ليلة بكى في القمر في رابعة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ليلة بكى في القمر في رابعة


مقدمة

نقدم في هذا الملف عدد من مقالات كتبها الباحث إسلام ثابت يوضح فيها حقائق من داخل رابعة العدوية

إنهم يصنعون الحياة.. في رابعة

إنهم يصنعون الحياة.. في رابعة

عشية عيد الفطر المبارك افتتح معتصمو رابعة العدوية الليلة بإشهار عقدي قرآن لاثنتين من المعتصمات على مثليهما من المعتصمين، وفيما كانت الفتاتان المحجبتان تبتسمان في خفر شديد، وهما أختان بالمناسبة من فاقوس بمحافظة الشرقية، وفيما كان الدكتور صفوت حجازي يتلو كلمات الإشهار كان الإعلام الحكومي يمعن في التشهير بمعتصمي رابعة وبحجازي تحديدا

ومن عجيب تلك الأقاويل أن هناك ثنتي عشرة جثة مجهولة قتلها المعتصمون السلميين ودفنوها اسفل المنصة، كمكان أمين لا يشاهده العالم، وفيما كانت كلمات الذائع الصيت، لا يستحق مجرد ذكر اسمه، حول وجود جثث نيف وثمانين من (ضحايا مصاصي دماء رابعة تم حشرهم في مجاري رابعة)، ومناسبة هذا التصريح (الأخرق) بوادر انسداد في بدايات طريق الذاهب للميدان يبدو في طفح المجاري

وبدلاً من الحديث عن تعمد الطفح من قبل المسئولين بادر السيد الإعلامي المسمى بين أصدقائه ب(بانجو .. بانجو) بالتبرير المخابراتي السابق، وهو للحقيقة غريب على الفطرة الآدمية الصحيحة ولكنه ليس غريباً على إعلاميين قالوا بوجود زواج متعة في خيام رابعة في نهار رمضان، وإفطار عياناً بياناً فيه

وخطف رجال ونساء من شوارع الجمهورية وتسفيرهم إلى هناك، أو وجود الجرب، المرض الجلدي الناتج عن انعدام النظافة، بين المتظاهرين، وهلم جراً من شذوذ جنسي بين الرجال الغائبين عن زوجاته، إلى ألوان الكذب التي لا حصر لها، ولهم الله مخلصو هذا الوطن..

صناع الحياة

تمر الساعات قاتلة حرجة على من يصيبه تعب أو نصب فيخرج خارج ميدان رابعة لليلة أو لساعات، فالآلة الإعلامية الجبارة تلقي بحممها في الرؤوس، فالأكاذيب والأراجيف لا حد لها، وقد تناولنا بعضها منذ سطور، عوضاً على خطر الإبادة الوشيك القادم ضد المعتصمين، فيما أنت في الميدان لا تلقى إلا المبتسمين المتفائلين بتحقيق مطالبهم، فالمرء ما بين مئات الآلاف من البشر لا يملك نفسه من فرط التفاؤول

بخاصة إذا ما كانت مطالبهم أكثر من مشروعة، وتتعجب الملايين من حزب الكنبة، أولئك المسترخين طوال العام، على مدار الأعمار، فإن كانت الغلبة لأحد الطرفين فهم معهم، وصدق فيهم قول عثمان بن عفان، رضي الله عنه:إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، هؤلاء في رابعة لا يخيفهم التهديد بالموت، الجاري على أشده في هذه الساعات لإنهم إنما يصنعون الغد المشرق والحياة، وهل يخشى الممات من عرف طريق الحياة الكريمة؟

إحدى نقاط بل أسباب الثبات في رابعة أن المعتصمين عالجت نفوسهم التحرر، ولو نسيباً من نير نظام الظلم القابع على انفسهم لمدة عامين ونصف العام، ومهما كانت معاناة النفوس الشريفة على مدار ثلاثين شهراً فلن تقارب ثلاثين عاماً من الإظلام التام أو حكم مبارك الطاغية، لقد كان أمل هؤلاء كبيراً في معالجة الفساد المستشرى في تربة الدولةعلى نحو تصعب الحياة معه

