كوثر الساعي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٨:٢٤، ٢٥ سبتمبر ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (الهوامش)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الأستاذة كوثر الساعي .. رحلة عُمْر


مقدمة

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود

قال تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى" نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما(24)(الأحزاب).

على هذه المعاني ربى الإمام البنا رجالاً ونساءً عرفوا قيمة الحياة، فتاجروا مع الله فيها، فباعوا أنفسهم له واشتروا رضوانه وجنته فربحوا بهذا البيع، رجالاً ونساءً كانت غايتهم الله، والرسول قدوتهم، والقرآن دستورهم، والجهاد سبيلهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم، وظلوا يرددون هذه المعاني بقلوب صادقة صافية مخلصة لله فنالوا ما تمنوا.

إن دعوة الإخوان المسلمين هي الدعوة الأم لكل الحركات الإسلامية المعاصرة على اختلاف مناهجها، وهي الدعوة التي قدمت الشهداء والمفكرين والعلماء والفقهاء والباحثين، ويرتبط أفرادها بمنهج ودعوة، ولا يرتبطون بأفراد ولا شيوخ بعينهم، ولم تتنازل عن شيء من منهجها إيثاراً للسلامة وتجنباً للمحن.

فقد تعرض رجالها ونساؤها للفتن والحصار والتضييق، وأبوا التفريط في أي معلم من معالم الدين، وقدموا في سبيلها الشهداء الذين لم يغيِّروا أو يبدِّلوا حتى وهم معلقون على أعواد المشانق، وضربت زوجاتهم وأبناؤهم أروع الأمثلة في الصبر.

إن الدعوة الإسلامية تتعرض الآن لهجوم مستمر من قبل المتربصين لهذا الدين؛ فالمؤامرة على الإسلام ودعاته مستمرة وستستمر.. ولذا وجب على كل الدعاة في كل مكان أن يفطنوا لحقيقة دورهم، وأن يستشعروا معية الله، وأن نصره مهما طال الأمد قادم؛ حتى لا يتسرب اليأس والخوف إلى قلوب حماة هذا الدين.

لقد قدم الدعاة والداعيات في كل عصر ومصر تضحيات عظيمة من أجل هذا الدين، وما هذه النماذج التي قدمتها جماعة الإخوان المسلمين إلا حلقات وسط سلسلة من نماذج طيبة تفاعلت قلوبهم مع نور هذا الدين، فوجدنا نسيبة بنت كعب تنتفض لتدفع بجسدها وتذود عن رسول الله { في غزوة أُحُد ضد الكفار، كما وجدنا زوجات كثير من الإخوان ابتلين في أنفسهن فاعتقلن وابتلين في أرزاقهن وأزواجهن وأولادهن وبناتهن، فكنّ مثالاً صالحاً يُحتذى في مواجهة الظلم والظالمين، ونبراسا للفتيات اللاتي يأتين بعدهن ليحملن هذا الدين. نهاية المطاف

في 26 شارع النخيل وبجوار أشهر مساجد حي المهندسين وهو مسجد مصطفى محمود، ذلك المسجد الذي ارتقى منبره فطاحل العلماء، في هذا المكان عاشت السيدة كوثر حسن الساعي، ومنه أيضاً رحلت هذه السيدة الفاضلة، عاصرت خلال حياتها أحداثاً جساماً في تاريخ مصر، وكان بيتها في لحظة من اللحظات الحاسمة غرفة لإدارة العمليات قبل الثورة، حيث كان زوجها الأستاذ محمد فريد عبدالخالق أحد المفاوضين من قبل جماعة الإخوان المسلمين مع جمال عبدالناصر والضباط الأحرار قبل وبعد الثورة.

"والأستاذمحمد فريد عبدالخالق أحد الرعيل الأول للإخوان المسلمين، وأحد الأولين في الهيئة التأسيسية للإخوان، كما أنه أحد أعضاء مكتب الإرشاد في عهد الإمام البنا والهضيبي، ولد في 30-11- 1915م بفاقوس شرقية، تخرج في معهد العلوم الرياضية عام 1936م، ثم حصل على ليسانس الحقوق عام 1957م، ثم دبلوم الشريعة عام 1959م، ودبلوم القانون العام سنة 1960م، سجل مشروع الدكتوراه بعنوان "الحسبة على ذوي السلطان والجاه" وقد أشرف عليها "الدكتور عادل خفيف" ثم الدكتور يوسف قاسم.

