كتابات الإمام البنا عن الهجرة (6)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتابات الأستاذ حسن البنا عن الهجرة (6)


اليوم يودع المسلمون عامًا قد مضى لا يدرون ما الله قاض فيه، ويستقبلون عاما جديدًا لا يعلمون ما الله صانع فيه، وهم بين آلام الماضي وآمال المستقبل يقفون لحظة للعبرة والذكرى.

والمسلمون لا يقفون، ويجب ألا يقفوا، في استقبال عام جديد عند مجرد حساب الأيام والشهور، وتغيير رقم برقم، وإضافة سنة إلى السنين التي خلت، ولكنهم حين يحتفلون بعام جديد إنما يحتفلون بذكرى من أروع ذكريات الإسلام، وحدث من أجل حوادث التاريخ، ويوم من أبرز أيام الله، ارتبطت به عقيدتهم الدينية وسجلت فيه رسالتهم العالمية، تلك هي ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالدة إلى يوم الدين.

أجل في عيد الهجرة وفي مستهل كل عام جديد، يطوي المسلمون صفحات التاريخ ويرجعون بذاكرتهم إلى ما يقرب من أربعة عشر قرنًا، ليذكروا يوم خرج رسول البشرية ورحمة العالمين من بلده، وهي أحب أرض الله إليه، مهاجرًا في سبيل الله، بعد أن ظل يدعو قومه إلى الإسلام الحنيف ويرشدهم إلى النور والحق المبين فما استجاب له إلا القليل.

يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا، حرصًا على رسالته وغيرة على شريعته، وبحثًا وراء التربة الصالحة ليبذر تعاليمه وينشر رسالته ويجمع من حوله المؤمنين ويعد ما استطاع من قوة، ويقيم دولة، حتى إذا ثبت دعائم الدعوة، وأقام أركان الدولة، زحف بالحق على الباطل فيدمغه ويبدده، ويعود إلى مكة التي أخرجته وآذته فيدخلها فاتحًا منتصرًا ولكن في تواضع ورحمة في غير زهو أو خيلاء ثم يعفو عن أهلها، خصوم الأمس الألداء، ويقول لهم "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

ولست أريد سرد تفاصيل ذلك الحادث الجليل فهي معروفة طالما قرأها أو استمع إليها المسلمون، ولست أقصد الوقوف عند كل مرحلة من مراحل هذه الرحلة المباركة من مكة إلى المدينة المنورة، لأستخلص العبرة والعظات، وما أكثر ما في الهجرة من معاني بعيدة الغور عميقة الأثر لو تفقهها المسلمون ولكني أريد أن أقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر من أرض الشرك والوثنية إلى بلد التوحيد وديار الإسلام، مضحيًا بالمال والأهل والولد، ومحتملاً من المشاق والآلام ما تنوء به الجبال، إنما كان يهدي أمته إلى سنته، ويرسم لهم طريقته، حتى يقتفي المسلمون آثاره، وينهجون على منواله، كلما أحاطت بهم من الظروف ما أحاطت به، والتاريخ يعيد نفسه، وكلما شعروا بمن يهدد عقيدتهم أو يريد أن ينتزع أرضهم، ويسلبهم سيادتهم أو يحرمهم نعمة الحياة الحرة الكريمة.

وعلى ضوء هذا النبراس النبوي الكريم، واتباعًا لهذه السنة الشريفة المطهرة، هاجر رجلاً من رجالات العرب المسلمين هو سماحة الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر، هاجر من الأرض المقدسة بعد أن اعتصم بالمسجد الأقصى فأحاطت به الجنود الإنجليزية والحراب البريطانية إحاطة السوار بالمعصم ولكن الله جلت قدرته أعمى أبصارهم، فخرج الحاج أمين مهاجرًا من فلسطين إلى لبنان ومن لبنان إلى العراق ثم إلى إيران ومنها إلى أوروبا حتى عاد إلى فرنسا منفيًا، ولكنه لم يهجع ولم يستكن وأنى للمجاهد أن يهدأ أو يستريح ففر إلى مصر وهو في كل بلد ينزل بها يدعو إلى قضيته ويدافع اعتداء المستعمرين الذين يظاهرهم ذهب اليهود ونفوذ الصهيونيين.

