قضاة: صياغة المادتين ٨٨ و١٧٩ من الدستور.. ردة عن الديمقراطية وتكريس لمناخ استبدادي قمعي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قضاة: صياغة المادتين ٨٨ و١٧٩ من الدستور.. ردة عن الديمقراطية وتكريس لمناخ استبدادي قمعي


كتب طارق أمين


انتقد قضاة بارزون صياغة تعديلات الـ٣٤ مادة من مواد الدستور والتي انتهت إليها لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية مؤخراً، وبالأخص المادتان ٨٨ المتعلقة بالإشراف القضائي علي الانتخابات و١٧٩ المتعلقة بمكافحة الإرهاب، واعتبر القضاة أن التعديلات الدستورية المقترحة ردة عن الديمقراطية، وافتئات علي المطالب الشعبية بالإصلاح والحرية، وتكريس لمناخ استبدادي قمعي.

وأكد المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض، أن الصياغة الأخيرة للمادة ٨٨ من الدستور، خرجت عن الالتزام بحكم المحكمة الدستورية العليا عام ٢٠٠٠ بخصوص الإشراف القضائي الحقيقي والكامل علي الانتخابات، وأفرغت معني ومغزي الإشراف القضائي من مضمونه والذي يعني الإمساك بالزمام - طبقاً للحكم - أي أن تتم جميع إجراءات العملية الانتخابية تحت سمع القاضي وبصره.

وقال: الصياغة الأخيرة للمادة ٨٨ انتهت إلي النص علي: «إنشاء لجنة عليا تتولي الإشراف علي الانتخابات علي أن يكون من بين أعضائها أعضاء من هيئات قضائية حاليون وسابقون، وتشكل اللجنة العامة التي تشرف علي الدوائر واللجان التي تباشر إجراءات الاقتراع والفرز، علي أن تشكل اللجان العامة من أعضاء من هيئات قضائية، وأن يتم الفرز تحت إشراف اللجان العامة».

وأضاف: ما انتهت إليه لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب، لا يلتزم بالإشراف القضائي بهذا المعني، وإنما الإشراف هنا معناه عدم الإمساك، بالزمام أو بمعني قضاة يشرفون لكن لا تجري عملية الاقتراع تحت سمعهم وبصرهم، وبذلك يكون الإشراف القضائي معناه «التوريط القضائي».

وتابع: إن الخطورة هنا في مسألة اختيار قضاة بعينهم لأداء عمل بعينه مما يورث الشبهة، خصوصاً أن القضاة بشر وأي تجمع بشري فيه الصالح والطالح، كما أن المختار سيكون أسيراً لمن اختاره.

واستطرد مكي: كان رأينا في نادي القضاة إما إشرافاً كاملاً للقضاة من بداية العملية الانتخابية وحتي نهايتها بإعلان النتائج، أو إعفاءنا منها تماماً، كما طالبنا بأن تقوم الجمعيات العمومية للمحاكم كل عام أثناء انعقادها لمباشرة مهامها باختيار القضاة أعضاء اللجنة العليا، ودون أن يحصلوا علي أجر أو مكافآت من عملهم، كما لا يجوز لهم تولي الوظائف التنفيذية أو السياسية خلال فترة معينة حتي تتم الانتخابات بنزاهة وشفافية.

ولفت مكي إلي أن العبرة ليست في أن يكون باللجنة قضاة حاليون وسابقون، ولكن يجب أن يسند اختيار هؤلاء القضاة إلي الجمعيات العمومية للمحاكم باعتبارها أعلي سلطة قضائية علي الإطلاق، مادام الأمر يتعلق بالقضاة، ونحن طالبنا في نادينا مراراً وتكراراً بأن تكون جميع القرارات في يد الجمعيات العمومية للمحاكم كما كانت في السابق، وقبل اختراع ما يسمي تفويض رئيس المحكمة.

وأكد نائب رئيس محكمة النقض، أن الدولة تريد من القضاة أن يشاركوا شكلياً في الانتخابات، أو بمعني آخر أن يتورطوا في المشاركة فيها، في حين أن من يقوم بإدارتها هم من غير القضاة، وهذا أكبر خطر علي نزاهة الانتخابات والثقة العامة في القضاء وسمعة مصر.

