لماذا كانت الأسر التربوية حصن جماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢١:٢٢، ١٧ فبراير ٢٠٢١ للمستخدم Lenso90 (نقاش | مساهمات) (حمى "لماذا كانت الأسر التربوية حصن جماعة الإخوان المسلمين" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
لماذا كانت الأسر التربوية حصن جماعة الإخوان المسلمين


عبدالرحمن مصطفى

مقدمة

ظل الإسلام الإسلام يشكل مصدر قلق للغرب المحتل وللمستبدين الذين حاولوا جاهدين على الاحتفاظ بالسلطة حتى ولو على رقاب العباد، وشكلت في مواجهة المصلحين كثير من الجبهات التي دعمها الغرب في محاولة على طمس الهوية الإسلامية لدى الشعوب المؤمنة بها، وكحائط صد من زحف هذه المارد إلى الدول الغربية.

وحاول كثير من المفكرين انتاج نموذج إسلامي إلا أنهم لم يحققوا نجاحات في هذا الصدد لأنه انحصر فكرهم في النخبة ولم يلامس شغاف قلوب الناس، حيث يرى مالك بن نبي أن هذه الحركة "ليست لها نظرية محددة، لا في أهدفها ولا في وسائلها، والأمر بعد هذا لا يعدو أن يكون غراما بالمستحدثات، فسبيلها الوحيد هو أن تجعل المسلم (زبونا) مقلدا"

وهو عكس مؤسسة الأزهر الذي لم ينجح طرحه وخطابه في الانتشار لأنه تشبث بتقليديته وجموده الذي وصفه كثير من المؤرخين والدارسين، ولاستعصائه على محاولات التطوير، وكان لاستتباع السلطة للأزهر وبخاصة في زمن العسكر بعد ثورة يوليو دور في خفوت صوته وقلة تأثيره.

ومع ذلك قيد الله لهذه الأمة بين الحين والأخر علماء ومصلحين عرفوا حقيقة الإسلامية الوسطية، ورفعوا شعار العزة والكرامة الإنسانية، وعملوا على نفض غبار الماضي وجددوا لهذه الأمة أمر دينها حتى تعرف حقيقته وتؤمن به.

فكانت هناك نماذج دعوية أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب وغيرهم الكثير الذين دافعوا عن دينهم ووطنهم، غير أن تراثهم لم يحفظ إلا في الكتب والقليل من الرجال، وهو الذي انتقده مالك بن نبي لكونها أعادت إنتاج علم الكلام من جديد، و"اتجهت إلى تكوين متخصصين بارعين أكثر مما تتجه إلى خلق مخلصين"، وبالتالي فإنها لم تهتد إلى جوهر المشكل الإسلامي، "فليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي". (1)

كما عبر عن طبيعته الكاتب إخليهن محمد الأمين بقوله:

إن فكر محمد عبده العقلاني وآراؤه المستنيرة كانا سابقين لعصرهما والسياق الذي طرحا فيه ليس هو سياقهما الصحيح، لقد كان العالم الإسلامي يشهد هجمات فكرية مكثفة تستهدف هويته الحضارية وثوابته الدينية، ولهذا فإن التجديد الفقهي والكلام العقلاني النظري لم يكن هو أحسن وسيلة لمواجهة هذه التحديات وهذا المأزق الحضاري. (2)

وهو ما فطن له الشاب حسن البنا الذي أيقن أن أخر وسيلة لنشر حقيقة الدين هى الأخذ بشموله، والعمل على متابعة الأفراد والعناية بتربيتهم تربية مباشرة، خاصة بعدما جرب المؤتمرات العامة واللقاءات فكان مردودها ضعيف ونتاجها هش.

