيدة التي أخذت على عاتقها الدفاع عن قضايا الوطن وقضايا العروبة والإسلام، مما أحنق عليها كل الأحزاب والهيئات، التي كافحت طويلا لإقصاء الفكر الإسلامي عن الساحة، ونشر الفكر العلماني الغربي، فتكاتفت جميعا- على ما بينها من نزاعات وصراعات وتنافس - وشنت حملتها على هذه القوة الجديدة التي تزلزل الأرض من تحت أقدام الجميع.

وهنا يثير البعض التساؤل التالي:

إذًا .. ما السبب في صدام الجماعة مع حكومات النظام الملكي منذ بداية الاربعينيات من القرن العشريت وبعد استعار أوار الحرب العالمية الثانية؟.

لقد تعاقب على الحياة السياسية بعد وفاة الزعيم مصطفى كامل ثم محمد فريد زعماء أحزاب لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية ورضاء الإنجليز ونيل الحظوة لدى المندوب السامي البريطاني، ومن ثم اشتد التنافس بينهم على الوصول إلى كرسي الوزارة بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة فلم يكن في خلدهم مصلحة البلاد أو الشعب، بل كانت مصالحهم ومصالح ذويهم هي المحرك لهم، وقد كان كل حزب يسعى للحصول على تعضيد مكانته عند الملك والانجليز، وأصبح الصراع سمة الأحزاب للوصول إلى كرسي الوزارة.

كما أن هذه الأحزاب لم يكن لديها برنامج محدد تسير على نهجه، كما لم يكن في أجندتها ما يدل على محاولتها في تحرير البلاد، ومما يدل على ذلك عدم اتفاق هذه الأحزاب على حكومة ائتلافية إلا نادرا، وكان كل حزب يسعي لإزاحة خصومة وتولي الحكم، هذا ناهيك عن الولاء الذي كان يكنه كل حزب للاستعمار، والتاريخ يذكر الاتهامات المتبادلة بالفساد مثل الكتاب الأسود الذي أخرجه مكرم عبيد.

وكانت السياسة تسير وفقًا لرغبة المحتل الإنجليزي، وعدم رغبته في وجود جماعة أو مؤسسة أو هيئة تؤكد على معاني الجهاد وطرق طرد المحتل، وتعمل على زلزلة أركانه، بل كان يريد إيجاد مثل هذه الأحزاب التي كان لا يهمها سوى الثراء ومصلحة أفرادها الخاصة، ومن ثم حدث الصدام مع الجماعة عندما أدرك أهدافها خاصة بعدما اتضح له مدى تربية أفراد هذه الجماعة، ومدى فهمهم الواسع والشامل، ومدى إدراكهم لمرامي خططه التي تهدف إلى السيطرة التامة على الدولة، وعدم رغبته في إعطاء الشعب حقه في الاستقلال.

يقول الإمام البنا في رسالة (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي):

( لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى، وهى أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن، وأنها ليست أحزابا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب فى أي بلد من بلاد الدنيا، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة، اقتضت الظروف والحوادث فى يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية، كما انعقد الإجماع على أن هذه الأحزاب لا برامج لها ولا مناهج، ولا خلاف بينها فى شيء أبدا إلا فى الشخصيات، وآية ذلك واضحة فيما تعلن من بيانات خارج الحكم وفيما تطلع به من خطب العرش داخل الحكم، وبما أن الأحزاب هي التى تقدم الشيوخ والنواب، وهى التى تسيّر دفة الحكم فى الحياة النيابية، فإن من البديهي ألا يستقيم أمر الحكم وهذا حال من يسيّرون دفته).

وعلى يد حكومة حسين سري، وبأمر من الإنجليز بدأت محنة الجماعة الاولى

فقد عمل الاحتلال منذ تبين له خطر دعوة الإخوان على وجوده ومصالحة÷ على عرقلة مسيرة الجماعة بالاستعانة بهذه الوزارات الضعيفة، وقد بدأت أولى هذه الجهود فيما قامت به حكومة حسين سري في النصف الاول من عام 1941 على الوجه التالي:

أولاً: قام الاحتلال بالإيعاز إلى رئيس الوزراء حسين سري باشا بأن يأمر بنقل الإمام حسن البنا إلى قنا، فأصدر محمد حسين هيكل وزير التعليم في ذلك الوقت قرارًا بنقل الإمام إلى قنا، كما تم نقل وكيل الجماعة الأستاذ أحمد السكري إلى دمياط،

وصادرت حكومة حسين سري صحف الجماعة، وأغلقت المطبعة ، ومنعت طبع رسائل الإمام الشهيد، وحرمت على الصحف نشر أي شيء عن الجماعة، ومنعت اجتماعاتها.

وفي ذلك يقول محمد حسين هيكل في مذكراته (في السياسة المصرية الجزء الثاني، ص177):

"كان الإنجليز يومئذ شديدي الحساسية، وبخاصة إزاء ما يبديه بعض ذوي الرأي من المصريين من ميولهم المحورية، وإزاء بعض العناصر ذات النشاط بين سواد الشعب، وكانت جماعة الإخوان المسلمين تدعو للتخلق بالأخلاق الإسلامية، وللأخذ بقواعد التشريع الإسلامي في النظام المصري، وكان الشيخ حسن البنا مرشدها العام، وكان معلمًا للغة العربية في مدرسة المحمدية الابتدائية الأميرية.

وقد أبلغت السلطات البريطانية رئيس الوزراء حسين سري أن هذا الرجل يعمل في أوساط جماعته لحساب إيطاليا، ورغبت إليه العمل على الحد من نشاطه، ورأى حسين سري أن نقل الرجل من القاهرة إلى بلد ناءٍ بالصعيد يكفل هذا الغرض، فحدثني في الأمر وطلب إليَّ نقله لقنا، ولم أجد بأسًا بإجابة طلبه، فنقل مدرس في مدرسة ابتدائية ليس أمرًا ذا بال؛ إذ يقع مثله خلال العام الدراسي في كل سنة ولا يترتب عليه أي أثر"، وصدر قرار النقل في 19 مايو 1941م، غير أن النائب محمد عبد الرحمن نصير تقدم في جلسة مجلس النواب المسائية بسؤال عن هذا القرار، وقد جاء ذلك في مضبطة الجلسة الحادية والأربعين لمجلس النواب، والمنعقدة في أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء 22، 23، 24 من ربيع الآخر 1360هـ الموافق 19، 20، 21 مايو 1941م يستفسر فيه عن سبب نقل الأستاذ حسن البنا، وطالب بعودته، وتحت الضغط الشعبي وبعض نواب حزب الأحرار الدستوريين صدر قرار بعودة الأستاذ حسن البنا في يوليو 1941م،

وأوضح هيكل باشا ذلك في مذكراته بقوله في صفحة (178) :

"ترى أأحسن سري باشا في تراجعه هذا أم أساء؟

لعله خشي أن يزداد ضغط النواب جسامة حين رأى سؤالاً يقدم للبرلمان في هذا الشأن، فأراد اتقاء ما قد يجر إليه ذلك من نتائج الأمر".

ثانيا: عمد إلى اعتقال الأستاذ البنا ووكيل الجماعة الأستاذ أحمد السكري وسكرتير الجماعة في أكتوبر 1941م، وأمام الضغط على الحكومة من الطلبة والشعب، وخوف الحكومة من انتقال الأمر مرة ثانية إلى البرلمان مما سيساعد على زيادة السخط العام ضدها تم إرسال حامد بك جودة "سكرتير حزب السعديين، ووزير التموين في وزارة حسين سري" إلى الإمام البنا في المعتقل بعد مضي حوالي عشرين يومًا على اعتقاله؛ وذلك للتفاوض معه على خروجه، وتم الإفراج عنه في 13 نوفمبر 1941م.

ثالثًا: لم تتوقف مؤامرات المحتل الإنجليزي عند هذا الحد ، فقام "المجلس العسكري البريطاني" بطنطا عن طريق أحد عملائه بتلفيق قضية خطيرة ضد الجماعة باتهام أخوين من خيرة أفراد الإخوان هما محمد عبد السلام فهمي وكان مهندسًا في مصلحة الطرق والكباري بطنطا، وجمال الدين فكيه وكان موظفًا ببلدية طنطا بأنهما يعدان جيشًا للترحيب بمقدم الألمان، وأنها يحدثان بلبلة في الأفكار، ويعدان عناصر معادية للحلفاء، فتم القبض عليهما وقدما للمحاكمة العسكرية، وكانت أول محاكمة عسكرية للإخوان، وسميت هذه القضية بالجناية العسكرية العليا (883) لسنة 1942م قسم الجمرك، غير أن القضاء برأهما من هذه التهمة.

