قضية الإصلاح بين الإسلاميين والعلمانيين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:٢٦، ٢ فبراير ٢٠١٢ للمستخدم Elsamary (نقاش | مساهمات) (حمى "قضية الإصلاح بين الإسلاميين والعلمانيين" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قضية الإصلاح بين الإسلاميين والعلمانيين

بقلم: د. محمود غزلان

في أواخر عام 2005م نشرت مقالاً بعنوان (رسالة إلى إخواننا العلمانيين)؛ طلبت منهم فيه أن يدرسوا الإسلام من منابعه ومصادره، ومن خلال علمائه ومفكِّريه، وأكدت لهم فيه أنهم لو فعلوا ذلك لصاروا من أنصاره ومؤيديه، ولكن يبدو أن دعوتي كانت صرخةً في وادٍ، فاستمرَّ تصورُهم للإسلام كتصوُّر الغربيين للمسيحية في القرون الأخيرة، وفهموه عبر المفاهيم والقيم الغربية.

ولذلك رأيناهم يحملون علينا بشدة كلما أعلنا عن موقفنا بوضوح من قضية ما، بل ويتنادون إلى مزيد من الضغط علينا حتى نتراجع عن هذا الموقف إلى الموقف المطابق لموقفهم من هذا الموضوع، وهنا أسجِّل عدة ملاحظات:

أما يكفي الضغط الهائل الذي نتعرَّض له داخليًّا وعالميًّا.. المادي منه والمعنوي؛ الذي يراه الجميع؟ ثم لمصلحة من يتم هذا الضغط؟

ثم هل المفروض أن نكوِّن أنفسنا ونعبِّر عن مبادئنا وآرائنا؟ أم المفروض أن نكون مثلهم ونعبِّر عن أفكارهم وآرائهم؟ أم يريدوننا أن نُظهر غير ما نُبطن؟ وهذا ما لن يكون..

إن قصارى ما يملكون من حق أن يقولوا رأيهم في موقفنا، ونحن من حقنا أن نراجع مواقفَنا؛ فإذا ما كانت تستند إلى نصوص ثابتة أو إجماع بحيث تعتبر من الثوابت الشرعية تمسَّكنا بها، وإن كانت من المسائل الاجتهادية بحثنا عن الأصلح والأوفق وتمسَّكنا به؛ سواءٌ رضي عنه العلمانيون أم سخطوا؛ لأن لنا مرجعيتنا التي نحترمها ونقدِّسها؛ وهي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ..﴾ (الشورى: من الآية 10)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ (النساء).

وهم وإن كانت مرجعيتهم أفكار الغرب ومبادئه فإننا لا نسمح لأنفسنا ولا نتنادَى فيما بيننا بالضغط عليهم أو محاولة إكراههم للتنازل عنها؛ قصارى ما نفعله هو دعوتهم لسماع وجهة نظرنا ودراسة الإسلام الذي يدينون به دراسةً متعمِّقةً؛ فنحن نُحسن الظن، ونعتبر مرجع الأمر إلى عدم العلم بالإسلام.

وبديهيٌّ أنني أخاطب الباحثين والمحلِّلين المحترمين الجادِّين؛ الذين يجتهدون، ولكنَّ مشكلتهم أنهم لا يفهموننا؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، وهم لا يرون إلا الظاهر والمواقف السياسية، ولا يسمعون إلا التصريحات الصحفية، أمَّا ما وراءها من أمور الاعتقاد والتصور والقيم والمفاهيم فلم يسبروا غورها، ولم يغوصوا إلى أعماقها، وهو ما سيتضح عند شرح فكرة المصلحة.

أما أولئك الكتَّاب الذين لا يحسنون إلا الشتائم وافتراء قصص الخيالات المريضة، والتحريض المهيّج لحساب هذه الجهة أو تلك فهؤلاء نعرض عنهم كما أمرنا ربنا سبحانه في قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)﴾ (القصص)، ونفوِّض أمرنا فيهم إلى الله.

ومن مظاهر الضغوط التي تمارَس ضدنا، وإن كانت معنوية، هي الإسراف في إطلاق الأوصاف الذميمة، وصك المصطلحات الغائمة، مع إسباغ القبيح منها علينا، وإيثار أنفسهم بالحسن الجميل، ولذلك سمعنا في المرحلة الاشتراكية أوصافًا مثل: رجعي وتقدمي، ثم بعد ذلك ظلامي ومستنير، ثم معتدل ومتطرف، ثم صقور وحمائم، ثم منغلق ومنفتح، ثم حرس قديم وحرس جديد، وأخيرًا- وليس آخرًا- محافظ وإصلاحي، ولعل وصف الإصلاحي هذا هو الذي أوحى لي بكتابة هذا المقال.