تعرّف على الإمام البنا ودعوة الإخوان المسلمين عام 1940م عن طريق الأستاذ صالح أبو رقيق، فنشط في الدعوة حتى تولى مسؤولية قسم الطلاب وشارك الأستاذ عبدالحميد الصيفي في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، حتى اختير عضوا في مكتب الإرشاد.

اعتقل عام 1947م في قضية إلقاء القنابل على الجنود الإنجليز في عيد الميلاد والتي اتهم فيها الأخ عبدالسميع الغنيمي ونفيس حمدي، ثم اعتقل بعد حل الجماعة عام 1948م، شارك في الاجتماعات التحضيرية بين الإخوان والضباط الأحرار قبل الثورة وبعدها، اعتقل عام 1954م، وخرج عام 1957م، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى مع إخوانه وأخواته عام 1965م، وظل بالمعتقل حتى خرج عام 1971م، وهو الآن من أبرز رجال الرعيل الأول ظهوراً على الفضائيات"(1).

بعد شهرين ونصف من زيارتها لإجراء حوار معها، ويوم الأحد الموافق 24-2-2008م، فاضت روح هذه السيدة إلى بارئها بعد عمر حافل، وفي هذا الشارع تحرك موكب تشيعها للصلاة عليها الصلاة الأخيرة بمسجد الحصري بمدينة 6أكتوبر(2).

فمن تكون؟

كوثر حسن الساعي هذا اسمها، ولدت عام 1921م، توفي والديها في وقت مبكر من حياتها، فتولى رعايتها أخوها المهندس محمود الساعي الذي كان أحد المخلصين لدعوة الإخوان، بل كان أحد أفراد الدعوة الحركيين، فنشأت على الفهم الذي فهمه أخوها للدعوة، حيث ورثت عنه ثلاث مميزات وهي: استيعابه لأهداف الدعوة ومنهجها، وقرب الصلة بقيادة الإخوان خاصة الإمام البنا، الخلق الدعوي والتجرد لها.

كما كان لها من الإخوة المهندس عبدالفتاح، والأستاذ جمال المحامي، كما لها شقيقة واحدة وهي الأستاذة مفيدة المدرّسة بمدرسة الأورمان الثانوية.

في هذا الجو الإخواني نشأت هذه الزهرة، ورعاها أخوها محمود فعلمها القرآن ومحاسن الأخلاق، رغم أنها طالبة بمدرسة فرنسية، ولكن ذلك لم يؤثر على تربيتها وقيمها التي غرسها فيها أخوها، فكانت وسط المدرسة الفرنسية نموذجاً فريداً للمسلمة التي تمسكت بتعاليم دينها في هذا الجو، غير أنها لم تكمل التعليم مثل كثير من فتيات هذا الزمان بسبب الزواج والعمل على خدمة الزوج.

زواج مبارك

كانت كوثر الساعي من النساء القليلات اللاتي عقد لهن الإمام الشهيد حسن البنا عقد قرانهن.

فقد تعرف الأستاذ محمد فريد عبد الخالق على أخيها المهندس محمود الساعي في رحاب الدعوة، ولفت نظره حرصه الشديد على العمل لدعوة الله وفكره العالي في منهجية حياته، وأصبح فريد عبدالخالق صديقاً مقرباً لمحمود، مما شجعه أن يتقدم لطلب الزواج من أخته كوثر، فما كان من محمود إلا أن عرض عليها الأمر فآثرت دين الله وارتضت به زوجاً، لما سمعت عن حسن خلقه وقرب صلته بالإمام البنا، وتمت الخطوبة، غير أن الزفاف تم تأجيله بسبب اعتقال الأستاذ فريد بعد اغتيال الخازندار بحكم أنه كان مسؤولاً عن قسم الطلبة في الجماعة، إلا أن القضاء برّأه.

وبعدما خرج من معتقل الهايكستب عقد الزواج وحضر الإمام البنا الحفل ومعه كثير من أعضاء مكتب الإرشاد، هذا غير جموع الإخوان الكثيرة التي شاركت في حفل الزفاف، وبعدها تحرك الموكب إلى عش الزوجية وكان ذلك عام 1948م، إلا أنها لم تهنأ به كثيرًا بسبب القرار الذي أصدره النقراشي باشا (رئيس الوزراء آنذاك) تنفيذاً لرغبات الأمريكان والصهيونية العالمية بحل جماعة الإخوان المسلمين، حيث أصدر القرار في 8- 12- 1948م، كما أصدر قراراً بمصادرة أموال وأملاك ودور ومؤسسات الإخوان المسلمين واعتقال أعضائها، وكان فريد عبدالخالق أحد هؤلاء الذين اعتقلوا(3).