فمن تربة تم تمهيدها عبر حكم بالغ الظلم لثلاثين عاماً، ومن ورائها ثلاثين أخرى، وبدلاً من معالجة التربة المصرية وإعادتها لجادة الطريق فوجى ء المصريون بمن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء مبقين على فساد نظام مبارك بل معيدين ما هو أسوأ منه، وتكفي الاحصاءات المتحدثة عن مؤشر منظمة الشفافية الدولية والمؤشر العربي بعد الربيع العربي أم قبله

فإن:

" ..تقريرا لوزارة التنمية الإدارية صدر عام 2010 قبل ثورة 25 يناير بأسابيع، يؤكد أن ثلث الشعب المصري يمارس الفساد، وأن 86% من الشعب يتعامل مع الفساد ما بين راش ومرتش ورائش، لأن البعض يمارسه عن عمد والبعض يتعامل معه مضطرا وآخرين، يدرؤن بوسائل الفساد مخاطر أكبر". (1).

والكلمات لعادل صبري، رئيس تحرير موقع الوفد الإلكتروني سابقاً، وهو المحسوب على التيار الليبرالي في مقال بعنوان: اقتلوهم إنهم قوم يتطهرون، وفيه يروي أنه يتم استبعاد كل شريف في مصر لصالح المفسدين في كل مجال بل يذكر بالاسم خارطة الطريق الأخيرة على أنها طرف في المعادلة أمام المصلحين..

إن من عانى لسنوات طويلة من الظلم المتناهي ثم ذاق بعضاً من الانتعاش الذي يخلفه هواء الحرية من الصعب أن يقبل الخول لسجن الظلم والفساد من جديد، وهو ما لا يريد قادة الانقلاب فهمه حتى الآن، وإلا فلم يستشهد المئات ويصاب الآلاف ويعتقل المئات والمئات فيما مئات الآلاف في الميادين ما يزالون؟ بل إن لدينا أكثر من شهيد محتمل كل ليلة، وفي شهر رمضان المعظم، فما بالنا ببعده؟

فيما الملايين تستعد لقضاء عيد الفطر في ساحتي رابعة والنهضة مصطحبين أسرهم بل الاطفال الصغار والرضع وفيما تقام مدن للملاهي البريئة في مقدمة الساحات، وتعد النساء كعك العيد الأشهر في مصر في نفس الميادين، ما كل هذا الألق يا أيها الميدان الرابض في مقدمة ميادين مصر؟ أقصد ميدان رابعة العدوية..

مدينة عامرة

وللحقيقة فإن شيئاً من معنى المدينة الفاضلة التي فشلت كل الأنظمة الإيدلوجية في إقرارها في مصر تراه وتعايشه في ميدان رابعة، او تكتمل فيه، وترى طرفاً منه كبير في ميدان النهضة، فمنذ باب دخولك تستقبلك روائح دماء الأطهار، بخاصة بعد مذبحتي الحرس الجمهوري والمنصة العسكرية؛ إنه عبق الحرية، لا عبير مسك الشهداء فحسب، وبعدها بدقائق ترى الحذر في حماية الداخلين عبر عدد من السواتر من الطوب بداية من المنصة؛

وعلى مدار عشرات المترات حتى البوابة الرئيسية للدخول، وقبلها ستجد من يبتسم في وجهك طالباً منك إخراج بطاقتك الشخصية، وما من واحد يفتشك إلا وهو يعتذر لك بابتسامة عذبة، أما رذاذ الماء في نهار رمضان وغيره؛ في شديد فإن العشرات كانوا يتبرعون برشه على رؤوس من يريدون، بعدها بخطوات المركز الإعلامي لتوثيق معالم الجرائم التي تمت في الميدان

