مذكرة الإخوان المسلمين لوزير الحقانية فى وجوب العمل بالشريعة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٧:٥٦، ٣ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مذكرة الإخوان المسلمين لوزير الحقانية فى وجوب العمل بالشريعة الإسلامية

بقلم / الإمام حسن البنا

حضرة صاحب المعالى أحمد خشبة باشا وزير الحقانية:

أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تمسك بشريعته إلى يوم الدين وأرفع إليك تحية الإخوان المسلمين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا سيدى الباشا: لست فى حاجة إلى أن أتحدث عن إسلامكم وحسن استعدادكم لمناصرة الفكرة الإسلامية المنقذة، بل التى لا منقذ للعالم كله سواها الآن، ولست فى حاجة إلى أن أتقدم إليكم بالبراهين الكثيرة، والحجج المتضافرة على أن دواء هذه الأمة فى رجوعها إلى هدى الإسلام فى كل الشئون، وأول هذه الشئون القانون فأنت بحمد الله- فيما أعتقد- مقتنع بهذه الفكرة، سمعتك تتحدث بها، وتدلل عليها وتعمل لها وأنت خارج الحكم وأنت عضو مجلس إدارة الإخوان المسلمون وعلاقتهم بجمعية الشبان المسلمين، وأنت أمين صندوق للجنة العامة للدفاع عن فلسطين، وأنت رئيس جماعة إحياء مجد الإسلام.

والآن يا معالى الباشا وقد جاء دور العمل، وواجهنا الحقائق ودخلنا بوتقة التجارب، وأصبحت وأنت شيخ القضاة ورأس المشرعين فى مركز تستطيع منه أن تحقق ما يرجوه المسلمين جميعا، ويتمنونه ويريدون الحصول عليه مهما كلفهم ذلك من أثمان، وما كنت أنت نفسك تتمناه وترجوه وتؤمن بصلاحيته وتعتقده من وجوب تعديل القوانين، وتوحيد المحكمة المصرية حول شريعة الإسلام.

الآن وقد صرت راعيا مسئولا عن الرعية فى ناحيتك ماذا أنت فاعل؟

يا سيدى الباشا: إن صدور الأمة محرجة أشد الحرج؛ لشعورها بأنها تحكم بغير كتاب الله وقانونه وشرعته، وإن الشعوب إن تعودت الصبر حينا، فإن الانفجار نتيجة طبيعية لهذا الصبر فى كثير من الأحيان، وليس يحرج النفس شىء أكثر من الاصطدام بالعقيدة الراسخة الثابتة، وإن قوانيننا الحالية تنافى الإسلام، وتصدمه وتحطمه فى نفوس المؤمنين به، وهم كل هذا الشعب، وقد تفتحت أذهان الأمة وأدركت بعد ما بينها وبين دينها فى هذه الناحية، فشعرت بالحرج الشديد إن بقيت الحال على ما هى عليه، فلا تلجئوا الناس إلى عصيان القوانين، واحتقار الشرائع والتبرم بالقضاة وبالأحكام.

يا باشا: لنقف معا بين يدى الله ولنسمع معا، ألم يقل الله تبارك وتعالى:

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65]

﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 49-50]... فى بيان طويل مستفتح بالآيات الكريمة. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون.

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[النساء: 105]

هذا فى الناحية الكلية، وفى الناحية الجزئية قد بين القرآن كثيرا من الأحكام فى كثير من الشئون المدنية والجنائية والدولية والتجارية وما إليها، وأكدت الأحاديث الصحيحة كل ذلك وأيدته، وما أنزلها الله وقررها إلا ليعمل بها المسلمون، وينتهوا إلى حكمه فيها ويستمدوا منها ويطبقوا عليها، فإذا كانت قوانينا وشرائعنا والدستور نفسه مستمدة من معين غير هذا المعين مستقاة من مصادر أوروبية بحتة بلجيكية وفرنسية ورومانية، وهى فى كثير من كلياتها وجزئياتها تتناقض تناقضا صارخا مع التعاليم الإسلامية الصريحة، فكيف يكون موقف المسلم الذى يؤمن بالله وكتابه فيما إذا عرضت له قضية حكم فيها بغير ما أنزل الله وكان الحكم مناقضا لدين الله؟ وكيف يستحل القاضى هذه المخالفة؟ وكيف يستسيغها المتقاضى؟ وكيف يتحمل تبعتها شيخ القضاة ووزير العدالة والتشريع بين يدى أحكم الحاكمين؟!

