محمود عمر المشوح

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:٤٤، ٤ نوفمبر ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (المراجع)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ "محمود المشوح" (أبو طريف)

بقلم / عبد العزيز المشوح

توطئة

(الناس رجلان "رجل نام في النور" ورجل "استيقظ في الظلام")
ولعل الشطر الثاني من هذه الحكمة، ما ينطبق على عمّنا الشيخ الجليل محمود عمر المشوح (أبو طريف) رحمه الله.

بيئته

االشيخ محمود المشوح

لقد عاش الشيخ في بلدة بسيطة تتكئ على نهر الفرات، ملقية رجليها بمائه العذب، تغتسل وتتبرد من لفح حرارة الشمس الآتية من بادية الشام، وتستند بصدرها ورأسها إلى قلعة الرحبة (رحبة مالك بن طوق) تتنسم منها عبق التاريخ؛ الذي مرت عليه مئات السنين منذ عهد الرومان إلى هارون الرشيد، الذي كان يمر بجانبها وهو عائد إلى مصيفه في الرقة، تحت ظلال الأشجار السامقة، فلا يرى من أشعتها الحارقة إلا خيوطاً تتسلل من بين الأغصان في غفلةٍ من أوراقها وأزهارها، لتقع بين يدي الخليفة براقةً لامعةً "كما نثرت فوق العروس الدراه". ثم ليعود مع مياه الفرات المسرعة في انحدارها، متعانقة مياه دجلة حيث تتربع عاصمته العريقة بغداد، فيتطلع إلى ملك يُجبى إليه خراجه حيثما أمطر السحاب، نعم، عاش شيخنا كذلك..

وعاش صغيراً، ينطلق بين مسجد العائلة (مسجد المشوّح) الملاصق لبيت والده، والمطل على هذا النهر العظيم يستمع إلى خُطب والده الشيخ (عمر المشوّح) وإلى دروسه، ثم ليتأمل مياه النهر متدفقةً هادرةً تعلو وترتفع حتى تحاذي سور المسجد، وخاصة إبَّان الفيضان.. فلا يقبل أن تكون همته أقلَّ من همة هذا النهر العظيم، ثم لينظر من حوله فلا يرى إلا قبائل متناحرة، وعشائر متقاتلة. فتجتمع في نفسه معاني الإصلاح، والقيادة والرأي الحصيف فيأبى إلا أن يكون عالمها[1] الفذَّ، وقائدها المخلص، وزعيمها الذي يُلجأ إليه في الفتوى العرفية والشرعية ـ واستمع إليه يقول:

نشأته وحياته

يتحدث عن نفسه :

"لقد ولدت ونشأت في منطقة الميادين... البلدة الصغيرة على شاطئ الفرات العظيم، وأكملت دراستي الابتدائية في مدرستها الوحيدة آنذاك ـ ثم انتقلت إلى الكلية الشرعية في دمشق، فقضيت فيها عامين ونصف العام طالباً مجداً نشيطاً، بالرغم من أنني لم أكن أرغب في هذا اللون من الدراسة ـ لأنني كنت أحب أن أتخصص في دراسة الأدب العربي ولكن وفاة والدي في منتصف عام 1945م ورغبة من حولي في أن أخلفه في منصب الإفتاء فرض علي الانقطاع عن الدراسة ـ وعملت معلماً في المدرسة الابتدائية في بلدتي لمدة عام واحد، وفي منتصف عام 1946م عينت مفتياً في منطقة الميادين خلفاً لوالدي". رحمه الله.

عمره سبعة عشر عاماً وهو يتقلد منصب الإفتاء، فقد ولد عام 1929م ـ واستلم الإفتاء عام 1946م في بلد تتنازعه الخلافات القبلية، والنزعات العشائرية، حياة هذا البلد مع الأرض وزراعتها، وعيشه مع الرعي والتجارة، حياة بسيطة.. ولكنها مليئة بالأسئلة، والخلافات.. تحتدم وقد تصطدم.. ليعود بها المآل إلى شيخنا الجليل ابن السبعة عشر ـ يفتي فيها، ويحل مشاكلها ـ ويخرج الجميع سواء كانوا غاضبين أو راضين، ولكنهم واثقون محبون.

كان ذلك يتطلب منه أن يكون سابقاً لعصره. نابغاً في علمه، همته تناطح الثريا، وعزمه لا يفتر ولا يلين، واستمع إليه يقول "منذ بلغت السادسة عشرة من عمري لم أجلس من أحد مجلس التلميذ من الأستاذ، ولم أتلق تعليماً منهجياً، ولم أحصل على أية درجة علمية عاليه، ولكني واجهت مسؤوليات الإفتاء بما تحتاج إليه من علوم معمقه ومتشبعة، وأرجو أن أكون قد أديت أمانة المنصب على نحو مقبول، ولقد ساعدتني بلدتي الطيبة بهدوئها النادر، وناسها الذين غمروني بحبهم وثقتهم على أن أصنع لنفسي المناخ العلمي الذي هيأ لي أن أتعلم الكثير في وقت قصير ٍجداً، ولقد منَّ الله علي بحافظة قوية وذهن لماح كان أمضى سلاحٍ واجهت به مسؤولياتي العلمية."

صفاته

أما صفاته الخَلْقية: فكان نحيفاً، طويلاً، أبيض البشرة، لحيح الوجه، عيناه سوداوين تميلان إلى البروز قليلاً في أنفه أَنَفَ، جللَّ الشيب رأسه منذ شبابه، تلمح علائم الذكاء على محياه طليق اللسان، هادئ الحركة، متئد المشية، إذا مشى فنظره إلى الأرض أو ربما كانت نظراته مسرحاً لخياله وأفكاره، لا يلتفت يمنة ولا يسرة.

ـ وأما صفاته المعنوية:فقد كان هادئ الطبع، واسع الصدر، حليماً، عاقلاً، جاداً في ما يعمل يلاطف جلساءه ويمازحهم، إذا تكلم فكأنما يغرف من بحر بهدوء وروية لا يتكلم إلا أن يُسأل، وإذا أجاب أجاب باختصار، أما إذا خطب فلا تكاد تسمع كلماته عند الابتداء، ثم يرتفع صوته رويداً رويداً فكأنه البحر هائجاً، والرعد مزلزلاً ـ ولعل فيما قال ابن المقنع عن صديقه شيئاً مما فيه: "تراه ضعيفاً مستضعفاً حتى إذا جد الجد فهو الليث عادياً".

كان كالريح المرسلة في كرمه ـ لا يبخل على أضيافة بما عنده ـ ولا يخرجون يوم الجمعة من بعد خطبته إلا وقد طُعموا، ما بقلبه أوثق مما في يده، إذا مَرَّ في السوق يصرف الذي في جيبه ثم يرجع خالي الوفاض.

وإذ ا رأى كتباً استعرت نار الشراء في نفسه حتى يبذل كل ما عنده وربما استدان فوقها.. كم ظَنَّ أطفاله عند ما يأتي من السفر أن بيده عُلب الحلوى حتى إذا ما فتحوها وجدوها كتباً" وصدق القائل:

لا يعرف الدرهم الصياح صُرتَّه  ::: لكن يمر عليها وهو منطلق


وكان شجاعاً لا يعرف في الله لومة لائم، في الستينات عندما كان حزب البعث في أشد قوته وجبروته أصدر مدير التعليم في المحافظة أمراً بمنع الحجاب لمن تدخل كلية المعلمين، وفي يوم الجمعة وعلى المنبر وقف ليقول: "لقد أصدر هذا الوغد قراراً بمنع المتحجبات من دخول الكلية وإن لم يتراجع لأُرسلنَّ له من يبعج بطنه" ويوم كان الصِدام بين السلطة "والإخوان المسلمين" على أشده في الثمانينيات" استدعاه أعلى رأس في هرم السلطة، وأرغى وأزبدَ وتهدد وتوعد.

