مسرحية المعز لدين الله الفاطمى

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٣:٥٩، ١٠ يناير ٢٠١١ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مسرحية المعز لدين الله الفاطمى

مثلت على مسرح دار الأوبرا الملكية وأذيعت من محطة الإذاعة يوم أول مايو سنة 1946 م


تأليف: عبدالرحمن البنا(الساعاتي)‬


الإهداء

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
أ.عبدالرحمن البنا(الساعاتي)
بسم الله الرحمن الرحيم

إلى القوة الفردية أو الاجتماعية ، التى تتقدم بمجهودها المالى ، لتنافس العاملين فى ميدان الأفق ( السينمائى ) والمستغلين أرباحه الطائلة ، بإظهار القصة الإسلامية الرفيعة على الشاشة البيضاء ، لتعرض فى كل قطر ، وتظهر فى كل أمة ، وتتلو على الدنيا كتاب الإسلام الخالد ، وتبهر العالم بـأمجاد العروبة ، أهدى روايتى

المؤلف







مقدمة

ها نحن أولاء ولله المنة والحمد قد سخرنا المسرح لغايتنا ، وأدخلنا فى الجو الفنى لوننا ، وغذينا الوسط المسرحى بأسلوبنا ، حتى عرفه واستبانه ، وأكبره وأثنى عليه ، وقدره وساهم فيه ، وحتى كاد مجهودنا فى هذا السبيل يكون مجهودا رسميا أو مساهمة فى مجهود رسمى . فهذا ستار دار الأوبرا الملكية كم رفعناه بأيدينا ، وهذا جوها الفنى كم غمرناه بروحنا ، وهذا جمهورها المستنير كم اسمعناه لغتنا وتلونا عليه كتاب دعوتنا ، وانفردنا بين جميع العاملين بما نقدم موضوعا وأداء ، فالموضوع ثمرة أقلامنا ، والأداء مجهود فريقنا ، وإذن فهو المسرح الإسلامى دعمنا فكرته ، وحققنا ثمرته ، ورفعنا رايته ، وأعلينا غايته ، وحطناه بهالة من الجلال ، فحذفنا العنصر النسائى ، وحافظنا على الجو الفنى ، بمقتضياته وشرائطه ، ومميزاته وخصائصه ، فسبقنا فى هذا الميدان ، وجلينا فى هذه الحلبة ، وقطعنا بنجاح وتوفيق هذا الشوط ، وبهرنا من قوة السنا والضوء ( وكان فضل الله عليك عظيما ) وهذه محطة الاذاعة ما تكاد تنقل إلى الأمة المصرية ، والأمم العربية الإسلامية ، مسرحية المعز لدين الله الفاطمى حتى تؤخذ الأسماع ، وتطرب القلوب ، وتجلجل الدنيا وتهتز ، ويتردد الصدى فى كل ناحية عالياً ، ويشيع فى كل أفق مدويا ، وترجع أسلاك البرق صدى ما حملته أمواج الأثير رسائلا من اعجاب ، وعبارات من ثناء وإطناب .

وهذه المسرحية يعاد تمثيلها مرات على أكبر مسارح القاهرة ، وهذه طلبات الشعب تتوالى ، ورحلات فريق التمثيل بالمركز العام تتعاقب ، وستائر المسارح فى عواصم القطر ومدنه الكبرى ترتفع عن هذه المسرحية ، وما يزال فريق المركز العام يوالى إجابة مطالب الشعب المختلفة فى تقديم هذه المسرحية بما يليق بها من روعة وجلال .

ثم تقدمت الأيدى تريد أن تصل إلى ما نالت الأعين من المشاهدة ، وما حازت الأسماع من الإصغاء ، فتوالت رسائل الإخوان فى هذا المعنى ، وكثر ترديد الإخوان لهذا السؤال ( لماذا لا تطبع رواية المعز لدين الله الفاطمى ) ؟! .

هذه رواية المعز لدين الله الفاطمى أقدمها نزولا على رغبة الإخوان كتابا مطبوعا ، بعد أن تراءت عملا فنياً وبرزت صوتا مسموعا .


وكل رجائى من حضرات الإخوان وقد حققت بفضل الله رغبتهم ، ونزلت بحمد الله على إرادتهم ، أن يعرفوا للعمل الفنى قيمته وجلاله ، فلا تقوم شعبة بتمثيل هذه المسرحية دون استئذان ، ولا يشرع فريق فى إظهارها من غير استعداد ، وإنى متمسك فى هذه الناحية بنصحى كموجه ، وحتى كمؤلف ، حتى نستطيع أن نؤدى العمل على اتقانه ، ونقوم بالأمر على أحسن وجوهه ، وحتى نتلاقى مع الإخوان الكرام إن شاء الله فى القريب مشاهدة واستماعا وقراءة ، على ما اعتزمنا تقديمه من روائع الفن ، وغرر التاريخ . أجل سنتلاقى قريباً إن شاء الله مع " عمرو " و " طارق " و " أبى مسلم " و " هرون " و " صلاح الدين " . أولئك آبائى فجئنى بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع

المؤلف

تمهيد

1 – زمن الرواية – قبيل فتح الفاطميين لمصر سنة 358 هجرية

2 – مكان الرواية – المنصورية من بلاد المغرب ، والفسطاط من بلاد مصر ، والقاهرة

3 – أشخاص الرواية – بترتيب ظهورهم على المسرح

  • الحسين بن جوهر:::::(قائد فى جيش المعز)
  • برجوان:::::(قائد فى جيش المعز)
  • حماد:::::(شاعر متماجن)
  • المعز لدين الله الفاطمى:::::(أمير المؤمنين)
  • ابن هانىء الأندلسى:::::(شاعر الخليفة)
  • ياسر:::::(غلام)
  • عكرمة:::::(شيخ قبيلة)
  • شيبان:::::(شيخ قبيلة)
  • مصعب:::::(شيخ قبيلة)
  • جوهر الصقلى:::::(القائد الأول لجيش المعز)
  • جعفر بن فلاح:::::(من قواد الجيش)
  • المغنى:::::(أحد الجنود)
  • زيد بن على:::::(شيعى)
  • رسول:::::(أحد الجنود)
  • الراهب:::::(راهب كنيسة أبى سيفين)
  • اسحق الاسرائيلى:::::(طبيب الجيش)
  • أبو مسلم العلوى:::::(رأس الشيعة العلوية بمصر)
  • أبو الطاهر:::::(القاضى)
  • السارق:::::(أحد سكان مصر)
  • المجاهد:::::(جندى فى الجيش)

رجال – حداة – خدم – منشدون

الفصل الاول

المنظر : حجرة متواضعة فرشت أرضها ببساط من اللبود بلا وشى ولا تطريز ، صدر المسرح به اطاران كبيران قد كتب على الأول الآية الكريمة (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى القربى ) وعلى الثانى الحديث الشريف ( حسين منى وأنا من حسين ) وظهرت على جدران الحجرة عدة سيوف ورماح وآلات حربية .

عند رفع الستار يدخل الحسين بن جوهر والقائد برجوان من باب فى اليمين .

برجوان - وكيف كانت رحلتك يا حسين ؟ ...

الحسين - أجل يا برجوان ، لقد بعثنى والدى إلى فج الأخيار

برجوان - فى جبل إيكجان .

الحسين - نعم ، وقد ذهبت اليه فى ئلة من الجند تبعتنى ولا تعرف إلى أين تسير ، حتى انتهينا إلى قفر من الأرض لا ظل فيه ولا ماء ، وبأيدينا المكاتل والمساحى ، فجعلنا نضرب ظهر الأرض فى وهج الشمس .. العرق يتصبب من الجباه والسواعد تهوى فتنهار الأرض طبقة اثر طبقة ، والجنود لا يعرفون الغاية من ذلك كله ، ولا يسألون عن سبب هذا النصب والعذاب ، لأنهم عودوا الامتثال إذا أمروا ، وبايعواعلى الطاعة والكتمان .

برجوان - الحق أن من أهم أسباب نجاح دعوتنا أن امامنا لا يراجع ، وكنهنا لا يدرك ، وسرنالا يذاع ..

الحسين - وذلك ما حدث تماما ، فلقد سرنا قدما ، مهمتنا مستورة ووجهتنا ، حتى إذا ما انكشف السر الخبىء ، وتبدى الكنز الدفين ، لم يذهب بريقه . بالأبصار ، لا أزاغ لمعانه الألباب .

برجوان - ذهب ؟

الحسين - أجل ذهب .. إذا احتواه الناس أعمى أبصارهم ، واصم أسماعهم ، وذهب بريقه بألبابهم ، فأفسد الضمائر ، وأمرض النفوس ، وحنى على الأخلاق ، وعصف بالمروءة ، وجرد الحياة من روحانيتها العالية ، فلا يغاث ملهوف إلا بالفائدة ،ولاتحيا امة إلا بالمادة ، ولا يقدر إنسان إلا بالثروة .

برجوان - وكيف تلقى الجنود هذه المفاجأة ؟ ..

الحسين - هتفوا فى صيحة مدوية " الله أكبر ولله الحمد " وأغلقوا عن الذهب المتوهج عيناوكفوا يداً ، وقالوا هذا المال لمجد الأمة ، ونشر الدعوة ، وعزة الوطن .

برجوان - ولم يخطر لأحدهم ان يصيب شيئا من المال ؟ .

الحسين - مطلقا .. بل فكروا جميعا كيف يصل هذا المال إلى اليد التى تحسن التصرف فيه ،والعين التى تعرف التعفف عنه ، إلى اليد الخليفة مولانا وسيدنا امير المؤمنين .

برجوان - ولا شك انه قد فرح به واحسن تصريفه .

الحسين - لو رأيت امير المؤمنين ساعتها يا برجوان ، لقد خر لله ساجداً ، وأخذ يتأمل وجه الدنانير وهو يتلو قول الله العلى الأعلى ( فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين )وينظر الى وجهها الآخر وهو يقرأ ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .

برجوان - إذن فلقد كان هناك مكيدة .

الحسين - لقد كانت المغرب كلها مسرحا للضغائن ، ووكراً للفتن والثورات ، فهذا المال كان قد اختزنه ابو عبد الله الشيعى ليثور به فى وجه الخليفة ، ويفسد به القلوب ويشترى به ضمائر القبائل والرجال .

برجوان - وهل جرؤ الخائن ان يغتصب اموال الدولة .

الحسين - لقد صكها بنفسه ، ولذلك لم يستطع اظهارها .

برجوان - يا للخائن ... وهل اثبت عليها رسمه .

الحسين - لم يجرؤ على ذلك ، بل اكتفى بأن نقش على احد وجهى الدنانير ( بلغت حجة الله )وعلى الوجه الآخر ( تفرق اعداء الله ) .

برجوان - وهل ابقاها امير المؤمنين على حالها .

الحسين - لقد صبها امير المؤمنين على شكل ارحية الطواحين وامر بأن تحمل على الجمال وتكون فى طليعة الجيش .

برجوان - وهل ينوى امير المؤمنين ان يفتح الدنيا بهذا الجيش ام يفتح مصر وحدها .

الحسين - إذا فتحت مصر فقد فتحت الدنيا .

برجوان - لهذا كان اهتمامه بأمر الجيش بالغا .

الحسين - الحق ان امير المؤمين لا يهدأ لحظة من ليل ولا نهار ، فهو الآن يستعرض الجيش بنفسه وحدة وحدة ، ويرتبه صفا صفا ، ويقف على كل صغيرة وكبيرة فيه ، ثم يعكف على الكتب الواردة من اقصى الأرض فيقرأها بنفسه ويدرسها ويملى الرد عليها .

( يدخل جنديان يدفعان رجلا أمامهما وهو يصيح )يا حفيظ ... اجيش هذا ام جراد منتشر ؟ ... لقد امتلأ السهل بالخيام ، وضاقت الأرض بالجنود ، فهل اقتربت الساعة ، ام فتحت يأجوج ومأجوج .. ياحفيظ ، يا حفيظ .