وعبر عن هذا الاتجاه الكاتب مالك بن نبي بقوله:

أنها جسدت النظرية الإسلامية التي صاغها الفيلسوف الهندي "محمد إقبال" والتي تقول "إن المطلوب ليس العلم بالله، ولكنه في أوسع وأدق معانيه (الاتصال بالله)"، وبهذا فقد "تَلَمَّسَ فيها الضمير المسلم طريقه من جديد" باعتبارها "حركة تمتاز في جوهرها بالمؤاخاة العملية التي كان يحملها عنوانها" والسر في هذا أن زعيم تلك الحركة لكي يغير الفرد لم يستخدم "سوى الآية القرآنية، ولكنه كان يستخدمها في الظروف النفسية عينها التي كان يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته من بعده، وهذا هو السر كله: أن تستخدم الآية كأنها فكرة موحاة، لا فكرة محررة مكتوبة".

كان لتطور الفكرة عند الإمام حسن البنا واختلافها عن من سبقوه من العلماء والمصلحين دليل واضح في انتشارها بين الناس لواقعيتها ومخاطبتها للجميع

يقول إخليهن محمد الأمين:

كانت هناك أسباب موضوعية أدت إلى تَغَيُّرِ فكر البنا عن فكر عبده، لقد كان العالم الإسلامي في تلك الحقبة الزمنية يعيش مأزقا حضاريا تمثل في التهديد الذي يواجه هويته وثقافته، ولهذا لم يكن بحاجة إلى علم الكلام ولا إلى الفكر النظري، بل كان أحوج من ذلك إلى الفكر العملي
وهو ما تجسد في آراء حسن البنا التي مثلت أحسن وسيلة للدفاع عن هوية الأمة في وجه الهجمات الشرسة من طرف المستشرقين والهزيمة النفسية للحركة الحديثة التي تجسدت فيها عبارة ابن خلدون الشهيرة "المغلوب مولع بتقليد الغالب"، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن يتم تصحيح المسار الإصلاحي الذي انتهجه الإمام عبده، والذي رأى فيه بن نبي أنه لم يهتد إلى لبِّ المشكل الإسلامي. (3)

لقد جاب حسن البنا ربوع مصر وخارجها داعيا ومربيا حتى أنه بلغ ما يقرب من ثلاثة آلاف قرية من أصل أربعة آلاف قرية مصرية في ذلك الوقت، حتى أن المستشار حسن الهضيبي حينما كان يزور الشعب وصف العنت الذي واجهه وصحابته ومع ذلك كان عنت هينا أمام ما قام به الأستاذ حسن البنا

فيصف ذلك بقوله:

"وصلنا إلى إحدى المحطَّات ولعلَّها (إدفو) فقال آخر: إن الأستاذ الإمام بات على كرسي أمام هذه الخمَّارة، وذلك أن أحد الأشخاص دعَاه لافتتاح شُعبة، فكتب إليه بأنه حاضر في قطار كذا، وكأن الخطاب لم يصله ولم يجد في المكان من المستيقظين إلا صاحب الحانة يهمُّ بإغلاقها فرقَّ له وأعطاه كرسيًّا يبيت عليه حتى الصباح وأغلق حانتَه وانصرف، وفي الصباح ذهب الأستاذ إلى القرية يدعو أهلها إلى كلمة الله وكتاب الله وسنة رسول الله.
وانتقلنا إلى الوجه البحري، وجُبْنَا قرى إحدى المديريات في أسبوع، فما وجدنا قريةً إلا وصل إليها الأستاذ على غير ما وصلنا، فقد وصلنا في سيارات تنقلنا من مكان إلى مكان نختصر الوقت ونقرِّب المسافات، ومهما لقينا في ذلك من مشقة فإنها لا تقاس بالمشقة التي لقيها الأستاذ الإمام؛ حيث كان يصل إلى هذه القرى سيرًا على الأقدام أو يركب الدوابّ، قرى سحيقة بعيدة عن العمران، نسِيَها الناس ونسيتها الحكومات حتى طاف بها طائفٌ من رحمة الله ونورِه، فدعاها الداعيةُ إلى كلمة الله وكتاب الله وسنة رسول الله". (4)

نحو مجتمع إسلامي

سعى الإمام حسن البنا منذ اللحظات الأولى إلى خلق مجتمع إسلامي يُأمن بدينه ويعلى شأن وطنيته، ويسعى لحرية بلاده، ولذا جاءت منهجية وتطور وتدرج فكرته بإيجاد الفرد المسلم، والذي أمر فيه إخوانه بقوله: "ليقبل كل عضو من الإخوان على نفسه؛ فيطهرها، ويحاسبها، ويؤاخذها، ويعالجها حتى تنطبع بطابع الإسلام الصحيح".