فقال له بكل جرأة: "إن التاريخ والواقع لا يؤيدان موقفك، فقد فعل (غيرك) أكثر من ذلك (عبد الناصر) فأعدم وقتل وسجن وشرد، وبعد ثمانية عشر عاماً عادت هذه البذرة للنماء والارتفاع، لأن التربة تلائمها، والجو يساعدها فالأولى أن تُحقن الدماء ويتعايش الجميع لبناء هذا البلد ورفعته".

همته وعصاميته

كان ذا همة عالية، وعزيمة صلبة، ونفسٍ أبية ويصدق فيها قول الشاعر:

إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه  ::: ونَكبَّ عن ذكر العواقب جانبا

حمل المسؤولية شاباً، وهل أكبر من ذلك مسؤولية؟ أن يقعد مقعد المفتين، صاحب القول الفصل، والحُكم العدل. والرأي المسدد، والحجة الدامغة، تطلب هذا منه أن يشمر عن ساعد الجد وأن يهجر النوم وينبذ الراحة، فكان يسهر ليله على مصباح تلك الأيام (لمبة نمرة أربعة على الكاز) حتى الفجر، ثم ينام قليلاً ليواجه السائلين والشاكين، وأصحاب القضايا والخلاف. حتى الظهر، وربما جاء من أقلق راحته خلال القيلولة، ليعود بعد العصر إلى نشاطه العلمي، ثم يأتي المساء ليسهر عنده كبار السن يتنادمون ويتحاورون في أمر البلد ومشاكله، حتى إذا انصرفوا عاد إلى ديدنه ورجع إلى عادته، كان قارئاً نهماً، وعقلاً حافظاً، وقلباً زكياً، ولساناً طلقاً، وهمةً تناطح السحاب؛ وربما انتهت قراءة ما بحوزَته من الكتب، فإنه يعود إلى المعاجم يُقلّبها ويستخرج دفينها، ويصنف كنوزها

فقد ذكر: أنه في فصل شتاءٍ قارس أعاد قراءة "القاموس المحيط" عدة مرات وهو يستخرج الكلمات، من العامي الفصيح، أو الكلمات ذات الإيقاع الموسيقي أو الكلمات الوحشية الغريبة وهكذا...،

وكان يقول:

إنه يستعيد الفقه كل عام مرة، ولم تكن قراءته قاصرة على كتب الفقه والتفسير والحديث فهو يقرأ في الأدب وفنون اللغة وأساليبها، والسياسة، والاجتماع وأفكار الشرق والغرب.

يدعمه في كل ذلك ذكاءٌ وقادٌ، وحافظةٌ عجيبةٌ، حتى إني سمعت من بعض أساتذتي في دمشق وكانوا معه في المعهد الشرعي: "أنهم كانوا يتبارون في حفظ القصيدة ذات الخمسين بيتاً فيحفظها من المرة الثالثة، ولو سمعت خُطَبَهُ وهو يأتي بالكلام بنصوصه وحذافيره" لأخذت منك الدهشة والعجب كُلَّ مأخذ.

حياته الفكرية

أينما رأيته رأيت معه الكتاب: جالساً أو ماشياً، وحتى نائماً تجد بجانبه الكتاب، لا يملُّ المطالعة، ولا يتعب من القراءة، ويصدق فيه ما قال الشاعر: "أنا من بدَّل بالكتب الصحابا".


"وخير جليس في الأنام كتاب" فالكتاب رفيقه في السفر والحضر، في الصحة والمرض، قال لي أحد أصهاره (وأنا واحد منهم) أتيته بصندوق كبير من الكتب. فقرأه في أسبوع.

التقيت معه ومع أحد الدعاة المشهورين، رحم الله الجميع، فقال له الشيخ الداعية: ما رأيك يا أبا طريف في كتبي؟ فقال له لم أقرأها.. فجاءه في اليوم التالي بها، وبعد أسبوع أعاد عليه السؤال، فكان جوابه: إنك يا شيخ سعيد لا تثق بقارئِك، فأنت تُعيد الفكرة أكثر من مرة، ثم إن طريقتك في التأليف غريبة، فأنت تنقل الكتاب الكامل وتضعه ضمن كتبك ـ فضحك الشيخ، وقال: هذا صحيحٌ وبرر منهجه في ذلك.

وكان جريئاً في طرح أفكاره، وفي التراجع عنها إن وجدها غير صحيحة فهو يقول: "لقد أخذت العهد على نفسي، منذ وعيت، ومنذ شددت عليَّ إزاري ـ وما أظن أحداً من الذين لابسوني وعايشوني يختلف على هذه النقطة ـ أن أكون مع الحقيقة باستمرار، ولو أدى ذلك أن تنفرد هذه السالفة.. لا يمكن أن أكون إلا مع قناعاتي أرضيَ الناس أم غضبوا، أما أن أعمل ضد قناعاتي فلا، ثم لا، ـ وليتكم تسمعون كيف تخـرج من فمــه هـذه اللاءات الغاضبة ـ "لا يمكن أن يكون ذلك، لأنني حين أفعل ذلك أتجرد من رجولتي، ومن شرفي ومن ديني بالذات" ويوصل الناس إلى القناعة فيقول :"إن الله لم يقبل من أحد تقليد أحد وإنما طالب الكل بأن يتمتعوا بمزايا الإنسان، وخصال الرجال، وأن ينظروا إلى الأمور نظر الحر المتحرر".

ويعلق أحد تلامذته: "هذه هي الحال التي قربتنا إليه، وقربته منا.. كنا حين نلتقي نتحاور ونختلف، وكان يحلو له أن يسمعنا، ونحن نخوض بحرِّية في أفكارنا.. وكان يرد علينا بندِّية لا تشعرنا بصغرنا، ولا يبدو لنا أنه يتواضع أمامنا، لكنه كان صارماً قاطعاً مع خصومه."

ولعلَّ مثالاً من خطبه عن العلم التي أخذت منه وقتاً طويلاً خلال عام 1980م يريك مكانة الرجل وعميق فهمه: "فقد أعطى صورةً عن العلم في الإسلام وعن مفهوم العالم ما لم يسبق إليه ولا يدركه فيه بعده أحد.. لقد توصل إلى أن العلم الذي هو أعلى مرتبة من الجهاد..عملاً وشرحاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "من طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع".

وتوصل إلى أن العالم لا يكون عالماً حتى يعمل بالذي يعلم وحتى يُعلِّم الناس. وأن العالم اكتسب منزلته، وأخذ وصفه هذا من خدمته للناس الذين يعاشرهم، وتوصل إلى أن العلم في الإسلام جاءت الدعوة إليه مطلقة فهو طلب الحقيقة وقال: "أنا لا أستطيع أن أطلب الحقيقة إذا لم أركض وراءها في كل مجال وفي كل ميدان".

عاب على القوى والأفكار أن بعضها يَردُّ بعضاً لمجرد العداوة.. وأنها تُنفِّر وتختلق أكاذيب وترهات ما أنزل الله بها من سلطان بحق بعضها.. وهذا صد الحقيقة.. وميدان العلم في الإسلام تَنَزَه عن هذه الصغائر، وارتفع فوقها، وقال: "أنا لا أستطيع أن أتصور العالم المسلم يرد الفكر الليبرالي، أو الفكر الماركسي، أو يرفض الحضـارة الإنسانية التي تراكمت عبر سبـعة آلاف سنة: "لا أستطيع أن أتصور مسلماً يقف موقفاً من هذا القبيل.. لماذا؟؟ لأن هذا الموقف سيؤدي بنا إلى أن تتشكل في أذهاننا عن الحقائق التي هي موضوعات؛ أوهام وتصورات زائفة ما أنزل الله بها من سلطان، وبهذا نقع في الظلم الذي نهى الله عنه وبهذا نبخس الناس أشياءهم والله عز وجل يقول "ولا تبخسوا الناس أشياءهم".