رابعا: جاءت حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس اثر حادث 4 فبراير سنة 1942 ورغب الإمام الشهيد أن يرشح نفسه نائبا في البرلمان عن دائرة الإسماعيلية مهد الدعوة ليمثل الجماعة وينطق بلسانها، ولكن " النحاس باشا " رجاه أن يعدل عن الترشيح حتى لا ينفذ الإنجليز تهديدهم فاستجاب الإمام البنا.

وبدأ النحاس بمهادنة الإخوان ، فسمح لهم بالاجتماعات ، وأعاد إليهم المجلة والمطبعة ، ثم تكرر ضغط السفارة البريطانية ، مرة أخرى ، فعادت المحنة في صورة أشد من الأولى ، وأغلق النحاس جميع الشعب ماعدا المركز العام ، وضيق عليها في اجتماعاتها ومطبوعاتها وسائر نواحي النشاط الأخرى، وقابل الإخوان شدة الحكومة الوفدية بالأناة والصبر، فعدلت الحكومة عن شدتها، واستمر الموقف يتقلب بين الشدة واللين ، تارة تدع الحكومة الحرية للجماعة وتارة ترهقها بالتضييق، ومع ذلك ظلت الجماعة على نهجها في تقديم النصح كتابة ومشافهة ، إلى أن أقيلت وزارة النحاس سنة 1944 .

خامسا: بعد وزارة مصطفى النحاس جاءت وزارة احمد ماهر، فاتبعت سياسة التضييق والتشديد على الجماعة، بل وحالت دون نجاح من رشح من الجماعة للانتخابات البرلمانية بناء على قرار المؤتمر العام السادس للجماعة في 1941 .

وهذه هي قصة هذه الانتخابات :

بعد إقالة وزارة الوفد وحل مجلس نوابها، وتولي وزارة أحمد ماهر الحكم ، وعقب إعلانها عن عزمها إجراء انتخابات ادعت نزاهتها، قرر الإخوان دخول هذه الانتخابات بترشيح المرشد العام في دائرةالإسماعيلية- موطن الدعوة الأول- كما تم ترشيح عدد آخر من الإخوان في دوائر أخرى مختلفة .

ولأول مرة في تاريخ الحياة النيابية في مصر يقيم أهالي دائرة الإسماعيلية على حسابهم الخاص ستين سرادقا للدعاية الانتخابية في مختلف أنحاء المدينة، وكان كل ما في البلد ينطق بان الفوز الساحق سيكون من نصيب الإمام البنا، فإعلانات الحوائط ، وهتافات الشعب ، وتلاميذ المدارس كلها تنادي (الأستاذ البنا زعيم النهضة الإسلامية ) ….

وقد نما إلى علم الجماعة أن خطاباً أرسل من السفارة البريطانية إلى أحمد ماهر يطلبون فيه منه أن يعمل على منع المرشد العام والأستاذ (على البرير ) (كان من كبار السودانيين الأحرار المقيمين بمصر والمؤمنين بوحدة وادي النيل) المرشح في دائرة عابدين من التقدم إلى الانتخابات.

وطلب أحمد ماهر مقابلة المرشد، فلما قابله طلب منه أن يسحب ترشيحه، وحاول أن يقنعه فرفض فقال له: لماذا تتشدد معي وقد قبلت مثل هذا من حكومة مصطفي النحاس وتنازلت عن ترشيحك؟ .

فرد عليه الامام بقوله: "إن حكومة النحاس باشا كانت تواجه حالة سياسية مضطربة في الداخل والخارج، ولم يكن هناك بد ـ إجابة لداعي الوطنية الكريمة ـ من أن نقبل منها هذا، إذ كانت الحالة تدعو إلى توحيد الجهود لا إلى توزيعها ".

فلما وُوجه القصر والحكومة بإصرا الجماعة على ترشيح مرشدها في الانتخابات وجدوا أنفسهم أمام أمرين أحلاهما مر:

ففتح الطريق أمام الإمام الشهيد إلى مجلس النواب عن هذه الدائرة كارثة وهو أمر لاشك فيه.. كما أن منعه من الترشيح يهدم صرح الدعاية الذي شيدوه على أساس منحهم الحرية المطلقة والتي ادعوا أنهم جاؤوا ليردوها إلى الشعب بعد أن حرمه الوفد منها.

وظلوا في حيرة من أمرهم حتى اهتدوا إلى الحل، وهو السماح بدخول الإنتخابات والعمل على اسقاط الإمام الشهيد .

ولما جاء يوم الانتخابات، فوجئ أهل الإسماعيلية بتدخل الجيش البريطاني في الانتخابات فأحضروا أعداداً كبيرة من العمال الذين يعملون في معسكراتهم، وأدى هؤلاء العمال التصويت بتذاكر مزورة لانتخاب المرشحين الآخرين.

واحتج أهل الإسماعيلية وأهملت السلطات احتجاجهم وانتهى يوم الانتخابات المخزية.

وظهرت النتائج بإعادة الانتخابات بين المرشد وبين مرشح آخر.

وحدثت الإعادة والتي لم تكن معركة انتخابية وإنما كانت حرباً أعلنتها الحكومة المصرية متضامنة مع الجيش البريطاني ضد أهل الإسماعيلية لإسقاط مرشحهمالإمام حسن البنا.

وفي انتخاات الإعادة طرد حاكم سيناء العسكري الإنجليزي مندوبي الإمام البنا من لجان العريش وسيناء، وضاعفت عربات الجيش البريطاني نشاطها في استجلاب العمال من المعسكرات البعيدة والقريبة، فقفز العدد في بعض اللجان لحساب المرشح الآخر أضعاف ما كان عليه في الانتخاب الأول لكل من المرشحين معا، وهكذا اسقط الإمام البنا، واسقط معه جميع مرشحي الإخوان المسلمين في كل الدوائر الأخرى.

ولم تستطع الإجراءات القانونية التي كان من المفروض أن تحمى حق المرشح ضد تلاعب السلطة أن تؤدى مهمتها .

وأعلنت النتيجة بسقوط المرشد العام في الدائرة التي يعلم أهلها ويعلم كل مصري بل والعالم كله أنها مقر داره ولا يتصور أحد أن يخذلوه في انتخابه عن دائرتهم. وحين أعلن احمد ماهر الحرب على ألمانيا وإيطاليا لصالح الإنجليز دون قيد أو شرط عارضته الجماعة، وكتبت إليه تطالبه بالعدول عن ذلك. ثم اغتال محمود العيسوي أحد شباب الحزب الوطني احمد ماهر لهذا السبب عام 1945 .

سادسا- تولى محمود فهمي النقراشي (الحزب السعدي) الحكم، وبدأ حكمه باعتقال الأستاذ البنا والسكرتير العام للجماعة وبعض الإخوان بتهمة الاشتراك في حادث الاغتيال ، وكان السبب في الاعتقال هو أن محمود العيسوي ذكر في معرض التحقيق معه أنه يطلب اخذ رأي زعماء البلد في إعلان الحرب على دول المحور، وذكر اسم الأستاذ البنا في معرض أسماء الزعماء الذين يجب اخذ رأيهم ، ولكن النيابة أفرجت عنهم بعد ذلك ، وبادر الأستاذ البنا إلى زيارة النقراشي الذي لم يستجب لرجاء الأستاذ البنا ، وفرض على الإخوان اثقل القيود على نشاطهم واجتماعاتهم ، وراقب دورهم وتنقلاتهم ، وحرمهم من الاجتماعات وأعنتهم اشد الإعنات .


خلاصة فترة الحرب العالمية الثانية: (ما بين عامي 1939م/1944م)

أرسي الأستاذ المرشد قواعد العمل في هذه المرحلة على الأسس التالية:

أولاً: بدأت هذه المرحلة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في عام 1939م وكان المرشد يرى أن هذه الحرب سوف تغير وجه العالم، وتفعل في سنواتها مالا يتم فعله من تغيير مئات السنين، فهي تختصر الزمن... وعلي العقلاء الانتفاع بهذه الميزة قبل فواتها ، ومن هنا فإنه يري أن المرحلة التي يحتاج الإخوان إلى قطعها في عشرات السنين، يمكنهم بالانتفاع بهذه الميزة، أن يقطعها في سنوات قلائل.