أنقذونا -يا باشا- من هذا الحرج، وأخرجونا من هذه الورطة، ولا تجعلوا أعمالنا تصطدم بعقائدنا، وأنا أعرف كثيرا من الناس يفضل ضياع حقوقه: مدنية أو جنائية أو تجارية على أن يقف بين يدى قاض يحكم بغير ما أنزل الله. إن التبعية يا باشا كبيرة، ولئن كان هذا الحساب شديد فإن حساب الله أشد ومهمتنا التذكير ولا يغنى أن تتعلل بالمعاذير، فإن الله لا ينظر إلا إلى القلوب والأعمال هذا من الوجهة الروحية البحتة.

ولنأت من الوجه القانونية:

ألم يعترف كبار رجال القانون من مصريين وأجانب بأن الشريعة الإسلامية من أخصب منابع التشريع وأزكاها وأدقها وأشملها؟ ولم ننس بعد تصريح المسيو بيولا كازللى بوجوب تصحيح القواعد الفاسدة فى القانون الفرنسى المعمول به فى مصر طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، ولم ننس كذلك محاضرات المسيو لامبير ، وتصريحاته الخطيرة الواضحة فى هذا الشأن، ولم ننس بعد تقارير مؤتمر لاهاى فى الإشادة بالشريعة الإسلامية وامتداح نظرياتها القانونية وغناها بالبحوث القيمة وكفايتها فى التشريع التام، وفى مصر كثير من أعلام رجال القانون يؤمنون بذلك، ويصرحون به ويودون أن يكلفو الاضطلاع بهذا العبء، وعجيب أن يكون بينهم المستشارون فى المحاكم المختلطة بله المحاكم الأهلية ومن هؤلاء محمد بك صادق فهمى رئيس محكمة المنصورة المختلطة، والأستاذ عبد الرازق بك السنهورى عميد كلية الحقوق السابق، كما أشار إلى ذلك حضرة كامل بك مرسى وعبد الفتاح بك السيد والأستاذ على بدوى من أساتذة القانون فى المحاكم وفى كلية الحقوق.

والبحث العلمى أعدل شاهد على صحة هذه النظريات، وما قال هؤلاء ما قالوا إلا بعد دراسات طويلة وبحوث عميقة خلدوا بعضها بكتاباتهم وبقى بعضها مستقرا فى نفوسهم إلى الوقت المناسب، وليس المقصود من هذا الخطاب هذه الموازنات فذلك له موضع آخر.

ولنأت إلى الأمر من وجهته العملية.

لقد عاشرتنا هذه القوانين خمسين عاما ونيفا فماذا أفادت منها الأمة إلا كثرة الجرائم، وتزايدها عاما بعد عام ويوما عن يوم، وانتشار الموبقات، وارتكاب الجنايات ذلك أنها لا تتفق مع طبيعتنا، ولا تصلح فى بيئتنا ولا تجدى فى علاج أدوائنا، ولا دليل أصدق من الواقع المشاهد، وذلك فى الوقت الذى نرى فيه البلاد الإسلامية التى أخذت بتشريع الإسلام قد استتب فيها الأمن، وتوطدت السلطة عمت السكينة، وساد احترام القانون واطمأن الناس على الدماء والأموال والأعراض، فهلا تريد مصر أن تصل إلى هذه النتيجة المرضية برجوعها إلى تعاليم الإسلام وشرائع الإسلام.