وعمر رضي الله عنه يقول: "إنما تُنقَض عُرى الإسلام إذا نشأ في الإسلام من لا يعـرف الجاهلية". وأنا أُلحُّ على هذه النقطة ولأي سبب؟! لأنه أصبح في هذا الزمن المُر، من الأمور التي يتحلى بها كثير من المنتسبين إلى الإسلام، والمنتسبين إلى العلم أصبح من الأمور المألوفة أن تذكر أمامه الناتج العلمي الحديث فيرى ذلك مجرد زيغ وفسوق.. أعوذ بالله، وأجارنا الله. وما أشبه ذلك.

"كُلَّ موضوع يصلح للإدراك هو موضوع من موضوعات العلم، والمسلم مطالب به والحض على العلم جاء مطلقاً، لم يأت مقيداً قال لنا الإسلام: تعلموا العلم بإطلاق..."

ومن خلال تأكيده على إطلاقية العلم وشموليته كمزية للإسلام لم يتوقف عند معرفة علوم القدماء. ولا يجوز التوقف عندهم: "لأننا على أبواب تحولات جذرية في واقع مجتمعاتنا ـ نحن المسلمين ـ ونحن على أبواب مآزق حضارية خطيرة على المستوى العالمي والإنساني ولا يجوز أن نتصور أن ما عندنا في الكتب الصفراء يكفي.. غلط.. هذا غلط إن الكتب الصفراء على العين والرأس ولكنها كتب أفرزتها عقول عاشت في فترات تاريخية معينة، شهدت تحديات محددة استجابت لها استجابة محددة فهي محكومة بظروفها محكومة بإطارها التاريخي.

اهتمام الناس اليوم.. آلام الناس اليوم.. العَمَاء الذي يقاسيه الناس اليوم، من الضلال الكبير ومن الخطأ الفادح أن نتصور أن المسلمين يمكن أن ينفذوا فيه نفاذاً صحيحاً إذا هم طرقوا أبواب الأقدمين، هذا غلط.. إنَّ لكل عصرٍ مشكلات ذات الطعم الخاص، ذات الوصف الخاص، لا يجوز أن نُحجَّم مشكلات اليوم بالأطر السابقة، هذا فشل، هذا فرار من معاناة أكلاف العلم ومقاساة شدائد الطلب، إن لنا اهتماماتنا الخاصة بنا، وكل جيل، حتى في العصر الواحد، كل جيل تختلف نوعية المشاكل في نظره عنها في نظر الآخرين الذين يعيشون في نفس المحيط، وفي نفس المكان، العلم يجب أن يبقى كما وصفه الله تعالى.. وكما حدده النبي صلى الله على وسلم ـ "في إطاره العام: لا محظور؛ وسلاح التحليل والتحريم يجب أن يبطل في ميدان العلم.. ".

وضرب مثلاً قال: "لاحظْ: نحن نتسول الخبرة العسكرية وفن التسليح، ونتسول المنجزات الصناعية بفروعها المختلفة.. هل فكَّر أحدٌ من العلماء الذين يملؤون أركان الأرض بالفتاوى عن جواز المجلات التي تنشر الصور أو عدم جوازها.. هل فكر أحد من هؤلاء أن يقول لنا ما هو حكم الإسلام في أمة المسلمين.. التي تعجز عن صنع إبرة، أيجرؤ أن يقول لنا إن الأمة كلها صغيرها وكبيرها عالمها وجاهلها واقعة في الإثم وواقعة في الحرج بسبب عدم سد النقص الماثل في هذه القطاعات في حياة الناس، إنَّ حكم الإسلام هنا واضح وواضح وضوحاً لا لبس فيه؛ يحرم علينا نحن المسلمين أن تكون حياتنا مفتقرة إلى الخبرة التي تأتينا من الآخرين وحيثما وجد النقص يجب سده "من خطبة في بداية العام الهجري 1401 هـ" هذه بعض آرائه الجريئة والتي لا يخشى من إعلانها.

حياته السياسية

لقد تطورت أفكاره مع رسوخ علمه، وعميق تجربته، فقد أغرته الأفكار القومية في بداية شبابه، والبلاد تخرج من نير الاستعمار الفرنسي، وحركات التحرر تنطلق في العالم العربي وتزهـو بحريتها وعـروبتها، ولكـنَّه سرعـان ما تركـها لمـا رأى فيهـا مـن محـدودية، وحـزبية، وعنصرية، وبُعدٍ عن الدين القويم ليئرز إلى إسلامه وعقيدته فكان المسئول عن "الإخوان المسلمين" في بلده "الميادين" في أوائل الخمسينيات، يجوب منطقة الفرات مع إخوانه بعمامته البيضاء الأنيقة، وجبته الكاسية الفضفاضة يخطب هنا ويحاضر هناك ويدَّرس في الفقه، والحديث، والتفسير.

ثم يقف في خطبه على المنبر، من الأحزاب الأخرى موقف المفند والمندد بكل جرأة وشجاعة، حتى إذا قامت الوحدة بين مصر وسوريا وانحلَّت الأحزاب بقي صوتُه مجلجلاً على المنابر.. وعندما حدث الانفصال بين مصر وسوريا عاد ليهاجم الانفصاليين وليمجد الوحدة، وليس الرؤساء، ويطالب الجميع بأن الوحدة وسيلة المسلمين إلى جمع كلمتهم وظهور قوتهم أمام أعدائهم، ثم جاء حزب البعث ليحاصره، ويضغط عليه ويسجنه فما وهت منه عزيمة ولا فترت منه قوة، ولا خفت منه صوت، ولا انكتم منه رأي، فلما حدثت نكسة 1967م كان هو وإخوانه في السجون، فأفرجت السلطات عنهم خوفاً من أن تضرب السجون، ولتظهر السلطة بمظهر داعية الوحدة الوطنية والمدافعة عن الأمة والوطن ضد "إسرائيل" وأعوانها، وكان يقول مازحاً: "إن موشي دايان هو الذي أخرجنا من السجن". وفور خروجه من السجن بدأ سلسلة من الخطب يحلل فيها أسباب النكسة، وأحوال الأمة ويهاجم فيها أصحاب الآراء المنحرفة، والأفكار اليسارية، والعلمانية ليصل إلى منهجية الإسلام في الحكم، وعدله في المجتمع، وخلاص هذه الأمة من هزيمتها بالتمسك به والسير على سننه.

وكان المسجد وما حوله يكتظ بالمصلين المُحبطين لما حل بالأمة من انكسار وخذلان، راجعين إلى ربهم، عائدين إلى دينهم، لُتحيي خُطبُ الشيخِ فيهم الأمل، وتبعث فيهم الحياة.

وهكذا بقي ـ كما هو ـ واقفاً في وجه الطغيان، جاهراً بالحق، معلناً النكير، لا يبالي بظلم السلطان وجبروته. "أما السلطان فحدِّث ولا حرجْ لقد تلـقى ُكلَّ هـذه الضروب من المحاصرة، والمتابعة والتضييق راضياً، واستقبلها محتسباً، بلا شكاة ولا تبرم، إنه الحلم الذي استوعب فيه الغضب، والإباء الذي قـابل فيه الإغـراء، والصـبر الـذي داوى به الـجـزع، والشجاعة التي ذللت الصعاب، والرضى الذي كان سكينة وبلسماً وارتياحاً".