ثانياً : أن مواجهة الأعداء والخصوم بهيئة ضعيفة وتكوين هزيل مجازفة غير مأمونة بل أنها قد تؤدى بالفكرة الإسلامية إلى الزوال، فإذا أضفت إلى ذلك أن هذه المواجهة ستكون في ظروف استثنائية وكل المرافق مسخرة للمستعمر، والمستعمر أعصابه على أشدها، لأنه يخوض حرب حياة أو موت، كانت المواجهة انتحاراً لاشك فيه ولا إفلات منه.

ثالثاً : كما أنه رأى أن انشغال المستعمر بالحرب ومن ورائه الحكومة المصرية، فرصة للعمل للدعوة دون عائق، وعلى الجماعة في هذه الحالة أن تكثف من جهودها حتى تنجز أكبر قدر من العمل في أصغر قدر من الزمن قبل أن تنتهي الحرب فجأة فيتفرغ هؤلاء (( المستعمر والحكومة )) للكيد للدعوة وبث العراقيل لها وقبل أن تكون قد استكملت عناصر قوتها، وللكيد للوطن فلا يحقق الشعب مطالبة القومية لعجزه أمام قوتهم.

رابعاً : أنه يري أن عناصر القوة التي يجب استكمالها في أقرب وقت هي عنصران: إنشاء الشُعب، ومتانة التكوين.

أما الأول فهو العمل على أن تصل الفكرة الإسلامية وأن يكون للدعوة شعبة في كل حاضرة ومدينة وقرية وعزبة في أنحاء مصر.

وأما متانة التكوين فتكون بالعمل علي ربط المنتمين إلي الدعوة معاً بروابط من الأخوة والحب والتعاون في أسلوب عملي من التربية البدنية والروحية والثقافية.

خامساً : أنه في سبيل إنجاز هذا العمل الكبير، يجب على الإخوان في خلال فترة الحرب أن يغضوا الطرف عن التصعيد في الشؤون السياسية فيتجنبوا اتخاذ مواقف سياسية محددة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا مكتفين بالتعرض لما سوى ذلك من الشؤون التربوية والاجتماعية والاقتصادية، وإذا دهمهم موقف سياسي معين فعليهم أن يتفادوه وأن يطوعوه لخدمة هدفهم الكبير.

سادساً : أنه يري أنه إذا سلك الإخوان هذا المسلك فإنهم سيفاجئون العالم بعد انتهاء الحرب بأقوى هيئة قادرة على المواجه، وقادرة على النهوض بأثقل التبعات، ويستحيل على أية قوة أن تقضى عليها، لأنها تكون قد تركزت في النفوس، واختلطت بالمنهج، وضربت بجذورها في الأعماق.


بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

- انتهت الحرب العالمية الثانية سنة 1945، واجتمعت الجمعية العمومية للإخوان في سبتمبر سنة ( 1945 م – 1364 هـ ) وأدخلت بعض التعديلات على النظام الأساسي حتى أضحى شاملا جميع غاياتها ووسائلها بصورة واضحة، وأصدرت الجماعة جريدتها اليومية (الإخوان المسلمون ).

وصدر العدد الأول منها في 5 مايو 1946 الموافق 3 جمادى الثاني سنة 1365 مايو، ونظموا الشعب تنظيما دقيقا في مصر والأقطار العربية، وبلغ عدد أعضاء الجماعة في مصر وحدها نصف مليون ، والأعضاء المنتسبون والمؤازرون بلغوا أضعاف هذا العدد.

أما عدد شعبهم في مصر وحدها فبلغ ألف شعبة، وفي السودان خمسون شعبة عدا شعبهم في البلاد العربية والإسلامية ، وتكون للجماعة أصدقاء وأنصار ومحبون في أوروبا وأمريكا ..

- لقيت الجماعة مقاومة في غاية العنف من قبل الحكومات التي وليت الحكم بعد الحرب العالمية الثانية .. ودخلت في دور المحنة الكبرى، فقد كانت السنوات الأربع التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية فترة غليان كل الساحة المصرية السياسية، وقد نزلت الجماعة فيها إلى المعترك السياسي بكل ثقلها، واصطدمت اصطدامات بالغة العنف بكل الحكومات التي توالت في تلك الحقبة، وتزعمت الجماعة قيادة الحركة الشعبية ، وألهبت المشاعر الوطنية المطالبة بحقوق البلاد التي كان الإنجليز قد وعدوا بها أثناء الحرب.

وقد بدأت بوادر هذه السياسة حينما أصدرت حكومة النقراشي في 12 يوليو عام 1945م القانون رقم (49) لسنة 1945م لتنظيم عمل البر بالجمعيات الخيرية، وقررت المادة الأولى من القانون أنه (تعد جمعية خيرية كل جماعة من الأفراد تسعى إلى تحقيق غرض من أغراض البر، سواء أكان ذلك عن طريق المعاونة المادية أم المعنوية، وتعد مؤسسة اجتماعية كل مؤسسة تنشأ بمال يجمع كله أو بعضه من الجمهور لمدة معينة وغير معينة، سواء أكانت هذه المؤسسة تقوم بأداء خدمة إنسانية دينية أو علمية أو فنية أو صناعية أو زراعية... أم بأي غرض آخر من أغراض البر أو النفع العام) كما ورد في الوقائع المصرية العدد 110 بتاريخ 16 يوليو 1945م .

وقد أعطى القانون للجمعيات القائمة مهلة ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعها وفقًا للقانون، وإلا جاز لوزير الشئون الاجتماعية طلب حلها.

وحول تولي النقراشي رئاسة الحكومة المصرية وقيامه بتشكيلها، جاء في عدد جريدة "الأهرام " المصرية رقم 21577 ص (2) بتاريخ 27/ 2/ 1945م أن الإنجليز استقبلوا وزارة النقراشي بالترحاب وأن اللورد كيلرن أرسل رسالة تهنئة وترحيب للنقراشي لتوليه الوزارة، فرد عليه النقراشي كما ورد في مجلة الدستور العدد 235 ص(2) بتاريخ 28/2 /2 1945م يشكره على هذه المعاني، وأنه سيظل يعمل على التعاون مع صاحبة التاج البريطاني، فكان أول عمل قام به إعلانه دخول الحرب بجوار إنجلترا في 26/2/ 1945م، كما نوه في خطاب العرش الذي ألقاه في 12/ 11/ 1945م بالصداقة مع بريطانيا.

ولقد زار الأستاذ البنا النقراشي بعد توليه رئاسة الحكومة المصرية مرة ثانية، وأهاب به أنه يسرع بالعمل في سبيل نيل الحقوق القومية، واستكمال استقلال وادي النيل ووحدته، وإلا فليدع الأمة إلى الجهاد، ويتقدمها في سبيله، ولكن النقراشي اكتفى بتقديم مذكرة إلى الحكومة البريطانية وانتظارالرد عليها، كما أنه عرض القضية المصرية عرضًا هزيلًا ضيع البلاد كما أضاع السودان.

واشتد سخط المصريين إزاء السياسة البريطانية وموقف المفاوضة آنئذ وتجلى هذا السخط في مظاهرات عمت أرجاء البلاد وكان البوليس يقابلها بالعنف المأمور به من القائمين على الحكم. ووقعت في عهد النقارشي الأول العديد من الأحداث كما أسفرت أيضا المظاهرات التي انفجرت في بعض المدن المصرية عن وقوع عدد من القتلى.

وكانت أهم أحداث هذه الفترة " مذبحة كوبري عباس" الشهيرة ... إذا لم ترضى الجماعة عن سير المساجلات الكتابية الذي اتبعته حكومة النقرشي، فقاموا بمظاهرة كبرى خرج فيها طلاب جامعة القاهرة (فؤاد يومها) في 9/2/1946م ، تهتف بالجلاء وبأنه لا مفاوضة إلا بعده، فتصدت لها قوات البوليس بقسوة وأسفر التصادم عن قتلى وإصابات بليغة …

وتوجهت جهود الجماعة نحو تثوير الشعب، وإيقاظ وعيه بالمؤتمرات العامة تارة وزيارة القرى والريف تارة أخرى ، وبالوسائل والأحاديث والنشرات، وتولوا زمام المعارضة الداعية إلى الجهاد ، وتركزت جهودهم في هذه الناحية طمعا في أن تنال البلاد استقلالها التام

وقد كان لهذه الحوادث وقع أليم في النفوس واشتد سخط الرأي العام على مسلك الوزارة، فاستقالت.