الحسين - من انت يا رجل ، وما شأنك انت بهذا . جندى - إنه جاسوس يامولاى كان يسترق الخطى بين الخيام ويدفعه الفضول لأن يسأل هذاوذاك .

جندى آخر - وكان يظن انه بمنجاة من الرقابة فعاجلناه بالقبض عليه ، واتينا به فورا .

الحسين - انطلقا لشأنكما ، لا تغفلان عن مهمتكما لحظة ، وخذا حذركما .

( يخرجان – وإلى الرجل ) الا تجيب يا رجل من انت وماذا تريد (يصمت )

برجوان - اعلم يا رجل انك تخاطب اميرنا الحسين بن جوهر

الرجل - ابن اكبر قواد الجيش ، واعظم شخصية يعتمد عليها المعز الفاطمى .

الحسين - امرك عجيب يا رجل . الا فاعلم ان صمتك لا ينجيك إنما ينجيك اعترافك .

الرجل - ليس لى ذنب فاعترف به ، ولا ثبتت على خيانة فأحاسب عليها

الحسين - لا تتباله يا رجل ، اننا نحاسب الخواطر والظنون ، ومن ربنا امره بعثناه إلى مكان بعيد . ما للعب جمعنا هذا الجيش ، ولا للسمر نصبنا هذه الخيام ، إنما وقفنا ووقف الدهر ، وصرخنا فمادت الرواسى ونادينا فأصغت الدنيا ، فى يدنا تقرير مصيرها ، وإلينا مرد أمورها ...

الرجل - ظننتها والله خيام سمر يا مولاى .

الحسين - فأهويت إليها وهفا قلبك ، من يشفى هذه القلوب التى استعبدها الغرام واستذها الهوى

الرجل - يشفيها قد يميس ، وجفن يفتك ، وقوام يثنى

برجوان - انت من هؤلاء .. ممن يأسرهم القد ، ويفتك بهم الجفن ، ويسبيهم القوام .

الرجل - آه يا مولاى لوعرفت . لسهرت ، وطربت ، وبكيت .

الحسين - يا امة حفظت الفاظا وغفلت من مدلولها ، ونسيت امجاداً واطربتها لغة عدوهافاستلب ألبابها واستولى على عقولها ، لنترجمن اهواءك إلى مقاصد اللغة ، فتعرفين ماذا يراد بالسهر ، وكيف يكون الطرب ، ومتى يكون البكاء ، السهر فى موقف الحراسة ، والطرب فى مواطن الظفر ، والبكاء فى مراتب الخشية .

الرجل - حراسة اعطاف الحبيب من هبات النسيم .

برجوان - وقارك يا رجل .

الرجل - وهل مع الحب وقار

برجوان - أعاشق أنت

الرجل - بل شاعر

برجوان - وما للشعر إلا لسان العشق وترجمانه

الرجل - إنه احساس يا مولاى ، شعور ، موهبة ، فن

الحسين - الفن الصحيح لا يعرض المفاسد ، ولا يحرك الشهوات ، ولا يحرض على الجريمة

الرجل - وقد يبعث على الجنون ، ويدعو إلى اليقظة والسهر

برجوان - ( يهم بزجره ) أقصر يا رجل

الحسين - ( ممراً إلى برجوان ) دعه يا برجوان ، لقد ابتدأ ينكشف ، من حديثه تعرف سره( مخاطبا الرجل ) وكيف يبعث الحب على الجنون ويدعو إلى السهر يا شاعر الحب والجمال

الشاعر - ألم تسمع قول المجنون : قالت جننت على حبى فقلت لها الحب أعظم مما بالمجانين الحب ليس يفيق الدهر صاحبه وانما يصرع الانسان فى الحين لو تعلمين إذا ما غبت ما سقمى وكيف تسهر عينى لم تلومينى

الحسين - تستشهد بقول مجنون .

الرجل - وكم التقطت الحكمة من أفواه المجانين (يثب) وهل لذة العيش إلا للمجانين ، يعيشون مغتبطين ، ويتمنون يوم الحشر كما لو كانوا شهداء أو مجاهدين ( يثب ويدور ويرقص ) المجانين .المجانين

برجوان - وهل للمجنون أن يفكر فى يوم الحشر .

الشاعر - كل تفكيرهم فيه ، وذلك قول عروة

تحملت من عفراء ما ليس لى به ولا للجبال الراسيات يدان جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف نجدان إن هما شفيانى وإنى لأهوى الحشر إذ قيل اننى وعفراء يوم الحشر ملتقيان فياليت محيانا جميعا وليتنا إذا نحن متنا ضمنا كفنان

الحسين - سنضع لك كفنا يضمك ومن تهوى

الشاعر - أشترط يا مولاى أن يكون حريراً ، مبرقشا ، من سندس وإستبرق

برجوان - أتهزأ بالآخرة يا رجل ، ولا تخاف الموت ..

الشاعر - أخاف الموت ، ولماذا أخاف الموت ، قد يخاف العقلاء الموت ، أما المجانين فلا يخافون الموت ، وهل نهاية الحياة إلا الموت ، ألا ما أعذب الموت ، قد يشفى المريض الموت ، قد ينقذ الأمة الموت

الحسين - قد ينقذ الأمة الموت ... أكلام مجنون هذا ؟ ..

الشاعر - أأعجبك يا مولاى .. ان كان أعجبك ، فإنى انصح لك أن تأخذ الحكمة من أفواه المجانين .

برجوان - وهل من الحكمة ان يكون الكفن من الحرير مبرقشا ؟ .

الشاعر - اجل من الحكمة .. ومن الذوق ـ فإن حبيبى يدمى بنانه الورد ، ويجرح أعطافه النسيم ، ويؤذى قوامه المتأود لمس الحرير : هيفاء لفاء مصقول عوارضها تكاد من ثقل الأرداف تنبتر تلك التى سلبتنى العقل وامتنعت والغانيات وان واصلتنا غدر

الحسين - الغانيات ......

الشاعر - الغانيات يا مولاى ، المتخطرات كالظبا ، الفارعات كالقنا ، المتألقات كالسنا

برجوان - اعوذ بالله من شرهن ، ولذت بالله من كيدهن

الشاعر - اموت بالله فى دلهن ، وذبت والله من حبهن

الحسين - وقعت ياغر فى أسرهن ، فغب ياوغد من دنهن

الشاعر - ما ألذ ان تغب نت دنهن يا مولاى ، يسكران باللحظ ، ويفتت بالدل ، وينطقن بالألحان إذا مشين او قعدن ، ويمسن كالغصن ، ويتدافعن كالجدول ، وينسبن كالأفعى ، ويضحكن كما يضحك الهزار إذا غنى ..

الحسين - من اى معهد تخرجت ...

الشاعر - من الصحراء ... انتثر الحسان على رمالها كالدر وانتصبت الخيام على أرضها كالواحة فيها للظمآن رى ، وانطلقت الجمال فى فضائها تقطع أبعادها فى ضوء البدر والحادى يا مولاى . الحادى يفتننى لحنه ويدعونى نداه

برجوان - يدعوك إلى المنكر ، ويناديك إلى مطارحة من فى الخيمات الهوى

الشاعر - لا يأتى عربى منكراً ، ولا تبادله فتاته من القول هجراً ، إنما يكتفى بالحديث والنجوى ، ويعلم أن عين الله ترقب وترى .

الحسين - وما غرامكم بالفتيات معشر الشعراء ، وما نهاية وصفكم لربات الحجال ، ولماذا كان اهتمامكم بالغا بأمر النساء .

الشاعر - لأن الله اختصهن بسورة فى كتابه هى سورة النساء . وكمل فتيان العرب بالعفة والبيان ، وفتياتهم بالتجمل والحياء ، وأقسم مع تقلب الليل والنهار بأولئك وهؤلاء( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ، وما خلق الذكر والأنثى ، إن سعيكم لشتى ) .

برجوان - إعجاز ما بعده إعجاز

الشاعر - وتقدير لمكانة المرأة ، ورفع لشأنها إلى ابعد الحدود والغايات ، واشادة بمجدها ،وتقرير لحقوقها وصيانة لأمرها من الشكوك والظنون والخطرات

الحسين - وهل بقى شىء من حديث نسائك

الشاعر - حديثهن طويل ، واعجبه وأروعه حديث اميرة فى قصر

" يدوى البوق "

الحسين - امير المؤمنين

( يستعدان للقاء وينزوى الشاعر فى ركن الغرفة ) ( يدخل الخليفة من ورائه ابن هانىء )

المعز - وماذا رأيت يا ابن هانىء

ابن هانىء - رأيت بعينى فوق ما كنت أسمع وقد راعنى يوم من الحشر أروع غداة كان الأفق سد بمثله فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلا عسكر من قبل عسكر جوهر تخب المطايا فيه عشراً وتوضع تسير الجبال الجامدات لسيره وتسجد من أدنى الحفيف وتركع تحف به القواد والأمر أمره ويقدمه رأى الخلافة أجمع وبين يديه خيله بسروجه يقاد عليهن النضار المرصع وأعلامه منشورة وقبابه وحجابه تدعى لأمر فنسرع

المعز - أحسنت يا ابن هانىء . لا يدانيك شاعر ، ولا يرقى إلى بيانك بيان (يلتفت) ومن هذا الذى معكما يا برجوان .

برجوان - إنه يا مولاى جاسوس قبض عليه الحراس وهو يمشى بين الخيام ، يتظاهر بقول الشعر ، ويتندر بذكر أقاصيص الحب والغرام .

المعز - تقدم يا رجل .. أسمعنا شيئا من أقاصيص غرامك .

الشاعر - ( يستعد ويجلس ويخرج ربابة من بين ثيابه يغنى عليها ) أول ما نبدى نصلى على النبى نبى عربى له كل جمعة عيد يقول الفتى حماد وهو محير والدمع فى وجهه له أخاديد مولاى يا مولاى اسمع منى نورك يلمع وضياك بيزيد والناس فى مصر بيذكروا أيامك ويوم قدومك هو يوم العيد والشيعة مجتمعون هناك ورجالك نشروا المبادىء فى قصور الاخشيد بعت الجوارى للاميرة بنفسى شفت العجايب والنعيم والغيد ركبوا الهوى وركبت ظهر جوادى والناس منهم هالك وسعيد لله نفسى بعتها وجهادى ويدى وروحى والإله شهيد

المعز - بارك الله فيك ياحماد ، وتقبل جهادك ، ما أروع أن ينطوى مظهر عابث متهاجن على حقيقة جادة مثابرة . انطلق الآن مع ابن هانىء فارو عنه شعره واحفظ أسلوبه ،وامش بين الخيام كما تريد فأنشدها شعرك ، وذكرها بأيام هواك (يخرجان)

الحسين - أطال الله بقاءك يا أمير المؤمنين ـ لقد نشأنا فى حجرك ، ودرجنا فى ركابك ، فلم نسمع بحماد هذا حتى سمعنا قوله وذهلنا لمرآه ، وقد غاب عنا سره وجهلنا حقيقة أمره

المعز - لا ينبغى أن يعرف كل إنسان كل شىء ، وإذا أدى كل واجبه لا يفشيه ولا يسأل عنغيره ، تلاقت الجهود على نظام متسق ، لا يفسده خلط ولا يفشيه سؤال ... (يدخل الغلام ياسر)

ياسر - وصل شيوخ القبائل من كتامة يا مولاى

المعز - قد أذنا لهم بالدخول ( وإلى حسين وبرجوان ) انتظرا حتى يحضر شيوخ القبائل ( يومئان بالطاعة يسير المعز خطوات ـ يدخل الشيوخ )

الشيوخ - السلام على امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته

المعز - وعليكم السلام ورحمة الله ، لقد دعوتكم لأبلغكم أننى اعتزمت ارسال جيشا لفتح مصر ، فهل منكم من يرى غير هذا

عكرمة - أمرك طاعة يا أمير المؤمنين

شهبان - نؤيد أمير المؤمنين فيما يرى

مصعب - إننا وأبناؤنا وأموالنا رهن إشارة أمير المؤمنين لإعلاء كلمة الله

المعز - بورك فيكم ، والان استمعوا إلى ـ انظروا زهد أميركم فى الدنيا ، وجلوسه على اللبود واشتغاله بنفسه بالرد على الكتب التى ترد عليه من المشرق والمغرب ، واعلموا مما ترون أن الإسلام قد قتل مطامع الشهوات ،ونهى عن الانغماس فى الترف والأخذ بأسباب النعيم ، حتى لا يذهب النعيم بحمية أبنائه . وإننى لا أشتغل بشىء من ملاذ الدنيا ، ولا أفضلكم فى أحوالكم إلا بما لابد لى منه من دنياكم ، وبما خصنى الله به من إمامتكم وإقامة العدل بينكم ، والعمل على صيانة أرواحكم وتعمير بلادكم وإذلال أعدائكم وقمع أضدادكم . وإننا مقبلون على حرب طاحنة ، فاتقوا الله أيها الشيوخ ، وافعلوا فى خلواتكم مثل ما أفعل ، ولا تظهروا التكبر والتجبر فينزع الله النعمة عنكم ،وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلى كتحننى عليكم ، ليتصل فى الناس الجميل ، ويكثر الخير ، وينتشر العدل ، واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله لنا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب لكم .