وفي المنتصف لديك خيمة للإفطار والسحور لوجه الله ثم الوطن برأي اللافتة بأعلاه، ولديك رجال أشداء جاؤوا بسياراتهم لتوزيع العصائر والمياه بل الطعام، وفي تناغم فريد يحيا الباعة الجائلين جنباً إلى جنب المعتصمين بلا مشكلات او ضغائن، بل ترى عدداً من المتسولين وأغلبهم يأبى إلا أن يعطيك شيئاً مقابل قروشك القليلة كمنديل ورقياً في عبوة مثلاً..

أما المطاعم، والساحة العملاقة المحددة للصلوات على مدار اليوم بخاصة في شهر رمضان، أما دورات المياه، ومئات المتطوعين بتنظيف الميدان بعيد الفجر، أم منظمي حركة السير، ومحددي خط سير سيارات الإسعاف، والشباب المتسلح بخوذ لحماية الرأس وعصي، بعضها غليظ، فجميعهم شاهد على التعايش الراقي بين المصريين، ومحاولة دفع المتربصين بهم بأقل سبل الدفاع عن النفس فيما يحرص (الآخر) على قتلهم، متى استطاع دون هوادة..

إنك هنا في رابعة بإزاء مدينة عامرة لا بالأشياء بل بفيض المودة يشيع بين الجميع، وإن أردت التأكد فانظر كيف يحافظ الجميع، لا على بعضهم بعضاً، بل على النساء، دون معرفة بهن، وشاهد المحجبات وغيرهن يمضين بين الجموع دون خوف أو وجل، وقارن ذلك بالتجمعات البشرية المتواجدة نساء بها في أعتى دول العالم

بخاصة في ظل غياب القوانين، وما يحدث فيها، وما حدث في مصر بوجه خاص خلال بداية العام وما قبلها وما بعدها من قتل واغتصاب لنيف وعشرين وقيل ثلاثين فتاة، أم إذا ما أردت البحث عن الرحمة أكثر فابحث كيف يتعامل هؤلاء مع الفقراء، وانظر لحصيلة الطعام التي تخرج بها الأحياء البالغة الفقر، عبر مندوبيها ومندوباتها في الميدان، من الدويقة ومنشية ناصر والسيدة عائشة وغيرها..

قلب الحقائق

إنه السحر الأسود بالفعل، فالمقتول صار قاتلاً، وتضافر المفسدون مع الإعلاميين مع السياسيين لتحقيق ذلك الأمر، اللهم إلا من رحم ربي وهم كثر والحمد لله تعالى، وراقي الاحساس وجميل التصرف.. صار المجرم الحائز على أسلحة دمار شامل من كيماوي ونووي، بحسب الصحف والإذاعات الرسمية، والمقيمي الصلاة آناء الليل واطراف النهار، هم الزناة القتلة البغاة، والصائمون الذين لا يفترون في ذكر الله والتعرض لضربات الشمس هم المفطرون في نهار رمضان

والمختطف رئيسهم ودولتهم هم مخطوفون ذهنياً، بحسب بيان وزارة الداخلية الأخير، وهو الأول إذ كانت البيانات من قبل تلقيها طائرات الجيش المصري، وبالتالي صار الشريف المناضل الثوري فاسداً متخاذلاً خائناً للوطن، وجل ذنب هؤلاء أنهم يحافظون على لحمة مصر، ولا يريدون صداماً مع الجيش حفاظاً على ارواحهم وحفاظاً على الجيش، وبينهما حفاظاً على تماسك مصر

ومع تنامي الهجمة ضد أشرف من في مصر تتداعى الدعوات في مشارق الأرض ومغاربها ضد الظالمين الحقيقيين، وليس آخرها دعاء الشيخ محمد السديس في الحرم المكي ليلة ختم القرآن الكريم، وقد جعل جله للمصريين، فيما نأمل أن تكشف الساعات المقبلة عن رحمة الله بهم.