- جاءت حكومة إسماعيل صدقي، ولكن المظاهرات العارمة استمرت بل واشتدت، ودعا الأستاذ البنا جميع الأحزاب والهيئات لتأليف لجنة قومية توحد القوى وتنظم الصفوف، ولكنه لم يجد مؤازرة من الأحزاب، وولكنه استمر في موقفه فأخذ في بادئ الأمر إلى تقديم النصح إلى رئيس الوزراء اسماعيل صدقي مطالبا بقطع المفاوضات مع الإنجليز والاتجاه إلى الجهاد السافر ، وركزت الجماعة نشاطها السياسي في هذا النهج ، ثم أخذوا يحاسبون حكومة صدقي حسابا عسيرا نتيجة عدم تجاوبها مع مطالب الشعب، واتهموها بممالأة الأجانب على حساب الوطن، والتساهل مع الشركات الأجنبية التي كانت تلبس أثوابا مصرية مستغلة، وبعجزها عن علاج مشكلة العمال العاطلين، وبترددها في قطع المفاوضات وإعلان الجهاد ، واشتد أوار حملة صحافة الإخوان على المفاوضات ، وعلى حكومة إسماعيل صدقي …

في مواجهة ذلك قاد صدقي حملة واسعة النطاق من النقل والتشريد، تناولت خلصاء الموظفين من الإخوان المسلمين في شتى المصالح والوزارات ، واعتقل عددا منهم ، وصادر جريدتهم ثم قبض على وكيل الجماعة وحوصرت دورهم ، وفتشت …

ولكن الجماعة قابلت هذه الإجراءات بالثبات على موقفها والاستمرار في معارضة سياسات الحكومة فكانت لها اليد الطولى في إفشال مشروع صدقي - بيفن ، وفي إسقاط الوزارة بعد ذلك …

- جاءت وزارة النقراشي الثانية في 10 ديسمبر 1946 م، وفي يوم تأليفها، نشر الأستاذ البنا مقالا دعا فيه الحكومة الجديدة إلى اختصار الطريق، واحترام إرادة الأمة، وإنهاء المفاوضات وسلوك سبيل الجهاد، ثم تابع نشر مقالاته في الجريدة منتقدا منهاج الحكومة، مشيرا إلى أنها حاربت الإخوان، وأغلقت مدارسهم ، وسجنت أحرارهم، ولاحقتهم بالتضييق والإرهاق في وزارتهم الأولى…

وكانت هذه بداية حرب بين النقراشي والإخوان، زادها اشتداد قضية فلسطين وتسارع أحداثها التي ساهم فيها الإخوان مساهمة فعالة، وسطر فدائيوهم صفحات مشرقة من الجهاد، ومصدر عزة لهم في مصر والعالم العربي بل والإسلامي على ما سوف يأتي.


أحداث سنة 1948م

كانت هذه السنة هي مسرح الأحداث التي اتخذها المتآمرين، ذريعة لتنفيذ مؤامرتهم، ولتسهيل جريمتهم أمام الرأي العام بهدف إنزال ضربة قاضية بالجماعة ...

ففي 22 مارس 1948 اغتيل المرحوم أحمد الخازندار وكيل محكمة استئناف القاهرة، واتهم بقتله شابان من الجماعة، وقد تبين من التحقيق معهما أنهما قتلاه انتقاما منه لحكم أصدره حين كان رئيسا لمحكمة الجنايات بالإسكندرية على اثنين من الإخوان بالأشغال الشاقة اتهما في حوادث إلقاء القنابل على الجنود البريطانيين.

وقد تم هذا الاعتداء بغير علم المرشد، ومن دون إذنه، مما أثر فيه تأثيراً بالغاً وحزن له حزناً شديداً، وقد أثبت التحقيق عدم صلة الجماعة بالحادث .

وقد استعملت محكمة الجنايات التي حوكما أمامها الرأفة حيث قدرت معها أسبابها- التي كانت تمر بها مصر حينئذ- وقضت عليهما في شهر نوفمبر 1948 بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وفي العشرين من يونيو1948 نسفت بعض المساكن في حارة اليهود في القاهرة وكان ذلك رداً من مرتكبي هذا الحادث علي مذبحة دير ياسين التي ارتكبها اليهود في فلسطين 9 /4 /1948 م ، وفي 19 يوليو وقع نسف محلى ((شيكوريل)) و((أوريكو)) وكان ذلك رداً من مرتكبي هذا الحادث على إلقاء طائرة إسرائيلية في 16 يوليو، قذيفة على أحد الأحياء الفقيرة في حي عابدين فهدمت منازل كثيرة وقتلت عددا ًمن السكان،

وفى 12 نوفمبر دمر انفجار آخر(( شركة الإعلانات الشرقية )) التي كانت مركز النشاط الصهيوني في ذلك الحين ، وحوادث أخرى لم يسفر التحقيق فيها هي الأخرى عن صلة الجماعة أو مرشدها بها. ثم جاءت حادثة السيارة الجيب في 15 نوفمبر 1948 .

وفيما يخص الجماعة وموقفها من تطورات الأحداث في فلسطين التي اندلعت في مايو 1948 .. ففي السطور التالية ملخص مختصر جدا لهذا الموضوع.


قضية فلسطين

كانت للقضية الفلسطينية عناية خاصة لدى الإمام البنا، وكانت له نظرة ثاقبة في موضوع الخطر اليهودي، وكانت الجماعة والإخوان منذ بداية الثورات الفلسطينية عام1936 م هم دعاة التحذير والتحرير في العالم العربي، وكان اتجاه الإمام البنا والجماعة إلى جعلها قضية عالمية تقض مضاجع الإنجليز واليهود، فدعوا إلى مقاطعة المحلات اليهودية في القاهرة، وطبعوا المنشورات يهاجمون فيها الإنجليز ويشرحون للناس مظالمهم في فلسطين ، ويبينون فيها خطط اليهود وأطماعهم الواسعة في المنطقة العربية، ووزعوا كتاب (( النار والدمار في فلسطين )) الذي وضعته اللجنة العربية العليا لفلسطين وكان الكتاب صاعقة علي الإنجليز لما فضحه من فظائعهم وجرائمهم التي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً، وكانوا يظنون أن أمرهم سيظل في عزلة عن العالم كله، ونظموا المظاهرات التي كانت أول تنبيه لأذهان الشعب المصري في القرى والمدن نحو قضية فلسطين.

وقد بدأ الإنجليز - كما سبق التوضيح - منذ ذلك الوقت في نهاية لثلاثينيات يهتمون بحركة الإمام البنا ويتتبعون حركاته، ويبيتون له أسوأ النوايا ، بعد ان أدركوا خطره وخطر حركته عليهم وعلى مشاريعهم في المنطقة.

لقد رتبوا سياستهم علي عزل مصر عن البلاد العربية، وروجوا لهذه الفكرة في طبقة المثقفين والحكام والزعماء حتى يتمكنوا من تنفيذ سياستهم الاستعمارية في مأمن من أن يقف في وجههم زعيم عربي أو تيار إسلامي، وكانوا يظنون أن في وسعهم إتمام جريمتهم ببيع فلسطين لليهود وهم في مأمن من أية مقاومة، ولكن الجماعة أفسدت عليهم خطتهم حين نجحت في جعل قضية فلسطين قضية كل المسلمين، وحين أقاموا أول مؤتمر عربي يعقد من أجل فلسطين في دار المركز العام بالعتبة الخضراء آنذاك ، وكان له آثار بعيدة لدى الحكومات العربية وشعوبها علي السواء ، وصار يتوافد علي دار الإخوان كثيرون من زعماء البلاد العربية والإسلامية، وبرزت روح التضامن بين هذه البلاد التي كانت تعانى كلها من أثقال الاستعمار.

وتطور الأمر إلى عقد مؤتمر برلماني عالمي في مصر من أجل فلسطين لأول مرة ، مما دفع بريطانيا إلى تطوير سياستها إزاء هذا التحول المفاجئ لها في مسار الأحداث، فعملت علي عقد مؤتمر في لندن من أجل فلسطين يضم العرب واليهود وممثلي الحكومة البريطانية، وأبدت استعداداً للتفاهم ، وأوقفت حملات القتل والسحل والتعذيب التي كانت تقوم بها في فلسطين.