وقد ذكر في أحد خطبه "أن رئيس الدولة لا مانع عنده أن يمدَّ يده لأمريكا إذا مدت يدها إليه فقال معلقاً "إن اليد التي تمتد إلى أمريكا سنقطعها" لا يعرف الخـوف إلى قلـبه سبيـلاً، وخلال أحداث (السلطة في سوريا مع الإخوان المسلمين) كان يُخطِّئْ بعـض الأفكار، وينادي بالتعقل، ويلجم الشباب عن التهور رغم أنه كان يتابع حركاتهم، ويتبعهم إلى الصحراء ليتفقدهم ويلبي حاجاتهم، فقلبه معهم ولكنَّ فكره ولسانه لا يرضى بكثير من تصرفاتهم، وعندما انتهت المحنة (وإن لم تنته بعد) كان كثير من هؤلاء الشباب يتذاكرون أحاديثه، وأقـواله وأفكـاره، فيعترفون بصحتـها وبمواقفهم الخـاطئة تجاهها ومن أقواله:

"أنا لست من الصنف الذي يتهرب من المسؤولية؛ مسؤولية الأب ومسؤولية الموقف، وأنا جاهز للمناقشة، ويسرنا أن نكون مخطئين ويسرنا جداً أن يكونوا مصيبين، فماذا نبغي إلا الإصلاح لهذه الأمة، وإلا فلاح هذه الأمة. هذا هو الشأن الذي نشأنا عليه، وعشنا من أجله ونرجو الله أن نموت عليه".

وقد مُنع من الخطابة عام1985م وجلس في بيته مختاراً السجن الذاتي بعد أن أقعده المرض، وهو يحمل هموم الأمة "وهو بذلك يعتبر نفسه على طريق صديق قراءته وعمره ورفيق دربه أبي العلاء المعري.. فذاك رهين المحابس الثلاثة "النفس والبيت والبصر" وأبو طريف رهين المحبسين "البيت والنفس" وكان يقول الله يسترنا من الثالثة.. رحمه الله.

ولعل الذي ذكرته شيئاً بسيطاً من حياته السياسية التي كانت مليئة بالصدام والنقاش واحتراق الأعصاب، وتعدد السجون، وتضييق الخناق، والمنع والحرمان حتى ختمت بالمرض العضال والانتقال إلى جوار ربه راضياً مرضياً.

حياته الاجتماعية

تربى في بيت علم وتقوى، والده كان مفتياً وجده كان عالماً جاء من العراق، ولا يزال لأقاربه وأبناء عمومته مكانه علمية ودينية في عانة والرمادي في العراق (وهم يعـرفون ببيت السيد هديب) فأقام في الميادين على نهر الفرات وبنى فيها مسجداً تُؤدى فيه الصلاة، وتقام فيه الدروس وكانت العائلة على صغرها مرجعاً في الفتوى الشرعية والعرفية، الجميع يحترمهم والكل يقدرهم فلا يكون اجتماع إلا وهو في مقدمته ولا وساطة إلا وهو في أولها، ولا إصلاح إلا وهو على رأسه، الكل يطيعه ويحترمه ويسمع رأيه فقد جمع الفِرق المتناحرة، وحل الخلافات المعقدة، وقرَّب الآراء المتباينة، وعاش لأمته ومجتمعه ودعوته ولعل من المناسب أن نذكر له بعض الآراء في الأحوال الاجتماعية: فقد خطب في الخمسينيات خطبة في دير الزور: ذكر فيها أنه بصفته مفتياً للمنطقة يطالب الأغنياء أن يؤدوا حقوق الفقراء، فإن لم يفعلوا فيحق للفقراء أن يأخذوا حقوقهم عنوة، وكان نتيجة ذلك أن خرجت مظاهرة تجوب البلد تطالب بحقها من أموال الأغنياء.

وقد وقف يوماً على المنبر ليطالب أهل البلد أن يجتمعوا لصلاة العيد خارج البلد في مصلى واحد كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

وفي يوم آخر وقف ليطالب أهل البلد بجمع صدقة الفطر في صندوق واحد توزع على البيوتات الفقيرة كلٌ حسب حاجته فتشمل الفرحة الجميع ولا تذهب هذه الأموال بدداً.

وكم من مرة وقف ليندد بحالات الفساد الاجتماعي، والتقاتل العشائري وليعلنها حملة شعواء على كل قاتل أو مفسد أو متعدٍ على الحرمات والأنفس.

ولكم وقف أمام الجميع أوقات الانتخابات البلدية أو النيابة ليعلن رأيه بصراحة "إننا كعائلة لا نعطي أصواتنا إلا لمن يلتزم هذا الدين ويعاهد على ذلك".

ولقد كان بيته مجمع الناس وملتقاهم في السراء والضراء والأعياد والمناسبات وحتى في الأيام العادية لسائلٍ أو شاكٍ أو مظلوم أو محتاج.

رحمك الله يا أبا طريف وجعل ذلك في ميزان أعمالك.

تطور أفكاره وقراءاته

"الذين سمعوا لفقيدنا العزيز وأصغوا إلى آرائه لأول وهلة قالوا متسرعين: إن الرجل غارق في التراث وحده إلى أذنيه، متمسك بها إلى حد التعصب؛ لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الرجل يقرأ المكتبة العربية كتاباً واحداً فهو يقرأ كتاب التفسير والحديث والفقه، إلى جانب كتب اللغة والشعر والمعاجم على حد سواء بل يضيف إليها ما غاب عن كثير من علمائنا ومشايخنا من الفكر العربي؛ بشقيه الاشتراكي والرأسمالي ويتكلم في هذا الفكر وكأنه واحد من منظريه حيث يسرد مقولاتهم بأمانة وإتقان ثم يكشف ما فيها من ثغرات، وعثرات غير متجاهل ما فيها من صواب وفائدة، ساعده في ذلك ذكاء وقاد، وحافظةٌ واعية، وأدبٌ ومصابرة، حتى لا تراه إلا منكباً على كتاب أو حاملاً له بلا ملال أو كلال، فإذا علمت ذلك ذهب عجبك لأسلوبه القوي الرصين ومفردات لغته العالية المتدفقة في سهولة وانسياب بلا تكلف أو تردد أو التواء".

ولعل في كلامه ما يوضح الصورة حيث يشرح أسلوبه في تناول المشكلات والقضايا المعقدة يقول رحمه الله: "وبطبعي حين أتكلم، إن لم أتكلم على حادثة عينية مقصودة، فأنا أتجاوز بكلامي دائماً إطار الواقع بل إنني في الغالب أتجاهل الواقع، لأتكلم في إطار علمي لأشَّخص قضاياه، أحرص في كل مسيرتي بينكم على أن تكون واضحة غير ملتبسة، فأنا غالباً حين أتحدث.. أتحدث للمستقبل بنسبة 90% وأتحدث للحاضر بنسبة 10% فقط لسبب بسيط هو أننا نعيش أياماً لها ما بعدها عَلِمَ ذلك من عَلِمْ... وجَهِلَ ذلك من جَهِلْ... إن الذي نعيشه اليوم سيترك آثاره على مدى سنين طويلة مقبلة، ومهمة الإنسان المفكر أن يؤطر للمستقبل أن يحاول تطويق الأحداث أن يستوعب الحدث قبل أن يولد، وإلا لم يكن قائداً ولن يكون مرشداً ولن يكون أهلاً لأن يستحق شرف الكلام إلى الناس وللذين لا يفهمون ما أقول.. أذكر لهم أنني لست يائساً كما أنني لست غاضباً....إن الحقيقة أقوى من الجميع وكما تعلمون فقد توصلنا قبل قليل إلى أن العلم في الإسلام هو طلب الحقيقة".

ومن اعتداده بنفسه وثقته بآرائه وأفكاره مبرراً ذلك: "لكن الشيء الذي يدعوني لتحرير الكلام حقاً وصدقاً هو أنني إذا أتكلم فإنني أنطلق من موقع أمتي وشعبي، ولا يجوز أن يكون الأمر خلاف هذا "...

ولذلك كان يواجه مواقف الآخرين بقوله: "مرات كثيرة وقفت وحدي ضد القطيع كله.. ضد التيار السائد لا أبالي ولا أسأل نفسي عن النتيجة التي يمكن أن تكون طالما أعرف أن الأرض التي أقف عليها صلبة فأنا بفضل الله على بينة من أمري وثقة بأن الناس سيفيئون إلى المواقع التي أنا فيها بالذات".

