كلمة المرشد العام في ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
كلمة المرشد العام في ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم..

أبنائي وإخواني وأخواتي في الجامعة الإسلامية بغزة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتحدث إليكم بمناسبة مرور عام على استشهاد الأخ المجاهد الشيخ الجليل أحمد ياسين- مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس)- الذي عاش عمره للدعوة والجهاد، ونذَرَ حياتَه للنِّضال من أجل تحرير وطنه من الاحتلال الصهيوني الغاشم، وقضى في السجن ما قضى من سنوات وهو صابر مرابط، لا يهِنُ ولا يستكين، وكان قد حدَّد غايته بوضوح، وهي ضرب الاحتلال ودحره بكل ما يمكن من قوة، وكان هذا الرجل القعيد الأشلُّ يزلزل الكيان الصهيوني، ويُرعب قادتَه العسكريين والسياسيين، وهو جالس على كرسيه لا يستطيع أن يفارقه إلا بمُعين.

أيها الإخوة والأخوات الكرام: إن رجولة الرجال لا تُقاس بقوة أجسامهم، بل بقوة إيمانهم وفضائلهم، وقد كان الشيخ ياسين يتمنى هذا اليوم، وهو أن يلقى ربه شهيدًا محتسبًا، تلك المنزلة التي يُنعِم الله بها على المصطفين من عباده ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بَالَهُمْ* ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد: 4-6).

شهيد الأقصى الشيخ أحمد ياسين

لقد طلب الشيخ ياسين الاستشهاد لنفسه، وعمل له، وسعى إليه؛ لأنه آمن به، وهو الذيى كان يردد دائمًا (الموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، وآمن بأن العمل لفلسطين لا حدودَ له، وأن فجْر النصرِ آتٍ لا محالةَ رغم الظلام الحالك الذي يلفُّ الأمة، وأن الدم والمشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من بعيد، وأن هناك طريقًا آخر غير طريق الخنوع والاستسلام، أو القبول بالفتات أو انتظار ما يسمح العدو الصهيوني بالتنازل عنه.. ألا وهو طريق الجهاد والاستشهاد.

إن الصهاينة ظنوا أن اغتيال الشيخ ياسين سوف يبدد حركة المقاومة، ولم يدركوا أن حركة (حماس) ليست حركة أشخاص، وإنما حركة مؤسسات، فالأشخاص يغيَّبون، ولكن المؤسسات باقية، والشعب باقٍ، وإنما تستمد المقاومة قوتها من عدالة قضيتها، ومشروعية مقاومتها.

إن حياة الشيخ ياسين، وشهادته في سبيل الله لَتمثل الأنموذج العملي، والرمز الذي يكاد يغيب في واقعنا اليوم، فقد قدَّم للأمة دروسًا عظيمةً في الاستعلاء بالإيمان والثبات والتضحية والفداء، مؤْثرًا ما عند الله على ما عند الناس، ومن هذه الدروس:

- أن الكيان الصهيوني قد طغى واستكبر في الأرض بغير الحق، وأمسى يقترف الجرائم البشعة، فهو في كل صباح ومساء يعيث في الأرض فسادًا، ويهلِك الحرثَ والنسلَ، ويسفك الدماء، ويقتل الأبرياء، ويغتال النجباء، ويذبح الأطفال والنساء، ويدمِّر المنازل، ويجرف المزارع، ويقتلع الأشجار، وينتزع الأرض من أصحابها بالحديد والنار، ويقيم الجدار العازل على الأرض الفلسطينية عنوةً، جهارًا نهارًا، وهذا يمثل إرهاب الدولة بأجلى صورة، وهذا نذير ببداية النهاية للطغاة، فإن ساعتهم قد اقتربت، فالطغيان إذا تفاقم، والظلم إذا تعاظم يسوق أصحابه إلى الهلاك ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ (الحشر:2).

- في ذكرى استشهاد الشيخ ياسين دروس لشباب الأمة.. أن يتخذوه قدوةً ومثالاً لهم في حياتهم، فقد كان للأمة مدافعًا عن قضيته ووطنه ودينه، وكان له هدف واضح يسعى لتحقيقه، برغم عجزه البدني، ولو كان الشيخ أحمد ياسين ينشد السلامة ويحرص على الحياة لاستطاع أن يتجنب الصلاة في المساجد، ولا سيَّما صلاة الفجر، وأن يُغيِّر مكانه من بيت إلى بيت، ولكنه أصرَّ على أن يؤدي الصلوات في جماعة، فجاء استشهادُه بعد أن أدى فرضه، وأرضى ربه، ولقيَه متوضئًا مصليًا راكعًا ساجدًا راضيًا مرضيًا.

- وفي ذكرى استشهاد الشيخ ياسين وإخوانه من المجاهدين وقفةٌ لمن يريد أن يتدبر صور الجهاد والاستشهاد، فالأمة في حاجة إلى تنوع أشكال الجهاد، فنحن في حاجة إلى الجهاد العسكري، ابتداءً من الجهاد الذي مثلته الانتفاضة بجدارة إلى الجهاد بالحجارة، وهي اللغة التي يفهمها الصهاينة، وكذلك في حاجة إلى الجهاد الدبلوماسي إن صاحَبَه إخلاص لله ووفاء للوطن، وجهاد فكري وثقافي، وجهاد اقتصادى، فمعركة التحرير لإعادة الأرض المغتصبة لم تنتهِ بعد، وما زالت مستمرةً، فعلينا بالمقاومة بكل صورها؛ حتى نستردَّ بلادَنا من براثن المغتصبين والمحتلين، ونصون أعراضنا ونحمي شرفنا.

أبطال فلسطين على درب ياسين سائرون

- إن على الفلسطينيين جميعًا أن يتحدوا ويتكاتفوا فيما بينهم، وأن يجتمعوا على كلمة سواء، خدمةً لوطنهم وقضيتهم، وأن يذكروا قول ربنا ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103) وليعلم شبابنا في فلسطين- بكافة فصائله واتجاهاته- أن هناك قضايا كثيرةً يمكن أن يلتفوا حولها، وإن كانت هناك اختلافات في جوانب أخرى فليكن التعاون في المتفق عليه مع العذر في المختلف فيه.

- إن الراصد للأحداث بحياد وإنصاف يستيقن أن الصهاينة لا يريدون سلامًا حقيقيًا عادلاً شاملاً، يرد الحق إلى أهله، وإنما هدفهم إلهاء الفلسطينيين والمجتمع الدولي بالوعود الكاذبة، والأماني الزائفة، والسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءَه لم يجده شيئًا.

- لقد قام الشعب الفلسطيني بواجبه- وما يزال- في مقاومة الغزاة الصهاينة بقوة وتضحية يشهد لها العدو قبل الصديق، وتحمَّلوا في ذلك ما لا يقوَى عليه إلا أولو العزم من الرجال والفضليات المجاهدات من النساء.. نسأل الله العظيم أن يثبت أقدامهم ويربط على قلوبهم.

وكلمة أخيرة للأمة العربية والإسلامية- شعوبًا وحكامًا- القضية الفلسطينية أمانة في عنق كل مسلم ومسلمة؛ حتى تتحرر أرض فلسطين من الغزاة المحتلين.. وعلى المؤسسات والهيئات العالمية.. وعلى رأسها مجلس الأمن أن يقوموا بواجبهم في فرض الشرعية الدولية على الصهاينة الذين يضربون عرض الحائط بكل الأخلاق والأعراف والقيم والقوانين.

رحم الله شهداءنا، وأسكنهم فسيح جناته.. مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المصدر