دامت العشرة بين الزوجين ما يقرب من ستين عاماً منذ أن ارتبطا عام 1948م حتى وفاتها عام 2008م، خلال هذه الفترة رزقهما الله بالدكتور أحمد والمهندس أسامة، وجليلة، والدكتور أيمن.

في مواجهة الأزمات

لم يكن منزل كوثر الساعي يقل أهمية عن منزل آمال العشماوي، فقد كان المنزلان محركا الأمور وقت الأزمة والتحضير لثورة 1952م ،فقد عقد فيهما أخطر الاجتماعات، وليس ذلك فحسب، بل كانا ملتقى اختيار المرشد الجديد للإخوان المسلمين.

بعد أن خرج الإخوان من المعتقلات عملوا على عودة كيان الجماعة مرة أخرى، فأقاموا القضايا حتى حكمت لهم المحكمة بعودة شرعية الجماعة، وبدأ البحث عمن يخلف الإمام الشهيد حسن البنا في مكانه، ووقع الاختيار على الأساتذة: صالح عشماوي وكيل الجماعة، و عبدالرحمن البنا أخي الإمام البنا والشيخ أحمد حسن الباقوري عضو مكتب الإرشاد، وعبدالحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان، فتنازل الشيخ الباقوري وعابدين عن الأمر.

وظل الأمر معلقاً بين الأستاذ صالح وعبدالرحمن البنا، دون الوصول لمن يتولى منصب المرشد العام، وباتت الجماعة في حيرة، فتدخل الأستاذ منير الدلة وقال: فلنتخير أحد الإخوان من خارج المكتب حتى يستقر الوضع، ورشح المستشار حسن الهضيبي، وذهب هو وفريد عبدالخالق وعرضوا عليه الأمر، غير أنه رفض حتى توافق الهيئة التأسيسية كلها عليه، وكان عددها 120 عضواً، فوافق الجميع عدا الأستاذ محمد حامد أبوالنصر لبعد مكانه، فأبى الأستاذ الهضيبي أن يتولى حتى يوافق، فذهب إليه فريد عبدالخالق وحصل منه على الموافقة وتم اختيار المرشد.

فكانت السيدة كوثر على دراية بهذا الأمر لانعقاد بعض الجلسات في بيتها، وكانت ترى السعادة في خدمة إخوانها والسهر على تلبية طلباتهم.

يقول الأستاذ عمر التلمساني: "وأخيراً رأى المرحوم الأستاذ منير الدلة المستشار في مجلس الدولة، والأستاذ محمد فريد عبدالخالق، وهو من رجال التدريس والأستاذ صالح أبو رقيق المستشار في الجامعة العربية، رأوا ومعهم آخرون أن يحسم هذا الخلاف برجل من رجال القضاء ليس من الإخوان ظاهراً، وإن كان في صميمهم حقيقة، وصادف هذا الاختيار موافقة الجميع"(4).

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان البيت أيضاً مكاناً للقاء بعض الضباط الأحرار وقيادات الإخوان للاتفاق على كيفية العمل لصالح المجتمع المصري، إذا نجح الانقلاب، ولقد اتفق الطرفان على العمل بتطبيق شرع الله وإعادة الحياة النيابية والديمقراطية مرة أخرى، ومن ثم شارك الإخوان الضباط الأحرار في الثورة بتأمين المرافق والمنشآت، بل والتصدي للجيش الإنجليزي حال تحركه لصالح الملك لإجهاض الثورة.

يقول الأستاذ فريد عبدالخالق: "بدأت الشرارة الأولى للثورة بتحركات نظمها "جمال عبدالناصر" مع مجموعة من الضباط الأحرار، وعددهم تجاوز التسعين بقليل، وكان معظمهم من الإخوان المسلمين أو سبق له الانضمام للجماعة، وقد وزع "عبدالناصر" أعداد الضباط التي تمكنه من السيطرة على الدولة.

وقد تم تكليف اللواء طيار "عبدالمنعم عبدالرءوف" مؤسس تنظيم الضباط الإخوان وعضو قيادة الضباط الأحرار باحتلال ومحاصرة قصر رأس التين بالإسكندرية الذي كان الملك يُقيم فيه وقتها، كما تَمَّ تكليف "أبو المكارم عبد الحي" وكان هو المسؤول عن الضباط الإخوان في الجماعة وقتها بالسيطرة على قصر عابدين وهو قصر الحكم الأول للملك، إضافةً إلى تأمين الحركة من أي تدخل ضد الجيش، وصدرت تعليمات واضحة من المرشد المستشار الهضيبي لكل المحافظات بحماية الثورة والجيش من أيّ حركة مضادة، كما تمَّ وضع الإخوان على طريق مصر السويس، وكانت أخطر مهمة تلك الليلة؛ لأن تعداد الجيش الإنجليزي في السويس كان يبلغ80 ألف جندي؛ مما كان يمثل خطرًا شديدًا على الثورة من تحرّك الإنجليز، ولم يجد عبدالناصر أفضل من الإخوان لتأمين هذا الطريق، إضافةً لعمل جميع ضباط الإخوان كل في وحدته"(5).