عكرمة - أنك يا أمير المؤمنين فى سعة ملكك وعظيم هيلمانك وعالى شرفك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تضرب لنا كل يوم مثلا عالية بسهرك على شئون رعيتك ، وخوفك على مستقبل بلادك ، وجهادك فى سبيل الله لنشر دينه وإعلاء كلمته ، فكيف نرى ما انت فيه يا امير المؤمنين ولا نحذو حذوك ، ونضع ارواحنا فى قبضة يمينك ،ونبذل ايام الحياة فى مرضاتك

( يسمع نفير الحرب داوياً فيثير حماسة المعز والشيوخ )

المعز - الله اكبر ولله الحمد ـ هذا نفير الحرب ، وبشير النصر ، ونذير الويل لكل كفار اثيم .. هذا الصوت هو الذى يثير الهمة الفاترة ، ويبعث القوة القاهرة .. بشراكم اليوم ايها المجاهدون الأبطال نصرا عزيزا فهذا وعد الله لكم ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملواالصالحات ليستخلفنكم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا )

شيبان - يا أمير المؤمنين من ذا الذى يرى هذا الجيش العظيم من أبناء الغرب وفتيانه ، وحماةالدين وشبانه ، وقد ضربوا اخيامهم ، وأشرعوا أعلامهم وأطاعوا أمامهم ، وفإذا أهاببهم ملأوا الدنيا شجاعة وإقداما ، وإذا تكلم فيهم هدأت نفوسهم واطمأنت جوارحهموخشعت أصواتهم . من ذا الذى يرى ذلك يا أمير المؤمنين ولا يسلم لك قيادة ، ويطوىعلى محبتك فؤاده .

( يدخل ياسر )

ياسر - وصل يا مولاى القائد الأكبر جوهر ، والأمير جعفر بن فلاح

المعز - أدخلها يا ياسر ، وابق يا حسين حتى تحضر مجلس القواد ، وامض يا برجوان مع شيوخ القبائل ( يلتفت إلى الشيوخ ) بارك الله فيكم أيها الأبرار الأطهار ، انصرفوا مأجورين مشكورين ، فإنى لأرجو ان ينفع الله بكم ويصلح على ايديكم

( يخرجون ـ يدخل جوهر وجعفر ) .

جوهر - السلام على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين

المعز - وعليكما السلام أيها البطلان ، من أين قدمتما

جوهر - من ساحة الجيش ، وقد اكتمل كل شىء ، ولم يبق إلا أن يأذن مولاى بالمسير

جوهر - وقد زاد من حماسة الجند تلك القصص الرائعة التى يقصها حماد عن المواقعالفاصلة فى تاريخ الحرب . وهذه القطع النادرة التى يغنيها بعض الجنود والتى كان من أروعها وأشدها تأثيرا أبيات غناها جندى متفجعا على مقتل سيد الشهداء إمامناالحسن عليه صلوات الله

جوهر - حقا لقد كانت رائعة مؤثرة حتى ما تمالكت نفسى فدعوت الجندى وهيأت له مكانا خلف الستر ، حتى إذا أذن مولاى غناها على مسمع منه

المعز - على مسمع منى ، وفى فؤادى وخاطرى ذكرى تحتل من قصرى صدره ، ومن قلبى سويداءه ، فلينشد المغنى نشيده . فما أجل المصاب وما أروع الذكرى .

المغنى - كربلاء لازلت كربا وبلا ما لقى عندك آل المصطفى يا قتيلا قوض الدهر به عمد الدين وأعلام الهدى مرهقا يدعو ولا غوث له بأب بر وجد مصطفى حملوا رأسا يصلون على جده الأكرام طوعا وإبا ميت تبكى له فاطمة وأبوها وعلى ذو العلا لو رسول الله يحيا بعده قعد اليوم عليه للعزا

المعز - كفى تفجعا أيها القلب الدائب لوعة رأسى ، فو الله لتطيبين نفسك ويجف دمعك .. بنفسى يا جداه يوم منعوك الماء ، وارتفعت أصواتهم بالوعيد لا نظر إلى الماء لأنه كبدر السماء ، والله لا تذوقون منه قطرة حتى تموتوا عطشا .

جوهر - يا أمير المؤمنين ... إن على أسوار المنصورية الآن مائة ألف فارس أويزيدون وألف صندوق ومائتين من صناديق الذهب على الجمال ، وخيلا يزيد عددها على عدد الجند بكثير . وكلهم يتحفزون وثوبا إلى القتال ، ويتحرقون شوقا إلى النزال ، ويطالبون بثارات الحسين ، مهما كلفهم ذلك من حياة وجهد ومال

المعز - ثارات الحسين .. إن الذين أجرموا قتله قد صار إلى الله أمرهم ، وانتهى اليه مصيرهم، إنهم كانوا عصبة باغية لاتصل لرسول الله رحما ، ولا ترقب فى قرباه إلا ولا ذمة ـ فيأيها الجناة المجرمون . يا عبد الله بن زياد ، ويا شمر بن ذى الجوشن ، ويا عمرو بن سعد ، ويا يزيد بن معاوية ... أيها الطغاة المناكيد .. أنتم أول من أجرم وسن سبيلالاجرام ، أنتم أول من فتك بآل محمد فى تاريخ الإسلام ...

جعفر - يا خليفة الرسول الأمين .. لقد أذن الله لبنى على أن ترفع راياتهم ، وتخفق أعلامهم ،وتدق طبولهم ، ويسمع صوتهم ، ويخضع الزمان لهم ، فمر يا أمير المؤمنين جيشكم باشارة يندفع بها إلى ميدان القتال ، ويمضى للجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته ، فيدك المعاقل ويقتحم الحصون ، ويركز راية الحق فوق كل قمة عالية وقصر مشيد

المعز - تقدم يا جوهر

جوهر - ( يتقدم ) لبيك يا مولاى

المعز - إنك لتعلم مبلغ ثقتى بك ، واعتمادى بعد الله عليك

جوهر - ( بخضوع وتواضع ) عفوا يا مولاى ، ما كنت إلا عبدا فرض الله عليه طاعة أميره ،وإننى إذا قطعت واديا فانما أقطعه باسمك ، وإذا قاتلت عدوا فانما أقاتل بسيفك ، وإذاأعز الله الحق فبك يا مولاى أنت المعز لدينه وسليل فاطمة الزهراء ، بنت رسوله الأمين ، وسيدة نساء العالمين .

المعز - إذن فخذ يا جوهر ... هذا عهد ولايتك على الجيش ( يتناول جوهر العهد ويرفعه إلى رأسه اكرا ) ولا تنس أن مصر هى القمة التى نشرف منها على المشرق كله ، ونسيطر على الشام والحجاز واذكر ما جاء فى كتب مصر الينا ( إذا زال الحجر الأسود أى كافورالاخشيدى فقد ملك المعز الدنيا كلها ) لهذا فإننى أقلدك سيفى ذا الفقار ، أعز سيوفى وأكرمها على ، سيف جدى على بن أبى طالب كرم الله وجهه الذى اذل به جنود الكفر ورفع به راية الإسلام

جوهر - أدام الله عزك يا أمير المؤمنين ، فلأضربن بسيفك رقاب العدو ، ولأجلبن عليهم بخيلك ورجلك ، ولأدفعن النفس إلى ميدان القتال دفعا ، فاما نصرا تقر به عين امير المؤمنين، وتخفق راياته على ربوع الأرض ، وإما موتا فى ساحة الوغى وميدان القتال

المعز - ذلك عهدى بك يا جوهر ولن يخذلك الله ابدا .. وانت يا جعفر

جعفر - ( يتقدم ) مولاى

المعز - ( يتناول سيفا آخر ويدفعه اليه ) هذا هو الصمصامة سيف عمرو بن معدى كرب الزبيدى أقلدك إياه لتكون لجوهر وزيرا من قومه ، ومشيرا فى أمره ومطيعا لقوله ، يدفع بك حيث يريد وعهدى بك الفاتح الباسل ، وبطل المذواد

جعفر - إن هذه اليد يا أمير المؤمنين التى تمتد اليوم لتنفيذ أمرك ( يأخذ السيف ) قد بسطت لك من قبل بالبيعة ، وألقت اليك من امورها بالمقاليد ، وما البيعة إلا عهد وما العهد بالشأن اليسير ، فمر يا أمير المؤمنين بما ترى ، فو الله لاشارة واحدة من بنانك تحبب الموت إلى نفوسنا فى سبيل إظهار الدعوة ونصرة الحق وإعزاز كلمة الله ، وثق يا مولاى إننا سنصل إلى الغاية خوضنا فى دماء العدو ، وركضا فى ساحات القتال ....

المعز - لن تموتوا ايها الأبطال . إن امة فيها امثالكم لخليفة ان تخلد على الأرض وتبقى على الأجيال . إنما الموت لأمة كرهت الموت وأحبت الحياة .... وانت يا حسين

الحسين - ( يتقدم ) مولاى

المعز - ( يدفع اليه سيفا ثالثا ) فاننى اقلدك سيف جدنا الحسين رضى الله عنه ، الذى ناضل به وكافح يوم الفاجعة الكبرى والحادثة المفزعة . يوم مقتله الذى لا تمحوه ذكره الحوادث، ولا يذهب بآلامه كر السنين ، فأعمله فى رقاب العدو . وخذ بثأر صحابه وانتقم له من الأعداء المارقين

الحسين - يا أمير المؤمنين .. أنا لا أقول إلا قول المؤمن الحق ، لقد تمنيت أن أقتل فى سبيل الله ، ثم أحيا ثم أقتل ، لما فى ذلك من عظيم الثواب . وأنا لا أبيع نفسى مرتين فقد بعت نفسى واشتراها الله ، فلا أبيعها غيره ، ولا أهبها سواه

المعز - أيها الأبطال المغاوير .... لقد ملأتم قلبى أملا بالنصر والظفر ، ولكن اسمع يا جعفر ،وأنت يا حسين .

جعفر - لبيك يا أمير المؤمنين ( يتقدمان )

المعز - إننى قد أمرت عليكما جوهرا ، فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعا ومجنا ، فانه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤة عما الاسراع إليه أحزم ، ولا اسراعه إلى ما البطءإليه أمثل

جعفر - سمعا يا أمير المؤمنين وطاعة

المعز - وأما أنت يا جوهر ، فسيترجل بين يديك أولاد أمير المؤمنين ورجالات دولته عند خروجك الآن على رأس الجيش ، وقد كتبت إلى جميع الولاة فى طريقك إلى مصر بالترجل بين يديك عند مرورك بهم .