ولعلي أضرب مثالاً يبين جرأته وصراحته وعلمه من مسالة ثار حولها الجدل وتباينت الآراء ألا وهي ولاية الفقيه: هذه المواجهة على المنبر تطرق إليها في عرض مسألة ثارت يومها الآراء حول ولاية الفقيه وكان قد ندد بولاية الفقيه وأكد أنه لا يمكن أن يوافق ولا لحظة على مفهوم ولاية الفقيه وشرح ذلك بقوله: "على الأقل لسبب مصلحي وهو أن الفقهاء عندنا هاربون من القرون الوسطى... هاربون من عصور التخلف والجهالة.. ويعيشون اليوم بين الناس بأثواب تلك القرون... عالمهم غير عالم اليوم... إدراكهم غير إدراك الناس... مفاهيمهم غير مفاهيم الناس اهتماماتهم غير اهتمامات الناس، هذا السبب المصلحي القريب الذرائعي على الأقل يمنعني من الموافقة على إعطاء الفقيه والعالم أي دور..." وبسبب هذا الموقف من الفقـهاء قال: " لقد قلت كلاماً عارضاً عن الفقهاء في معرض الحديث عن ولاية الفقيه فسَّره بعض الناس تهجماً على الفقيه ثم قال: لو أن الناس عرفوا الفقهاء من هم لعرفوا أن فقهاء اليوم لا علاقة لهم به.. لأن الفقه شيء غير ما يعرفون وغير ما يقرأ في بطون الكتب.. الفقه هو العلم مضموماً إلى السلوك مضموماً إليه التحرك الإيجابي على أعلى الوتائر من أجـل نصر الحقيقة، أما الفقه اليوم فإنه يسير في الركاب.. وتبحث في مشرق الأرض ومغربها فلا تجد فقيها قادراً على الإدلاء بآرائه ومواقفه، ومواكبة العصر الذي يعيش فيه.. هذه هي الحقيقة ومع ذلك لم يكن في ذهني أن أهجو الفقه والفقهاء وإنما كان في ذهني أن أستنهض الهمم إلى ضرورة أن يتعلم الناس، وإلى ضرورة أن يدرس الناس أبعاد هذا العلم".

وكثيراً ما كان يراجع أفكاره وينتقد نفسه ويذكر تأملاته وآماله. وهذه شهادة صهره وابن عمه وأحد الملاصقين له "وهنا لابد من وقفة مع الرجل في مراجعاته لآرائه، وتجديد نظراته كلما رأى فيها نقصاً أو لمس فيها جنفاً سواء جاء ذلك من غيره، أو من تأملاته الذاتية، وهذا هو الأغلب في تلك المراجعات ذلك أن من حوله لا يستدركون إلا في النادر، ولا يلاحظون إلا لماما لما يسمعون من فكر مدهش، وأسلوب أخاذ وقول بليغ وحجة ناهضة لكنه هو الذي يجدد دائما ويتخلى عن مقولات كثيرة أطلقها في أوقات ثم رآها بعد ذلك لا تصلح لما فيـه من حال، ولمِا أغناها من معرفة متجددة وسعة إطلاع دائمة مستمرة وأذكر هنا واقعتين سمعتهما منه وشهدتهما معه..

"الأولى": أني ذكرت له يوماً أن بعض الإخوان قد فرغوا تسجيلات خطب الجمعة في موضوع تفسير القرآن حسب ترتيب المصحف، وله في هذه الخطب تسجيلان أحدهما حسب الترتيب المعروف في الكتاب الكريم وهو القديم، والثاني حسب النزول وهو الأحدث فرد علي: رحمه الله باطمئنان وتمكن: "إن هذه الآراء التي وردت في كلامي قد تجاوزتها منذ زمن وأعدت النظر في معظمها ولو تهيأ لي الوقت والمناسبة لقدمت مراجعة كاملة لها لذا فأنا أتمنى على الشباب ألا ينشروا شيئاً منها" وعندئذ توقفنا عن ذلك المشروع وليتنا لم نفعل.

والواقعة الثانية: في هذه البابة وقد حدثني بها في لقاءٍ معه بعد غياب طويل قال: لقد كتبت مجموعة ممتازة في نظريات الحركة للعمل الإسلامي المعاصر وقَّعَّدْتُ أسساً فكرية متينةً لعلها تفيد في انطلاقةٍ إسلاميةٍ سليمةٍ لكنني وبعد أمور ترامت أخبارهـا مـن أوسـاط تَدَّعي، ولا تعمل، وتقول ولا تفعل، وتشوِّهُ ولا تستقيم رأيت، تأجيلها ثم رميت بها إلى النار وأنا أنظر إليها بأسىً وحسرة".

ونبَّه إلى أن الأشرطة التي سجلها، يمكن أن يستخدمها من يشاء وكيف يشاء ولكنه أكد قائلاً: "لا أريد لأحد أن ينسب إلي ما جاء فيها من آراء.. فآرائي لم يكتمل بناؤها كنت أعمل على إثارة الساحة وإثارة الأرض بانتظار بذرها؛ فكرةٌ تأتي من هنا وأخرى تأتي من هناك ووعدت أن أجرد الحصيلة في المستقبل لنصنف ونستخرج قواعد الحركة وأنا أعرف أن في هذه الدنيا أناس يأتون إلى الشيء الكامل فينتقصونه فما بالك في الشيء الذي لم يكتمل بعد.

إنَّ الأفكار التي طرحتها جزء من فكرتي النهائية التي لم تطرح بعد (من خطبة له في تفسير سورة البروج 22 نيسان1977م).

ولعل آراء الشيخ رحمه الله كانت تثير حفيظة كثيرٍ من الحسدة والحاقدين أو أنه لا يجد لها صدى في نفوس مستمعيه فلا تحرك ساكناً، ولا تثير راكداً، أو أنها أكبر هموماً، أو أعلى مقاماً مما يفكر به الآخرون، فيكتم الشيخ صدره على سرٍ دفين، وألم مرير وفجيعةٍ كبيرة.


لقد خطب في الناس وقال ما يكفي لإحياء الحجر وبعث الحياة فيه، ولكنه صمت المقابر من حوله أوحش دربه، والهراء الكثير من حوله جعله يصمت ويراقب، وهو لا يحتمل هذا الهراء لأنه يعرف أن السالكين على درب الحياة لا بد أن يعرفوا أن الأمر ليس لهواً بل هو جِدٌّ، وأن عاقبة العبث بثقافة الأمة وبعقولها وبنفوسها وبتاريخها وبماضيهـا وبحاضرهـا عـاقبة مخـوفـة، فأمارات الحقد الدفين التي لا تهدأ مدته، والمكر السوقي المبتذل الذي لا يجلب إلا الغثيان داءان ابتليت بهما الأمة ولم يعد للشرفاء إلا العودة إلى مواقفهم وحصونهم للمراقبة بصمت.... ".

تفسيره للقرآن واهتماماته الفكرية الأخرى

لقد اهتم الشيخ رحمه الله كثيراً في شرح القرآن الكريم، وفصَّل في مقاصده وأسهب في تفسـيره، وكشف عن الكثير من لطائفه بخطبٍ طوال قضى بها ردحاً كبيراً من أيـام حيـاته، وله سلسلة من الخطب في موضوع القرآن الكريم على حسب ترتيب السور في المصحف، ثمَّ أتبعها بسلسلةٍ ثانيةٍ في التفسير بحسب نزول الآي الكريم لكن ليس لديه من المطبوعات سوى تعليقاتٍ قليلةٍ على هامش القرآن الكريم، وهو مطبوعٌ ومعروضٌ في الأسواق ودعه يحدثك عن ذلك يقول: "إن عشرتي للقرآن الكريم طويلة ٌجداً، فهو الرفيق الدائم والمحور الذي يدور حوله تفكيري كله، لقد درست التفاسير التي وقعت بين يدي وهي بالعشرات، وتنتمي إلى مختلف المذاهب والطوائف، وتعتمد في التفسير مناهج شتى، ولا أقول إنها لم تقع مني موقع والرضى، ففي كل منها علم لا يستغني الإنسان عنه، ولكن هذه التفاسير تحمل أمزجة مؤلفيها وصورة المناخ العقلي للعصر الذي كتبت فيه وكثير منها غطى فيه حشد العلوم المختلفة على الحقيقة القرآنية الناصعة...".