مواقف من رابعة

فيما نذر الحرب على ميداني رابعة العدوية والنهضة تدق طبولها الآن، فإننا هنا ننشر الأمل في وشيك انفراج الأمر على خير بإذن الله تعالى، سائلين المولى إخلاف الظنون، ونجاة مصر مما يدبر ويحاك لها، ولكننا في نفس الوقت نهنىء من سبق لله تعالى بالشهادة، وننذر بالويل والثبور من ساعد في قتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض، كما أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبين تقليب الطرف في الوضع الحالي والأمل نتوقف لدى مشاهد من الميدان الأبرز في القاهرة اليوم:رابعة العدوية .

ابتسم لدينا شهداء

قرب منتصف ليل الخميس 22 من رمضان الأول من أغسطس هممتُ بمغادرة ميدان رابعة العدوية، فاستوعتُ الله تعالى من فيه، وتوقفتُ أنظر لطفل بل لرضيع في سيارة في حضن أمه، وهتفتُ بنفسي: من يجرؤ على الاقتراب منك بل قتلك إلا مجرم، ومثلك يهدد الأمن القومي المصري لأنك خرجتَ مع أسرة في اعتصام سلمي، لم تستبح فيه حرمات ولم تمتد يد بشر لأحد فيما من قتلوا بعدما اغتصبوا الفتيات في التحرير ما يزالون مطلقي السراح

وعند باب الميدان الخارجي وجدتُ سرادقاً لم أحتج كثير تفكير لأعرف أن به بعض أهالي الشهداء لتلقي العزاء، وفيما كنتُ أتجه إليه كانت النفس تنطلق بالسؤال: هؤلاء يؤبنون من مات لهم وقد يلقون نفس المصير بعد قليل، وهنا فاضت العينان بالرحمة المعهودة في النفوس ولكن أحدهم، لعله قريب لأحد الشهداء عاجلني بالقول فيما هو يصافحني: ابتسم نحن لدينا شهداء هنا..

هجوم كاذب

بعد صلاة فجر السبت 18 من رمضان اتجهتُ لباب الميدان الرئيسي في رابعة بغية المغادرة فراعتني أصوات الدق الشديدة على أعمدة الإنارة في طريق النصر، ولم يستغرق الأمر سوى ثوان لأفهم أن هجوماً محتملاً وشيكاً على الميدان يوشك على التكرار، وكانت دماء مذبحة الليلة والصباح السابق ما تزال حامية على الأسفلت، وفيما كانت خطوات النساء تهرول عائدة إلى الميدان ومبتعدة، كان كثير من الرجال والشباب في عمر الزهور يتحصنون وراء بعضهم البعض في انتظار (الشهادة) كما كانوا يرددون لبعضهم، بعد قليل اتضح كذب الهجوم، وأن الحقيقة أن سيارتين للشرطة مرتا بسرعة محملتين بالأمن المركزي.

لم أكن أحتاج كثير وقت لأقارن بين موقف من هرولوا للميدان بعيداً عن خطى الموت، ومن تمترسوا أمامه في انتظار الشهادة..

سيارات تسلم المتظاهرين للأمن: من أين تقدم البجاحة أبواب البعض؟

ثوانٍ وظهرت سيارتي ميكروباص من جديد عند أبواب ميدان رابعة من ناحية المنصة، دقائق بعد الإنذار الكاذب، كانت السياراتين تُحملان إلى رمسيس، فيما أكد تأمين الميدان انهما يسلمان الركاب لأمن الدولة بعد تحصيل (الأجرة) منهم، ورغم ذلك لم يفعل (مصاصو الدماء) بحسب وصف الصحف القومية سابقاً، الصفراء حالياً لهم، لم يفعلوا سوى أن أنزلوا الركاب بالرجاء الحار أن ينتظروا حتى يشرق الصباح، وألا يتحركوا في ظلام الليل، ومن ثم النفوس رغم كوننا في شهر رمضان المبارك .. فيما كان السائقين يصرخان فيهم: دعوهم لنا لنأكل رزقنا..