جوهر - ( خاشعا عند قدمى المعز ) لست لذلك أهلا يا مولاى ، لقد غمرنى احسانك

المعز - انهض يا جوهر فانك أهل لأكثر من ذلك واسمع ما أوصيك به

جوهر - ( ينهض خاشعا ) لبيك مولاى

المعز - إننى أوصيك بما أوصى به جدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه ولده وقائد جنده . . تزول الجبال ولا تزل ، عض على ناجذك ، أعر الله جمجمتك ، تد فى الأرض قدمك ،ارم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك ، واعلم أن النصر من عند الله سبحانه ، واتق الله الذى لا بد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه ، ولا تقاتلن إلا من قاتلك ، فإذا كانت الهزيمة لهم بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تصيبوا معورا ، ولا تجهزوا على جريح ،ولا تهيجوا النساء بأذى ، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم ، فانهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول ، وستمرون بأديار فيها قوم من أهل الكتاب قد سكنوا إليها فذروهم وما انقطعوا له ولا تمسوهم بسوء ، فان لهم ذمة ورحما .

( يدخل حماد وابن هانىء )

حماد - وصفى أجمل من وصفك

ابن هانىء - وبيانك من تعليمى

حماد - فلنتحاكم إلى أمير المؤمنين

المعز - ماذا قلتما

ابن هانىء - وصفنا الجيش بأبيات

المعز - ماذا قلت يا حماد

حماد - ولم أر مثلى ماله من تجلد ولا كجفونى مالهن جمود ولا كالليالى ما لهن مواثق ولا كالغوانى مالهن عهود ولا كالمعز ابن النبى خليفة له الله بالفخر المبين شهيد وما لسماء أن تعد نجومها إذا عد أباء له وجدود فأسيافه تلك العوارى نصولها إلى اليوم لم تعرف لهن عمود ومن خيله تلك الحوافل إنها إلى اليوم لم تحطط لهن لبود

المعز - أحسنت الوصف ، ولم تنس الغوانى وعهودهن ( يدوى البوق ) سر يا جوهر على بركة الله ، وامض يا حماد مع الجيش فقد تجد فى مصر من الغوانى من يحفظن عهدك ويقدرن هواك ( يخرجان ) وأنت يا ابن هانىء هات وصفك ، فلئن فارقنى الجيش ، فلأجيشن من شعرك أبياتا تزلزل الرواسى وتذيب قلوب الأعداء ابن هانىء – والخيل تمرح فى الشكيم كأنها عقبان صارة شاقها الأوكار مرت لغايتها فلا والله ما علقت بها فى عدوها الأبصار وعلى مطاها فتية شيعية ما إن لها إلا الولاء شعار حفوا برايات المعز ومن به تستبشر الأملاك والأقطار أبناء فاطم هل لنا فى حشرنا لجأ سواكم عاصم ومجار أهل النبوة والرسالة والهدى فى البينات وسادة أظهار إن قيل من خير البرية لم يكن الا كم خلق إليه يشار لو تلمسون الصخر لا نبجسب به وتفجرت وتدفقت انهار

المعز - لا يفضض الله فاك

( يدوى النفير فتدق الطبول ويبدأ نشيد الجنود ) نحن جنود الفاطمية جند بطش وحمية من شباب المنصورية لا يخافون النزال

  • * *

يالثارات الحسين كوكب من نيرين ساطع فى الخافقين فخر سادات الرجال

  • * *

ان مولانا المعز ذلك الشهم الأعز بحماه نستعز ونتقى شر النبال

  • * *

شيعة المختار هذا جدكم أضحى ملاذا لن تذلوا بعد هذا فاقطعوا تلك الجبال

المعز - إن مثل جوهر لقليل فى الرجال ( ووالله لو خرج جوهر وحده لفتح مصر ، وليدخلن إلى مصر بالاردية من غير حرب ، ولينزلن فى خرابات ابن طولون ، ويبنى مدينة تقهر الدنيا ) " يهبط الستار رويدا رويدا ، بينما يسمع عن بعد نشيد الجنود " .

( ستار )

الفصل الثانى

المنظر - معسكر جوهر حول أسوار الفسطاط – خيمة كبيرة نثرت فى أرضها مقاعد مختلفة ، وبدا فى صدرها وعمدها آلات الحرب والسلاح ، ووقف على جانبيها جنديان شاهرى السيوف عند رفع الستار – يسمع نشيد الجنود بين دق الطبول والزمور .

قد دخلنا اليوم مصرا تبتغى عزا ونصرا لن ينال اليوم خسرا من يجاهد باليقين عمها الإسلام نورا وبناها (عمرو) دورا والمظالم لن تحورا بعد هدى المسلمين شيعة المختار هذا جدكم أضحى ملاذا لن تذلوا بعد هذا فاثبتوا فى الصابرين

( يدخل جوهر وجعفر بن فلاح قرب انتهاء النشيد )

جوهر - أجل ياابن الفلاح ، لم يعد لوجودنا فى الميدان ضرورة ، إن جنودنا لتتقدم إلى الأمام ظافرة وإن العدو قد استولى عليه الرعب ، ولا يلبث إلا قليلا حتى يولى الأدبار . . .

جعفر - أخشى يا جوهر أن تكون هناك مفاجأة ، فقد نظم المصريون جيشهم تنظيما بارعا ،فوقفت فرقة لحراسة المخاضة ، وقسم الجنود الاخشيدية إلى قسمين ، وكل إلى قسممنهما محاصرة الجهة الجنوبية على شاطىء النيل ، ووقف القسم الآخر قبالة معسكرناحول أسوار الفسطاط . . .

جوهر - أعرف ذلك تماما ، وأزيد عليه أن المفاجأة التى تخشاها واقعة لامحالة ، وأننى أرقب وقتها وأرحب بها .

جعفر - وكيف ترحب بأمر أخافه وأخشى وقوعه

جوهر - لأننى أعلم من شأنه مالا تعلم ، إن هؤلاء الجنود الذين وقفوا فى وجه قواتنا تنقصهم الروح العالية ، والهمة الموجهة ، والهدف المنشود .

جعفر - ولماذا يقاتلون إذن . .

جوهر - يقاتلون ليسود فريق منهم على فريق فالكافورية يرون لأنفسهم الحق الأول ، ويشغبون على الاخشيدية منذ وفاة كافور ، والاخشيدية يبغضون كافورا ، ويعيرون أتباعه بهجاءالمتنبى

من علم الأسود المخصى مكرمة أقومه البيض أم آباؤه الصيد أم أذنه فى يدى النخاس دامية أم قدره وهو بالفلسين مردود

جعفر - أهذا وقت تعيير وانقسام

جوهر - غلطة الشعوب من قديم ، وإصابة الغيوب والأقدار

جعفر - أليس لهم من أمير يجمع شملهم ويوحد كلمتهم

جوهر - إن البلاد فى اضطراب منذ وفاة كافور الأخشيدى ، فبعد وفاته عقدت الولاية للأمير احمد بن على الأخشيد .

جعفر - ماسمعت عن هذا الأمير شيئا

جوهر - إنه صبى لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره لا حول له ولا قوة ، ولا شأن له بالدولةوصريف أمورها . جعفر - فمن إذن يقوم بذلك

جوهر - تولت الأميرة بنت الأخشيد تدبير شئون البلاد لصغر سن الأمير أحمد ، ولهت عن تدبير الملك بتقليدها نساء الخلفاء العباسيين فى أسباب اللهو والترف ، حتى نضبت خزانةالدولة ، وعجزت عن دفع رواتب الجند ، وجاع الشعب وانتابه البؤس والغلاء ، وندرالقمح ، وفشا الموت بحالة عجز فيها الناس عن تكفين الموتى وعن مواراتهم التراب ، حتى كانت جثثهم تلقى فى النيل لكثرتها . . .

جعفر - إذن فهذا الدفاع دفاع مهموم .

جوهر - الآن فهمت الموقف يا جعفر ـ إن الجيش الذى لا تحمى ظهره قوة شعبية لا يمكن أن يسود ، والشعب الذى ينقلب على فراش البؤس وقادته غرقى فى الترف والنعيم لا يمكن أن يستقر ، خذ الشعب إلى جوارك تكسب الموقف ، وحذار أن تستهين بعواطف الأمم وغضبة الشعوب

جعفر - أفهم من ذلك أن الشعب المصرى معنا بأكمله

جوهر - إن الشب معنا تسيل عواطفه ، وتتجه ميوله وتنجذب مشاعره . . . إنه شعب آمن بمحمدوإن معنا راية النبى ، وسالت عواطفه بمحبة أهل البيت وإن جدنا الحسين وأبوه على ،وهيمن القرآن على مشاعره فلنغرقن الدنيا بنوره ولنملأن الاسماع بنغمه من التلاوةالدوى ، ولنفرغن فى هذه الأشباح من الروح الذى حملناه ، ولنشيعن فى أعطافها من النور الذى قبسنا ، ولنغمزن قلوبها بالسحر من عصا توجيهنا ، ولنصبن فى عقولها إكسيرا من سر الله فى قوله ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا )

( يسمع صياح من خارج الخيمة )

أنا فى جاه رسول الله . . عائذ بالقائد جوهر . أنقذنى أيها الأمير . . أدركنى يا نصير أهل البيت

جوهر - ما هذا الصياح . . ( إلى أحد الجنود ) انظر ما هذا أيها الجندى ، وأحضر صاحب الصوت ( يخرج – يعود مع الرجل )

الرجل - أيها الأمير

جوهر - ما بك يا رجل وما اسمك

الرجل - أنا يا مولاى أدعى زيد بن على الشيعى

جوهر - من شيعتنا . .

الرجل - أجل يا مولاى ، كم اضطهدنا ، وكم لاقينا عنتاً وعذابا .

جوهر - وما شكايتك

الشيعى - بينما كنت أقوم بزيارة السيدة نفيسة ، وأذكر مناقب أهل البيت عند مشهدها ومشهد السيدة كلثوم ، إذ وثب على بعض الجنود فأشبعونى ضرباً ، وألزمونى ذكر معاوية ولعن الإمام على ، وكلما توقفت انهالوا على ضربا حتى مزقوا جسدى .

جوهر - وبعد

الشيعى - تصادف مرور سيدى الشريف أبى مسلم العلوى ، فأخذت الجنود الرجفة واضطربوا لمشاهدته ، فاستغثته فخلصنى من أيديهم

جوهر - ثم ماذا

الشيعى - ثم أمرنى أن أقصد خيامكم ، وأبسط لكم شكايتى وأبشركم بقدومه إليكم فى أثرى

جوهر - إلى هنا فى المعسكر

الشيعى - أجل أيها الأمير ، ومعه القاضى والوزير جعفر ابن الفرات

جوهر - لقد تهيأت الأذهان لقبول دعوتنا يا جعفر ، واقتربت الساعة ودنا القطاف .. إن التقدم عن الوقت المطلوب رعونة وخفة ، والتأخير عن الوعد المضروب تخاذل وغفلة ، وإن هذه أخطر لحظة ، وانسب فرصة ، فامض إلى الجنود فأشع فيهم روح العزم والثقة ، وليلحوا على الله فى الدعاء فكل قلب مخلص له عند الله إجابة . . . إننا لا نقاتل الناس فهم إخواننا فى الدين ، ولكن نقاتل المبادىء الهدامة ، والنظم الفاسدة والحياة الخليعة الماجنة – كفى يا مصر مجونا فهذا أوان الجد وهذه أيامة ، وتلك كتائب المجد وهذه أعلامه ، فلترفعن بالقرآن أصوات تأخذ على الماجنين ألبابا وأسماعا ، ولتلتمعن فوق صهوات الجياد سيوف تفنى عن الإسلام ذوداً ودفاعا ، وليكونن لهذه الهيمنة وتلك الصلصة سحر آسر ، ويأس زاجر ، حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله .

جعفر - سدد الله خطاك أيها الأمير وإنى ماض

جوهر - على بركة الله ( يخرج جعفر ) وأما أنت أيها الأخ الحبيب فستجد من رعايتنا وإنصافنا ما يرد عليك حقك ، ويقر عينيك

الشيعى - لا تقر لى عين أيها الأمير حتى يصبح ذكر محمد وآل بيته لغة سارية ، عبارة فاشية ، فنقول فيهم ما شاء من الثناء ، ونضفى عليهم ما نريد من المديح

جوهر - تبا لقلوب جافت محمداً ولم ترع المودة فى القربى وجحدت حقوق أهل بيته وهم المقربون أصحاب الكسا ، ومشت فى الظلمة والدنيا مشرقة بالنور سكرى بالعبير ،يسلك السالكون على ضوئه ، ويفرق الجاحدون من سنا برقه ، وإن سعيهم لشتى .. انطلق إلى خيامنا أيها الأخ المؤمن فستجد فيها من محبة أهل البيت مايشفى غلتك ويروى ظمأ هواك

الشيعى - أدام الله بقاءك أيها الأمير وأعز بك وبمولانا الخليفة كلمة الإسلام والمسلمين ( يخرج – يسمع صوت الجند ودق الطبول ) اعبروا النيل إليهم أدخلوا الرعب عليهم صوبوا النبل إليهم واهزموهم أجمعين جددوا للدين عهدا واثبتوا للفتح جندا وادفعوا من قد تصدى لجنود الفاتحين

جوهر - ( ينظر ) الحمد لله الذى كتب لنا النصر ، وأعلى راية الجهاد ، إن جنودنا تدفعهم روح قوية ، وتحيطهم أسرار خفية ، وتؤيدهم قوة سماوية

( يدخل جندى لاهثا )

الجندى - مولاى

جوهر - ما وراءك أيها الجندى

الجندى - بشراك يامولاى بالنصر المبين – لقد كان مقدم مولاى الأمير جعفر بن فلاح كافيا لأن يشيع فى الجنود روح العزم ، ويدفعهم إلى البطولة والنضال

جوهر - وهل حثهم جعفر على ذلك ؟

الجندى - لم ينتظر يا مولاى أن يتكلم ، ولكنه اندفع باشارتكم إلى خلع ثيابه وعبور النهر بسراويله ، وجنودنا من ورائه ، كأنهم الحيتان السابحة ، أو الجوارح المنقضة

جوهر - ثم ماذا !

الجندى - طارت قلوب العدو قبل أن نبلغه ، واخذتهم روعة المفاجأة ، فانطلقوا عدوا ، وجنودنا من ورائهم يمعنون فيهم فتكا وتنكيلا

جوهر - ليكف الجنود عن القتال . . ليس من البطولة أن تطعن فارا أو تتبع مدبرا

الجندى - إن نشوة النصر قد استخفت بعض الجنود فانطلقوا ثائرين ، والتحم فريق منهم فى موقعة مع النساء

جوهر - ما هذا أيها الجندى ، أبك خبال أم اعتراك هذيان

الجندى - لا وحق أمير المؤمنين يا مولاى ، إنما أقص الحق

جوهر - كيف ؟

الجندى - تصادف وجنودنا يتبعون فلول الجيش أن قدمت الأخشيد فى مدد من جواريها وخدمها ، فصاحت فى وجه الفارين ، وثبتت أمام جنودنا

جوهر - فماذا كان

الجندى - اشتبك معها نفر قليل

جوهر - وبعد

الجندى - تركتهم يا مولاى وقدمت لأنقل إليكم الأخبار

جوهر - انطلق الآن من فورك ، مرهم أن يصرفوا وجوههم عن النساء ، إن النساء لا يقاتلن ، إنهن الدر فى الخدور ، والسر فى الصدور رفع الإسلام من شأنهن ، وأمرنا أن نرعى حقوقهن ، ونقاتل دونهن ـ أسرع أيها الجندى ( يقف )

جوهر - مالك لا تمضى

الجندى - ( بتردد ) مولاى

جوهر - أى رهبة عقدت لسانك

الجندى - حضر معى راهب كنيسة أبى سيفين ، وله شكاية يريد أن يعرضها

جوهر - ويل لك ، ولماذا لم تخبرنى من أول حضوره . . إن علينا أن ننتظر أصحاب الشكايات ، لا أن نجعلهم ينتظرون حتى نفرغ لهم . . ادعه حالا وانطلق إلى ما أمرتك ( يومىء ويمضى مسرعا ) ( يدخل الراهب وقد ابيضت لحيته منوكئا على عصا غليظة بأعلاها صليب وقد عرجت رجله )

الراهب - طاب يومك يا بنى ، وليهنك النصر المبين

جوهر - طبت نهارا أيها الشيخ الجليل ، إن نصرنا نصر للعدالة ، وتأييد للحق

الراهب - وهل من الحق أن يتلف جنودكم المرافق ، ويهاجموا الأديرة والكنائس ، ويهددوا أمن الآمنين

جوهر - شكاية تلجم لها الأفراس ، وتهيج من أجلها الفوارس ، جل ما تحكى أيها الراهب ،وعظم فى نفسى ما تقول

الراهب - حلما أيها الأمير العادل ، ولا يهيجن غضبك حضورى ، إن الأمر أهون مما تظن ،إنهم فى نشوة انتصارهم اقتحموا أبواب الدير ، وقطعوا حبل الناقوس

جوهر - ( مستشيطا غضبا ) قطعوا حبل الناقوس ، أخفتوا صوتا لعقيدة ، أضاعوا على أنفسهم الحجة ، وأثبتوا على تصرفاتهم الجهالة ـ ما ضر أن يدق مائة ناقوس وناقوس ، فلنامن جرس صوت المؤذن خمس مرات فى اليوم والليلة ما يصارع أصوات النواقيس ويصرعها . . إن الناقوس آلة صماء لا تفهم ما تقول ولا تكاد تبين ، وصوت المؤذن قول فصيح ينبعث من حنجرة حية تنطلق نبراتها مع ضوء الفجر منبعثة عن عقيدة صاحبها ، متفجرة من دماء قلبه ، تنادى الأحياء والجنادات ، وتهيب بالأرض والسموات أن لا إله إلا الله محمد رسول الله

الراهب - أجل يا بنى ، فلقد عاصرت فى عمرى الطويل حكم المسلمين ، فما رأيت أشد منهم احتراما للعقيدة ، وتقديسا لحرية الرأى ، وإن خالفت عقائدهم ، أو خرجت عن حدود كتابهم .

جوهر - إن كتابنا هو الذى قدس الحريات وحمى العقائد ، إنه يقول ( لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ) إنه يقول ( لكم دينكم ولى ) إن عهود الأمان التى تركتها أيدينا بأيدى الرهبان لهى البرهان القاطع على أنا نعرف كيف نرعى الأمن ونحمى العقيدة ، ونكفل حرية الأديان .

الراهب - إن هذا الدير قائم يا بنى من أيام ( عمرو بن العاص ) فاتحكم الأول ، ومنشىء مدينة الفسطاط ، وعلى ذكر الفسطاط أروى قصة يتلوها الرهبان ويتوارثها راهبا عن راهب ، وهى أن عمرا ضرب أروع المثل فى حسن معاملته لبنى الانسان ، وفرط عنايته بالرفق بالحيوان ، وذلك أنه بعد انتصاره العظيم أمر بتقويض الخيام إلا فسطاطه ،لأنه رأى فى يوم رحيله أن بعض الطيور قد عششت به ، فأمر أن يبقى قائما على حاله ، لا يمسه أحد ولا يقترب منه رفقا بصغار الطيور إلا حارساً أقامه لحمايتها .

جوهر - لوعرفت الدنيا نهجنا لآمنت بنا نحن المسلمين ، نحن رفعنا المآذن وبنينا حصون التوحيد ، وخططنا المدائن ورعينا كنائس النصارى وهياكل اليهود ، وترجمنا كتب الرومان والاغريق ، وورثنا علوم الأولين والآخرين . لوفهمتنا الدنيا لما رضيت أن يقود غيرنا زمامها ، ولو ولينا الصحراء لسطرنا المعجزة على رمالها ، وأرعينا ذئابها أغنامها .

الراهب - إن بيننا من الوشائج والصلات يا بنى ، ما لا يترك أثرا لمثل هذه الحوادث الفرعية . جوهر - إن مثل هذه الحوادث الفرعية يستغلها ذوو الأغراض ، ويستخدمها أهل الدس والخداع للتفريق بين عنصرى الأمة ، ورمى أصحاب الفكرة الإسلامية بكل شائنةونقيصة .

الراهب - وكيف وما عرفنا الكمال إلا عن طريقكم .

جوهر - يقولون تريدون أن تحكموا بالقرآن ، وأن تطبقوا فى مصر نظام الإسلام ، وكيف تفعلون بالأقليات ، وماذا يكون موقفكم من العنصر الآخر . كأن الإسلام لم يكن يعلم بوجود الاقليات ، أو أن القرآن لم تجلجل آياته وتدوى فى الآفاق ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) .

الراهب - كفى يا بنى . إن لآيات كتابكم على القلوب لسلطانا ، نغم حلو ، وبيان ساحر ، وجرس جميل .

جوهر - وهل ترى فى آياته ما يكفى لحماية الاقليات

الراهب - وأرى فيها نعمة كبرى أتمنى بقاءها

جوهر - طب نفسا أيها الجار الكريم ، وثق أن نعمة الإسلام باقية ، ورسالته خالدة ( يصمت قليلا ) أثم شىء آخر

الراهب - ( مشيرا إلى قدمه ) ووقع الناقوس على قدمى فأداماها

جوهر - يالله . . وهذا عدوان آخر . يا غلام . . . ادع طبيبنا اسحق بن سليمان الاسرائيلى ( مخاطبا الراهب ) وستشهد الآن صورة من الأقليات سعدت بحكم الإسلام ، وعاشت فى ظله أعواما ( يدخل الطبيب وخلفه صبى يحمل جعبته )

اسحق - لبيك أيها الأمير

جوهر - إن جارنا الراهب قد اعتدى عليه بعض جنودنا فأسقطوا الناقوس على قدمه ، إن قدم الراهب يهنينا أمرها ، وحياته أمانة فى أعناقنا ، فابذل ما تستطيع يا اسحق ، وابذل فوق ما تستطيع ( للراهب ) تفضل بالجلوس ( يجلس ـ ينحنى اسحق على قدم الراهب وفحصها )

اسحق - ( لنفسه ) إن قدم الراهب يعنينا أمرها ، وحياته أمانة فى أعناقنا ، لو كانت التوراة نفسها لما صانت رعاياها كما يصونها الإسلام ، وأشهد بذلك وحق إله موسى

الراهب - وأنت أيها الطبيب عرفت الإسلام كذلك

اسحق - إننا معشر اليهود لم نجد الراحة إلا فى كنف الإسلام ، لقد شردنا فى الآفاق فآوتنا مدنه ، وحمتنا نظمه ، وأكرمنا خلفاؤه . لقد عاشرت المسلمين فى الأندلس ، وخدمت دولتهم فى المغرب ، وكنت طبيب الدولة الفاطمية من أيام مولانا المنصور والد الخليفة المعز لدين الله

الراهب - عجيب أمر هؤلاء المسلمين ، لا يكلفوننا أكثر من جزية ندفعها كما يدفع المسلمون الزكاة ، ثم يكون لنا مالهم وعلينا ما عليهم .

اسحق - وليس ذلك فحسب ، بل يعدون ذلك دينا عليهم يؤدونه لنا فى الكبر ، إن خليفتهم عمر بن الخطاب مر يوما بيهودى قد كبرت سنه ، فوقف عنده وقال ما أنصفناك أيها الذمى، أخذنا منك الجزية فى قوتك ، فلا ينبغى أن ننساك فى ضعفك ، ثم أمر بأن يصرف له من بيت مال المسلمين ما يقوم بشأنه .