وتوقع مكي في ظل عدم جدوي إشراف القضاة علي الفرز في اللجان العامة والذي كان مطبقاً قبل سنة ٢٠٠٠، أن تشهد الانتخابات المقبلة تسويداً كاملاً لبطاقات الاقتراع ولجاناً كاملة، وعودة غير مسبوقة في تصويت الأموات في الانتخابات.

وأشار إلي أن من مساوئ إبعاد القضاة عن اللجان الفرعية، أننا كنا أثناء الفرز في اللجنة العامة نفاجأ برزم ملفوفة بدوبارة بداخل الصناديق، وكثيراً ما كنا نجد جميع البطاقات في الصناديق مكتوبة «متعلم عليها»، بخط واحد بيد شخص أعسر مثلاً!

كما توقع مكي أن يشهد الاستفتاء علي التعديلات الدستورية المقترحة الذي سيجري في أوائل الشهر المقبل، تلاعباً واضحاً مثلما حدث في الاستفتاء السابق علي تعديل المادة ٧٦.

وأشار إلي خطورة المادة ١٧٩ الخاصة بمكافحة الإرهاب والتي تتعارض مع مواد عديدة في الدستور القائم، وتهبط بمقام رئيس الجمهورية بصورة غير مسبوقة، طبقا لصياغة المادة «الفقرة الثانية» التي انتهت إليها لجنة مجلس الشعب وتقول:

«ولرئيس الجمهورية أن يحيل أي جريمة من جرائم الإرهاب إلي أي جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون»، موضحا أن هذه الفقرة تخالف ٣ مواد بالدستور مخالفة صريحة فضلا عن مخالفتها جميع المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر، حيث تتعارض مع نص المادة ٧٣: «رئيس الجمهورية حكم بين السلطات»، فأصبح الرئيس خصما في الدعاوي الجنائية، خصوصا أن المادة تعطيه الحق في الاطلاع علي القضية وتكوين رأي فيها والانحياز إلي الادعاء ثم إحالة المتهمين إلي المحكمة، وبالتالي سنشهد تعريضا وخصومات كثيرة مع الرئيس في تلك القضايا ومذكرات المحامين ومرافعاتهم، كما تخالف نص المادة ٦٨ الدستور والتي تنص علي «عدم جواز حرمان مواطن من قاضيه الطبيعي»، وتخالف المادة ١٦٦ التي تنص علي أنه «لايجوز لأي سلطة ـ غير القضاء ـ التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة»، كما تتعارض مع المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر عن حق المتهمين في المحاكمة العادلة، وأنه لايجوز ندب قاض بعينه لنظر قضية بعينها، وأن المحاكمة يجب أن تكون محددة وفقا لقواعد قانونية مجردة في وقت سابق علي وقوع الجريمة.

وخلص مكي إلي أن كل ذلك يعصف بمبادئ العدالة ويورث شبهة في الأحكام لن يسلم منها رئيس الجمهورية. وقال المستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض: انتهت صياغة التعديلات الدستورية، كما كان متوقعا، ودون أن يلتفت إلي آراء رجال القضاء والقانون والدستور فضلا عن القوي الوطنية، وحتي دون اعتبار لإرادة الشعب مصدر السلطات.

وأضاف: الشعب منذ البداية أدرك ما هو مخطط له في تلك التعديلات، فانصرف عن المشاركة أو الاهتمام بها، وهو ما يدل ـ في رأيي ـ علي أن الشعب كان أكثر وعيا ونضجا من النخبة المثقفة الساذجة التي شاركت في الحوار دون جدوي ودون أن تفهم المناخ السياسي الذي نعيشه الآن.

متابعا أن البعض يري أن الشعب كان موقفه سلبيا وهو أمر غير صحيح لأن الناس فهمت أنه مهما تحركت أو فعلت فإن المناخ السياسي والوضع الراهن لن يسمحا بأي تغيير ولن يلتفتا إلي أي مطالب، خصوصا أن هذا الشعب هو الذي هب لمساندة مطالب القضاة وناديهم وحمايتنا من الفصل التعسفي من القضاء.

وأكد البسطويسي أن صياغة المادة ٨٨ المعدلة تنهي زمن الإشراف القضائي، وتعصف بضمانات نزاهة وشفافية الانتخابات، كما أنها ستعود بالزمن إلي ما قبل عام ٢٠٠٠ وحكم الدستورية العليا الذي جعل الانتخابات تحت إشراف القضاة بمبدأ قاض لكل صندوق.