والحقيقة أننا نستطيع وكنا نستطيع في كل وقت أن ننابزهم بالألقاب والأوصاف، ولا تعوزنا اللغة ولا التعبير، ولكننا كفَفْنا عن ذلك دومًا من باب التعفُّف والترفُّع والتخلُّق.

ولعله مما لا يخفى على أحد أن التلاعب بالألفاظ هذا إنما يرمي إلى التعتيم على الحقائق؛ فالاستعمار البريطاني إبَّان احتلاله مصر كان يطلق على حزب الأمة (صنيعته في مصر) وصْف المعتدل، في الوقت الذي كان يطلق فيه على الحزب الوطني (حزب الزعيم مصطفى كامل) وصف المتطرف، كما أن تقسيم أمريكا العالم العربي الآن إلى دول معتدلة وهي التي تسير في ركابها وتنصاع لأوامرها، ودول متطرفة وهي التي تتصدى لمخططاتها أمرٌ واضحٌ للعيان.

ونعود إلى قضية المصلحة (ملخص من كتاب: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي) فالمصلحة الصلاح، فكل ما فيه نفع؛ سواءٌ كان بالجلب والتحصيل؛ كاستحصال الفوائد واللذائذ، أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار والآلام، فهو جديرٌ بأن يسمَّى مصلحة، والمصلحة فيما اصطلح عليه علماء الشريعة هي: "المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده؛ من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها".

ويترتب على هذا أن تكون للمصلحة خصائص تختلف بين الإسلاميين والعلمانيين؛ فالخاصة الأولى لدى العلمانيين أن المعايير الزمنية التي يقيسون بها المصالح والمفاسد معايير ضيقة محدودة بعمر الدنيا وحدها، ولا يربطون بينها وبين الحياة الآخرة، وكذلك فهم يفصمون بين النشاط الاجتماعي العام ويجعلون السلطان فيه لعقولهم وأفكارهم، والنشاط التعبدي الخاص والسلطان فيه للشريعة، ويترتب على هذه الخاصة فقدان المثل الأعلى الواحد أمام الجميع؛ إذ ما الذي يربط المجتمع الذي يتلقَّى معايير الصلاح والفساد في أعماله من واضعي القوانين ومفلسفي الأخلاق بمثل أعلى واحد.

في حين أن الخاصة الأولى لدى الإسلاميين أن الزمن الذي يظهر فيه أثر كل من المصلحة والمفسدة ليس محصورًا في الدنيا وحدها؛ بل مكوَّن من الدنيا والآخرة معًا، وبيان ذلك أن المصلحة هي المنفعة أو الوسيلة إليها، فكل عمل أثمر لصاحبه منفعة وإن جاءت الثمرة متأخرة يُعتبر عملاً صالحًا.

ويختلف مدى تأخر الثمرة من عمل لآخر؛ فقد يتأخر إلى فترة قليلة كالاكتساب للرزق، وقد يتأخر إلى أكثر كزرع الأرض لجني الثمار، وقد يتأخر أكثر من ذلك كالذي يقتصد ليوفر حاجته من المال لشيخوخته، وكل عمل يغلب على ظنِّ فاعله أن يثمر في المستقبل منفعةً راجحةً له يُعطَى حكم المصلحة، ما دام يربطه بالمستقبل بعيدًا أم قريبًا حبلٌ قويٌّ من الأمل؛ غير أن المستقبل ينتهي في نظر من غفلوا عن حياة أخرى من بعد الموت بانتهاء حياة الإنسان هذه، ولذا رأيناهم لا يضعون الأعمال إلا في معيار الزمن الدنيوي وحده، ولا يمتد بهم الأمل القوي إلى ما بعد الموت بحال، أما معنى المستقبل في يقين من آمن بالله إيمانًا صادقًا لا تقليديًّا على اللسان؛ فهو وحدة زمنية تمتد امتدادًا شاسعًا إلى ما بعد الموت.

وقد أرادت حكمة الله تعالى أن يصل بين كل من الحياتين بوشيجة متينة هي وشيجة السبب والمسبّب؛ إذ أمر عباده باتخاذ حياتهم الدنيا وسيلةً للسعادة في حياتهم الآخرة؛ فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ (القصص: من الآية 77)، وقال:﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)﴾ (الإسراء).