فالبيت والأسرة المسلمة والتي حض فيها إخوانه عليها بقوله:

"ليأخذ كل عضو منكم نفسه وبيته بتعاليم دينه وقواعده فى رفق ولين؛ حتى يكون فى بيوت الإخوان الأسر الإسلامية التى هى أصلح نواة للنهضة المرتجاة" (5)

ويكمل الإمام البنا مراحل التدرج في التربية الإسلامية فبعد الفرد المسلم والبيت المسلم جاء المجتمع المسلم، ثم الحكومة الإسلامية، فالدولة فأستاذية العالم وفقا للأسس الحضارية للإسلام عن طريق منظورها.

عراقيل في وجه التربية

يقول الدكتور علي عبد الحليم محمود:

وعلى الرغم من أن بعض مفكرى الجماعة وبعض فقهائها أتى عليهم حين من الزمان رأوا فى الأسرة وسيلة قد تجاوزتها الجماعة ، بما حققته من عالمية تفرض عليها اتخاذ وسائل بديلة عن الأسرة ، أو على رأى بعضهم تستغنى عن التربية وفق نظام الأسر ؛ أقول : على الرغم من ذلك ، فإن المنظرين فى فكر الجماعة والأعمق فقها والأشمل تصورا لمتطلبات الجماعة والميدانيين التطبيقيين منهم ، يرون أن الأخذ بنظام الأسرة ضرورة غير منفكة بحال. (6)

لقد كانت الظروف والتغيرات هي الدافع القوي لنشأة نظام الأسر، خاصة – كما ذكرنا – نفي المرشد العام واعتقاله ومحاولة قتله، وزد على ذلك إغلاق وزارة النحاس باشا لجميع شعب الإخوان المسلمين في القطر المصري عدا المركز العام، وهو ما كان جرس إنذار خطير على كيان الجماعة لو طالت فترة إغلاق الشعب وعدم إلتقاء أفراد الجماعة على منهج تربوي، فجاء مشروع الأسرة، وهو ما عبر عنه جمعة أمين عبدالعزيز – عليه رحمة الله – بقوله:

ترجع ظروف نشأة نظام الأسر إلى نوعين من العوامل:

الأول: يتعلق بالظروف والأوضاع السياسية العامة فى مصر إبان الحرب العالمية الثانية.
الثانى: يرتبط بالأحوال الداخلية للإخوان.

أما الأمر الأول وهو المتعلق بالظروف السياسية لمصر أثناء الحرب العالمية الثانية فقد تعرض الإخوان للتضييق عليهم من قبل الحكومات المختلفة وبإيعاز من الإنجليز، وشمل التضييق والنفى والاعتقال ومحاولات لقتل المرشد، كما شمل الإغراء بالمال والتهديد بالنفى، وإغلاق الشعب.

وأما بالنسبة للأوضاع الداخلية للإخوان:

فقد قام الإمام البنا بوضع نظم مختلفة فى التربية لإخراج صف إسلامى يتمتع بالفهم الصحيح للإسلام، تربط الأخوة بين لبناته، ويتكافل عند الشدائد والمحن؛ فنظم الكتائب، ووضع رسالة التعاليم والمنهج، ووضع رسالة المنهج العلمى، غير أن هذه المشاريع لم يتم تطبيقها على النحو المطلوب فكان نتاجها وأثرها التربوي محدود لسرعة انتشار الجماعة

واتساع نطاقها مما أدى إلى ضعف العناية بالتكوين الفردى، والتي نتج عنها أن أصبحت العناصر الفاهمة لدعوتها القادرة على تحمل تبعاتها أقلية فى وسط هذا الكم الهائل المنتسب إلى الإخوان، وقد استهلك جهد هذه العناصر فى إقامة المؤتمرات والاحتفالات، ودُفع إلى داخل صفوف الإخوان مزيد من الأفراد؛ فلا يستطيع هؤلاء الأفراد الارتقاء بأنفسهم، فضلا عن الارتقاء بغيرهم.