مصاصو الدماء والبلطجية

والأمر بالأمر يذكر، رأيتُ بأم رأسي كيف يتصرف مصاصو الدماء، بحسب الوصف الفاسد، مع من يلقون القبض عليه من البلطجية سواء بسلاح أو عقب إصابة متظاهر، وكيف كانوا ينصبون (كردوناً) بشرياً منهم لأخذه لمكان مأمون كيلا يقتله بقية المتظاهرون، ومع الأيام بخاصة في رابعة كانوا يركبون البعض من البلطجية سيارة تمضي بسرعة، وفي هدوء، هكذا رأيتُ تعاملهم مع القتلة كما شاهدتُ .. فكيف ينتظرون من القتلة المعاملة؟

فداؤك عيني يا مصر

الثلاثاء 21 من رمضان كان موعد الجنازة الرمزية لشهداء النصب التذكاري وسبقته وقفة لطالبات وطلاب جامعة الأزهر الشريف، منتهى الرقي الحضاري أن تجد لافتات بأيدي فتيات صغيرات صامتات فيما تنطق اللافتة فقط..

كان الوقت بعد صلاة العصر بقرابة الساعة والحر شديد، حتى أن اصواتهن بالهتاف كانت تخرج خافتة، وفيما كانت حلقة منهن تقول: يا شيخ طيب فين الطيب وفين الشيخ.. كانت لافتة بيد فتاة في عمر التفتح مكتوب عليها: استهدفوا عيون المتظاهرين من جديد.. فداؤك عيني يا مصر لكن تسلم عيونك.. هل مثل هذه الفتاة إرهابية أيضاً يا إرهابيي الرأي ومتطرفيه..

موت الضمائر

شاب جميل نزل معي من الميكروباص لدى ميدان رابعة وعرفني بنفسه على أن اسمه خالد وهو شاعر، واسمعني عامية رائقة للأمانة مفادها أنه يعتذر للقاتل المتقمص دور الجزار، إذ إنه لما قرر اعتبار صاحبي، كذا في القصيدة العامية، نعجة وجاء ليذبحه، تطاير الدم على ملابسه، فاستنكر المصريون ممن هم خارج الميدان وانتعشت ضمائر الحكومات الغربية بالإدانة، لذا فهو يعد الجزار بأنه سيوصي ابنه لما سيذبحه الأخير بألا يتطاير الدم منه على الثياب الناصعة (البريئة) له

ولما انهى القصيدة قال في تأثر شديد:

قلتُ لزوجتي اليوم قبل خروجي من البيت لستُ حزيناً على من مات في مذبحة الشرف الأولى والثانية ولكني حزين على من ماتت ضمائرهم من المصريين الفرحين بما صار إليه الشهداء..

بعض إعلام كاذب

امرأة مسنة تبدو من ثيابها البساطة الشديدة تكتب على لوحة أمام المنصة في الجنازة الرمزية: إعلام كاذب لما اهتم أحدهم بتصويرها أخذت تردد في عذوبة: يا (....) لن يصدق كذبك وزميلاتك أحدٌ..

إنها تظن أن الصورة (صوت وصورة) وهي متأثرة جداً بكذبهم، وتقر بلسان حالها الاستنكاري التكذيبي بدور بعض أجهزة الإعلام السىء في التزييف..

دهستُ قطة

أحد المصاصين بزعمهم من المعتصمين برابعة اتصلت أمه المسنة به لتقول: أنت عائد من أوربا لك أسبوع، وعندك في رابعة قتل وموت، فيما لم أشبع منك..

