لابد من أن نستكمل استقلالنا الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و إلا فما ثمرة الاستقلال السياسي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
لابد من أن نستكمل استقلالنا الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و إلا فما ثمرة الاستقلال السياسي


لا أعرض في هذه الكلمة لاستقلالنا السياسي لا تنقصا من قيمته و لا إهمالا لشأنه , و لكن لأن قضيته بين يديه قضاة كثيرين يتداولونها و يدرسونها , و لأن الوقت الذي يصدر فيه الاخوان حكمهم في هذه القضية لم يحن بعد , و سواء أكان الاستقلال السياسي الذي حصلنا عليه كاملا أم منقوصا , مستوفيا شروطه و أركانه أم لم تتم فيه هذه الشروط و الأركان , فليس موضوع بحثنا اليوم .

و نحن نعتقد أن احتلال الأعداء للأموال و الأولاد و الرؤوس و النفوس أبعد في الأمة أثرا , و أشد عليها خطرا , و أطول أمدا من احتلال الدواوين و الثكنات و القلاع و المعسكرات , و بعبارة أخرى : ان العدو إذا كان حظه من الأمة أضعاف قوتها الحربية يوما ما , و فرض القيود السياسية عليها حينا من الدهر , فسيأتي عليها اليوم الذي تقوى و يضعف , و تنتفض مطالبه بحقوقها غاضبة لحريتها فتحرر , و لكن إذا كان حظه منها أن يحتل أرواحها و أفكارها و ينسيها مقوماتها و مميزاتها فإنها ستفنى فيه طائعة و يعز عليها بعد ذلك أن تجد في نفسها بين الأمم , و من هنا قال الاجتماعيون بخطورة الاحتلال الروحي , و أنه أقوى على هضم الشعوب و ابتلاع الأمم من الاحتلال العسكري السياسي .

و نحن الشرقيين نقف من الغرب موقفا متناقضا غريبا فبينما نبذل كل شيء و نجاهد ليلا و نهارا في سبيل الحصول على استقلالنا السياسي , إذا بنا نستعجل في شغف و لهفة احتلال الغرب الاجتماعي و الروحي و الفكري , و نلقي بأنفسنا في احضانه مسرورين .

هل نحن مستقلون في مظاهر حياتنا الاجتماعية ؟ الجواب : لا , اننا مقلدون بكل معنى الكلمة , مقيدون في ذلك من هذا التقليد الغربي بأثقل القيود , مسرفون في الاعجاب بهذه القيود المزخرفة إلى حد تضيع فيه كرامتنا , و تتحلل مميزاتنا و قومياتنا , و يفنينا في غيرنا فناء لا حياة بعده .

أدخل بيوت الرؤساء و الكبراء و أعيان هذه الأمة المصرية المسلمة و وجهائها و كبار موظفيها من رئيس مصلحة فصاعدا بل و نازلا , فهل ترى في هذه البيوت كلها إلا مظاهر أوروبية , و عادات غربية , و لغة أجنبية , و خدما لا يمتون إلى مصر و لا ينتسبون إليها بنسب , و أولادا من بنين و بنات في مدارس الأعاجم و معاهد الأعاجم ؟ ! و في هذه البيوت الاعجمية الغربية تتربى مصر العظيمة الحاكمة , في أعلى طبقا بينها و أفلاذ كبدها , و من هذه البيوت سيخرج الوزراء و الحكام و الموظفون العظام .

و كل الشعب يقلد ذواته و أعيانه و أولي الأمر فيه , و مظاهر الاستعمار الاجتماعي و الاحتلال الاجتماعي تطغى و تستشري حتى تعم الصغير و الكبير , هل هذا لأننا أمة ليست لها مقومات اجتماعية , و ليست مميزات سجلها التاريخ و زكتها الحوادث ؟ لا , و لكن لأننا نسينا هذه المقومات اعجابا بزخرف المدينة الغربية و لذاتها و شهواتها هذا من الوجهة الاجتماعية .

أما عن الوجهة الاقتصادية فاسمع لغة الأرقام , و حسبك أن تنعم أن تمعن النظر في هذه الحقيقة لتعلم إلى أي حد نحن مستقلون اقتصاديا .

للأجانب في مصر رؤوس أموال تقدر بأكثر من 400 مليون جنيه , و مصر تزرع 6 ملايين من الأفدنة , فكل فدان حينئذ مطالب بتسديد 60 جنيها و أكثر .

لو شئنا أن نستقل اقتصاديا فهل يفي ثمن أفدنتنا بهذا المقدار ؟ دع الديون الأهلية و فوائدها , و دين الحكومة و ملحقاته , و انظر من الذي يتحكم في الاسعار و الأسواق و الأعمال و الشركات كل هذا في يد غيرنا و نحن له فيه تبع .

هذا الفقر المالي و القيود الاقتصادية التي تكبل مصر و تضغطت على تقدمها الاقتصادي عبء ثقيل لا يحتمل , و لابد من النظر في النهضة الاقتصادية حتى نتحرر من هذه القيود .

نحن لا نقول بعدم التعاون مع الاجانب في رخاء مصر و اسعادها , و لكن الذي نريده و يجب أن نعمل ( له هو ) إعادة الأمور إلى نصابها , فيكون أهل الوطن هم الأصل , هم المحور الذي تدور عليه الأعمال , و غيرهم لهم في ذلك مساعد و تبع , و إلا فلسنا مستقلين استقلالا حقيقيا نفرح به و نحسد عليه . و هذا من الوجهة الاقتصادية كذلك .

و أما الوجهة الثقافية و الفكرية فحسبك أن تعلم أننا لا نضع منهجا لشيء إلا نظرنا ما فعل الغرب , و حاكينا في ذلك الغرب , و اقتبسناه من الغرب , و حسبك أن ترى أن الطبقة المثقفة منا تؤثر أدب الغرب و أفكار الغرب و لغة الغرب في التخاطب فيما بينها على كل ما يقابل ذلك من أفكارنا و لغاتنا و مظاهرنا الفكرية .

هذا الاختلال الروحي خطر أشد الخطورة على مستقبلنا , و ما لم نتحرر اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافيا فإننا حريتنا السياسية ستكون حرية مغلولة مقيدة .

و لإن كانت مهمة السياسيين في هذا البلد و غيره من بلدان الشرق أن يكفلوا هذه الحرية السياسية و يصونوها , فإننا نرجوا أن تكون مهمة الاخوان المسلمين تحرير الشعوب الشرقية من ذلك الطغيان الأقوى الأشد طغيان الاستعمار الروحي , بلفت نظر هذه الشعوب إلى الاسلام و تعاليم الاسلام و مبادئ الاسلام .[[تصنيف:رسائل الإمام حسن البنا]]