ويحدثنا عن مشروعه لتفسير القرآن الكريم حيث إنه لم يكتمل ولم ير النور فيقول: "والتفسير الذي أعمل فيه الآن وآمل أن أدفع به إلى المطبعة مع نهاية هذا العام إن شاء الله.. له هدفٌ محددٌ ويعتمد على منهجيةٍ واضحةٍ وبسيطة أما الهدف فهو أن أضع القارئ أمام الحقيقة القرآنية غير مثقلةٍ بأية شروح لا ضرورة تدعو إليها، أن أجعله يواجه النص الإلهي مواجهة العرب الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن.. وهذا أحرى أن يترك فيهم من الأثر ما ترك في أسلافهم، هذا هو الهدف باختصار....".

ثم يحدثنا عن المنهج الذي اتبعه في ذلك: "وهذا الهدف هو الذي رسم حدود المنهج ويمكن تلخيصه فيما يلي:

"هذا القرآن نزل بلغة العرب وخوطبت به الأمة العربية قبل سائر الناس وجاء نظمهم الكريم على الأساليب المعهودة في مخاطبتهم نبيهم فمن أجل ذلك اعتمدت على حيوية اللغة العربية وقدرتها على الأداء المباشر وغير المباشر، ومن هنا رفضت أي تأويل لا يتسع لهُ لسان العرب ولا تأذن ُبه طرائقهم في البيان:

أ ـ لقد كان يَغْمضُ على بعض من سمع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَهْم مواطن معينة من كتاب الله تعالى فكانوا يفزعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبين لهم ما يحتاجون إليه من بيان، ولهذا فقد التزمت ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا صمت نسبته إليه، ذلك هو الفرض عليَّ، وعلى كل دارس للقرآن الكريم لأن الله تعالى وضع نبيه من كتابه موضع المُبَيَّن عن الله سبحانه وتعالى معنى ما أراد في تنزيـله وذلك في قـولـه تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).

والقرآن حمَّال أوجه كما قال الإمام علي كرم الله وجهه في الجنة: "وليس من الأمانة العلمية أن نلتزم وجهاً واحداً ولا نرى غيره، إذا كان الكلام الإلهي يحتمل وجوها من التأويل لأن في هذا عدواناً على خصيصة من أهم خصائص الكتاب الكريم، وهي المرونة التي لا تشكل قيداً حديدياً على الفكر البشري ولذلك فقد حرصت على إبراز الوجوه المحتملة في التأول ضمن الحدود التي تسمح بها أساليب هذه اللغة الشريفة...".

ب ـ قلما تجد تفسيراً لا يحرص مؤلفه على أن يحشد فيه كل ما تصل إليه يده من المسائل العلمية وبعض المفسرين أسرف على نفسه في هذا وأسـرف على قـرائه إسرافـاً غير مستساغ، وليس مما يعلي من شأن القرآن أن يتطابق مع الحقائق العلمية وإن كان ذلك يزيد الذين اهتدوا هدى، لأن الكلام الإلهي هدايةٌ وإرشاد، والمعرفة العلـمية شأن بشـري بـحت، وهذه المعرفة العلمية ماضية في طريقها ـ سواء وجـد الـوحي الإلهـي أم لم يـوجد ـ والخلط بين الميدانين مسلك شديد الخطورة على الوحي والقلم جميعاً، وما مأزق شراح التوراة والإنجيل ببعيدة عن الأذهان، لذلك حافظت على محل الهيمنة القرآنية على التفكير البشري، وتجنبت الخوض في المسائل العلمية.

ج ـ وليس يذهب عني إن شاء الله تعالى أن سليقة اللغة اليوم قد تراجـعت تراجـعاً خـطيراً، وليست الشكوى من استعجام الألسنة دون الشكوى من استعجام العقول.

وأنت تعلم أن كل سورة من سور القرآن الكريم لها شخصيتها المحدودة ذات الملامح الواضحة ـ وأن نظم القرآن يسير على نهجه الخاص، وأن جزئيات السورة تتلاقى على إبراز قضيةٍ، أو قضايا محددة، وهذا الإدراك الشامل للهدفية القرآنية يحتاج إلى معاناة شاقة، لذلك حرصت على أن أقدم لكل سورة بمقدمة مختصرة تشرح أغراضها وتحدد أهدافها، فذلك أحرى أن يجعل الإدراك المناسب لمعنى ما أراده الله في كتابه أيسر منالاً, تلك هي أهم الملامح التي يمتاز بها هذا التفسير. فإذا أعان الله تعالى، ومنَّ على ببلوغها إنني إذن لسعيد.".

وربما يسعد هو رحمه الله وهو يتفيأُ ظلال القرآن وقد أنجز ولو جزءاً منه، أما نحن فلم نسعد بعد لأننا لم نرَ شيئاً مكتوباً، وإنما هذه الأشرطة التي بين أيدينا والتي تحتاج إلى من يكشف كنوزها، وينفض غبارها ويستخرج أفكارها لتسعد فيها أجيال من الشباب تتلهف للإطلاع عليها والاستفادة منها.

ولعلَّ هذا ما يقودنا إلى السؤال: لماذا لم يكتب الشيخ؟ لماذا لم يسجل هذه الأفكار النيرة في كتب تنتشر بين الناس وتستفيد منها الأجيال، رغم هذه المشاريع الضخمة والأماني العظام؟! والجواب تجده عند من لازمه واطَّلع على تفكيره وأسلوبه ومعاناته فهذا الأخ ريـاض إدرار يقول: (لقد أثار أبو طريف مسائل عديدة هامة في حياة الأمة وعالج نقاطاً كثيرة وكل ذلك كان على المنبر حيث مجمع ثقافته، ومنهج تفكيره وأسلوبه الجامع، وخلاصة فكره.. ومشكلة أبي طريف أنه لم يكتب ولو كتب لكان لكتبه شأن أيَّ شأن وهو يدرك أنه لو كتب لملأَ الـدنيا، وشغل الناس، ولكنه لم يفعل.. وأحب أن أنقل لكم لحظة من هذه اللحظات الإنسانية المعبرة عن المعاناة مما جعله يفكر بإعادة الحساب مرة بعد مرة.. مما جرى ويجري، كان ذلك في نهاية شرح سورة البروج عام (1977) في 22 نيسان قال: (بقي أن أتحدث إليكم حديثاً خاصاً أرجو قبل كل شيء أن تسمعوه وأرجو أن تفهموه أحب ألا يَستاء، ولا يتأثر أحد.

أنا الآن أدلف نحو الخمسين من عمري.. عشت بينكم، ولكم فرضت على نفسي سلوكاً صارماً وطريقة لا يقدر عليها أحد وأقول هذا تحدثاً بنعمة الله وإذا حذفت كل شيء فلا أستطيع أن أحذف من حياتي السنوات العشرة الأخيرة، كانت لي آمال حدثتكم ببعضها، وطويت القسم الأكبر منها... مضينا في مسيرة كثيراً ما قلت لنفسي لعلك يا فلان لم تكن مُوفقاً في اختيار الساحة، ولا مُوفقاً في اختيار الأداة وكنت أخبر النفس، ومن جرب مثل تجربتي عرف الذي أعرف حين أقول لكم إن طريق الدعوة إلى الله زرع الداء في جسمي فيجب أن تعرفوا أن هذه حقيقة وما آسف.. ما آسف).