وعندما اندلع القتال في فلسطين رفض النقراشي أمام مؤتمر عالية في أكتوبر 1947م دخول الجيوش النظامية، وإمداد المتطوعين بالمساعدة، غير أنه رضخ لأوامر الملك عندما أمر بدخول الجيش المصري، وذلك كما ورد في مجلة آخر ساعة العدد 969 ص(13) بتاريخ 20/ 5/ 1953م

كما قام النقراشي بقبول الهدنة في 4 ديسمبر 1948م استجابة لنداء اليهود ومن خلفهم الإنجليز والأمريكان بالرغم من وصول المجاهدين وقوات الجيش لمناطق هامة، حتى إنهم كانوا على مقربة من تل أبيب

بل أنه أيضا لم يقم بإمداد القوات بالسلاح أثناء الهدنة، بل منع السلاح في الوقت التي كانت العصابات اليهودية تحصل على السلاح وتقوم بخرق الهدنة بين الحين والآخر.

وأصدر أمرًا بمنع باقي المجاهدين من السفر، بل وطالب بعودة المجاهدين الموجودين في أرض المعركة، بل أصدر أمرًا لللواء فؤاد صادق باعتقال كل المجاهدين الموجودين في فلسطين، غير أن الرجل رفض اعتقالهم حتى يتموا مهمتهم.

وعندما وقع الجيش المصري تحت الحصار في الفالوجا لم يمده بالإمدادات ولم تصل له أية إمدادات إلا عن طريق المتطوعين تحت قيادة الضابط معروف الحضري، وظل الجيش تحت الحصار حتى عقدت معاهدة رودس في مارس 1949م، مما زاد من حنق وغضب الجيش على الملك والوزارة.

وبعد وصول المتطوعين من الجماعة في مصر والاردن وسوريا إلى ساحة المعركة في فلسطين واشتباكهم مع عصابات اليهود في معارك ضارية كادت أن تفشل مخططات الصهيونية العالمية وداعميها كما أبانت عن ذلك الدلائل والشهادات التاريخية ، فبدا التخطيط الجدي للتخلص من الغمام الشهيد والجماعة .. ففي هذه الظروف السياسية أصدرت حكومة النقرشي قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948. وفي السطور التالية نعرض لتفاصيل وأسرار خطوة الحل.

" الثابت من الوثائق الصحيحة التي قدمت لهيئة المحكمة التي نظرت قضية (السيارة الجيب ) التي اتهم فيها شباب الإخوان بمحاولة قلب نظام الحكم، وتغيير دستور الدولة بالقوة، أن القرار بالأمر العسكري الذي أصدره النقراشي رئيس الوزراء - بحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال جميع أفراد الجماعة، لم يكن إلا تنفيذا لما انتهى إليه سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا، في اجتماعهم الذي عقد في معسكرات فايد فى 10 / 11 / 1948، وقرروا فيه اتخاذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية في القاهرة لحل جماعة الإخوان المسلمين.

وحتى يكون هناك مبرر لتنفيذ الخطة المدبرة ، قدم الأجانب في مصر شكوى في 9 /7 / 1948 ، إلى السفير البريطاني في القاهرة يذكرون فيها أن حياتهم في مصر أصبحت لا تطاق للاعتداءات التي تقع عليهم في شوارع القاهرة، بزعم أن لهم صلة باليهود الذين يحاربونهم في فلسطين، وذلك رغم انهم اظهروا حسن نواياهم نحو المصريين، ويؤكدون أن سلطات البوليس المصري لم تتدخل لمنع هذه الجرائم ، وان الإشاعات الرائجة هي أن جمعية الإخوان المسلمين تلعب دورا هاما في هذه الحوادث !!. وجاء في ختام الشكوى " وسنكون عارفين لفضلكم لو أنكم اتخذتم الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذه الحوادث المشينة .

وبناء على ذلك أبلغت السفارة البريطانية النقراشي بهذا القرار المطلوب وهو حل جماعة الإخوان المسلمين في أسرع وقت ممكن ، وكان ذلك مصحوبا بتبليغ شفوي بأنه في حالة عدم حل الإخوان المسلمين فستعود القوات البريطانية إلى احتلال القاهرة والإسكندرية .

استدعى رئيس الوزراء محصود فهمي النقراشي وزير الداخلية وقتئذ اللواء عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية وشرح له الأمر، وهو طلب السفارة البريطانية حل جمعية الإخوان المسلمين وإلا احتلوا القاهرة والإسكندرية ، وطلب منه كتابة مذكرة تبرر حل جمعية الإخوان المسلمين أمام الرأي العام، حتى لا يظهر انه ينفذ ما طلبته السفارة البريطانية من تدخل سافر في الشؤون الداخلية لمصر وهي دولة مستقلة ذات سيادة من الناحية الرسمية !!

تعهد اللواء عبد الرحمن عمار بذلك ، واتصل بالمديرين وطلب منهم أن يوافوه بالحوادث التي كان الإخوان المسلمون طرفا فيها ولو كان مجنيا عليهم ، وقد ثبت هذا في شهادته أمام محكمة الجنايات في قضية مقتل النقراشي .

ولما علم الإمام الشهيد حسن البنا بما تبيته الحكومة من حل الإخوان بادر بالاتصال بإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي وقتئذ ، وطلب منه أن يحدد له مقابلة مع الملك ، ليشرح له المضار والأخطار التي تترتب على حل جماعة الإخوان المسلمين ، ولكن إبراهيم عبد الهادي ( زميل النقراشي وخليفته في الحكم بعد اغتياله ) أحاله على عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية ليتفاهم معه في ذلك !!.

وقابل الإمام البنا عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية بمكتبه بالوزارة، وكانت بينهما صلة قديمة حيث كان عبد الرحمن عمار مديرا للقليوبية ورئيسا شرفيا للإخوان بها ، ولما قابل عبد الرحمن عمار الإمام الشهيد حسن البنا قبل يده كعادته ، وقال " أن دولة الباشا(النقراشي ) معذور لان الإنجليز يهددون بإعادة احتلال القاهرة والإسكندرية ولا بد من تنفيذ أمر الحل " .

وفي 4 / 12 / 1948 عطلت جريدة الإخوان المسلمين اليومية إلى اجل غير مسمى .

وفي 8 / 12 /1948 ، أصدرت وزارة الداخلية في الساعة الحادية عشرة مساء قرارا بحل جمعية الإخوان المسلمين، وانطلقت أبواق الحكومة والاستعمار تشيد بهذا العمل البطولي الخارق الذي اقدم عليه النقراشي ، وعجزت عنه الحكومات السابقة …

وانطلقت الاعتقالات والمصادرات للقضاء على الإخوان ، وإبعادهم عن الحياة العامة ، ونزع سلاح المتطوعين منهم في فلسطين ، ووضعوا في معسكرات اعتقال، ثم أرسلوا مكبلين بالحديد إلى معتقل هايكستيب ثم الطور جزاء بطولاتهم وجهادهم ، بعد أن أقيمت العقبات في سبيل نجدتهم لبعض القوات المحاضرة في الفالوجا كما ذكرت ذلك جريدة الأهرام بتاريخ 19 ديسمبر 1950 بقولها " إن الإخوان قد أعدوا جماعتين انتحاريتين لنجدة قوات الفالوجا أثناء حرب فلسطين لكن رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي رفض التصريح لهم بذلك؟

والتساؤل الذي يثار أكان قرار حل الجماعة واعتقال الإخوان ضرويا وتمهيدا لتوقيع الهدنة في فلسطين؟

لا نشك في ذلك حيث أنه في 8 ديسمبر 1948 صدر قرار حل الإخوان ووقعت الهدنة في 24 فبراير 1949. ومن العجيب في الأمر أن قرار الحل الذي أصدره النقراشي بوصفه حاكما عسكريا أنئذ قد استند إلى مجموعة من الوقائع كذبها القضاء وسلطات التحقيق في سنين حكمه.

