كتابات الإمام البنا عن الهجرة (3)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتابات الأستاذ حسن البنا عن الهجرة (3)


عن أنس أن رسول الله قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" رواه البخارى.

الإمام حسن البنا

الأنصار هم أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله على مناصرة دعوته، وإظهار شريعته، وتأييد دينه. وعلى أن يسمعوا ويطيعوا فى المنشط والمكره؛ فوفوا بعهدهم، وعملوا بقولهم، وحافظوا على موقفهم. وكانت لهم فى ذلك المواقف الغر، يحدوها الظفر والنصر، وهم من قبائل الأوس والخزرج، وهما بطنان من الأزد، وكانت ديارهم مأرب باليمن، فهاجروا بعد سيل العرم فى القرن الثانى عشر قبل الإسلام، ومروا على يثرب، وكان يسكنها إذ ذاك بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع وغيرهم، فنزلوا على حكمهم، وما زالوا كذلك حتى استبد "القيطون" -أحد ملوك اليهود- وطغى وظلم، فاستغاث الأوس والخزرج بملوك غسان، فنصروهم، وأوقعوا بيهود يثرب، ومن ثم صار الحكم فى المدينة إليهم، وأصبحت لهم عصبية عظيمة، ولهم حروب مشهورة وأيام معدودة فى الجاهلية، منها: يوم سمير، ويوم كعب، ويوم الربيع، ويوم البقيع. وكان التنافس بين البطنين عظيمًا؛ مما أدى إلى الخلاف الدائم بينهم، وكانوا يلقبون فى الجاهلية "بنى قَيْلَة" نسبة إلى أمهم، فلما جاء الإسلام وكانوا أسبق الناس إلى مناصرته سماهم رسول الله "الأنصار"، وأيد الله هذه التسمية فى غير موضع من القرآن الكريم؛ من ذلك قول الله -تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، وقول الله -تبارك وتعالى- فى آية ثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 74]. وها أنت ترى أن رسول الله قد سماهم الأنصار، وجعل علامة الإيمان محبتهم وعلامة النفاق كراهيتهم. وكان يختصهم بمحبته ويواليهم بعطفه.

روى أبو هريرة قال: قال رسول الله: "لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شِعبًا لسلكت وادى الأنصار وشِعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"، قال أبو هريرة: "بأبى وأمى هو ما ظلم، آووه ونصروه"، أو كلمة أخرى أخرجه البخارى.

وكان كثيرًا ما يوصى بهم؛ فقد روى أنس قال: قال رسول الله  : "الأنصار كرشى وعيبتى، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" أخرجه الشيخان والترمذى، وكرش الرجل: جماعته، وعيبته: موضع سره.

لهذا كان الأنصار -رضوان الله عليهم- يعتزون بهذا اللقب، ويحرصون عليه، ويرون فيه رمز فخارهم وشعار عزتهم وعنوان أمجادهم.

حدثوا أن وفدًا من الأنصار استأذن على معاوية، فخرج الآذن يقول: ليدخل بنو قيلة، فغضب النعمان بن بشير وصاح بابنه هاتفًا:

يا قيسُ لا تُجِبِ النداء فما لنا
نسبٌ نُجيب به سوى الأنصار

نسبٌ تخيّره الإله لقومنا

أَثْقِلْ به نسبًا على الكفار

فأنت ترى أن عصبية الجاهلية وعنجهيتها قد اندثرت فى نفوسهم أيما اندثار، وحل مكانها نسب آخر هو مؤازرة رسول الله ومناصرة دينه، فنعما هو هذا النسب.

ولقد عرف الأنصار بين العرب قاطبة والناس جميعًا بعدة أخلاق، إن كانت هى جرثومة الخلق العربى الكريم وأصله؛ فإنها نمت فى نفوس الأنصار، وقويت أصولها، وأورقت فروعها؛ فكادوا يكونون بها صنفًا برأسه، وتكون فيهم نوعًا خاصًا بنفسه.

عُرفوا بالرقة واللين وسلامة الذوق ونقاء السريرة ظاهرًا وباطنًا حتى أنزل الله فيهم: ﴿إِنَا اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وحتى أخذ المهاجرون عنهم هذه الرقة واللين، وحتى كان الرسول يتجوز معهم فى غير مجاوزة لحدود الله طبعًا؛ فيرسل المغنية إلى عرسهم، ويعلمها الغناء الذى تحدوهم به، ويقول: "إن الأنصار يحبون اللهو" وعُرفوا بالنجدة والشجاعة وعلو الهمة وقوة اليقين والجلَد فى الشدائد. وحسبك أن تسمع خطيبهم سعد بن معاذ يقول يوم بدر: "لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك؛ فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا. إنا لصُبُر فى الحرب، صُدُق عند اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله"

وعُرفوا بالسخاء والكرم والبذل والعطاء، وحسبك من ذلك فى قوم أن ينزل الله فيهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

ورضى الله عن أبى بكر ؛ إذ سجل فضلهم، وأبان عظيم منزلتهم، وجمال خلقهم فى إحدى خطبه؛ إذ يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه  : "يا معشر الأنصار، لو شئتم أن تقولوا: آويناكم فى ظلالنا، وشاطرناكم فى أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم. وإن لكم من الفضل ما لا يحصيه العد وإن طال به الأمد؛ فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوى:

جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت
بنا نعلنا فى الواطئين فزلَّت

أَبَوْا أن يملونا ولو أن أُمَّنا

تلاقى الذى يَلْقَوْن منا لملَّت

همُ أسكنونا فى ظلال بيوتهم

ظلالِ بيوتٍ أدفأت وأظلَّت

فهم -رضوان الله عليهم- كانوا فى فجر الدعوة عزتها اللامعة وشمسها الساطعة، وكانوا بعد ذلك للخلفاء الراشدين قوة وعددًا وظهرًا وسندًا، ثم كانوا بعد ذلك كله موارد العلم ومناهل الفضل، ثم ما زالوا -وقد تقلبت الصروف، وتداولت الظروف- مثال الخلق الفاضل وعنوان الأدب الكامل.

فليس عجيبًا بعد هذا أن تكون علامة الإيمان حب الأنصار، وهل حبهم إلا من حب الإسلام ورسول الإسلام عليه الصلاة والسلام؟

وليس عجيبًا كذلك أن يكون بغضهم علامة النفاق؛ فإنه لا يكون إلا عن رقة دين وضعف يقين واستهانة بشريعة الله، ونقص لفضل الله الذى تفضل به على عباده؛ إذ هداهم بالإسلام صراطًا مستقيمًا، نفعنا الله بمحبتهم وجمعنا وإياهم فى مستقر رحمته.


المصدر: جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (38)، السنة الثانية، 24ذو القعدة 1353ه- 28 فبراير 1935م، ص(16-17).


للمزيد

للمزيد من كلمات الإمام البنا عن الهجرة:


إقرأ أيضا :