ولعل صهره وابن عمه (فاروق المشوح) أدرى في بيان عدم كتابته وتفسيره للعبارة التي أطلقها الأستاذ عبد الله الطنطاوي... حين وصفه (بأنه ظُلم حياً وظلم ميتاً) وأي ظلمٍ أعظمُ من أن تغيب هذه العبقرية الفريدة بلا تسجيل تقرأه الأجيال أو نشرٍ تستفيد منه الأمة لقد جاء الظلم على الرجل من أكثر من جهة، الجهة الأقرب من إخوانه الذين كانوا حوله وقريبين منه ممن لم يخدم تلك الأفكار المبدعة.

وذلك بتسجيلها في وقتها، والرجوع إليـه في تحقيقـها والتثبت منها، والناحية الأخرى التي جاء منها الظلم؛ هي من جهته هو إذ كان رحمه الله شديد الوطأة على نفسه بما يمكن أن يسجل عليه من رأي أو يصدر عنه من قول أو فتوى إلا بعد مراجعة صارمة وتمحيص دقيق إذ كان كثير المراجعة لهذه الآراء فلا يقبل من القول مبتسراً، ولا من الرأي فجاً متهوراً".

ويقول أيضاً "ولم يسلم من ضروب أخرى من الظلم وقعت عليه من الناس والبيئة والسلطان... فإذا كان المكان قد أعطاه فرصة التفرغ للعلم والمعرفة والتحصيل.. فقد حصره في دائرة بعيدة التأثير والنشر والذيوع، وإذا كان الناس قد قدرته وبوأته المكانة والمهابة والاحترام، فقد حرمته العطاء الواسع والاستفادة والخير العميم أما السلطان فحدث ولا حرج).

هذه نظرة الآخرين، أما نظرته هو فشيء آخر: "لقد لاحظت أثناء دراسـاتي المنهجية، والخاصة أن من الناس من لا يدقق فيما يكتب أو يقول كما ينبغي، وجاءت هذه الملاحظة في وقت مبكر جداً ذلك بأنني منذ البداية وبالرغم من أنني قارئ نهم، فأنا قارئ ناقد أفكر طويلاً فيما أقرأ وفيما أسمع وأنا أعلم أن الكلمة المكتوبة لها في أذهان الناشئة محل القداسة والبداهة التي تعلو على النقاش، وإذا وجد خطأ في الكلمة المكتوبة فسيعيش طويلاً في عقول الناشئة وسيحتاج إلى جهود مضنية لتصحيحه، من هنا نشأ لدي عبء من الكلمة المكتوبة غير المحددة ـ لأنها قد تجني على أجيال ـ وهذا أحد سببين جعلاني أحجم عن تقديم إنتاجي إلى الناس ـ أما السبب الثاني ـ فهو أني أصبت بضعف في العيون في سنٍ مبكرة، فاضطررت إلى أن ألقي الخطب، وأقرر الدروس دون الاستعانة بشيء مكتوب، واستمرت هذه الحالة عشرات السنين فكان من ذلك أن جار اللسان على القلم، وإنه لمن الهين أن أتحدث الساعتين أو أكثر دون خطأ عقلي أو لفظي، ولكني أحس بضيق شديد إن أنا اضطررت إلى كتابة صفحة واحدة.

كتاباته الأخرى

ورغم معرفتنا للأسباب التي منعته من الكتابة، سواء ما عبر به عن نفسه أو ما قاله الآخرون عنه، وما اختصره بقوله البليغ "أن اللسان جار على القـلم" فقـد كـان لعلـمه بقية من أثر، وأثارةٍ من علم، وربما في رسالةِ المازني للعقاد: "أين لا أين تولى قلمي، أكلته النار نار الألم؛ كله..!! كلا لقد أبقت هباء" "ولعل من هذا الهباء ـ وهو ليس بهباء ـ ما يحدثنا عنه فيقول:

"وهذا لا يعني أنني لم أكتب شيئاً، فقد كتبت الكثير، ولكن نصيب النار مما كتبت كان كثيراً أيضاً، وحتى الأعمال الجاهزة لا أستطيع أن أعلن عنها لأني عادة أفقد اهتمامي بالعمل بمجرد الفراغ منه، وعلى ذلك فلست أدري متى يكون طعمة للنيران... لقد نشرت لي عدة قصائد ومقالات في مجلة الثقافة التي كان يصدرها في دير الزور الأستاذ جلال السيد، كما نشرت لي قصائد ومقالات قليلة في صحف دمشق وبيروت، فهذا أنا، وليس من العدل أن يغلب مني ما لست به بأهل، والله يسامح الذين يظنون بي ما ليس في."

ولعل فيما يقوله صهره وابن عمه واللصيق فيه، ما يوضح جوانب أخرى جاءت بعد حديثه السابق ولم يعلن عنها في حينها: "لقد قدم الشيخ الجليل للحركة الإسلامية أكثر من دراسة ومشروع للعمل الإسلامي يعرفها إخوانه القريبون منه، والمتصلون به وكثيرٌ من قادة الحركة الإسلامية، ولا ينس هؤلاء وأولئك مسودة المشروع المعروف "منهاج الثورة الإسلامية في سورية" الذي أرسله بداية الثمانينات ومع بوادر الحركة ونشاطاتها في تلك المرحلة، حيث ظهرت نسخة المنهاج بطبعته المعروفة والمعروضة لدى الإخوان."

وقد أجاب عن سؤال لمراسل مجلة النهضة الكويتية: صدر لك مؤخراً (شرح غريب القرآن) لماذا انتهجت هذا المنحى الصغير، ولم تصدر عملا كبيراً؟ فأجاب:

"شرح غريب القرآن الكريم الذي صدر لم يكن ضمن اهتماماتي، ولكنه كان تلبية لرغبة الأخ الناشر وهو الذي وضع له هذا العنوان، وهو أدرى بحاجة سوق الكتاب ولكن الشيء المؤكد أن أعمالاً من هذا القبيل تؤدي لقارئ القرآن خدمة جليلة، فالكثير من ألفاظ القرآن الكريم يصعب فهمه على القارئ، فإذا وجد إلى جانب الآية شرحاً لغريبها فقد كُفِيَ مؤونة الرجوع إلى كتب التفسير أو معاجم اللغة وهذا الشرح الموجز يمتاز؛ بكونه أعطى لمفردات القرآن معانيها المرادة بها، في المواطن التي وردت بها فمن المعلوم أن القرآن الكريم أعطى بعض المفردات من مدلولات شرعية، لم تكن لها أصل في الموضوع اللغوي، ومن المعلوم أن المفردات تأخذ مدلولات إضافية من خلال السياق الذي وردت وقد حرصت على أن أنص على ذلك في هذا الشرح، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى ما أردت".

وعن اهتماماته ومشاريعه يجيب: "أنا بطبيعة الحال معني بالأدب العربي، وكان هو زادي في أول النشأة ولدي الآن اهتمامات أدبية لا أحب الإعلان عنها فدعها تعلن هي عن نفسها بإذن الله، أما الشعر فقد قرضته في وقت مبكر ونشرت قسماً منه، ولكني هجرت الشعر تماماً منذ عام1962م فلم أكتب منه شيئاً لأنني اكتشفت أن الأغراض الشعرية التي يمكن أن أبدع فيها لا تتلاءم مع الأهداف التي رسمتها لنفسي، وأنا الآن معنيٌ بالتراث بصورة خاصة، فلقد يحز في نفسي أن يظل هذا التراث الفني حبيس دور الكتب، ولست أدري كيف تكتمل شخصية الأمة إذا لم تقع يدها على تراثها كاملاً، وبين يدي مخطوطات أعمل على تحقيقها توطئة لنشرها.

منها: شرح صحيح البخاري لابن الملّقن، وشرح مختصر صحيح مسلم للـقرشي، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهيد.. وغيرها وأرجو أن يعينني الله على ذلك".