فقال بعذوبة: لكن لمن أترك الحور العين يا أمي؟

فبكت، قرر الرجل، وهو رئيس لأحد المراكز المرموقة السفر لتهدئة نفس أمه، ولما عاد تعجب من الدم البارد الذي يقتل به الأوغاد المتظاهرين وقال: كنتُ مع لفيف مع كبار الدعاة في سيارتي، وفيما كنتُ أسير مسرعاً هرولت قطة لتدخل أمام العجلتين الخلفيتين للسيارة فلم أرها سوى في المرآة وهي تلفظ روحها، فبكيتُ وسألت العلماء عن الذنب الذي لحق بي، وهل هو قتلٌ خطأ، فنفوا، ورغم هذا لم استطع النوم لأسبوع كامل .. أين الكذابين والأوشاوس ليسمعوا..

عجيب .. عجب .. عجاب

لما قرأتُ عمود صلاح منتصر في أهرام الأربعاء 22 من رمضان شككتُ في نفسي والزمان والمكان بل في ذاكرتي، الرجل يقول أهل رابعة معزولون عن العالم لا يسمعون إلا لخيالهم المريض، فلا إعلام هناك ولا صحف ولا تلفزيون، يارجل سلم لي على تاريخك الطويل وخيالك المريض، هاهنا ولستَ تريد العلم، أئمة وعلماء في جميع المجلات، وصحف تباع يومياً بزيادة عن ثمنا، 150% فقط

والطائرات الخاصة بالقوات المسلحة التي تقترح عليها إلقاء مطبوعات يومية فيها ملخص بالأخبار الصحفية مشغولة عن هذا بتنظيفك البيادة الخاصة بهم، أما آخر ففي صفحتي الرأي يقول أن أهل رابعة هم من خرجوا من الميدان لتصفية أنفسهم (براه)، من باب تعال لي بره وأنا أريك، كما كنا نقول أيام الدراسة.. يارجل الإعرابي الذي قال: فخر عليهم السقف من تحتهم وجد من يقول له هندس إن لم تفهم، وانت لا تجد.

ليال جبنتُ فيها

في طريق العودة مع مئات الألوف من امام الحرس الجمهوري فجر السبت 4 من رمضان المبارك إلى ميدان رابعة من جديد؛ كنتُ أعلم تماماً أن الإخوان إنما يُغلبون العقل والمنطق على العاطفة، وأنهم يريدون التحذير قبل الفعل السلمي الأكثر مناسبة وفاعلية، ولكن متى الفعل؟ تساءلت: متى يصعدون، سلمياً، إلى الحد الكافي؟ وأي إجراءات يمكن اتخاذها في سبيل هذا؟

حينما كنتُ أرى الناس تتقاطر في نظام شديد عائدة، وكان الوقت الباقي على الفجر لا يسمح بتناوله في الميدان، فرأيتُ عجباً، من كان معه طعام يتناوله مع الآخرين، فتقتسم اللقمة في ود شديد، وتتوزع زجاجة المياه المعدنية الواحدة، والجميع يقدم لك ما لديه، ولا احد يسألك:هل تريد؟

والطرف الآخر يتناول في بساطة شديدة، حتى أن سيارة تاكسي كانت تقل أسرة ما قصرت الابنة الصغرى فيها في توزيع الطعام وصولاً لأرغفة الخبز الخاوية..وكان اعجب ما لدي من أسئلة: ماذا ينتظر الإخوان أكثر مما يمر بهم كي يتخذوا قراراً فلا يتراجعون عنه؟ ولماذا لا يتم التوجه السلمي بالملايين وعدم التراجع؟

الناس في المنطقة المحيطة بالقصر ممن استيقظوا على صوت هدير عودة المسيرة لم يكونوا يخفون إما فرحتهم الشديدة وإشارات النصر، أو الاستياء الشديد البادي على الوجوه، ولكن الدهشة لم تكن خافية على احد، إنها المسيرة الأولى للقصر الجمهوري وبمثل هذا الكبر، شىء محير.. ماذا عن الشعب الذي يقال عنه إنه جبنان؟ ومن العجيب أنك في الميادين تقتنع انه ما من أحد خارجها، وخارجها تحتار في جُبن الكثيرين..