ويترتب على ذلك أن تكون الحياة بأنشطتها المتنوعة التعبدية والاجتماعية العامة وحدةً واحدةً خاضعةً لسلطان الشرع ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).

أما الخاصة الثانية للمصلحة لدى العلمانيين فهي أنها مقوَّمةٌ بقيمة اللذة أو المنفعة المادية فقط؛ سواءٌ رُوعي في ذلك ما تعود ثمرته على شخصية الفرد وحده أو على الشخصية العامة للمجتمع، وحتى إن اهتم العلمانيون بالقيم المعنوية فإنما يهتمون بها لتحقيقها للمنافع المادية؛ فأرباب نظريات الأخلاق وأرباب القوانين الوضعية إنما تعود موازين الخير والشر بأيديهم، مهما دارت ولفَّت، إلى القيمة المادية المحسوسة التي بها وحدها تقوم الدنيا كلها في نظرهم، في حين أن قيمة المصلحة الشرعية لدى الإسلاميين لا تنحصر فيما تنطوى عليه من لذة مادية، بل هي نابعةٌ من حاجتَي كلٍّ من الجسم والروح في الإنسان، فحاجة الجسم إلى الماديات مفهومة لا تحتاج إلى تعليق.

أما حاجة الروح فهي نزَّاعة إلى تلمُّس القوة الكبرى في الكون (الله تعالى) لتدين له بالعبادة والخضوع دون أن تتصور أنها تتلمس ذلك ابتغاء نيل لذة للجسم، ميالة إلى أن تتقيَّد تقيُّدًا ما؛ طاعةً وتقربًا لخالق الكون، وهي الفطرة التي قال الله تعالى فيها: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: من الآية 30).

إن تحقيق الحاجات الروحية للإنسان تتمثَّل باختصار في تحقيق الغاية التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلاً على تمام إيمان المؤمن، وذلك حين قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، ولذلك كانت محاولة الإنسان التغلب على أهوائه وسوقها إلى التعود على قيود الشريعة سعيًا لتحقيق حاجاته الروحية، حتى وإن بدا له في أول الأمر أنه سعيٌ معاكس، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن الإنسان يجد نفسه بعد فترة قصيرة من الثبات على هذه المحاولة أمام لذائذ وسعادة دونها مختلف لذائذ الجسم والأهواء.

أما تفاصيل الأحكام المشروعة لتحقيق هذه الحاجات فكثيرة؛ من أهمها وجوب مدافعة المسلم للأمراض القلبية، من كبر وحقد وعجب وحسد ورياء، وهي ما يعبَّر عنها بالتزكية في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)﴾ (البقرة)، ولا ريب أن الغرض من هذه التزكية ليس هو الوصول إلى مزيد من الربح المادي أو اللذة الجسدية، كما شرع الله تعالى العبادات والذكر والتسبيح والنوافل وصلاة الليل مساعدةً للمؤمن في محاولة سوق أهوائه في طريق الشريعة وأحكامها، وإيقاظ ضميره لمراقبة الله في كل تصرفاته وأفعاله في السر والعلن، كل هذا إضافةً إلى مصلحة الثواب والأجر الأخروي الذي يُعتبر حصاد البذر الدنيوي.

أما الخاصة الثالثة للمصلحة في نظر العلمانيين فهي اعتبار الدين عندهم فرعًا للمصلحة؛ أي أنه يستعان به من حيث كونه مؤثِّرًا في تنفيذ وجوه المصلحة المعتبرة لديهم، ولا شك أن اعتبار الدين كذلك يُعدُّ أمرًا طبيعيًّا بالنسبة لمن جعل المنفعة الدنيوية هدف الأهداف كلها وغاية الغايات.

أما الخاصة الثالثة للمصلحة لدى الإسلاميين فهي أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى ومقدمةٌ عليها، فيجب التضحية بما سواها مما قد يعارضها من المصالح الأخرى إبقاءً لها وحفاظًا عليها، وهذه الخاصة من بدهيات الشريعة، وليس في هذا أي تعارض مع ما هو ثابت من أن الشريعة الإسلامية متضمنة بمجموعها لمصالح العباد؛ وذلك لأن إحراز مرضاة الله تعالى والخلود في جنته هما أعظم مصلحة على الإطلاق، ولما كان قانون البشرية كلها يقضي بتسخير الأدنى لما هو أعلى رتبة منه، واتخاذ بعض المصالح وسائل لتحقيق بعضها الآخر بناءً على قاعدة اتباع الأكثر فائدةً والأعظم نفعًا؛ فقد كان من المصلحة نفسها أن يسخِّر الإنسان جميع وجوه المنافع والمصالح المرعية في حياته لتحقيق ما هو أعظمها نفعًا على الإطلاق.