يا سيدى الباشا: الأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، وبقيت بعض شبهات يتعلق بها الذين يقفون فى طريق الإصلاح بحسن قصد أو سوء قصد، نحب أن نناقشها فى إيجاز، وأنا معتقد أن معاليكم أعرف الناس بأن هذه الشبهات أوهى من أن تقف فى سبيل الإصلاح.

يقول هؤلاء المرتابون:

إن فى مصر عناصر غير إسلامية إن حكمت بأحكام الإسلام كان ذلك متنافيا مع حرية الدين التى كفلها الدستور للمواطنين، وإن حكمت بغير أحكام الإسلام كان ذلك نوعا من الامتياز البغيض الذى حمدنا الله على التخلص منه، وإزاحة كابوسه عن الصدور.

هذه الشبهة مردودة بجزئيها فإنهم إن عوملوا بتعاليم الإسلام لم يكن فى ذلك اصطدام بحرية الدين، فإن الحرية المكفولة هى حرية العقيدة وحرية العبادة والشعائر وحرية الأحوال الشخصية، أما الشئون الاجتماعية فهى حق الأمة ومظهر سيادتها فهم فيها تبع للأكثرية فإذا ارتضت أكثرية الأمة قانونا فى هذه الشئون الاجتماعية بصرف النظر عن مصدره فهو قانون للجميع، إذ أن محاربة الجريمة من حق الدولة بدليل أن الأمم الأوربية.

وهى التى تفخر باحترامها للحرية، والحقوق الشخصية، وتزهو بأنها أقرت الديموقراطية، ونادت بحقوق الإنسان مع هذا هى تعامل كل نزلائها وأقليتها بحكم القوانين الموضوعة المرضية عندها بصرف النظر عن أديانهم وعقائدهم، فالإنسان فى فرنسا أو انجلترا أو فى ألمانيا أو نحوها سواء أكان نزيلا يتمتع بجنسيته الخاصة أو مواطنا يخالف الأكثرية فى الدين يحاكم بمقتضى قانون البلاد الموضوع دون نظر إلى قانون بلده أو تشريع دينه وبغير ذلك لا تتحقق سيادة الأمة، ولا يتحقق استقلالها الداخلى، هذا إن عوملوا بأحكام الإسلام وشريعته.

وإن عوملوا بحسب شرائعهم مع الاحتفاظ بحقوق الدولة كاملة معهم، فليس فى ذلك امتياز يخيف، فإن المساواة فى الأحوال الشخصية بين المسلم وغير المسلم مفقودة إلا إذا رضى غيره بذلك، ولا يقال إن إقرارنا لهؤلاء المخالفين على أحكام دينهم فى أحوالهم الشخصية امتياز ممنوح لهم يفضلون به غيرهم، بل هو خلاف خاص بهم، وأما الامتياز المؤلم فهو أن تضيع حقوق أبناء الوطن فى سبيل الأجانب وغير المسلمين بحكم الضعف والاستكانة والذلة والمهانة.

والإسلام الفسيح المرن لا يحتم علينا أى الطريقين فنحن نختار والأولى إلينا أحب وبحالنا أوجب ولأمر ما قال الله تبارك وتعالى فى صدر آيات الحكم بتنزيله ﴿فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً﴾[المائدة: 44].

على أننا نعرف كثيرا من أفاضل رجال القانون من مواطنينا المسيحيين جهروا كثيرا بأنهم يودون لو عوملوا بأحكام الشريعة الإسلامية فى كل شىء.