جوهر - ألا فلتشهد الدنيا أن راية محمد قد أظلت النصارى واليهود . وأنهم قد وقفوا الآن حول أسوار الفسطاط يرمزون إلى أممهم وأديانهم ، أم قد أعطوا على أنفسهم عهدا أن يكونوا يدا واحدة ، وقوة صاعدة ، لمجد البلاد ، وعزة الوطن

الراهب واسحق – ( وقد بسطا أيديهما وتصافحوا جميعا ) لك عهدنا أيها الأمير

جوهر - (لأسحق ) وقدم الراهب

اسحق - قدم الراهب ثابتة على عهدك ، لا بأس عليها إلا جرح ظاهر لا يلبث أن يطيب

الراهب - وقلب الراهب طاب كذلك ، وقلوب أبنائه النصارى تدعو لدولتكم بالعز والتأييد

جوهر - جزيت خيرا يا إسحق ، وفى أمان الله أيها الجار الكريم( يودع الراهب حتى يخرج ـ يخرج اسحق ـ يقدم حماد لاهثا )

حماد - ( يرتمى خائرا أمام جوهر ) أدركنى يا مولاى ، لقد قاتلت حتى هلكت

جوهر - ما شأنك يا حماد . . انهض . . أبك جروح . .

حماد - ( ينهض متثاقلا ) كلى جروح يا مولاى ، وأفتكها وأصماها سهم أصاب قلبى . جوهر - حالتك إذن تستدعى الطبيب

حماد - أى طبيب يا مولاى ، إنه لأعجز من أن يداوينى وقلت لعراف اليمامة داونى فانك إن أبرأتنى لطبيب فما بى من حمى ولا مس جنة ولكن عمى الحميرى كذوب عشية لا عفراء منك بعيدة فنسلو ولا عفراء منك قريب

جوهر - إلى متى تظل فى هذارك يا حماد ، أنت مجنون بداء العشق ، مصروع بعالقات الهوى.

حماد - الحسان ورائى يا مولاى ، يصارعن التقوى بقلبى ، وينازعن الهوى فى فؤادى ، كلما حاولت منهن فرارا لحقتنى . هل تصدق يا مولاى أننى أحاول الساو عنهن بالحرب ،فيسبقننى إلى الساحة ، ويلقيننى فى الميدان .

جوهر - كنت إذن فى جيش الحسان تقاتل .

حماد - كنت أشجع بطل ، وأحمس جندى ، وأثبت محارب . . تصور يا مولاى جيشا من الفتنة، وسربا من الملاحة ، وصفا من الحسان ، قد تقلدن السيوف ، واعتقلن الرماح ،ووضعن المناطق على خصورهن ، والقلانس على رؤوسهن وعليهن الأوشحةوالعصائب ، والأكاليل والتيجان .

جوهر - فى القصور هذه الأوصاف لا فى ساحات الحرب

حماد - لقد خرجت يا مولاى بنت الاخشيد فى زينتها ونقلت إلى الميدان كل ما فى قصرها من فتنة وإغراء ، ووقفت بين جواريها فى ساحة الحرب يلعبن بالقلوب ، ويأخذن بالألباب .

جوهر - يلعبن بالقلوب الفرغة ، إن القلب المشغول بالجد لا يصرفه عن غايته حب غانيه ، ولا يلهيه عن مهمته غرام فتاة .

حماد - إنهن لسن فتيات يا مولاى ، هن فاتكات عابثات ، ساحرات برعن فى أفانين السحر ، علمهن هاروت ، وسقاهن النيل ، وأخرجتهن مصر نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ثم انثنت عنه فكاد يهيم ويلاه إن نظرت وإن هى أعرضت وقع السهام ونزعهن أليم

جوهر - بلغة الحروب تعلمت الغزل

حماد - وبلغة الحروب وزيها يا مولاى إلى الموقعة فقد كتبت إحداهن على عصابتها المطرزة بالؤلؤ والجوهر الكفر والسحر فى عينى إذا نظرت فاغرب بعينك يا مغرور عن عينى فان لى سيف لحظ لست أغمده من صنعة الله لا من صنعة القين

جوهر - وعلى العصائب كن يكتبن الشعر ؟

حماد - وعلى حمائل السيف يا مولاى ، تصور يا مولاى فتاة تخطر فى الميدان عابثة غزلة ، مائلة مميلة ، قد تجملت بأفتن أنواع التجمل ، وتطيبت بأحسن أنواع الطيب ، وتضمخت بالمسك والعنبر ، وقد انتصبت بالقوام الذى خلق لتغنى الطيور من فوقه ، وأمسكت بأطراف الأنامل التى صيغت لأوتار العود والمزهر ـ أمسكت يا مولاى سيفا كتبت على حمائله لم يكفه سيف بعينيه يقتل من شاء بحديه حتى تردى مرهفا صارما فكيف أبقى بين سيفيه فلو تراه لابسا درعه يخطر فيها بين صفيه علمت أن السيف من طرفه أقتل من سيف بكفيه

جوهر - تلك لعمرى صنعة معلمة ، إن الأمة التى لا يدفع أبناءها الجد إلى ميادينه ، يتلقفها العبث إلى ملاعبه فتحذقه وتبرع فيه

حماد - ألا تراهن يا مولاى ؟ ..

جوهر - ( فى لهجة حادة ) حذار يا حماد . كفى عبثا

حماد - ألا نعبث يا مولاى يوما بعد الانتصار

جوهر - بعد الانتصار تثقل الأعباء ، وبعد أن تضع الحرب أوزارها يبدأ التعمير والبناء ، إن وراءنا دولة نريد أن نتسلم زمامها ،ودعوة نريد أن نعلن برنامجها ، ونشهر إمامها

حماد - إننى من جنود الدعوة يا مولاى ، وإنما أريد سهمى فى الغنيمة

جوهر - استعجلت نصيبك من الغنائم ، وكان كل همك من الحرب أن تذهب بالجوارى والأسلاب ، كاؤلئك اللصوص الذين يديرون الحرب باسم الرغبة فى إقرار السلم ، ويجرون إليها الأمم الوادعة الآمنة ، فإذا آزرتهم بجهودها ومرافقها ، وكتب لهم النصر فى النهاية ، تجمعوا عليها كما يتجمع الأكلة إلى قصعتها ، ووضعوا على المائدة سرقاتهم فتقسموها ظلما وعدوانا ، واغتصبوها بغيا وطغيانا ـ اذهب فانتظر تقسيم الغنائم ( يخرج )

( يدخل جنديان يحملان جريحا على محفة )

الأول - ترفق فى وضع الأمير الباسل يا ياسر ( يضعان المحفة فى وسط المسرح )

جوهر - من تحملون أيها الجنود

ياسر - ( يرتجف ) عفوا مولاى

جوهر - إن قلبى يدلنى ( يتقدم فيكشف عن وجهه ) ولدى . . . حسين

الحسين - ( يتحرك ويفتح عينيه ) أبى

جوهر - ما بك يا ولدى . . ماذا أصابك ؟

الحسين - لقد نجانى الله ، وأنقذتنى بنت الأخشيد من موت محقق

جوهر - كيف يا بنى ؟

الحسين - لما كتب الله النصر لنا ، وحاولت بنت الأخشيد أن تبذل آخر تضحية فحضرت بنفسها

إلى الميدان استخفت نشوة الظفر بعض جنودنا فحملوا على بنت الأخشيد وجواريها .

جوهر - لقد نهيت عن ذلك

الحسين - لقد أهاب صوتك بسمعى ، فأحسسته صخابا مجلجلا يصيح بى أن أدرك يا حسين ، فما يليق أن يوصم جلال الفتح بسبة منازلة النساء

جوهر - عشت يا ولدى عالى النظرة ، بعيد الهمة ، طويل النجاد .

الحسين - ولم تفهم مهمتى على وجهها ، فأصابنى سهم فى غير مقتل ، فنزف الدم ، ولولا أن حقنته بنت الأخشيد بنفسها ، وعكفت على إنقاذى بمعاونة طبيبها

جوهر - ما أجل الخصومة بين قلبين كبيرين ، إنها لترتفع عن الضغن ، وتتنزه عن المهاترة ، وتتعالى عن الصغار .

الحسين - لقد أظهرت بنت الأخشيد مثالية ونبلا .

جوهر - إنها بنت مصر ، هذبها الذوق ، ورفعها الجمال ، وعصمها الدين .

الحسين - وبنت الأخشيد تلك بعض خلالها .

جوهر - لنعرفن لها يدها ، ولنجزينها بالاحسان إحسانا ( يدخل جندى )

الجندى - وصل يا مولاى وفد أهل مصر ، الشريف أبو مسلم العلوى ، والقاضى ، والوزير جعفر بن الفرات .

جوهر - يدخلون ( إلى الجنديين ) احملا الحسين ، وليأخذ قسطه من الراحة ، انتبها جيدا ( يحملانه ) فى رعاية الله يا ولدى ( يخرجان ـ يدخل الشريف )

الشريف - السلام على الأمير جوهر ورحمة الله وبركاته

جوهر - وعليكم السلام أيها الشريف أبو مسلم ، مرحبا بابن عمنا ونصير شيعتنا .

الشريف - أقدم إليكم الوزير جعفر بن الفرات ، والقاضى أبا الطاهر .

جوهر - مرحبا بزعماء مصر ، وقادة الرأى فيها

الشريف - لقد جئنا ننطق بلسان الأمة ، ونعبر عن أمانيها ومطالبها

جوهر - تنطقون بلسانها حقا ، وتمثلونها أصدق تمثيل إنكم جمعنم بين لون العقيدة الدينية ، والنظرة السياسية ، وكلاهما منبعه الإسلام ، ومصدره القرآن

الشريف - إن الشعب يعتقد فينا عقيدة التقديس ، وتجمعه فكرتنا على اختلاف ميوله ونوازعه ، وينقاد إلينا انقياد الأعمى إلى قائده ، أو التائه إلى هاديه ومرشده

جوهر - وتلك ميزة الزعيم الدينى ، إن الشعب يتبع الزعيم الدينى بقلبه وشعوره ، ويندفع وراءه بقوة إيمانه وعقيدته اندفاعا جارفا حارا ، لا تصده قوة ولا يثنيه وعيد

القاضى - وإن من مميزات الإسلام أن جعل السياسة والوطنية الصادقة من أهدافه ، فجعل بذلك الزعيم الدينى زعيما سياسيا أيضا ، فاذا اجتمعت هاتان الخلتان فى رجل كان هو الزعيم حقا ، وعرف كيف يوجه هذا التيار إلى وجهته ، وبصرفه إلى غايته

جوهر - لهذا كنتم أنتم هذا الرأى الموجه ، وانا نعتبر قولكم قول الأمة المصرية ، ورأيكم رأيها الشريف - إن الأمة المصرية لا تريد الحرب ولا ترغب فيها ، وإننى أرجو ألا يعامل القائد الكريم أهل مصر معاملة من فتحت بلادهم عنوة ، وألتمس إعادة الأمان إليهم

جوهر - لقد أعدت الأمان على حاله ، وجعلت للشريف أيده الله أن يؤمن كيف رأى وكيف أحب ، وأن يبلغ الناس عنى ما يريد فهو أمانى وعن إذنى ، وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين

الشريف - أيدك الله أيها الأمير ، فبمثل هذا العدل تساس الأمم ، وتقاد الشعوب

جعفر - إن للشعب أيها الأمير فى قلق ، فهل تأذن لنا فى الانصراف مع الشريف لتهدئه الخواطر ، وتسكين النفوس