كوثر الساعي ومحنة 1954م

حامت في الأجواء نذر الصدام بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة بسبب الرغبة في الحكم السلطوي الذي سيطر على رجال الثورة، ورغبة منهم في تنحية القوى المعارضة، فبعد أن تخلصوا من الأحزاب ومحاولاتهم المتكررة للتخلص من محمد نجيب جاء الصدام ليكون مع الإخوان المسلمين، خاصة بعد حفل جامعة القاهرة الذي أقامة طلاب الإخوان المسلمين ودعوا فيه "نواب صفوي" زعيم حركة "فدائيان إسلام"، والتي تم على إثرها اعتقال عدد كبير من قيادات الإخوان، إلا أن الصدام الأكبر جاء مع حادثة المنشية والتي اتهم فيها عبدالناصر الإخوان زوراً بإطلاق الرصاص عليه يوم 26-10- 1954م واعتقل الآلاف من الإخوان المسلمين.

فوجئت الزوجة كغيرها من زوجات الإخوان بضربات قوية على بابها، فقد جاءت قوة من المباحث لاختطاف زوجها، فما كان من الزوجة إلا أن فتحت الباب لهم وهى صابرة قوية، وتركها زوجها مع أولادها لتكابد مرارة الفراق، إلا أنها كانت تدرك جيداً أن هذه هي سبيل الدعوات كما تربت على يد أخيها وفي بيت زوجها منذ حادثة مقتل الخازندار، وزُجّ بزوجها في غياهب السجون.

أدركت الزوجة طبيعة المرحلة التي ستمر بها، خاصة أنها أصبحت مسؤولة عن بيتها وبيت أخت زوجها زوجة اللواء صلاح شادي، والتي قامت برعايتهم في غياب أبيهم الذي حكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم عليه للمؤبد.

يقول الأستاذ أحمد أبو شادي: "أثناء وجودنا في المعتقل عام 1955م كانت المحنة شديدة علينا، خاصة بعد إعدام مجموعة من خيرة الإخوان، إلا أنني أذكر أن الأخ محمد فريد عبدالخالق ألقى كلمةً رائعةً، قال فيها: "هذه المحنة هي منحة من الله عز وجل، فقد جاء بنا الله إلى هذا المكان لنتربى كما تربى موسى في حجر فرعون"(6).

المحن في حياتها

خرج الزوج من محنة السجون بعد عامين من التعذيب، ليشارك زوجته رعايتها لأولاد أخته سعاد عبدالخالق، وعاد الزوج لعمله في دار الكتب المصرية، غير أن السنين مرت مسرعة لتأتي بأحداث جسام على أهل هذا البيت، حيث بدأ بعض الإخوان مرة أخرى تجميع أنفسهم، وكان لهذا البيت دور، حيث وقف الأستاذ فريد عبدالخالق في قلق من أحداث التنظيم الجديد خوفاً من تعرض الدعوة لضربة قوية من قبل النظام مرة أخرى.

يقول الأستاذ أحمد عبدالمجيد أحد قيادات تنظيم 1965م: "ووقع اختيارهم على فريد عبدالخالق، عضو مكتب الإرشاد والمسؤول عن قسم الطلاب في الجماعة لسنوات طويلة، وكان من بين أسباب اختيارهم له أن أنباء تواترت بينهم تقول إنه يدير تنظيمًا يتولي جمع تبرعات من الإخوان لتوزيعها على أسر المسجونين، وأن المنتمين لهذا التنظيم يتصدون لكل نشاط يقوم به غيرهم من الإخوان ويقيمون العراقيل أمام التنظيم الجديد في الصعيد والإسكندرية، ويحذرون الإخوان من الانضمام إليه".

