لماذا اختفى الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
لماذا اختفى الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية؟

02-06-2005

بقلم فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب*

يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: 10)، ويقول سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء: 59).

لقد قامت الرسالة الإسلامية على التوحيد والوحدة، قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المؤمنون: 52)، كما أمرنا بالأخوَّة فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، وأوجب الرسول- صلى الله عليه وسلم- الاهتمام بأمر المسلمين فقال: "مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، كما حثَّ الإسلامُ المسلمين جميعًا على القيام بواجبهم لتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وأن يقيم حكامُ العالم العربي والإسلامي نظامَهم وسياستَهم على أساس من الكتاب والسنة، ويجب على جميع علماء الأمة أن يقوموا بدورهم الهام في البيان والحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وإقامة حدود الله في الأرض، وأثر هذا في القضاء على جرائم الخطف والاغتصاب والسرقة، والمحسوبية، وجميع الانحرافات، خاصةً بعد أن ظهر قصور القوانين الوضعية، في حماية النفس والمال والعرض والعقل.

إنَّ أصحاب المبادئ الأرضية التي أفسدت كل شيء يتحركون ويعملون وينظِّمون صفوفهم، ويأخذون بالأسباب للتمكين لباطلهم، وإقامة دول وحكومات على أساس هذا الباطل.. إنهم يقومون بعرض مبادئهم، وتحسين باطلهم، وترغيب الناس فيه، إنَّ الحق- سبحانه وتعالى- وعد المؤمنين الذين يأخذون بالأسباب ويعملون للحق بالتمكين والنصر، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).

والعالم العربي والإسلامي اليوم في أشد الحاجة إلى العودة إلى منهج الله، وليس هناك رجل مخلص أو وطني غيور إلا وهو يحرص على هذا ويتطلَّع إليه، فغايات الشعوب العربية والإسلامية واحدة، والمخاطر التي تهددها واحدة، وعلى خريطة العالم الإسلامي والعربي اليوم لا توجد دولة أو شعب إلا وهو يعاني من التمزق والضياع، والتبعية والتخلف، والوحدة في ظل شريعة الإسلام هي التي تجمع آمال الشعوب وتساعدها على التخلص من السيطرة الأجنبية، والسبيل الوحيد للخلاص من هذا الواقع المرّ ينبع من داخل هذه الشعوب، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

إنَّ المعاناة التي تعيشها أمتنا الإسلامية اليوم والمشاحنات والتشرذم- بعيدًا عن منهج الله- يجعل أمر الوحدة والاتحاد ضرورةً حتميةً، ويجعل المسارعة إلى الأخذ في أسبابها فريضةً شرعيةً، يعاقبهم الله أشد العقاب على التقصير فيها.. هذا إذا كانوا جادِّين في دفع الخطر، وصد العدوان، وتحرير الإرادة، والبعد عن ذل التبعية والضياع.

والقرآن يعتبر التدابر والتفرق وعدم الرد إلى الله ورسوله جريمةً، فيقول لسيد الدعاة- صلى الله عليه وسلم- عن قومٍ خالفوا أمر ربهم: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ* فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ (المؤمنون: 53، 54).

إنَّ وحدة العرب والمسلمين من منظور إسلامي لا تعني أبدًا زخرفة الجدران التي نخر فيها السوس، ولا تعني المجاملات أو المؤتمرات والندوات والتصريحات الجوفاء، ثم لا شيءَ بعد ذلك، وإنما تعني بذل الجهد والعطاء، والكفاح والتحمل والجهاد، تعني إستراتيجيةً تضع كافة أشكال العدوان ومصادره في قائمة واحدة ثم تحشد لها طاقاتها في رد العدوان أيًّا كان مصدره، إستراتيجية شاملة.. سياسية، وفكرية، وعلمية، وإعلامية، واقتصادية، وعسكرية، تعني إثبات الذات وتأكيد الكيان والهوية والوجود، وحدة الأمة هي التي توقف المذابح، وتوقف حمامات الدم التي تجري في أعناق الشعب الفلسطيني المجاهد المؤمن، والتي استمر سيلانُها منذ الأربعينيات وحتى اليوم، واستمرارها يؤكد كذب دعاوى الصداقة، أو إقامة جسور الثقة، كما تفضح دعاوى رغد العيش، وهدوء البال، ونعيم الأمن والاطمئنان في ظل السلام!! والواقع المعاش خير دليل على ما أقول.