جوهر - انصرفوا يا وجهاء مصر فأمنوا شعبها على نفسه وماله ، وطمئنوا النفوس الحائرة ، وسكنوا المشاعر الثائرة ، قولوا لهم إن الدولة الفاطمية قد اتخذت شعارها العدل أساس الملك . والشرق وطن واحد ، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا ( يدخل أحد الجنود )

الجندى - وصل يا مولاى الأمير جعفر ومعه حماد

جوهر - ليس على قسيمنا فى النصر من حرج ولا تثريب فليتفضل

جعفر - السلام على أميرنا جوهر ورحمة الله ، وتهنئتى بالنصر العظيم

جوهر - إن النصر معقود لواؤه بهامتك يا جعفر ، إنه أيها السادة ابن فلاح قسيمى فى النصر ، وضربى فى الفخر ، أبلى البلاء الموفق فى فتح مصر ، وتنتظر بلاءه وشجاعته حصون الشام ، أليس كذلك يا جعفر ؟

جعفر - إن الأرض لله ، وإننا جنوده فيها ، وسهامه المسددة ، فليرم بنا الأمير أى طرف من اطرافها فما ابتلى بنا عدو قصدناه إلا أسرناه ، ولا حصن أقصدناه إلا أصبناه

حماد - وعلى ذكر فتح مصر فاننى أستأذن الأمير العظيم أن أؤدى أمانة ابن هانىء

جوهر - وما أمانة ابن هانىء يا حماد

حماد - أبيات عهد بها إلى ، وأوصانى أن ألتمس إلقاءها بين يديكم بعد النصر

جوهر - أسمعنا ما لديك يا حماد

حماد - تقول بنو العباس هل فتحت مصر فقل لبنى العباس قد قضى الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر تطالعه البشرى ويقدمه النصر فقد دالت الدنيا لآل محمد وقد جررت أذيالها الدولة البكر ورد حقوق الطالبين من زكت صنائعه فى آله وزكا الذخر معز الهدى والدين والرحم التى به اتصلت أسبابها وله الشكر

جوهر - إن ابن هانىء لمتنبى الغرب ، وإنك لخليفته وراويته يا حماد ، لقد أجاد القول وأحسنت الالقاء ، فانصرف الآن مشكوراً ، وسنجزل لك عطاء هذه البشرى

الشريف - وسنزف بشرى عدلكم أيها الأمير لأهل مصر فهل يأذن القائد أعزه الله بانصرافنا

جوهر - انصرفوا مشكورين ، أصلح الله بكم وحقق أهدافكم ( يخرجون – لجعفر ) لقد وضعت الحرب أوزارها ، ولم يبق إلا أن نقوم بالأعمال الانشائية يا جعفر ، ونمهد شعاب الأرض لحكم سيدنا ومولانا أمير المؤمنين

جعفر - مر بما تريد أيها الأمير

جوهر - أريد الليلة إنشاء الله أن أحفر أساس قصر مولانا الخليفة كما رسمه لى بنفسه ، وأحيل سريره وبابه ذهباً خالصا ، وأحقق نبوءته فأبنى مدينة تقهر الدنيا

جعفر - رأى سديد وسياسة رشيدة جوهر - وأفكر فى بناء مسجد جامع تدرس فيه أصوله المذهب الشيعى ، ويبقى أثراً خالدا لدولة الفاطميين ما بقيت الأيام ، ويذكر الناس فى كل حين بجلال العروبة ومجد الإسلام

جعفر - حسنا يا جوهر ، ولنسمه الأزهر ، نسبة إلى مولاتنا فاطمة الزهراء

جوهر - ولتكن هذه العبارة شعار المنابر ( اللهم صلى على محمد المصطفى ، وعلى على المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً ، وصل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله )

جعفر - ومتى يدخل موكبنا مصر رسميا

جوهر - غداً ان شاء الله ، غدا يلتقى المغربى والمصرى ، تؤلفهم وحدة الغرض ، وتدعوهم إصابة الهدف

جعفر - ومن قلب الأزهر ينبعث صوتهم بالوحدة العربية ، والجامعة الإسلامية فينتشرون قرآنا ويصبحون بنعمة الله اخوانا .

" ستار "

الفصل الثالث

المنظر : قاعة العرش فى القصر الكبير المطل على البستان الكافورى مؤثثة بالاثاث الفخم ومزينة بالستور والطنافس الحريرية المزركشة بالذهب .

فى الصدر . منظر البستان الكافورى ، باب إلى اليمين ، وباب إلى اليسار . أرض المسرح مفروشة بالسجاد والوسائد ، لأعلى المسرح إلى اليسار سرير الذهب وهو عرش الخليفة على جانبيه أستار حريرية مزركشة وقد فرشت أرض الحجرة بالسجاد الثمين وزينت جدرانها بالنقوش الذهبية والآيات القرآنية .

عن يمين العرش مصحف منشور على كرسى كبير .

عند رفع الستار برجوان من القواد الوافدين مع الخليفة يتحدث إلى الحسين بن جوهر .

برجوان - ( مشيراً إلى العرش ) هكذا يجب أن يكون عرش الخليفة الفاطمى هيبة وروعة وجلالا. الحسين - أجل يا برجوان ، وستصبح مصر منذ اليوم دار خلافة فلا بغداد ولا قرطبه ، ولا أى مدينة فى الدنيا تضارع القاهرة وقد أصبحت مقراً لعرش الفاطميين ، وأشرقت بطلعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين .

برجوان - يا للجلال يا حسين ، أى إشراق ولألاء ، وأى بهجة وسناء ، إن السرير يكاد ينطق ، إن الكراسى تكاد تثب ، إن الحجرة تكاد تختال ، كل شىء هنا يريد أن يتحرك ، كل جماد فى هذه الحجرة له حياة وحركة ، كل صمت فيها يترجم عن أبلغ لغة ، وكل وضع فيها يريد أن يصوغ قصة وكلاما .

الحسين - إن السر فى الدعوة ، والروح فى المنهج ، والعزة فى القيادة ( يشير إلى المصحف ) إن هذا الكتاب هو سر هذه الروح ، وهذا السيف هو رمز هذه العزة ، وهذا السرير لم يرتفع بطراً ورئاه ، إن صاحبه كم خر لله راكعا . وقد اختار له شعاراً الله أكبر ولله الحمد .

برجوان - لم يبرح ذهنى ذلك اليوم دعانا فيه أمير المؤمنين فى قصره بالمغرب ، وقد جلس على بساط من اللبود ، فى حجرة بسيطة متواضعة وعليه جبة غليظة ، وأمامه منضدة منخفضة ، عليها دواة وكتب ورسائل .

الحسين - وكان يحذرنا من العيش كما يعيش أهل الدنيا ويقول إن المعز الفاطمى يخاف عليكم أن تتبعوا الهوى .

برجوان - وقد شهر سيفه هذا فى أظهر مكان من حجرته ، وما إن رأى والدك العظيم حتى دفعه إليه صائحاً إن هذا السيف يطالب بحقه يا جوهر .

الحسين - وكانت كلمات أمير المؤمنين فى عزمته القوية وإيمانه بحقه فى إمامة الدنيا ،واعتزازه بنسبته إلى جده المصطفى ، كانت دليل النصر ، وبشير الفوز وكان شعار الخليفة يومئذ ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى القربى )

برجوان - وكان فخر الفتح لأبيك العظيم ، فلقد دقت أول دقة من طبول الجيش ، وتحركت أول خطوة من خطواته ، وأمير المؤمنين مزهو بقوة جيشه ، مأخوذ بعزمة جنده ، وقد أشار بيده إشارة الوداع وهو يقول : ( إن مثل جوهر لقليل فى الرجال ، ووالله لو خرج جوهر وحده لفتح مصر ، وليدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب ، ولينزلن فى خرابات ابن طولون ، ويبنى مدينة تقهر الدنيا ) .

الحسين - لقد كان عجباً من العجب يا برجوان ، لكأنما كان أمير المؤمنين يقرأ فى لوح الغيب ، فهذه مصر قد أصبحت فاطمية تسيل عليها بركات النبى ، ويكاد يمشى فى أردانه بين شوارعها ودروبها إمامنا الحسين وأبوه على ، والمساجد غاصة بروادها ، جامعات كما أراد الله ورسم الإسلام . فهذا جامع عمرو يقف صف المصلين فى محرابه فيذكر صف المجاهدين ، ، عمرو والمقداد والزبير ومسلمة ، وهذا مسجد العسكر تتزاحم المناكب فيه وتهرع النفوس إليه منيبة مسلمة ، وذلك مسجد ابن طولون ، اتخذناه للجيش معسكراً ، وللدعوة منبرا يدرب الجيش فيه على حماية أقطار الإسلام من المغير والدخيل ، ويمرن العقل فيه على صيانة تراث الإسلام ومعتقداته من الخرافات والأباطيل

برجوان - إن أمة تفهم رسالة مساجدها لحرية أن تبلغ أوج عظمتها ومجدها

الحسين - ويقف داعى الدعاة على منبر ابن طولون وقد أرخى إلى جانب لواءى الحمد ، فلم تبق أذن فى مصر لم تسمع لدعوته ، إن دعوته قوية فتية ، ساحرة قاهرة ، عذبة الأنغام ، جذابة مسيطرة

برجوان - إن لدعوة الحق لسلطانا ، وإن لصاحب الحق لبرهاناً .

الحسين - وإن فى مصر خاصية عجيبة ، فهى تلهو ما شاء لها اللهو ، وتعبث ما شاء لها العبث ، فإذا أدرت لها ذكر محمد انتشت طربا ، واختالت عجباً ، ومزقت ثياب العبث ،وحطمت مزامير اللهو ، وأقبلت وفى جبينها تغضن ، وفى سمعها إصغاء ، وعيونها مبللة بالدمع ، وقلوبها مأخوذة من اللهفة ، تهفو إلى محمد وحديث محمد .

برجوان - لا خوف على أمة هذا شأن بنيها ، فلينفخ فى أبواق الضلالة أهلها ، وليدع إلى المفاسد والمنكرات جهالها . فباسم محمد لنحيلها على رءوس الظالمين هلاكا وثبورا، وباسم محمد لنطلعنها على هامات المؤمنين إشراقا ونورا ( يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا )

الحسين - ومن صحن الجامع الأزهر لتنبعثن صيحة مدوية تقر فى الأسماع دعوة الحق ، وتثبت فى الأذهان وحدة الشرق . حتى تنثال الجموع من كل حدب وتفد الوفود من كل صوب ، فإذا الآمال قد تجمعت فى محراب ، وإذا القلوب قد تآخت على كتاب

برجوان - إنه أروع منظر رأيته ، فمنذ تركت موكب أمير المؤمنين فى طريقه إلى القاهرة ، وأنا أفكر فى مدينتنا الجديدة . كيف يكون موقعها ، وكيف يكون منظرها ، أتكون كالقيروان ، أم تضارع المنصورية ، حتى دخلتها وقد انعكست أشعة القمر على صفحة النيل ، والنخيلات على ضفافه ، وقد أركعن رءوسهن على صفحته لسلطان الجمال فقلت بلد موهوب ، حتى أخذت عينى المآذن سامقات ، والقباب شامخات ، ورأيت المسجد حارسا على أخلاق البلد ، ومهيمناً على أهوائه ، فقلت يا جلال الأزهر ، هذا بلد مسلم

الحسين - لقد سار والدى فى بناء القاهرة على النهج الذى رسمه أمير المؤمنين ، فمن الليلة التى دخل فيها مصر وضع خطط المدينة الجديدة ، ورسم حدود القصر ، وأقام بناء المسجد.

برجوان - لقد هالنى عظم السور ، وضخامة الأبواب ، وجمال التنسيق ، وهندسة البناء . الحسين - أما السور فلحماية المدينة من غارات القرامطة وأما الأبواب فقد جعل على كل جهة بابان عظيمان ، ففى الجهة القبلية بابازويلة ، وفى الجهة البحرية باب النصر وباب الفتوح .