ويقول عبدالفتاح إسماعيل إنه تنفيذاً لذلك سعى في ربيع عام 1964م للالتقاء بفريد عبدالخالق، وقال له: إن في "الإخوان" تيارات كثيرة، وأن تركهم من دون قيادة يعرضهم للخطر، وإن من واجبه، وهو أحد القيادات التاريخية للجماعة، أن ينهض بقيادتهم في هذه المرحلة، وصارحه بأنه ومجموعة من الشباب يقومون بعمل تنظيمي، وأن الذي يقودهم هو عبدالعزيز علي، واقترح عليه أن يلتقي به ليبحثا سبل التعاون بينهما.

ويضيف علي عشماوي ، أحد أعضاء اللجنة الخماسية، في أقواله أمام صلاح نصار رئيس نيابة أمن الدولة العليا في 4 أكتوبر 1965 إلى هذه الرواية، تفاصيل مهمة تتعلق بطبيعة الصلة بين حسن الهضيبي والتنظيم .

إذ يقول: إن فريد عبدالخالق رفض عرض عبدالفتاح إسماعيل قائلاً: "أنا مقدرش أتعاون معاكم إلا بموافقة حسن الهضيبي"، وهي إضافة تؤكدها زينب الغزالي التي تقول في اعترافاتها: إن عبدالفتاح إسماعيل كلفها بأن تنقل إلى المرشد رغبة التنظيم في أن يتعاون معه فريد عبدالخالق، وأمله في تدخله لكي يأمر فريد بأن يقبل ذلك.

وأنها نقلت الرسالة إلى حسن الهضيبي قائلة لعبدالفتاح إسماعيل: "يطلب من فضيلتك أن تجعل فريد عبدالخالق يتعاون معه".

فقال لها: "عاوز يقابله، يروح يقابله... أليس من إخوانه؟!". ويكشف هذا الحوار عن الأسلوب الذي اختاره حسن الهضيبي لاستقبال الرسائل التي ترد إليه من التنظيم وطبيعة ردوده عليها، فمع أن زينب الغزالي لم تشر في حديثها معه إلى نوع التعاون المطلوب، إلا أنها، في أقوالها، فسّرت ذلك بأنه التعاون في النشاط الذي يقوم به عبدالفتاح إسماعيل لإحياء جماعة "الإخوان" وهو ما حرص الهضيبي على أن يومئ إليه رده عندما وصف العلاقة بينهما بأنها "أخوة" في إشارة إلى الصلة التنظيمية التي تجمعهما، فكان طبيعيًّا استنادًا إلى هذه الشفرة أن تنقل زينب الغزالي إلى عبدالفتاح إسماعيل أن المرشد يوافق على أن يتصل بفريد عبدالخالق وأنه سيأمره بالتعاون معه"(7).

وأخذ يلتقي بقيادات تنظيم 1965م ليثنيهم عما يقومون به إلا أن الأحداث كانت أقوى، وجاءت المحنة العاتية بأن أعلن عبدالناصر اعتقال كل من سبق اعتقاله، فاعتقل زوجها كأحد قيادات الإخوان وزج به في أتون السجون الحربية، ولم يخرج إلا بعد وفاة عبدالناصر، كانت الزوجة في هذه الفترة مثالاً حياً كرُبّان سفينة تتلاطمها الأمواج في بحر لجي، يخرج منها بكل إتقان، فقد أدارت الزوجة شؤون بيتها ورعاية أبنائها كخير مثال، حتى خرج الزوج مرة أخرى ليعود إلى عمله في دار الكتب حتى يصل إلى درجة وكيل وزارة.

ما كاد الزوج يخرج ويستقر وسط أسرته حتى اتصل به الشيخ مناع القطان وعرض عليه العمل في جامعة الإمام محمد بن سعود، وحثه على أن العمل الدعوي هناك جيد، فسافر الزوج وقضى بها 5 سنوات، حتى عاد مرة أخرى يتكئ على زوجته لمواجهة الحياة حتى فارقته يوم الأحد الموافق 24-2-2008م(8).

الهوامش

(1) حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ فريد عبدالخالق يوم 5- 12- 2007م.

(2) موقع إخوان أون لاين، 24-02-2008م.

(3) فريد عبدالخالق: في ميزان الحق، ص (52: 55).

(4) عمر التلمساني: ذكريات لا مذكرات، دار الاعتصام.

(5) حوار الأستاذ فريد عبدالخالق لموقع إخوان أون لاين في 25-07-2006م.

(6) حوار الأستاذ أحمد أبو شادي لموقع إخوان أون لاين في 28 - 09 - 2007م.

(7) أحمد عبدالمجيد عبدالسميع: سيد قطب بين مؤيديه ومعارضيه، كتاب المختار الإسلامي.

(8) حوار الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ فريد عبدالخالق.

(9)مجلة المجتمع: عدد1801- 2008/16/05