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل انقسم أفراد الجماعة إلى صنفين، صنف بهرته المؤتمرات والحفلات فاتبع الإخوان على ذلك وتربى من خلال هذه المؤتمرات فإذا ما تعرضت الدعوة للمحنة كان أول الخارجين منها.

والصنف الأخر الذي عرف حق الدعوة وفهم دينه فهما صحيحا وترجم ذلك عمليا في حياته وبيته ومحنه، وهو ما حرص الإمام البنا على الإرتقاء به والحفاظ عليه، ويحكى الأستاذ عبد العزيز كامل أنه صاحَب من هذا الصنف أخًا كان يقتسم راتبه مع أخ من إخوانه تعطل عن عمله، وسأله ذات يوم: كيف استطعت أن تنظم أمرك بنصف مرتبك؟ فابتسم قائلا: وكيف يعيش أخى دون مرتب؟. (7)

لم تقتصر العراقيل على ذلك فحسب بل بلغت مراكز القيادة حيث كان كثير ممن تبوؤا مراكز قيادية لم يكونوا على المستوى الطيب العميق من الفهم، وأعضاء مجالس إدارات دخلوها على أنها جماعة خيرية عامة، وعلى هذا كانت هناك ثغرات فى سلسلة القيادة.

الأسرة التربوية حصن الجماعة المتين

كانت الأوضاع سالفة الذكر تحتم على الإخوان أن يتخذوا لهم أسلوبًا دقيقًا للعمل لتلافى هذه العقبات، فكانت الأسرة التربوية. فالأسرة فى فقه الإخوان المسلمين هى اللبنة الأولى فى بناء الجماعة وتكوينها ، كما أنها أساس التكوين للأفراد ، وامثل الأساليب لتربية الفرد تربية متكاملة ، تتناول كل جوانب شخصيته، وتصوغ هذه الشخصية صياغة إسلامية وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

يقول الأستاذ عمر التلمساني:

"نظام الأسر كان الغرض منه في الإخوان المسلمين تعارف أفراد الإخوان بعضهم على بعض؛ فمثلًا إذا كانت جماعة الإخوان أسرة، وكل أسرة مكونة من خمسة أو سبعة أفراد، فرؤساء هذه الأسر كانوا يُكَوِّنُونَ بدورهم أُسَرًا جديدة، ولرؤساء الأسر الجديدة رؤساء، ومن بينهم تتكون أسر أخرى وهكذا".

ومن أجل هذا كان للأسرة بالغ الأهمية فى تاريخ الجماعة، حتى عدت إحدى الركائز ، بل أهم الركائز التى يقوم عليها بناء الجماعة.

قسم الإمام البنا جموع الإخوان إلى شرفيون ومنتسبون وعاملون، ووضعت مواصفات لكل قسم من تلك الأقسام، حتى يستطيع أن يضع لك قسم مستوى ومنهج تربوي يتناسب مع مدى تفاعله داخل الصف

حيث ذكر مواصفات كل قسم بقوله:

(أ) الأعضاء الشرفيون: وهم ذوو الحيثيات الاجتماعية والأدبية الذين يعطفون على الدعوة فى محيط الشعبة، ويقدمون لها بعض المساعدات المادية أو الأدبية.
(ب) الأعضاء المنتسبون: وهم الإخوان المعجبون بالدعوة، والذين يقدمون لها مساعدات مادية أو أدبية، ولكنهم لم يتقيدوا بعد بتوجيهاتها الروحية والعملية، ولم يشتركوا اشتراكًا فعليًا فى ميادين نشاطها العملى.
(ج) الأعضاء العاملون: وهم الإخوان الذين بايعوا الله على العمل بتوجيهات الدعوة والتمسك بتعاليمها والجهاد فى سبيلها، واشتركوا اشتراكًا منظمًا فى نواحى نشاطها مهما كانت حيثياتهم الاجتماعية ومؤهلاتهم العلمية، وقد التزم الأعضاء العاملون بنظام الأسر. (8)