ويقولون كذلك إن نصوص المعاهدة تحتم علينا أن نسير فى تشريعنا على أحدث النظريات، وذلك يمنعنا من العودة إلى تشريع الإسلام، وإلا كنا خارجين على أحكام هذه النصوص، وتلك شبهة مردودة كذلك بجزئيها أيضا، فإن تعديل المعاهدة لا يعد تملصا وخروجا فى كل حال، فإذا اتفق الطرفان على التعديل فهو تتميم لهذه المعاهدة واستكمال لنقصها لا نقض لها، وليست هذه المعاهدة تنزيلا من حكيم حميد فهى عرضة للتعديل والتحوير فى كل وقت حسب ما يطرأ للطرفين من عوامل وظروف، وإلا فلماذا يحق للطرف الآخر أن يحور ويعدل فى كل وقت كما هو مشاهد ملموس.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فعلماء القانون من المسلمين أزهريين وغير أزهريين على استعداد لأن يثبتوا لكل مخالف أن تشريع الإسلام الحنيف أفضل من كل تشريع حديث يعرفونه بالدليل القاطع، والبرهان الناصع، فلا حجة لمخالف، ولا يصح أن نقف عن إصلاح شئوننا إرضاء للمكابرين الذين لا يرضون منا إلا بأن نسير وراءهم وأن نقيد خطانا بشهواتهم ورغباتهم.

ويقولون كذلك إن كثيرا من هذه التشريعات لا يمكن تطبيقه عمليا، ولنأخذ مثلا الربا) فهل نستطيع إبطاله من محاكمنا وقانوننا ونحن مرتبطون بالنظام الاقتصادى الدولى العام؟

والشبهة مردودة كذلك بما نشاهد من أحوال الدول القوية العزائم التى وضعت لنفسها نظما اقتصادية خاصة، وفرضتها على أممها وأجبرت العالم على احترامها، وكان العامل الأكبر فى ذلك صدق عزيمة حكومتها، وحسن استعداد شعوبها، فلا عقبة أمامنا فى مثل هذا إلا الوهن، وتجسيم الأمور والخوف الذى لا مبرر له، ونحن والحمد لله أمة غنية بصادراتها وكل المواد الحيوية والضرورية موفورة لدينا، ونستطيع الاستغناء إلى حد كبير عن غيرنا مع حفظ كياننا الاقتصادى لو صحت عزائمنا، ماذا فعلت إيطاليا حين وقفت أمامها بالمرصاد اثنتان وخمسون دولة فيها الدول العظمى وفرضت عليها العقوبات وحصرتها داخل ديارها؟

ألم ترغم هذه الدول على احترام مشيئتها وتقدير عزيمتها وأنفذت قرارها بدون سيف أو نار ولكن بغيرة الشعب وعزيمة الحاكمين؟ وماذا فعلت الدول لهتلر حينما أصدر أمره بعدم خروج النقد من ألمانيا بتاتا؟ هل وقف دولاب التجارة فى ألمانيا أم احترمت الشعوب الأخرى هذه الإرادة وعاملت ألمانيا على أساس المبادلة التجارية؟

لا يقال إن هاتين الدولتين قويتين ونحن ضعفاء، فليس الكلام فى حشد الجيوش وتجهيز المعدات، ولكن نتكلم فى البيع والشراء والأخذ والعطاء، وكل شعب مهما ضعف حر فى ذلك كله إن حددت وجهته، واستبانت غايته وقويت عزيمته.

إن الشعوب الأخرى يهمها أن نكون معها شرفاء فى المعاملة، ونحن نلاحظ أن كثيرا من المصارف والدائنين يرضون بالتسويات، وفيها نزول عن شىء من الحق الأساسى فى سبيل الحصول على هذا الحق، فإذا منع القانون التعامل بالربا وتشدد فى استيفاء الحقوق، كان فى ذلك الضمان الكافى للممولين الآخرين، ورضوا به واطمأنوا إليه وعاملونا على غير أساس الفوائد والربا المحرم شرعا فى كل كتاب.

ولماذا لا تكون مصر السابقة بإنقاذ العالم من نظام الفائدة البغيض), ولماذا لا تبشر حكومة مصر بهذا المبدأ السامى الإنسانى الرحيم, ولماذا لا ترفع راية الدعوة إلى تحرير الإنسانية من رق الربا وإقناع الشعوب بوجاهة هذه الفكرة؟ كما رفعت بعض الدول الأوروبية الدعوة إلى تحرير الإنسان من رق العبودية، وأقنعت الشعوب بوجاهة نظرتها وكسبت فخر هذا الدفاع.