وهذه الوقائع التي ذكرها قرار الحل تشمل الاتهام للإخوان بإثارة طبقات الفلاحين للمطالبة بدفع قيمة إيجارية معتدلة في تفاتيش الدولة الزراعية أو في أراضي بعض الاقطاعيين،

ومنها أحداث لعب فيها النظام الخاص دورا أساسيا في إحباط محاولة الإنجليز لإرهاب مواطني القنال وذلك بالتعرض لفندق الملك جورج في الإسماعيلية في شهر ديسمبر 1946 وقد كان مقرا لمخابرات البريطانيين في منطقة القنال ومكان التقائهم ببعض المصريين ممن يعاونونهم بالمعلومات،

وما استند إليه قرار الحل أيضا بذكره أنه حدث في 19 يناير سنة 1948 أن ضبط خمسة عشرة شخصا من جماعة الإخوان المسلمين بمنطقة جبل المقطم يتدربون على استعمال الأسلحة النارية والمفرقعات والقنابل وكانوا يحرزون كميات كبيرة من هذه الأنواع وغيرها من أدوات التدمير والقتل،

من الغريب أن هذه الحادثة قد شهد تحقيقها بنفسه النقراشي حيث ثبت أمام القائمين على التحقيق بضبط 165 قنبلة ومفرقعات أن من أوقفوا من أفراد الإخوان قد ثبت تدربهم للقتال في فلسطين وأصدر المحامي العام وقتها قراره بالإفراج عنهم جميعا في حضور رئيس الوزراء النقراشي.

وعلى كل حال فقد فند الإمام البنا الأسباب التي استند إليها قرار الحل في رسالة رد فيها على مذكرة وزير الداخلية بحل الإخوان وذلك في 28 /12/ 1948 م، بأن ما ذهب إليه في مذكراته بأن الجماعة قد تجاوزت الأغراض السياسية المشروعة إلى أغراض يحرمها الدستور، فهدفت إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب بقوله:

"وهذا القول منقوض من أساسه، فلم يكن الإجرام يوماً من الأيام من وسائل هيئة الإخوان المسلمين فإن وسائلهم ظاهرة معروفة... لم تتعارض مع القانون ".

وأما عن حقيقة الحوادث فقد قال ((ويكفى للرد على المذكرة أن القانون حمى هذا النشاط عشرين عاماً ولم يستطع أحد الاعتداء عليه إلا في غيبة القانون وفي ظل الأحكام العرفية الاستثنائية )).

وكذلك فعل المرشد بالنسبة للحوادث الأخرى تفنيداً لها ودحضا للحجج التي سيقت بشأنها، وأنها وإن ثبتت على مرتكبيها فإنه لا يمكن أن تتخذ سبباً لإدانة هيئة الإخوان المسلمين ، أو تنهض دليلاً على أن الإخوان عدلوا عن وسائلهم القانونية إلى وسيلة إجرامية ،

وقد حشدت المذكرة هذا الحشد المقصود للتذرع به دون وجه حق إلى هدم بناء إصلاحي ضخم جنت منه مصر والبلاد العربية والإسلامية أبرك الثمرات ، بل إن الدليل القاطع الدافع ينادى ببراءة الإخوان من هذا الاتهام ، فهذه دورهم وشعبهم وأوراقهم وسجلاتهم ومنشآتهم قد وضعت كلها تحت يد البوليس في جميع أنحاء مصر فلم يعثر في شئ منها على ورقة واحدة تصلح أن تكون دليلاً أو شبه دليل على هذا الانحراف المزعوم، بل تجد الحكومة أمامها إلا المدارس تقدمها لوزارة المعارف والمشافى والمستوصفات تقدمها لوزارة الصحة والمصانع والمعامل تقدمها لوزارة التجارة والصناعة وكفى بهذا شرفاً وإشادة بجهود الإخوان الإسلامية النافعة لهذا الوطن العزيز.

وقد رد على اتهام المذكرة للإخوان:

بأنهم اتخذوا أكثر من وسيلة لخوض غمار السياسة وأنهم أرادوا بذلك الوصول إلى الحكم وقلب النظم المقررة في البلاد،

بأن هذا اتهام يعلم الكل بطلانه (( وكل ما هناك أن الإخوان كهيئة إسلامية جامعة مزجت الوطنية بروح الدين واستمدت من روح الدين أسمى معاني الوطنية ، ولم تبتدع ذلك ابتداعاً... وإنما هي طبيعة الإسلام الذي جاء للناس ديناً ودولة...)).

وتناول المرشد في رده كلمة عن الإخوان و فلسطين قال فيها (( ولعل الذي يسر للحكومة سبيل هذا الاتهام وسهله عليها.. هو عمل الإخوان وجهادهم في سبيل فلسطين ، وإن كان هذا العمل من أنصع الصفحات وأمجدها في تاريخ دعوتهم ))

وبين أن خطوات الإخوان في ذلك كانت بإذن من الجهات المختصة.

ثم تناول تحت عنوان الدوافع الحقيقية في مواقف الحكومة (( مستحيل أن يكون الدافع الحقيقي لهذه الخطوة الجريئة من الحكومة مجرد الاشتباه في مقاصد الإخوان أو اعتبارهم مصدر تهديد للأمن والسلام ـ وهو مالم يقم عليه دليل ولا برهان ـ ولكن الدافع الحقيقي فيما نظن هو انتهاز الأجانب فرصة وقوع بعض الحوادث مع اضطرابات السياسة الدولية وقلق المواقف في فلسطين ، وتردد سياسة مصر بين الإقدام والإحجام ـ فشددوا الضغط على الحكومة.

وقد شهد بذلك عمار بك بنفسه (وكيل وزارة الداخلية) وأقر بأن سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا قد اجتمعوا في فايد وكتبوا لدولة النقراشي باشا في صراحة بأنه لابد من حل الإخوان المسلمين.

وكان في وسع دولته أن يزجرهم عن مثل هذا التدخل في شأن داخلي بحث وأن ينظرهم حتى تظهر نتيجة التحقيقات، وأن يتعاون مع الإخوان على إزالة هذا الوهم من أنفسهم، ولكنه بدلا من ذلك استجاب لهذه الرغبة الأجنبية، وأصدر قرار الحل فأشمت الأعداء وأحزن المؤمنين الأتقياء.

وهكذا يقيم الشواهد كل يوم على أن مصر للأجانب قبل أن يكون لأهلها منها نصيب وأن قيادة شعبها لا مانع لديها من أن تقدم حرياتها قرباناً لإرضاء السفراء ورعايا الدول التي طالما ناصبتنا العداء، وأنزلت بنا البلاء ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

ويكون لما يشاع من قرب الاتفاق بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية أصل في هذه الخطوة أيضاً...

وتكلم عن التعسف في التنفيذ،

كما قال(( لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبرى تهيأ لها شعب هذا الجيل من أبناء الوطن، وأفضل العقائد وترك في النفوس أعمق الآثار..

وسيقول التاريخ كلمته ويظهر المستقبل القريب آيته.ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.الرعد17.

﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾.الأعراف128.

أما قرار الحل نفسه فيقول المرحوم الأستاذ عبد الرحمن الرافعي عنه:

" لعمري أن النقراشي لم يكن موفقا في إصدار هذا الأمر، فإنه ليس من العدل أن تؤخذ الجمعيات والأحزاب بتصرفات أو جرائم وقعت من بعض أعضائها بل يجب أن يقتصر الجزاء والقصاص على من ارتكبوا هذه الجرائم “ولا تزر وازرة وزر أخرى”،

والدستور يحرم إلغاء الجمعيات إلا في حدود القانون، ولم يكن صدر قانون الجمعيات بعد، والدستور يحرم مصادرة الأموال والأملاك، نوقد صادرت الحكومة أموال الجماعة وأملاكها ووضعت دورها وشعبها ومنشآتها وسجلاتها وأوراقها تحت يد البوليس، وصادرت ما أنشأته من معاهد العلم ومستوصفات ومعامل، بل أن شركات مدنية وتجارية صادرتها بحجة أن لها صلة بهذه الجماعة، كشركة المناجم والمحاجر العربية وشركة الإعلانات العربية وشركة الإخوان للنسيج ودار الإخوان للصحافة والطباعة ومدارس الإخوان بالإسكندرية وما إلى ذلك.

كل هذه تصرفات لا يجيزها القانون والدستور، وإذا كانت الأحكام العرفية من شأنها تعطيل أحكام الدستور والقانون العام، فكان واجبا على الحكومة أن تقصر هذا التعطيل على ما تقتضيه حالة الحرب في فلسطين وما يستدعيه حفظ النظام، لكن هذا الأمر العسكري قد خرج عن مدلول هذه الحكمة.