تم إقرار نظام الأسر فى ربيع الأول 1362هـ الموافق مارس 1943م، و كان الأفراد المشتركون فى نظام الأسر يقسمون فى كل شعبة إلى عشرات، تسمى كل عشرة منها "أسرة"، وتختار الأسرة من بينها نقيبًا يكون هو المسئول عنها، حيث حرص الإمام البنا على تحقيق بعض الأهداف التربوية لدى أفراد الجماعة في ظل العراقيل التي يضعها المحتل البريطاني والحكومة المصرية

مثل:

  • إخلاص النية لله، وتجديد التوبة، مع رد المظالم إلى أهلها ما أمكن.
  • المواظبة على الورد القرآنى والأدعية المأثورة بقدر الإمكان.
  • تقدير حق إخوانه وتقديمه فى كل المعاملات.
  • المحافظة على الصلوات الخمس فى أوقاتها.
  • أداء زكاة المال متى كان الأخ مالكًا للنصاب.
  • التطهر من الربا والمقامرة والكسب الحرام فى كل المعاملات.
  • اجتناب الزنا وما يتصل به، والخمر وما هو فى حكمه، ومقاطعة دور اللهو العابث.
  • أن يعتبر الأخ نفسه جنديًا للدعوة، ويشعر بأن لها حقًا فى نفسه ووقته وماله.
  • أن يشعر أهله بهذا التطور الجديد فى حياته، وأن يجتهد فى أن يطبع بيته بالطابع الإسلامى، وأن ينتهز الفرصة المناسبة، ويعاهد زوجته على العمل للدعوة معه، وأن يلزم أولاده خدمه آداب الإسلام.

أهداف الأسر التربوية

كان الأستاذ البنا يهدف من هذه الأسر إلى إعداد الفرد إعدادا إسلاميا متكاملا، وإنضاج روحه وفكره وعقيدته وسلوكه

حيث يقول عنه الإمام الشهيد البنا:

هذا النظام أيها الإخوان نافع لنا، ومفيد كل الفائدة للدعوة بحول الله وقوته؛ فهو سيحصر الإخوان الخلصاء، وسيجعل من السهل الاتصال بهم، وتوجيههم إلى المثل العليا للدعوة، وسيقوى رابطتهم ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات. (9)

لقد كان هدف الأسرة الأول هو:

العمل على تكوين الشخصية الإسلامية المتكاملة عند الفرد وتربيتها وتننميتها وفق اداب الإسلام وقيمه، وأهم جوانب تلك الشخصية، الجانب العقدى والجانب العبادى والجانب الخلقى والجانب الثقافى.

ويضيف الدكتور علي عبدالحليم محمود مبحث شرعي على شرعية هذا النظام وأنه ليس من بني أفكار الإخوان

حيث يقول:

الأسرة بمعناها الشرعى ليست ابتكار للجماعة ، وإنما هى امتداد لعمل مماثل تم فى بداية الدعوة الإسلامية فى دار الأرقم ابن أبى الأرقم بمكة ، ولكن الأسرة بمعناها التنظيمى الحركى تكاد تكون وقفا على الجماعة.

ويضيف أيضا:

منهج التغيير عندنا يبدأ بالنفس وبالقلب إخباتاً ووجلاً وبالجوارح خشوعاً وعملاً. وهذا المنهج من الثوابت التي لا نحيد عنها، ليس تكتيكاً - كما يزعم المرجفون - بل هو مبدأ أخلاقي ديني ثابت دائم لا يتغير إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، مبدأ ينبذ العنف بل ويعمل على استئصاله. (10)

وقد حدد الإمام البنا أركان الأسر فى ثلاث كلمات هى: "التعارف والتفاهم والتكامل"، وهو عناصر متكامله في مجملها بحيث تكمل بعضها بعضها وتنشر روح الحب والإخاء والإيثار بين أفراد الجماعة.