وإذا كانت المصالح الضرورية كلها منقسمةً إلى خمسة أقسام مرتبة كالتالي: الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال، فيجب المحافظة على الدين وتقويم شرعته وإن استلزم ذلك فوات ما دونها؛ وهو مصلحة المحافظة على النفس، ومن أجل ذلك شرع الجهاد، ويجب المحافظة على النفس وإن اقتضى ذلك إهمال ما دونها وهو المحافظة على العقل، ولذا كان من حق الإنسان أن يفتدي حياته بالخمر إذا أُكره عليه بواسطة القتل، ويجب المحافظة على ضوابط النسل وإن استلزم ذلك تفويت مزيد من المال، ولذا لم يكن من شرعة الإسلام في شيء استخدام المثيرات الجنسية التي قد تغزو المجتمع بالفوضى والانحدار الأخلاقي مهما يكن ذلك جالبًا للربح المادي.

وهذا الترتيب لا يعني في مجموعه سوى شيء واحد؛ هو اعتبار المصالح الدنيوية فرعًا عن جوهر الدين الذي يقضي أولاً وآخرًا بوقوف الإنسان موقف العبودية من خالقه عز وجل، ويترتب على هذه الخاصة عدة أمور:

الأول: ضرورة سير المصالح في ظل جوهر الدين المكوَّن من صريح النصوص والأحكام وما تم عليه الإجماع.

الثاني: أن الفساد والصلاح في الأفعال إنما يعتبر كل منهما أثرًا وثمرةً لأحكام الشارع على الأشياء؛ من تحريم وإباحة وإيجاب.

الثالث: لا يصح للخبرات العادية أو الموازين العقلية أن تستقل وحدها بتقرير مصالح العباد؛ فلا يجوز الاعتماد على ما يراه علماء الاقتصاد من أن الربا لا بد فيه لتنشيط التجارة والنهوض بها، ولا يصح الاعتماد على ما يراه بعض علماء النفس والتربية من أن الجمع بين الجنسين بلا ضوابط في مرافق المجتمع يهذِّب من الخلق ويخفِّف شرَه الميل الجنسي، ولا يجوز اتباع ما قد يراه بعض الأطباء من أن لحم الخنزير ليس بمستخبث.

من هذا كله يتضح أن المصلحة عندنا لها جذورها العقدية وأصولها الفكرية وضوابطها الشرعية، وليست نظرةً عقليةً سطحيةَ العمق محدودةَ الزمن مطلقةً من كل قيد.

وهكذا يتضح مدى التباين بين النظريتين في الأصول؛ حتى وإن اتفقنا في الفروع، مثل قضايا الحريات والعدالة وحقوق الإنسان، وحتى هذه الأخيرة فالاتفاق في مبادئها العامة، لكننا لو دخلنا إلى التفاصيل لوجدنا خلافاتٍ أخرى؛ فالحريات والعدالة وحقوق الإنسان إنما هي منضبطة بضوابط الشرع عندنا، وعند الآخرين لا تراعي ضوابط الشرع، وربما أيضًا ضوابط الأخلاق، وما أصدق قول الشاعر

متباينون همو ونحن شرائعًا وطبائعًا ومنازعًا وأصولاً

ولا أقصد من وراء ذلك إلا تقديم شرح لجوهر الإصلاح الإسلامي لإخواننا العلمانيين؛ حتى يمكنهم تفهُّم موقفنا وتفسير أعمالنا وتصريحاتنا من أين تنبع وإلى أين تهدف، كما لا أهدف مطلقًا إلى قطيعة بيننا وبينهم، بل نمد أيدينا للتعاون معهم في مساحات الالتقاء على البر والخير لأمتنا ووطننا.

وإنني لأكرر رجائي لإخواننا العلمانيين لدراسة الإسلام وشريعته من مصادره مثلما يدرسون سائر المذاهب والأفكار إن لم يكن أكبر وأعمق، فذلك أولى وأنفع. وعلى الله قصد السبيل.


المصدر