ولم الخوف وفيم اليأس؟ هل نعجز عن أن نقدم للإنسانية خدمة جلى ونحن الذين أنقذناها فى كثير من المواقف، وأشعلنا بين كثير من أممها شعلة العرفان والنور؟ ليس هذا من الشعر ولا من الخيال يا باشا، ولكنها حقائق سيتنبه لها العالم، ونريد أن يكون لنا شرف السبق بهذا التنبيه.

ولماذا لا تكون هذه الخطوة -يا باشا- سبيلا إلى الحرية الاقتصادية، وطريقنا إلى تعويد هذا الشعب الذى طال به عهد الاعتماد على الغير أن يعتمد على نفسه وعلى موارده وأن يستغنى فى كثير من شئونه عن الناس؟

وهل هناك فرصة أثمن من هذه؟ وهل هناك عامل يساق به هذا الشعب المتمسك بدينه أقوى من الدين؟ وهل هناك إنقاذ لهذا الشعب الفقير أعظم من إنقاذه من اللصوص السرقة القساة من المرابين؟

هذا مثل أحببت أن أتقدم به لدحض هذه الشبه شبهة صعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأخرت لذلك أعقد المسائل وألصقها وأمسها بحياة الناس حتى لا يكون هناك قول للقائل ولا حجة لمعتذر.

يقولون: إننا حين نطبق هذه الشرائع الإسلامية فى قطع يد السارق، ورجم الزانى وما إلى ذلك، نرجع بالأمة إلى عهد الهمجية، ونفوت عليها فرصة الانتفاع بما بلغت من رقى ومدنية، ونسلكها فى نظام الأمم المتأخرة المتبربرة.

وهذا كلام لا يساوى سماعه ولا يستحق أن يرد عليه، وإنما أملاه على هؤلاء الناس تحللهم من عقدة النظم الاجتماعية، وعكوفهم على الإباحية فى كل شىء، واعتداؤهم على ما ليس لهم من أعراض وأموال، وتخوفهم من أن يكونوا الضحايا الأول لتطبيق هذه النظم الحازمة، وما كانت الجريمة فى يوم من الأيام مظهر المدنية ولا الرقى، ولا كان القانون الذى يستأصل الجريمة ويقضى عليها مهما كان من شدته قاسيا ولا رجعيا،

ولكنه عين التقدم ومظهر الارتقاء الصحيح، وهى إحن قديمة وأفكار بالية عتيقة آن لها أن تنقرض وآن للمصلحين ألا يعيروها شيئا من الاهتمام بعد أن رأينا أن الفكرة العامة فى التشريع أصبحت متجهة إلى أخذ المجرمين بالحزم، واستبدال السبل الرادعة والأحكام الزاجرة بمظاهر الرخاوة القانونية التى ساعدت على انتشار الجرائم فى الأمم، وجعلت القوانين تكاد تكون عديمة الفائدة فى تهذيب الناس، وأضاعت على الشعوب كثيراً من الأموال، والجهود فى المحاكم والسجون والشرط والموظفين القضائيين بغير طائل. نحن نريد النتائج العملية ولا عبرة بزخرف القول وتزويق العبارات.

ويقولون: إن ذلك غير ممكن عملا فإن رجال الشريعة الإسلامية لا يحسنون التنسيق القانونى الواجب، ورجال القانون لا يلمون بالشريعة الإسلامية الإلمام الكامل، ومتى كان الأمر كذلك فمن يتولى إخراج القانون الإسلامى الجديد للناس فى صورة منسقة وصياغة قانونية تامة؟

وتلك شبهة واهية كذلك، والتعليق على هذه الصعوبة من أهون المسائل، والدعوى غير صحيحة على إطلاقها فإن من رجال الشريعة الإسلامية من يحسن التنسيق القانونى إلى حد كبير ومن هؤلاء الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم بك وكيل كلية الحقوق، وإن من رجال القانون من درس كثيرا من مسائل الشريعة دراسة تامة عميقة ومن هؤلاء الأستاذ السنهورى، ونسوق ذلك على سبيل المثال، وإلا ففى رجالنا والحمد لله خير كثير، وقد اضطلع الأستاذ السنهورى وحده بكثير من هذا العبء يوم دعى لتنسيق القانون فى العراق فأحسن وأجاد.