إنَّ سيد الدعاة- صلى الله عليه وسلم- حين أقام الأمة الواحدة في ظل شريعة الإسلام عمل ما تحتاجه هذه الوحدة وما تتطلَّبه من أدوات ووسائل، وسلك الطريق الصحيح.. من إعداد للرجال، وبناء الأمة، بناءً فكريًّا عقيديًّا اجتماعيًّا، واقتصاديًّا سياسيًّا، وبذلك تمكًَّن الأسلاف من تمييز معالم الأهداف التي تحددت لهم تباعًا، وعرفوا قنوات الوصول إليها، فعملوا بما علموا أنه الحق، لقد قال الله لهم في صراحة ووضوح: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (عمران: 103)

"فعلموا يقينًا أنَّ هذه هي الركائز التي تقوم عليها الأمة لتُحققَ وجودَها وتؤديَ دورَها، أمةٌ واحدةٌ تدين بعقيدة واحدة، وتنهج نهجًا واحدًا، هو الاتجاه إلى الله دون سواه، أمةٌ واحدةٌ في الأرض، وربٌ واحدٌ في السماء، لا إله غيره ولا معبود سواه، أمةٌ واحدةٌ وفق سنة واحدة، تشهد بالإرادة الواحدة المهيمنة في الأرض والسماء" (الظلال بتصرف).

وكان الالتزام بما أمر الله به هو بداية النصر، الذي صاحب الأسلاف- رضوان الله عليهم- يقول د. محمد عمارة: "ولقد بلغ الإسلام في التأسيس لوحدة الأمة في المواطنة- مع تعدد دياناتها- أن شرع لتعدد دياناتها في الأسرة الواحدة، وهي لبنة الأمة والشعب، فزواج المسلم من الكتابية يجعل لأولاد المسلمين أمًا كتابيةً، وأخوالاً كتابيين، وأبًا مسلمًا وأعمامًا مسلمين.. الأمر الذي يؤسس وحدة الأمة- بدياناتها المتعددة- على التعددية التي قررها الإسلام في لبنات الأساس (كتاب هل الإسلام هو الحل ولماذا؟).

إنَّ الحديث عن الوحدة بين العالم العربي والإسلامي اليوم يدور في حلقة مفرغة سبق الدوران فيها، وما زال الجدل عند البعض مستمرًا، وقد يكون لاستهلاك الوقت والجهد معًا دون نتائج تذكر، فقد سمعنا عن محاولات للوحدة قامت ولم تستمر، أو أُعلنت ولم تبدأ، وكان كل ذلك فقاعات في الهواء.

أشواك على الطريق

يقول موروبيرجر: "بتحديد واضح للسبب الحقيقي لمحاولات صرف أمتنا عن الوحدة والاتحاد، ووضع الأشواك في طريقها.. إنَّ الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجًا عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام، يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوة العرب؛ لأن قوة العرب تتصاحب دائمًا مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره" (كتاب قوى الشر المتحالفة).

ويقول المفكر الإنجليزى هيلير بيلوك: "لا يساورني أدنى شك أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين، وتتماسك أطرافها تماسكًا قويًّا، وتحمل في طياتها عقيدةً مثل الإسلام.. لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب، بل ستكون أيضًا خطرًا على أعدائها".

إنَّ مَن ينظر حوله فيرى تخاذلاً وشتاتًا وانقسامًا، ثم يرى سيطرة الغرب، وتدهورًا في الأخلاق، وتضليلاً إعلاميًّا، سيصاب بلا شكٍ بنوعٍ من القنوط واليأس، لكنَّ العقلاء المؤمنين بربهم يرون أنَّ شدة ظلام الليل إيذانٌ باقتراب الفجر، وبزوغ نوره، والقرآن يقرر أنه ﴿لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، ولولا إحساس هؤلاء بهذا الفجر لما كانت كل هذه التحذيرات التي أشرت إلى جانب منها.

ورغم كل المعوقات فإنَّ أحد الخبراء يدلل لنا على إمكانية هذا الأمر في الأمة العربية والإسلامية اليوم لوجود كل مقومات الوحدة وأسباب النجاح وسبق التجربة، ثم بما حدث في أوروبا أخيرًا من اتحاد وتقارب، رغم أنه لا يوجد عندهم مقوِّم واحد من المقومات التي عندنا، ومع ذلك استطاعوا أن يتَّحدوا، وهذه حجةٌ ثالثة علينا، فيقول: "أمامنا حلف شمال الأطلسي مثلاً، باعتباره أول محاولة للعمل الجماعي بعد الحرب العالمية، وباعتباره أقدم المنظمات الجماعية التي تختلف في لغاتها وعاداتها ونظم الحكم فيها، وذلك رغم ما كان بينها في الماضي من حساسيات عدائية موروثة، ومع ذلك استطاعت أمام وحدة هدفها للتنمية والأمن أن تحقق تطويرًا كبيرًا وتصاعدًا في قراراتها الاقتصادية بقيام السوق المشتركة، وبعدها قام "البرلمان الأوروبي" وبعده قامت (الوكالة الأوروبية للفضاء)، ثم أعلن مؤخرًا عن الاستعداد لقيام الوحدة الاقتصادية لغرب أوروبا.