أما عن رأيه في الشعر الحديث فهو يقول: (الشعر الحديث تسمية تقع على لونين من العمل الأدبي، الشعر المنثور، والشعر الحر؛ أما الشعر المنثور فأنا استبعده من دائرة الشعر؛ لأنه نثرٌ وليس أكثر، وأما الشعر الحر فأنا أقرأ منه ما كتبه رواده، من أمثال.. نازك الملائكة.. والسياب.. وفدوى طوقان.. ونزار قباني.. واجد مشقة كبيرة في الكثير مما اقرأ لهم، ولكني ألاحظ أن الكثيرين منهم يسقطون في إغراء النثرية، لقد حافظ هؤلاء الرواد على موسيقى التفعيلة، وهذا هو الأساس في الشعر، مضافاً إليه حسن التعامل مع اللفظ، وتحميله أقصى طاقة شعرية ممكنة، ولا بأس على الشـعر العمودي من الشعر الحديث.. إذ يبدو إن الشعر العمودي ألصق بالطبيعة العربية من سواه من أفانين القول، والشعر العربي عرف التنوع في أزهى عصوره، والرباعية، والدوبيت، حافظـاً على القافية بصـورة جزئية، وشعر الموشحات أهدر وحدة الوزن في أبيات القصيدة الواحدة كما تجاوز مسألة القافية، ويبقى الشعر الحديث من أرق أفانيين الأدب إذا تهيأت له أسباب الإجادة... ".

ولعلي أختم بنصيحة للشباب:

"إن على شبابنا العربي المسلم أن يدرك بصورة عميقة جداً، أنه يحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأَبَيْنَ أن يحمَلْنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وعليه أن يدرك بنفس العمق أنه يحمل على كاهله وفي أعماقه مواريث قرون من التخلف، والتشتت، وسوء الظن، ووهن الروابط الاجتماعية، وضياع الهدف الذي وُجد هذا الإنسان العربي المسلم من أجل بلوغه، فواجبه المُلِّح أن يعمل بكل قواه على كسر طوق التخلف وتصحيح المسار الحضاري الإنساني، هذه مسؤولية ضخمة قد يبعث الرعب في القلب مجرد التفكير بها، ولكنها يسيرة على من يسرها الله له".

وليس غريباً أن يهتم الشيخ بالشباب، فقد كان رحمه الله ـ مقصد الشباب من جميع الأنحاء في المنطقة وغيرها من المحافظات السورية لحضور خطبه وسماع أرائه والاستفادة من علمه.

مرضه ووفاته

لقد تحمل الشيخ من الهموم والآلام ما أثقل كاهله وأوهن جسده، فتكالب عليه الداء واصطلحت عليه الأمراض، وكان هَمُّ الدعوة أكبرها، وأثقلها على نفسه، كما قال: "إن طريق الدعوة إلى الله زرع الداء في جسمي". فقضى السنوات الأخيرة من عمره لا يخرج من بيته وفي مساء السبت الثالث والعشرين من شوال 1420هــ الموافق 29 كانون الثاني 2000م ـ وقد كان هادئ البال رضيَّ النفس، طلق الوجه ـ خرجت روحه إلى بارئها راضية مرضيه "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" ولقد كان موكب جنازته في بلدة الميادين، يوماً مشهوداً لم تعرف المنطقة في تاريخها مثله.

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ
غداةَ ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ

رحمك الله ـ أبا طريف ـ في الأولين، ورحمك في الآخرين، وأسكنك جنة النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

وصدق القائل:

ولقد عُرفت وما عُرفت حقيقةً
ولقد جُهلت وما جُهلت خمولا

رثاؤه

رجع الجميع بعد دفنك حزانى، ثكلى، باكين، بكاه بلده، وبكاه إخوانه، وبكاه منبره، وبكاه مصحفه، وبكاه الفرات: فهذا هو ابن عمه الدكتور وليد المشوح يقول:

مـا للفرات إذا حدثته انتحبا

ما للشواطئ تشكو النهرَ لوعتها

مال للميادين تبدو اليوم واجمةً

وأرسل الآه دمعاً يحرق الغَربا

كأنها افتقدت أماً لها أو أبـا

كأنما الدهرُ أعياها بما سلـبا

وهذا ابن عمه الأخر وصهره فارق المشوح يقول:

أي روح ذلك الشيخُ مثـالَ العلـماءْ

لم يهادن باطلاً لم يلن إلا لحـق في انحناءْ

عاش فقراً؛ عِـزةُ العلم بفقرٍ في إبـاءْ

عاش قهراً موكبُ الحـق يثيُر الجـبناءْ

عاش ظلماً، جيلنا ـ نحن دعاة الله ـ رباه البلاءْ

حسبه في هذه الدنيا بلاءٌ ومـع اللهِ اللقاءْ


قصائد كثيرة هي التي قيلت في موكب الحزن والألم والحسرة ولعلنا نختم بخاطرة حفيدته (نسيبة المشوح) "أيها الراحل عذراً":

"يا سيدي ربما لا يعرفك كثير ممن لم يروك ولكن حسبك أن تعرفك منابر ومآذن هززتها فتساقطت رطباً جنياً، وحسبك أن تعرفك آياتٌ وسورٌ كانت في شفاهك نشيداً سماوياً.. تفسيراً ًينقلنا إلى هناك.. إلى سدرة المنتهى.. إلى حيث يجتمع رواد قافلة قادمة من مسارب التاريخ وسائرة إلى الأعالي.. وحسبك أن تعرفك صحائف طويتَ فيها جُلَّ أيامك.. يا سيدي.. يا لؤلؤة في عقد انفرط فلم تتساقط حباته، وإنما تطايرت تُرصَّع السماء بالحنينْ وترصعنا بالأنينْ.. وحسبك أن يعرفك ظالمون قتلتَ الأمنَ في حناياهم فأصبحوا يرونك وأنت رهين حجرتك... ناراً تحرق باطلهم.. شهاباً يمزق كيدهم فخافوك وأنت الأعزل كما لو كنت جيشاً مدججاً باللهيب.. وهل جيشٌ مدجج باللهيب أقوى من قلبٍ مدجج بالإيمان واليقين...؟!

ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى
أَنَّ الثرى يعلو على الأطواد

المراجع

1ـ (مجلة النهضة الكويتية)، مقابلة صحفية بمناسبة صدور (غريب القرآن)

2- محاضرة الأستاذ (رياض درار) ـ "حياة وفكر لم تكتمل" / لم تسمح السلطات بإلقائها.

3- (الشيخ محمود المشوح في الذكرى الرابعة لوفاته). وأيضاً مقال عن حياته بمناسبة وفاته. (فاروق المشوح).

4- (الشيخ محمود المشوح مع العلماء الراحلين)، مجلة المجتمع الكويتية/ "عبد العزيز المشوح في رثائه".

5- مع مراثي أخرى متعددة.

المصدر

محمود عمر المشوح المركز الإعلامي لموقع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا

للمزيد عن الإخوان في سوريا

مراقبو الإخوان في سوريا

1- الشيخ الدكتور مصطفي السباعي (1945-1964م) أول مراقباً عاماً للإخوان المسلمين بسوريا ولبنان.

2- الأستاذ عصام العطار (1964- 1973م).

3- الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (1973-1975م).

4- الأستاذ عدنان سعد الدين (1975-1981م).

5- الدكتور حسن هويدي (1981- 1985م).

6- الدكتور منير الغضبان (لمدة ستة أشهر عام 1985م)

7- الأستاذ محمد ديب الجاجي (1985م لمدة ستة أشهر).

8- الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (1986- 1991م)

9- د. حسن هويدي (1991- 1996م).

10- الأستاذ علي صدر الدين البيانوني (1996- أغسطس 2010م)

11- المهندس محمد رياض شقفة (أغسطس 2010)

.

من أعلام الإخوان في سوريا
أقرأ-أيضًا.png

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

وثائق ومتعلقات أخرى

وصلات خارجية

الموقع الرسمي لإخوان سوريا

وصلات فيديو

.