برامج معرفية تربوية

تعد الأسرة بمثابة الواحة التربوية والمعرفية والتهذيبية لسلوكيات الفرد كما أنها بمثابة جامعة لمعرفة أحوال المسلمين ومطالعة الكتب الشرعية والتاريخية والعلمية، كما أنها بمثابة تربية القادة واختيار الأفضل والمتميز منهم.

فكانت من ضمن البرامج التربوية التي كانت تدرس لأفراد الأسر مدارسة نافعة فى كتاب من الكتب القيمة.

ثم أكد الإمام البنا على المعاني الإنسانية بين أفراد الأسرة فقال:

وليحرص الإخوان بعد هذا على تحقيق معنى الأخوة فى المجاملات الطارئة، التى لا تحصرها الكتب، ولا تحيط بها التوجيهات، وأشار إليها الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم كعيادة المريض، ومواساة المحتاج ولو بالكلمة الطيبة، وتفقد الغائب، وتعهد المنقطع، كلها تزيد رابطة الإخاء، وتضاعف فى النفوس الشعور بالحب والصلة.

ويقول الدكتور علي عبد الحليم:

لقد تأكد للإمام البنا أن المشكلة ليست سهلة كما يظن البعض، فإن ما أصاب العقل المسلم من صدوع ورضوخ، بل كسور وتقطيع وتشويه وغزو فكري صده عن المضي إلى غايته، وحال بينه وبين رسالته، لا يمكن أن يعالج في يوم وليلة بمحاضرة عابرة من فرد أو درس هنا ودروس هناك من مفكر إسلامي، أو موعظة وفتيا من عالم من العلماء الأجلاء ثم يمضي لحال سبيله يبحث عن أخرى، أو مقال منشور سرعان ما ينتهي أثره بانتهاء قراءته، أو مؤلف مكتوب يحفظ متنه
إنما هي معاناة وتربية إسلامية طويلة تحتاج إلى محضن تربوي، فكانت هي الأسرة، والمربي الكريم الذي له صفات تربوية هو النقيب، لأن التربية هي من ثوابت الدعوة تحتاج إلى جهد مضن كي نترك رجالاً لا نترك كتاباً وكفى، وذلك بالمنهج السديد، والعمل الدؤوب، والخلق القويم، والنفس الطويل، والصبر الجميل والموعظة الحسنة، والمجادلة الحكيمة والوعي المستنير، والمتابعة المتأنية.

ويشرح لنا أحد أفراد الجماعة وهو الأستاذ علي رزه – أحد قادة الإخوان الأوائل بالإسماعيلية – شكل الأسرة وطريقة إدراتها، حيث يقول:

كان لقاء الأسرة يتم كل أسبوع، ويتضمن برنامجا ثقافيا يتمثل فى تعلم اللغة العربية، وتصحيح وحفظ قصار السور من القرآن مع دراسة الأحاديث النبوية التى تتصل بالمعاملات اليومية مثل إتقان العمل، وإفشاء السلام، والمودة بين الناس، ولين الجانب، وكل ما يتصل بالرقائق.
ولم يتوقف الأمر على الجانب الثقافى؛ بل كان هناك يوم فى الأسبوع تلتقى فيه الأسرة على صلاة الفجر، ثم يقرؤون الورد القرآنى، ثم المأثورات، ثم تنطلق الأسرة للجرى لمسافة من 3 : 4 كيلومترات مع أداء بعض التمرينات الرياضية لتقوية الأبدان، ثم تضمن برنامج الأسرة المشاركة فى أفراح وأتراح الناس العامة.
كما زاد برنامجها الثقافى وزاد الاهتمام بحفظ سور القرآن الطويلة مثل سورة البقرة وآل عمران، ثم كان هناك برنامج مصاحب لتعلم السباحة وركوب الدراجات البخارية والسيارات ومعرفة أعطالها، وغير ذلك من أنواع النشاط. (11)