عقب صلاة الفجر لاحظتُ أن الإضاءة بدأت تنتشر على نحو مناسب لتصوير الكاميرات في الميدان، وتذكرتُ أحد المتحدثين على المنصة ممن نصح كاميرات التصوير بعدم التصوير من أسف بما لا يبرز إلا ميدان رابعة، غير المضاء بالشكل الكامل، وطلب الارتفاع بالكاميرات لإبراز جميع الشوارع الفرعية المحيطة به، ولتنفيذ هذا بدأوا بالفعل في الإضاءة المكثفة تهيئة للكاميرات

لكن دار في خلدي وأحد المتحدثين يعتذر لأهل رابعة العدوية عن الإزعاج أن الأمر يمثل إزعاجاً أكثر من شديد للمقيمين بالحي كله، ورجوتُ الله ان يخيب هذا، ولكن الجبناء من المحرضين على عدم استكمال الثورة استغلوا هذ الأمر بالفعل بعد أيام قليلة ضمن مسلسلات المحاولة فض الاعتصام، لا حقق الله غايتهم القذرة، بإذن الله تعالى، فهؤلاء لا يتورعون عن الكذب البواح وتشويه صورة من يختلفون معه على نحو مريع..

خرج من الميدان بعد إنطلاق شفق السبت 4 من رمضان كثير من الناس مما كدس الآلاف عند سيارات الميكروباص، وللحقيقة فإن الطائفة الأخيرة، أو جزء كبير منها على الأقل، تحزن من فرط التعصب الذي يتحلى به جزء كبير منها، إن لم يكن أكثر، فالانتهازية تضني الإنسان ولم يكن من العجيب أن اعرف أن طرفاً منهم يأخذ الخارجين من الاعتصام مباشرة للحرس الجمهوري ليتم القبض عليهم، ما هذا ال...،

أما بائع الصحف القريب من الاعتصام فأمره بالغ الدهشة، الرجل (يربط الصحف)، يحيطها بدوبارة محكمة، ليرفض بيعها منذ قرابة العصر، ولا أعرف على اي نحو يفكر ولكنه رفض بيعها لي مرات، علاوة على كلماته المضادة للحراك الثوري في الميدان..

أثناء عودتي من ميدان النهضة في اليوم التالي أو الذي يليه كنتُ على موعد مع مفآجأة عجيبة، إذ كان كمين أمام مسجد شهير بالمنطقة التي أقيم فيها، إذ كان يقوم مخبر شرطة، في حماية الجيش، بضرب شاب أو صفعه على وجهه بمنتهى القوة خلف سيارة الترحيلات أمام العشرات في الإشارة المغلقة، ما هذا يا سادة ألا تتعلمون؟

ألا تريدون الفهم؟ دخلتم البيوت في الليل، وأخذتم الأحرار، وقتلتم في الميادين الشرفاء، واهنتم النساء في الفجر في بيوتهن، هل ينقصكم الآن ضرب الرجال في الشوارع، هذا بعد إعادة الشرطة في الشوارع من جديد، وكأن مصباح علاء الدين أتى بهم من جديد، بل إن مقلب للقمامة على احد أطراف الدائري كان يعاني من أطنان منها ثاني يوم الانقلاب تم تنظيفه بالسيارات العملاقة المخصصة لهذا، وأحمد الله تعالى أن حادث ضرب الشاب في الشارع تم العدول عن مثلها بعد ذلك، على الأقل حتى تمضي فترة استكمال الثورة، ولن تمضي بإذن الله تعالى.