- في 28 ديسمبر 1948 م اغتيل النقراشي باشا رئيس الحكومة بعد عشرين يوماً من قرار حل الجماعة، واتهم القاتل بصلته بالجماعة ولكن التحقيق نفي صلة الجماعة بالحادث ،

غير أن الجماعة في ظل الحل واعتقال قادتها دخلت في طور المحنة الشديد على يد إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء الذي نكل بالجماعة تنفيذا لرغبة الملك والانجليز واستكمالا لسياسة القضاء على الجماعة والتي بلغت ذروتها باغتيال الإمام البنا في 12/ 2/ 1949م.

المؤامرة الدولية (استشهاد الإمام حسن البنا)

كانت الإشارات، والتعليقات، والاستفزازات، والاستعداءات التي ملأت الصحافة الأجنبية من مصادر مختلفة، وكان عمل العداءات الصليبية اليهودية والاستعمارية أوضح من أن يحتاج اكتشافه إلى ذكاء غير عادى، كما كان تصاعد عمل الإخوان في القضية الوطنية وقضية فلسطين بصورة قوية وعملية له ردود فعل خطيرة لدى الإنجليز وحلفائهم والصهيونية العالمية .

ولم يكن للإخوان خيار في أداء واجبهم الوطني والإسلامي نحوهما، وإن كان ذلك قد أدى إلى نتائج بالغة الخطورة، فقد كان تحرير البلاد من الاستعمار، وقتال اليهود المحاربين فريضة إسلامية وواجباً قومياً، وما كان للإخوان أن يتخلوا عن أداء الفرائض والواجبات مهما كلفهم ذلك من ثمن والله خير وأبقى.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتتابع فصول المؤامرة التي شاركت فيها الحكومة الحاقدة، وخططت لها القوى الدولية الطاغية ، للقضاء على جماعة الإخوان واغتيال مرشدهم في محاولة إجرامية للتخلص من هذه القوى التي مزجت بين الدين والسياسة فغيرت بتغلغلها في الشعب المصري ومد خيوطها فكراً وحركة في الدول العربية والإسلامية، وأصبحت تهدد بضياع مجهودهم عبر أكثر من قرن لإسقاط الخلافة وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية بعودتها على يد هذه الدعوة إلى الظهور من جديد في غضون وقت قصير، كان لابد لهم من ذلك لإنقاذ مصالحهم الاستعمارية التي باتت مهددة في حاضرها ومستقبلها.

كان لابد من منطلق مصالحهم الآثمة، ووفق أساليبهم المتبعة، من إملاء إرادتهم على السلطة الحاكمة وتنفيذ ما يريدون، من وضع حد لحياة داعية هذا العصر الإمام حسن البنا الذي أسس هذه الجماعة العاملة، وقاد مسيرتها الناجحة ، وغزا بدعوته الحية قلوب الملايين، ولم تفلح معه أساليب القوي الاستعمارية في صرف أعدائهم عن عداواتهم باستخدام الحيلة أو القوة أو التلويح بالسلطة والجاه، فقد ثبت لقوى البغي العالمية عجزها عن أن تقف في وجه حريته أو أن تصرفه عن غايته وفكرته، وإن كان هو لا يضمر كراهية لشعب ولا يطالب بأكثر مما هو حق للشعوب في حريتها واحترام مبادئ دينها ومساواتها بغيرها .

فعلى أثر صدور قرار الحكومة الظالم بحل الجماعة ، ومصادرة ممتلكاتها وإغلاق دورها، واعتقال الإخوان ، وحرمان مرشدها من إجابته إلى طلبه المتكرر باعتقاله مع إخوانه، هيأت الحكومة بأساليبها الدنيئة وأعوانها الأدنياء للجريمة.

حتى إذا كان يوم 14 ربيع الآخر 1368هـ - 12 فبراير 1949 م، فاجأوا ضحيتهم البريئة بإطلاق الرصاص في الطريق العام وتلقاها تلقى البطل الشجاع وحمى نفسه بنفسه منها فلم تنل منه مقتلا، حتى إذا حملوه إلى المستشفى بعيداً عن أعين الرقباء، إلا عين الله التي لا تغيب عنه غائبة، تركوه لينزف دمه الزكي حتى فاضت روحه الطاهرة وصعدت إلى ربها راضية مرضية ، فلقد طالما سأل الله تعالى أن يرزقه الشهادة فأعطاه إياها.

وأدخل جثمانه الطاهر منزله وسط مظاهرة مسلحة من رجال البوليس شاهرة أسلحتها في وجوه سيدات أسرته الصابرة المؤمنة المحتسبة. فحملن نعشه إلى قبره ولم يسمح لأحد بالسير في جنازته، ولا بتلاوة القرآن في منزله ليلحق بركب شهداء الدعوة فيمن سبق وليلحق به بعد من لحق: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ﴾ الأحزاب:23، رحم الله شهداءنا وألحقنا بهم في الصالحين.

وإن ما خفي من أسرار السياسة الدولية يوما ما، لن تلبث الأيام أن تكشف عنه والعالم كله يعرف جيداً أساليب الإنجليز وحلفائهم ، ومكر الصهيونية العالمية وما تمارسه من ضغوط على الدول الكبرى لتنفيذ مصالحها وإن كانت على حساب مصالح شعوب هذه الدول ، وأن الأمور أوضح من أن لا تحتاج إلا إلى أكثر من إشارة.

ولاشك أن عداوة هذه الدول للإسلام، ولكل حركة تدعو إلى إحياء دعوته في قلوب المسلمين وإلي العودة إلى الإسلام، واستعادة الحكم بشريعته وإقامة حضارته، عداوة يعود ضررها عليهم وعلي الإنسانية أكثر مما يعود ضررها علي الإسلام والمسلمين لأنهم يحاربون الله ورسوله فهم في الأذلين، ونحن ما تمسكنا بديننا وعملنا به في كل أمرنا وابتغينا وجه الله في دنيانا وآخرتنا فإن العاقبة للمتقين ولن يضيع الله عباده المجاهدين ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم*إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ البقرة:143

وبعد:

فقد تنبأ الأستاذ البنا بحصول كل هذه المحن وطالما كان يتحدث عنها وكأنه يراها، ويبين أن هذه هي سبيل أصحاب الدعوات، ويضرب الأمثال بما حدث للمجاهدين والنبيين من قبل، وكأنه وثق منها حتى أصبحت عقيدة راسخة في رأسه، فسجلها للإخوان في رسائله حيث يقول رحمه الله : “ أحب أن أعرفكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها، ويدركون مراميها وأهدافها، ستلقي منهم خصومة شديدة، وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات،

أما الآن فلا زلتهم مجهولين، ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تطلبه من كفاح وجهاد، سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين من العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوى الجاه والسلطان، وستقف في وجوهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة، والأخلاق الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجمع حول دعوتكم غبار الشبهات، وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين علي قوتهم وسلطانهم، معتدين بأموالهم ونفوذهم وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون، وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان “ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون “

ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين المحسنين.

ولكأن الرجل الملهم كان ينظر بعين الغيب، فقد تحقق بعد الحل كل ما كتبه في هذه الرسالة التي كتبها للإخوان قبل نشوب الحرب العظمي الثانية وقبل أن تحل تلك المحنة بسنوات، وإن كان قد عكف علي تكرار هذه المعاني قبل المحنة مباشرة، حتى يعد الإخوان لاستقبالها فلا يصدموا بحقيقتها المروعة، ووسائلها التي أعادت ألي الأذهان صور محاكم التفتيش الأسبانية.

وقد صدقت جميع نبوءاته حتى في رجال الدين أنفسهم، فقد تطوع منهم من ألقي حديثاً في الإذاعة يؤيد به ما ذهبت إليه الحكومة من نفي الإخوان، مستدلاً بالآية الكريمة “ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الأرض “ وعلقت هذه الآية الكريمة في معتقل الطور وسائر المعتقلات ليقرأها الإخوان بأمر إدارة تلك المعتقلات، وواضح أن في ذلك ما فيه من معاني التحدي، والاستفزاز للشعور، والإيلام النفسي للإخوان باتهامهم بأنهم يحاربون الله ورسوله، مع أن هتافهم، الله غايتنا، والرسول زعيمنا.

وختاماً:

وديعة الإمام البنا رضي الله عنه بلا زيادة ولا ونقصان .. أوضح من فلق الصبح وأبين من أن يحجب نورها كل محاولات الطمس والتشويه التي جرت وستجري حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.