وكانت الدول الأوروبية ترى في تطوير تعاونها اقترابًا حقيقيًّا للتكامل الإستراتيجي، ولم تتوقف المسيرة عندهم التي بدأت عام 1948م بميلاد حلف شمال الأطلسي، وعلى امتداد أربعين عامًا كاملةً تمَّ اجتياز أربع مراحل، وكل مرحلة تمثل غايةً زمنيةً وموضوعيةً، حتى إذا تم تحقيقها كانت هي منطلقًا جديدًا لغايةٍ جديدةٍ تتممها، وما زالت المسيرة تنبض بالتعاون والطموح (راجع مجلة الإعتصام ديسمبر 1988م).

إنَّ حشد عناصر الأمة الإسلامية في صف واحد أمر سهل، طالما وضحت معالم الهدف الموحد الذي تتطلع إليه، وإن طبيعة أرضنا وإمكاناتنا أكبر وأعظم من أوروبا التي اتحدت وقفزت للأمام وتعاونت، فما بالنا لا نتحرك ولا نتحد بل ولا نتعاون ونحن نملك كل مقومات التكامل.. أليس هذا بعجيب؟!

فجميع العرب والمسلمين يؤمنون برب واحد، ويتجهون لقبلة واحدة، ورسولهم واحد، ودينهم واحد، يجمعهم القرآن، ويؤلف بينهم الإسلام، بشعائره وفرائضه وشرائعه، والأرض التي يعيشون فوقها واسعةٌ متصلةٌ بغير انقطاع من المحيط إلى الخليج، وطبيعتها واحدةٌ، والموارد الضخمة والخامات متوفرة في كل أنحاء الوطن العربي والإسلامي، ورءوس الأموال متوفرة مع كثرة الأسواق، ووجود الأيدي العاملة، والعقول الواعية، والكفاءات المتخصصة والمبدعة، ومصادر الطاقة المختلفة، فضلاً عن المقومات الأخرى التي لم تتوفر عند أمة من الأمم، مثل وحدة اللغة والدين، والتعاطف والتراحم والآمال والآلام.

ومعنا كتاب الله الدستور الخالد، والهادي للصراط المستقيم، ودليل النجاح للدنيا للآخرة، والشعوب العربية والإسلامية لا ينقصها العزم ولا الإرادة، ومستعدة للبذل والعطاء، والعمل بما تعلم، ونحتاج إلى الهادي والمعين.

وهذا ما نادى به الإخوان المسلمون وعملوا له وألزموا أنفسهم به، ودعوا الناس إليه.. يقول الإمام البنا (عليه رضوان الله) من خمسين سنة، واضعًا النقط فوق الحروف بصراحة تامة:

"أيها المسلمون.. اذكروا أن الدنيا لن تصغى لكم، ولن تستمع منكم، ولن تجيبَكم إلى ما تطلبون إليها، إلا إن كنتم أنتم نماذجَ صالحةً للتمسك بما تدعون الناس إليه، والعمل بهذا المنهاج الكريم القويم كتاب الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42)، وكنتم مع هذا يدًا واحدةً، وقلبًا واحدًا، واتجاهًا واحدًا؛ لأن الإسلام وحدةٌ وتوحيد، ولا شيء بعد هذا، إنَّ الوحدة واجتماع الكلمة وائتلاف القلوب هي لبُّ الإسلام ولا شك، والأمة الإسلامية أمةٌ واحدةٌ بحكم أخوَّة الإسلام ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103)، وقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- "ولن تؤمنوا حتى تحابوا".. ثم يقول الإمام البنا: وإن الإخوان المسلمين ليعلمون بهذا، ولهذا فإنهم ليأخذون أنفسهم به أخذًا شديدًا، وإنهم ليهيبون بالأمة الإسلامية كلها أن تكون كذلك؛ حتى يصلوا إلى ما يبتغون من إعزاز الإسلام، وإعلاءٍ لتعاليمه، وجمعٍ لكلمة المؤمنين به، والعاقبة للمتقين".


المصدر

إخوان اون لاين