وأخيرا يرجف هؤلاء القائلون بفكرة مادية بحتة تدور حول المصالح الشخصية فيقولون: إنكم بهذا تعطلون هذا الجيش من رجال المحاكم الأهلية من قضاة ومحامين ومستشارين محترمين، وتتعصبون لرجال المحكمة الشرعية على اختلاف أعمالهم، فتعطون قوما أكثر مما يستطيعون أن يقوموا به وتحرمون الآخرين من كل شىء ذلك إلى أنكم ترون أن المحاكم الأهلية أدق نظاما،

وأعظم فى الإجراءات إحكاما من سابقتها، فكيف تريدون أن تحملوا المنظم الدقيق على ما هو أقل منه فى ذلك؟ وهذه مغالطة مكشوفة فليس العلم وفقا على قوم دون آخرين، وفى وسع القاضى الأهلى والمحامى الأهلى أن يدرس أحكام الشرع الإسلامى فى بضعة شهور، والنظام فى المحاكم لا يتقيد بنصوص مواد القانون، وإنما يرجع إلى أسباب أخرى كلها تزول إذا صحت العزائم.

على أننا لا نريد بهذا الإصلاح تعصبا لناحية بل نريد أن يزول هذا التفريق كله، ونقضى على هذا الانقسام فى حياة أمة تسير إلى الوحدة، ولا قوة لها إلا بالوحدة فلا محاكم أهلية ولا محاكم شرعية ولكن محكمة واحدة إسلامية مصرية على أدق النظم وأحكم الإجراءات عماد قانونها شريعة الله وحكم الإسلام.

هذه هى بعض الشبهات التى تقال، وقد رأيتم –معاليكم- أنها مردودة بالحجة مدفوعة بالبرهان، وذلك شأن كل شبهة يمليها الهوى ويراد بها الصد عن الحقائق.

لم يبق بعد ذلك عذر يا باشا، ولهذا يتوجه الإخوان المسلمون إليكم بالرجاء معتقدين أنهم فى ذلك إنما يمثلون الأمة الإسلامية جميعا بهذين الطلبين.

أولا: أن تسلموا معهم بمبدأ وجوب العودة إلى التشريع الإسلامى وتوحيد المحكمة المصرية على أساسه الآن).

ثانيا: أن تأمروا بإعادة تشكيل لجنة تعديل القوانين الحالية التى يرأسها الأستاذ كامل بك صدقى تشكيلا جديدا يحقق هذه الغاية بأن تسند رياستها إلى معاليكم رأسا أو إلى فضيلة شيخ الأزهر أو المفتى الأكبر، وأن تضم بين أعضائها أكبر عدد ممكن من رجالنا البارزين فى الشريعة الإسلامية من رجال القضاء الشرعى والأزهر الشريف، وفى القانون الوضعى بفروعه المختلفة ولا بأس بأن يكون من بينهم الأستاذ كامل صدقى بك.

يا معالى الباشا: إننا أمة مسلمة وقد وطدنا بالعزم على ألا نحكم بغير قانون الله، وشريعة القرآن الكريم، وتعاليم محمد مهما كلفنا ذلك من ثمن، ومهما بذلنا من تضحيات، وذلك أبسط حقوقنا كأمة لا تعدل باستقلالها فى كل مظاهره السياسية والاجتماعية شيئا، فأعينونا على الوصول إلى هذا الحق وارفعوا عنا هذا الحرج ولا تلجئوا الأمة إلى سلوك سبيل المضطرين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المصدر: جريدة النذير، العدد (7)، السنة الأولى، 13جماد أول 1357 /11 يوليو 1938،