الأسس التي قامت عليها قسم الأسر

  1. الفهم الجيد للدين: أهدافه ووسائله.
  2. الإيمان العميق بهذا الدين، والاعتزاز بالانتماء إليه.
  3. تنظيم صفوف الجماعة وتقوية العلاقة بين أفرادها.
  4. التعاون بين الأفراد في كل أمر يخدم الإسلام.
  5. التعارف الكامل بين الأفراد.
  6. التناصح والتواصي بالحق والصبر.
  7. تطبيق الإسلام تطبيقًا عمليًا في العبادة والمعاملة والسلوك والأخلاق.
  8. تطبيق الإيمان تطبيقا عمليًا في العقيدة. (12)

المردود التربوي للأسرة التربوية

كان هذا النظام الذي وضع بذرته النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم داخل دار الأرقم بن أبي الأرقم حينما بدأ في تربية أتباعه تربية إيمانية خاصة ومكثفة، وإعداد جيد على حمل تبعات الدعوة، هو ما حذى حذوه الأستاذ حسن البنا في هذا النظام والذي كان بمثابة الحصن المنيع لكيان جماعة الإخوان المسلمين على الرغم من كثيرة الضربات التي وجهت لها

والعنت والاضطهاد الذي واجهته سواء من المحتل الغربي أو أتباعه الذين نشرهم في البلاد العربية والإسلامية في سلم السلطة والحكومات، حتى تحدث عن هذا المردود عدد ممن تربوا وتعلموا داخل هذه الأسرة ومنهم:

أحمد عادل كمال الذي عبر بقوله:

"لقد أنشأت هذه الأسرة فيما بيننا من الحب والعاطفة ما زلت أُحِسُّه حتى الآن، وبعد أن انقضى على ذلك قرابة خمسة وثلاثين عامًا، ولو أقسم عليّ أحدهم بهذا الإخاء لأبررته". (13)

ويقول الدكتور العلامة أحمد شلبي:

إن هذه الجماعة لعبت دورًا إسلاميًّا رائعًا في حياة الصبيان والشباب والرجال، وغرست أخلاق الإسلام في الملايين، وجعلت الانتساب للإسلام مفخرةً يعتز بها الكثيرون، ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعاتٍ تعرف اللهَ وتخافه، وبالتالي تنتج بجد، وتعمل دون رقيب من الناس ولا تمتد لها الشبهات ولا يمسها الانحراف، وكانت كلمة من "الإخوان المسلمين" طابعًا للتنزه عن الصغائر، والبُعد عن الرشوة وعن الإهمال، والحرص على أداء الواجب، وحيثما رأيت الآن رجلًا يبرز به هذا الطابع فاعرف أنه غالبًا كان منتسبًا إلى جماعة الإخوان المسلمين. (14)

ويقول حسن دوح:

"كنت أشعر مع نهاية كل كتيبة أنني ولدت من جديد، وهذا الشعور كان يشاركني فيه جميع زملائي، والذين عاشوا هذه الكتائب ما أظنهم ينسون أنهم قضوا أجمل أيام عمرهم.. كانت كتيبتنا تضم ثلاثين شابًّا من خيرة شباب الإخوان، ولو تتبعت تاريخ هؤلاء الرجال الآن وأين هم من المجتمع لاستوقفك الأمر كثيرًا" (15)

وفي بحث بعنوان: "حركة الشبيبة الإسلامية والصناعة الأدبية الحالية في مصر" أشارت الدكتورة كاري ردزنيسكي الباحثة في جامعة هارفارد الأمريكية إلى أن الإمام البنا استطاع أن ينتشل الآلاف من شباب مصر من المقاهي ومواخير المخدرات والمسكرات؛ ليصنع منهم دعاةً للإسلام، ويحولهم من حالة الضياع إلى قوة شبابية تخوض غمار السياسة مزاحمةً أقوى الأحزاب العريقة في مصر. (16)

ويقول د. أحمد الحوفي - الأستاذ بكلية دار العلوم:

"درَّست بالمدرسة السعيدية ست سنوات وبكلية دار العلوم خمسًا، شهدت فيهن عن كثب وتجربة ويقين عِظَم أثر الشهيد في مريديه من الطلاب.. جرأة في الحق، واستقامة في الخلق، واعتزاز بالدين، وجدّ في الدرس، ورجولةٌ مبكرة، وثقافة إسلامية متنورة، ومقدرة بيانية واعية".