ماذا يريد الإخوان المسلمون ؟ وما وسائلهم لتحقيق ما يريدون ؟

هذا السؤال يجيب عليه النظام الأساسي للجماعة الصادر بتاريخ 1367 هـ الموافق 1948 حيث يقول :

مادة (2): الإخوان المسلمون " هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف وما يتصل بهذه الأغراض :

(أ‌) شرح دعوة القرآن الكريم شرحا دقيقا يوضحها ويردها إلى فطريتها وشمولها، ويعرضها عرضا يوافق روح العصر، ويرد عنها الأباطيل والشبهات .

(ب‌) جمع القلوب والنفوس على هذه المبادئ القرآنية وتجديد أثرها الكريم فيها، وتقريب وجهات النظر بين الفرق الإسلامية المختلفة .

(ج) تنمية الثروة القومية، وحمايتها، وتحريرها، والعمل على رفع مستوى المعيشة .

(د) تحقيق العدالة الاجتماعية، والتأمين الاجتماعي لكل مواطن، والمساهمة في الخدمة الشعبية، ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة، وتشجيع أعمال البر والخير .

(هـ) تحرير وادي النيل والبلاد العربية جميعا والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي، ومساعدة الأقليات الإسلامية في كل مكان، وتأييد الوحدة العربية تأييدا كاملا، والسير إلى الجامعة الإسلامية .

(و) قيام الدولة الصالحة التي تنفذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليا، وتحرسها في الداخل وتبلغها في الخارج .

(ز) مناصرة التعاون العالمي مناصرة صادقة في ظل المثل العليا الفاضلة التي تصون الحريات وتحفظ الحقوق، والمشاركة في بناء السلام والحضارة الإنسانية، على أساس جديد من تآزر الإيمان والمادة كما كفلت ذلك نظم الإسلام الشاملة .

مادة3- يعتمد الإخوان المسلمون في تحقيق هذه الأغراض على الوسائل الآتية وعلى كل وسيلة أخرى مشروعة :

(أ‌) الدعوة بطرق النشر والإذاعة المختلفة من الرسائل والنشرات والصحف والمجلات والكتب والمطبوعات وتجهيز الوفود والبعثات في الداخل والخارج.

(ب‌) التربية بطبع أعضاء الهيئة على هذه المبادئ، وتمكين معنى التدين العملي لا القولي في أنفسهم أفرادا وبيوتا، وتكوينهم تكوينا صالحا – بدنيا بالرياضة، وروحيا بالعبادة، وعقليا بالعلم – وتثبيت معنى الأخوة الصادقة، والتكامل التام والتعاون الحقيقي بينهم، حتى يتكون رأي إسلامي عام موحد، وينشأ جيل جديد يفهم الإسلام فهما صحيحا ويعمل بأحكامه ويوجه النهضة إليه .

(ج) التوجيه بوضع المناهج الصالحة في كل شؤون المجتمع من التربية، والتعليم، والتشريع، والقضاء، والإدارة، والحندية، والاقتصاد والصحة العامة، والحكم .. الخ . والاسترشاد بالتوجيه الإسلامي في ذلك كله والتقدم بها إلى الجهات المختصة، والوصول بها إلى الهيئات النيابية والتشريعية والتنفيذية والدولية، لتخرج من دور التفكير النظري إلى دور التفكير العملي .

(د) العمل – بإنشاء مؤسسات اقتصادية واجتماعية ودينية وعلمية، وبتأسيس المساجد والمدارس والمستوصفات والملاجئ ..الخ .

وتأليف اللجان لتنظيم الزكاة والصدقات لأعمال البر، والإصلاح بين الأفراد والأسر، ومقاومة الآفات الاجتماعية، والعادات الضارة، والمخدرات والمسكرات والمقامرة والبغاء، وإرشاد الشباب إلى طريق الاستقامة، وشغل وقت الفراغ بما يفيد وينفع، ويستعان على ذلك بإنشاء أقسام مستقلة.

ويوجز رحمه الله وما وفقه الله لبناء دعوة الحق والقوة والحرية عليه :

" إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة )

وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام، وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها .

والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور :

1- الإيمان العميق .

2- والتكوين الدقيق .

3- والعمل المتواصل .

فتلك هي وسائلكم العامة أيها الإخوان فآمنوا بفكرتكم وتجمعوا حولها واعملوا لها واثبتوا عليها .

وبعد فقد كانت هذه سياحة تاريخية في مراحل البناء الفكري للجماعة على يد مؤسسها ومرشدها الأول الإمام حسن البنا رضي الله عنه والتي بقيت وستبقى بفضل الله أولا وأخيرا فهو الغاية وهو صاحب الأمر من قبل ومن بعد :

  • في فكرتها : القوة والجلال.
  • وفي كيانها : الأخوة والحب.
  • وفي نشاطها : البذل والفداء.

بالرغم من أنها قد حوربت بأخطر ما حوربت به بثلاث:

  • في فكرتها : بتشويه جمال الإسلام.
  • وفي كيانها : بالوقيعة والدس.
  • وفي نشاطها : بالإغراء يعرض الحياة الدنيا.

ومازالت بحمد الله تعالى نبضا قويا يدوي في العالمين ببعث إسلامي جديد دعوته هي الإسلام، وكيان لهذا البعث أواصر ثلاث :

  • آصرة الروح.
  • وآصرة الفكرة.
  • وآصرة التنظيم.
  • وهي التي عبر عنها حسن البنا بالإيمان العميق، والتكوين الدقيق والعمل المتواصل.

يقويها بالرغم من كل ما تواجهه من خطوب عظمة الرسالة التي تحملها.. فهي تحمل رسالة الإسلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد ، وهي بذلك تجد طريقها إلى القلوب والعقول باسم الله ، وتكتسب بفضل الله يوما بعد يوم هذا العدد الكبير من شباب المسلمين الذي اجتمع عليها في كل مكان وأعطاها من ذات نفسه، وفطموا بها أنفسهم عن الشهوات، وبذلوا لها من الوقت والمال والجهد ولم تعد تزيدهم الأيام إلا رشدا ولا تتابع الأحداث إلا عزما وإصرارا..


من وصايا المرشد العام

1- يا أخى، لا تعش بغير غاية، فإن الله لم يخلقك عبثًا ولم يتركك سدى.

2- يا أخى، ليكن الله غايتك واسمع قول الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾[الذاريات: 50].

3- يا أخى، إنما تحرص فى هذه الحياة على أمرين؛ رزقك وأجلك ولا سلطان لأحد عليهما إلا الله، فلا يمنعك الحرص عليهما أن تعمل للحق.

4- يا أخى، إنما تنهض الأمم بالتضحية وتقوم الدعوات على الوفاء، فإن كنت تعيش لأمتك فضح فى سبيلها، وإن كنت مؤمنًا بدعوتك فاجتهد فى الوفاء لها.

5- يا أخى، لا تقل مالا تفعل، ولا يغرنك أن يحسبك الناس عاملاً، ولكن همك أن يعلم الله منك صدق ذلك فإن الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا.

6- يا أخى، ولن يستطيع أى صاحب أن يكون لك فى غير هذه الحياة الدنيا، وهناك صاحب واحد ينفعك فى حياتك ويلازمك فى آخرتك ذلك هو العمل الصالح، فاحرص على أن يكون صاحبًا لك فى كل حال وتذكر قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[المؤمنون: 51].

7- يا أخى، قلبك محل نظر الله منك، فاحذر أن تدنسه بالخصومة، فإنها حجاب فى الدنيا وعذاب فى الآخرة: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء: 88-89].

8- يا أخى، اجتهد أن تؤمن بفكرتك إيمانًا يخضع لها أملك وعملك، واسمع قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[التوبة: 119].

9- يا أخى، اعتقد أنك تعمل لغايتين؛ أن تنتج، وأن تقوم بالواجب، فإن فاتتك الأولى فلن تفوتك الثانية ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأعراف: 164].

10- يا أخى، لابد من الموت فاجعله فى سبيل الله، فإن فناء فى الحق لهو عين البقاء، وإنك يوم تموت شهيدًا تكسب الشرف والأجر والخلود والحياة على حين أنك لم تخسر شيئًا أبدًا ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران: 169].

والله اكبر ولله الحمد


للمزيد عن تاريخ الإخوان المسلمين

تعرف على تاريخ الإخوان المسلمين


للمزيد عن الإمام المؤسس حسن البنا

Banna banner.jpg