كنتُ في ميدان النهضة مرتين لما كانت الطائرات تجوب سماء الميدان مرات، ثم تتمهل غفلة وكأنها تريد قضاء حاجة لتلقي بالأوراق أو ما يسمى بالبيانات على المتظاهرين، وكنتُ كلما قرأتُ الكلمات تحسرتُ على حال التعليم في بلدنا، فما هو مكتوب على الورق من تهديد بكل طريقة لا يستحق ثمن الورق المكتوب عليها، علاوة على الأسلوب البالغ الركاكة، وكأن قائداً يأمر جندياً ولا يهمه ملفوظ الأمر، لأن الأخير مجبر على الفعل، أما بيان عدم موت من يموت في الميدان شهيداً..

فلا يقال عنها إلا أنها عنوان العمالة والمتاجرة بالدين والاستخفاف به، والعياذ بالله تعالى، وكان الطيار لم يستطع إلقاؤوه داخل ميدان رابعة فألقاها على طرفه من الخلف من ناحية المنصة العسكرية، يا أفذاذ لا تستطيعون إلقاء البيان بالطائرة فتهددون بقتل من في الميدان الذي عجزتم عن الوصول إليه بالطيران!

أثناء زيارة منسقة العلاقات الأوربية الأمنية، وما أعرف ماذا كاترين، لا تستحق ذكر اسمها، من يكيلون للديمقراطية بمكيالين أسوأ من الديكتاتوريين (الأربعاء 8 من رمضان الموافق 17 من يوليو) كانت مظاهرة حاشدة متجهة من رابعة العدوية للحرس الجمهوري عبر عشرات الآلاف، وكان في مقدمتها القيادي بالحرية والعدالة فريد إسماعيل وسط بعض الشباب الصغير من تأمين الإخوان

واشهد أن الرجل طالبهم مرات بالابتعاد عنه، وبعد لف طويل من بعد المنصة العسكرية اقتربنا من الحرس الجمهوري وكان رأي الأخير العودة فيما رأى الجميع الوقوف أمام الحرس، ولما استجاب الرجل بدا عليه الحذر الشديد أمام مبنى عملاق حكومي في الجهة المقابلة لمبنى الحرس، وأنا أمعن النظر في وجهه كنتُ أعرف تماماً أن ليال مدمية قادمة في الطريق، وإن كانت المسيرة تمت بلا ضحايا فإن مسيرات أخرى لم تتم إلا بارتقاء شهداء..

في طريقي للعودة من ميدان رابعة كنتُ أمر أحياناً بحي الدويقة، عبر مواصلات، ولن أنسى في ليلة امرأة هبطت بعدد من الوجبات الخاصة للإفطار، وقد استطاعت الاحتفاظ بها، وكانت تطبق عليها في اعتزاز شديد، ليلتها فرحتُ جداً بمن في رابعة، وتأكدتُ أن الله تعالى ناصرهم، ولو بعد حين، طالما توافرت هذه الروح السمحة لديهم، وكم من الفقراء طعموا من ميداني الاعتصام الأبرز في مصر، وبقية الميادين؟

وكانت الأيام تقربنا من ليلة العاشر من رمضان، الجمعة الثانية من شهر رمضان، فيما موقف محاصرة القصر الجمهوري السلمي أو شىء بارز كهذا لا يكرره الإخوان، إذ يذهبون للقصر ويعودون فحسب، وكنتُ أنظر بترقب لما سيحدث في ذلك اليوم، كما كنتُ أطالع أعداد الشهداء يومياً، وبوادر فشل الانقلاب في رد فعل العالم، فيما عدا أمريكا وأوربا إذ ما تزالان تعولان على نجاحه

كنتُ أترقب المشهد داعياً الله تعالى أن ينجح الإخوان ومن يطلق عليهم ظلماً الإسلاميون، إذ إن كل من لا يعادي المشروع الإسلامي بل كل مسلم هو إسلامي بالفعل، بل كنتُ أرقب الشرفاء في مصر كلها في انتظار مر لأمر ما قادم، وإن كنتُ لا أدعي معرفة كنهه، متذكراً أن انتظار الفرج من الله تعالى عبادة من العبادات.