لقد بلغ التأثير حتى قال خالد محمد خالد:

"كان من العسير أن تجد بيتًا واحدًا في مصر ليس فيه واحدٌ منهم؟!". (17)

حتى أن الشهيد سيد قطب قال في المؤتمر الختامي لطلاب الإخوان المسلمين بالمركز العام بعدما رأى هذه الجموع الحاشدة من الطلاب:

"ما أثر التربية الإسلامية في تكوين الشباب؟ هو أنتم أثرها، هو أن تُحيل ذلك الحطام الآدمي إلى شباب مثلكم، شباب متماسك قوي خَشِن مكافح مؤمن، باع نفسه لله، فأنتم المدلول الحي للتربية الإسلامية، أنتم كلمة الله لأن المسلم الحي هو كلمة الله في الأرض، لنرجع عشرين عامًا إلى الوراء لنرى كيف كان الشباب مائعًا مستهترًا، لقد شهدت شبابًّا يُحمِّر خديه وشفتيه سنة 1920م، فمن هذا الحطام الآدمي كوَّن الإسلام أبطالًا هم أنتم، لقد استطاعت التربية الإسلامية أن تخلق جيلًا لا يستحي من الإسلام كما كان يستحي الجيل الذي قبله، واستطاعت التربية الإسلامية في جملةً واحدةً أن تُفسِد على الاستعمار ما تعب في عمله طويلًا، وقالت لدنلوب: "منذ اليوم لن تستطيعوا استعبادنا". (18)

إن نظام الأسر الذي وضعه الإمام حسن البنا يعد بحق الحصن المنيع، والحامي لكيان وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

المراجع

  1. مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي.. مشكلات الحضارة، ترجمة عبدالصبور شاهين، طـ1 (دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، 1986).
  2. إخليهن محمد الأمين: الإخوان المسلمين في قلب التاريخ، 16 يوليو 2017م
  3. إخليهن محمد الأمين: مرجع سابق.
  4. مجلة الدعوة - السنة 3 العدد 104- 10/ 2/ 1953.
  5. مجلة النذير: السنة الثانية – العدد 34 – 3 رمضان 1358هـ - 17 أكتوبر 1939م– صـ3.
  6. علي عبدالحليم محمود: وسائل التربية عند الإخوان المسلمين دراسة تحليلية تاريخية، طـ1، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، 1998م، صـ120.
  7. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الخامس، طـ1، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2006م، صـ160- 162.
  8. المركز العام – قسم المراقبة العامة – نشرة إدارية عامة رقم (2) غرة رجب 1363هـ - يونيو 1944م، أنظر كتاب قوانين ولوائح جماعة الإخوان المسلمين، مؤسسة إقرأ.
  9. المركز العام – قسم المراقبة العامة – مرجع سابق.
  10. علي عبدالحليم محمود: مرجع سابق، صـ121.
  11. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، مرجع سابق، صـ170.
  12. علي عبدالحليم محمود: مرجع سابق، صـ 123- 124.
  13. أحمد عادل كمال: النقط فوق الحروف، الزهراء للإعلام العربي، 1989م، صـ 73.
  14. أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية، جـ9، 1999م.
  15. حسن دوح: آلام وآمال على طريق الإخوان، دار الإعتصام، القاهرة، 1989م، صـ31.
  16. زياد أبو غنيمة: الإخوان المسلمون في كتابات الغربيين، أوراق إخوانية "الطبعة الأولي" 1415هـ 1994م، صـ12.
  17. محمود فوزي: خالد محمد خالد في مواجهة عبد الناصر والسادات وصدام، خالد محمد خالد - في مواجهة عبد الناصر والسادات، مصر، 1991م- صـ 41.
  18. عبد الحليم الكناني: الشجرة الطيبة (2) في ميدان التربية نافذة مصر