وأشار إلي أنه إذا وافق البرلمان علي الصياغة الحالية، فعلي الشعب أن يدرك تماما أن أي انتخابات واستفتاءات سيتم إجراؤها ستكون منزوعة الإشراف القضائي الحقيقي، وأن القضاة غير مسؤولين عما سيجري فيها من تزوير وتلاعب، وناشد نائب رئيس محكمة النقض الشعب المصري ما ستدعيه الحكومة وقتها من أن الانتخابات كانت تحت إشراف القضاة.

وحول صياغة المادة ١٧٩ الخاصة بمكافحة الإرهاب، قال نائب رئيس محمة النقض: الاستثناء الوارد في النص من أحكام المواد ٤١ و٤٤ و٤٥ من الدستور لا مبرر له، وسيؤدي إلي انتهاك الحقوق والحريات حيث لا ولن تتوفر رقابة قضائية سابقة علي الإجراء المتخذ ضد المتهمين، وأضاف هذه الصياغة تخالف جميع المواثيق الدولية وتمثل عدواناً علي استقلال القضاء، حيث تعطي الحق لرئيس الجمهورية في إحالة المدنيين إلي المحاكم العسكرية، وهو ما سيجعل من الدستور المصري نموذجا لانتهاك الحقوق الإنسانية والانتقاص من استقلال القضاء، متابعا أن تلك المادة التي تنص صراحة علي إحالة المدنيين إلي محاكم عسكرية لا تتوافر لها ضمانات المحاكمة العادلة ستفتح الباب لجلب مسؤولين مصريين للمحاكم أمام المحاكم الدولية بتهم مختلفة مثلما يحدث في دول قريبة.

واستطرد البسطويسي: كما أن صياغة المادة ٧٦ من الدستور الخاص بالانتخابات الرئاسية بشكلها الحالي تجاهلت الإرادة الشعبية الواضحة والمطالبة بإلغاء جميع الأحكام المخالفة لمبادئ الديمقراطية التي تضمنتها تلك المادة عند تعديلها سنة ٢٠٠٥، سواء في شروط الترشح للرئاسة أو اللجنة المشرفة علي هذه الانتخابات بصلاحياتها الخطيرة.

وتساءل البسطويسي عن السبب الذي يمنع الأحزاب السياسية عن تجميد نشاطها بعد التعديلات المطروحة والتي أغلقت أبواب الانتخابات النزيهة، وفتحت أبواب الانتهاكات للحقوق والحريات، وجدد تساؤله حول جدوي الاستمرار في المشاركة رغم أن الشعب اتخذ موقفا بمقاطعة ما يجري حوله، مطالبا الأحزاب والقوي الوطنية بأن تحذو حذو الشعب في المقاطعة.

وشدد المستشار محمود رضا الخضيري نائب رئيس محكمة النقض رئيس نادي قضاة الإسكندرية علي أن صياغة المادة ٨٨ من الدستور بهذا الشكل هي تقنين للتزوير والتلاعب في الانتخابات وقال الاقتراع الذي يتم داخل اللجان الفرعية هو صلب العملية الانتخابية وإذا استبعدوا القضاة وأعضاء الهيئات القضائية منه فلا تسألوا عن النزاهة أو الشفافية، مضيفا أن الحكومة لن تحتاج إلي أكثر من ٥٠٠ قاض للإشراف.

ودعا الخضيري القضاة للامتناع عن الإشراف حتي لا يقعوا في فخ ووزر الإشراف القضائي غير الحقيقي والشكلي، وحتي لا يتم تلويث سمعتهم فيما سيجري فيها، وطالب نائب رئيس محكمة النقض بإسناد الانتخابات إلي موظفين وإبعاد القضاة، لكن مع وجود رقابة دولية عليها، وأكد الخضيري أنه يعلن صراحة عن أنه في وجود إشراف قضائي كامل أو غير كامل فإن الرقابة الأجنبية مطلوبة وضرورية وهي لا تتنافي مع السيادة كما يدعي البعض، لأن كل الدول العظمي فيها رقابة دولية.

وأشار إلي أن صياغة المادة ١٧٩ بهذا الشكل ستقضي علي ضمانات وحقوق المتهمين والحريات العامة للمواطنين وتنزع الرقابة القضائية علي الأحكام الصادرة، وسيصبح الجميع تحت رحمة «البوليس» بمن فيهم القضاة.