وها هي قضية فلسطين تدخل في دورها الحاسم، ولا تكاد لجنة التحقيق تقرر تقسيم فلسطين ليجعلوا العرب أذلة في ديارهم، وتصبح أرض الإسلام وكرا للصهيونية وملجأ لليهود المشردين، حتى يترك العرب سياسة الكلام إلى سياسة العمل وهنا تتحرك الجيوش العربية من كل مكان إلى حدود فلسطين ويهاجر السيد أمين الحسيني مرة أخرى إلى لبنان التي هاجر إليها أول مرة ليكون على مقربة من بلاده وبجوار وطنه الغالي، استعدادًا ليوم "الفتح"، بعد هذه الهجرة الطويلة المتصلة الحلقات، وإنه لقريب إن شاء الله يوم يدخل أرض المسجد الأقصى فينكس أعلام الصهيونية ويسحق باطل اليهود، ويقيم الدولة العربية، عزيزة الجانب متمتعة بالسيادة والحرية، ويردد ما قاله الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه (قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا).

وفي هذه الأيام أيضا وفي أرض واسعة من أراضي الله يهاجر المسلمون في الهند فرارًا بدينهم وعقائدهم من طغيان عبدة البقر والأوثان، واضطهاد الهندوس والسيخ غلاظ الأكباد القساة، أجل يهاجر المسلمون من دولة الهندستان حيث يتحكم عابد البقر والشجر إلى أرض الباكستان حيث الدولة الإسلامية وحيث الشريعة الإسلامية، وفكرة الهجرة في هذه المرة لا تمر بسلام ولا أمان ولكنها مخضبة بالدماء مفروشة أرضها بجثث الشهداء، فلم يترك الكفرة الفجرة أهل الإيمان يرحلون إلى ديارهم وأوطانهم مخلفين لهم أموالهم ومساكنهم وتجارتهم، بل انقضوا عليهم ليفنوهم عن بكرة أبيهم، وأخذوا يقتلونهم ويذبحون، لا يفرقون بين شيخ متهدم أو امرأة ضعيفة أو طفل رضيع، بل قتلوا الشيوخ وهتكوا أعراض النساء المحصنات والفتيات الطاهرات، وذبحوا الأطفال ثم أحرقوا جثثهم في النار، وحرقوا المساجد ونهبوا الأموال والمتاع، وسجل التاريخ أسود صفحة من الوحشية والهمجية لم ير العالم مثلها على طول ما مر من دهور وعصور..!

ولكن المسلمين في الهند قد برهنوا على قوة إيمانهم وشدة تمسكهم بالإسلام فأعادوا سيرة أجدادهم الأولين، وضحوا بدمائهم وأموالهم ومتاعهم ومساكنهم وتجارتهم لأن الله ورسوله أحب إليهم من كل ما سواهما، وهاجر المسلمون وما زالوا يهاجرون إلى أرض الإسلام ودولة الباكستان التي سيؤيدها الله بقوته ويعزها بنصره (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)

وبعد ما أحوجنا ونحن نحتفل باستقبال عام هجري جديد أن نفتح صفحة الهجرة النبوية الشريفة المباركة لنقرأ سطورها التي كتبت بحروف من نور ولنقرأ أيضًا ما بين السطور لتقوى عزيمتنا وتشحذ همتنا ونمتلئ إيمانا بالله وثقة بنصره فنجاهد كما جاهد أسلافنا الأولون حتى يورثنا الله السيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).


المصدر: مجلة الإخوان المسلمون – العدد (176) – 2محرم 1367هـ / 15 نوفمبر 1947م