برجوان - لقد أطلقتم على الأبواب أسماء قبائلنا المغربية

الحسين - وعلى الحارات والدروب ، فهناك حارة الروم ، والجودرية ، وهناك أيضا عطفه برجوان .

برجوان - وما فائدة أن يطلق اسم قائد مثلى على حارة بأسرها

الحسين - لست وحدك يا برجوان ، ولكن كذلك يانس وريدان وسعادة ، فهناك درب اليانسية ، والريدانية ، ودرب سعادة .

برجوان - لم تذكر لى ما قصدتم إليه من ذلك .

الحسين - قصدنا أن يبقى أثر هذا الفتح ماثلا فى الأذهان خالداً على الأزمان ، يوحى إلى أبناء الجيل معنى التنافس على البطولة والجهد ، وإلى الأجيال من بعدنا ما يحفز همتها إلى التوثب والاعداد .

برجوان - وقصر أمير المؤمنين .

الحسين - حدث ولا حرج ، قل لبغداد لم يبق لقصر الخلد فيك شأن ، ولا لقصر السلام خطر ، أربعة آلاف حجرة وله تسعة أبواب ، أجلها وأعظمها باب الذهب

برجوان - إن أمير المؤمنين يرى بنور الله ، فلقد كان يقول لنا ، فروا من الدنيا تتبعكم ، وازهدوا فيها تقبل عليكم

الحسين - وأعددنا مفاجأة كبرى لمولاتنا أم الأمراء زوج أمير المؤمنين .

برجوان - وأى مفاجأة بعد هذا الملك الطويل العريض ، والمجد الذى لا يفنى وحده ، ولا يدرك مداه .

الحسين - قصر خاص بها وحدها على ضفاف النيل ، وبستان جملة الذوق ، ونضره الورد ، وحياه النسيم .

برجوان - تلك لعمرى ( منازل العز ) . ولقد تتضائل كل هدية أمام ما تبذله مولاتنا من جهد فى خدمة الدعوة ، ومشاركة لأمير المؤمنين فى كل صغيرة وكبيرة ، حتى كان مسير الجيش بعد مشورتها ورأيها .

الحسين - سيسر أمير المؤمنين بكل ما يرى ، وسيتألق نوره فى سماء مصر وضاح السنا ، لقد جرى ذكر أمير المؤمنين على كل لسان ، وارتسم حبه فى كل قلب ، وأصبح أهل مصر ينتظرونه كانتظار الغيث ، ويرقبونه كترقب المنى .

برجوان - لو رأيت يا حسين كيف تلقته الإسكندرية ، وكيف حف بركابه أهلها ، وأمير المؤمنين ممتط جواده ، فى جمع كبير من خاصته ورجال دولته ، وقد أحب البلد الذى أحبه ، فحمل معه جثث آبائه المهدى والقائم والمنصور ، ثم ترجل عند منارة الإسكندرية ، وخطب الناس خطبة طويلة ذكر فيها أنه لم يرد دخول مصر لزيادة فى مملكه أو ماله ، وإنما أراد إقامة الحق والحج والجهاد ، وأن يختم حياته بالأعمال الصالحة ، وأن يعمل ما أمر به جده صلى الله عليه وسلم

الحسين - لقد أصبحت مصر فى حاجة إلى من يصلح أخلاقها ، ويقوم اعوجاجها ، ويضع لها المنهاج ، ويرسم البرنامج ، ويقيم الحدود ، ويحكم بما أنزل الله

برجوان - لهذا تلهفت على أمير المؤمنين ، ورأت رسالة الانقاذ بين يديه ، ولمحت بريق الضياء فى عينيه فمشت معه نحو النور ، واستمعت منه إلى أى شىء يدعو الناس

الحسين - وخرج موكب مصر بقيادة والدى إلى الجيزة للقاء أمير المؤمنين لوجوه والأعيان ،والشيوخ والشبان ، وقلوب ملأها الحب ، ونفوس عطفها الود ، وأفئدة برحها الشوق ، حشدتها الغاية الموحدة حشداً ونظمها الإسلام فى ميدانه جنداً ، يهتفون بلغة واحدة ،وقد أخذهم الشوق ، واستخفهم الطرب ، يدقون الطبول على نغم واحد

( تدق الطبول ، وتسمع جموع الشعب مرددة )

يا مرحباً يا مرحباً يا مرحباً بابن النبى المصطفى يا مرحبا

الحسين - ( يطل من النافذة ) أنظر يا برجوان ، هذا موكب الشعب وما أصدق لسانه ، هذا صوت الشعب وما أروع بيانه " تستمر الأصوات " يا مرحباً يا مرحباً يا مرحباً بابن النبى المصطفى يا مرحباً

الحسين - هذه الجموع لم تحشدها قوة المتسلط ، ولم تجمعها سلطة الحاكم ، ولكن جمعها الحب ، وعطفها الود

برجوان - ووحدتها الغاية ، وآخى بينها الإسلام ( تقترب الأصوات ) يا مرحباً يا مرحباً يا مرحباً بابن النبى المصطفى يا مرحباً

الحسين - إن الشعوب إذا اشتد الكبت عليها وطال أمده فلا بد أن ينفجر مرجلها بعد الغليان ، ولا بد أن تحطم بقوة عقيدتها قيود الذل ، وسلاسل الظغيان ( تسمع هتافات ) القرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والله أكبر ولله الحمد

الحسين - إن الشعب المؤمن لا يمكن أن يبيع إيمانه ، والبلد المسلم محال أن ينسى عقيدته قرآنه ( ينفخ فى الابواق ويسمع صوت الصنوج والطبول )

برجوان - إسمع يا حسين ، هذه أبواق جيشنا ، وتلك أصوات طبولنا

الحسين - أجل . وهذا والدى وأشراف مصر وأعيانها يحفون بالموكب

برجوان - وهذا أمير المؤمنين ، المظلة على رأسه ، يتغشاه النور ، وتحطه العناية ، ويحف به الجلال

الحسين - إنى أرى الأعلم تخفق ، والخيول تصهل ، والرماح تتلألأ ، والسيوف تلتمع ( يسمع نشيد الجند ) عشت برا وأمينا يا أمير المؤمنينا أنت للاسلام رمز تنفذ الأحكام فينا مصرنا عرش لكا وسياج حولكا قد بذلنا ذلكا لحياة العالمينا بر أيام الرشيد وانقضى عهد الوليد هات نفذ للحدود وأقم دنيا ودينا

الحسين - لقد دخل الموكب ساحة القصر يا برجوان ، فيها لانفاذ وصية والدى ، لقد أمر أن يطلق سراح المسجونين ، وأن يعفى عن جميع المذنبين

برجوان - ياله من يوم كريم ، وحظ عظيم ( يخرجان )

( يدخل جنديان وقد شهرا سيفهما فيقفان خلف العرش ثم يقدم الخليفة ومن ورائه جوهر والوزير جعفر بن الفرات والشريف أبو مسلم العلوى والقاضى أبو الطاهر والشاعر حماد :يرتقى الخليفة العرش ويجلس ويشير إليهم فيجلسون : يرتل القارىء من خلف الستار بصوت جميل مسموع قول الله تعالى ) :

" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، وإن الله على نصرهم لقدير ، الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا أن يقولوا ربنا الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوى عزيز . الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور ) :

المعز - " الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الذكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " أيها الاشراف والقواد ( يشير إلى المصحف ) إن هذا الكتاب ينطق بالحق ، فيه نبأ من قبلكم ، وخبر من بعدكم ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار : فوحق قرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخذن الناس به تشريعا وحكما ، واملأن الأرض به انصافا وعدل ، حتى يصبح لمصر حكما ودستورا ويفيض على العالم هداية ونورا ( يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم . وأنزلنا إليكم نورا مبيناً "

جوهر - يا أمير المؤمنين أعز الله بك الملة والدين , لقد اشتقنا إلى ابن هانىء وشعره ، فهل تأذن لحماد أن يسمعنا شيئا منه

المعز - لا بأس يا جوهر ، أجمل الله عزاءنا فى ابن هانىء لقد كنت أتمنى أن أفاخر به شعراء المشرق . . قل يا حماد ولا تغل .

حماد - أخليفة الله الرضا وسبيله ومناره وكتابه المشروحا ماذا نقول : جللت عن أفهامنا حتى استوينا أعجما وفصيحا صورت من ملكوت ربك صورة وأمدها علما فكنت الروحا أقسمت لولا أن دعيت خليفة لدعيت من بعد المسيح مسيحا شهدت بمفخرك السموات العلى وتنزل القرآن فيك مديحا

المعز - ماذا يكون الغلو إذن يا حماد ، دع وصف الأشخاص وقل مايحضرك فى وصف هذا السيف

حماد - عجباً لمنصلك المقلد ، كيف لم تسل النفوس عليك منه مسيلا لم يخل جبار الملوك بذكره إلا تشحط فى الدماء قتيلا فإذا غضبت علته دونك ربذة يغدو لها طرف النهار كليلا سماه جدك ذا الفقار وإنما سماه من عاديب عزرائيلا

المعز - وسيفك : ألا تصفه

حماد - لى صارم وهو شيعى كحامله يكاد يسبق كراتى إلى البطل إذا المعز معز الدين سلطه لم يرتقب بالمنايا مدة الأجل

المعز - وما لنا فى الآجال من حيلة ( ولكل أمة أجل ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) أحسنت يا حماد . ألاغلوا يتبعه الشعراء ( والشعراء يتبعهم الغاوون )

حماد - أقل عثرتى يا أمير المؤمنين

المعز - أقال الله عثرتك يا حماد ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا ، وانتصروا من بعد ما ظلموا ، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون )

حماد - أجل يا أمير المؤمنين سيعلمون

أنفذ قضاء الله فى أعدائه لتراح من أعدائه وتريحا فكأن جدك فى فوارس هاشم منهم بحيث يرى الحسين ذبيحا

المعز - إنك تثيرنى يا حماد . . . إن هذا الحديث هو الذى يثير ما كمن من احساسى ، ويلهب النار فى مشاعرى ، فهل هناك ما يدعو لمثل ذلك .

العلوى - أجل يا أمير المؤمنين ، فما زال بعض الشيعة فى أطراف الأرض يعاملون معاملة قاسية ، وألزموا ألا يضمن علوى ضيعة ، ولا يركب فرسا ، وإذا كان بينهم وبين أحد الناس خصومة قبل قول خصمهم فيهم بغير أن يطالب ببينة .

المعز - إلى متى أيها الشريف أبو مسلم ، وهل من بينة على هذا القول .

العلوى - أجل يا أمير المؤمنين أبيات قالها زعيم من زعماء الشيعة اضطر إلى ترك موطنه والحضور إلى مصر متخفيا حتى لا يناله عسف الولاة

المعز - إن لقولك عندنا لتقديراً ، وماذا قال أيها الشريف

العلوى - ما مقامى على الهوان وعندى مقول صارم وأنف حمى أحمل الذل فى بلاد الأعادى وبمصر الخليفة العلوى من أبوه أبى ومولاه مولا ى إذا سامنى البعيد القصى لف عرقى بعرقه سيدا النا س جميعا محمد وعلى

المعز - ماذا يقول القاضى

القاضى - الأمر واضح يا أمير المؤمنين ، والمسلمون عدول بعضهم على بعض يسعى بذمتهم أدناهم ، ولا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى .

المعز - وهل يقر الوزير جعفر هذا الجور فى أطراف ملكى

جعفر - كلا يا أمير المؤمنين ، لقد أمن الله بك الخائف وأعز الحق ، وأغاث المستجير .

المعز - يا جوهر .

جوهر - لبيك يا أمير المؤمنين .

المعز - إلى أى حد وصلت فى تنفيذ أوامرى .

جوهر - إلى حد أن منع لبس السواد ، وحلت محله الملابس البيضاء ، وجعلت الخطبة باسم سيدنا ومولانا أمير المؤمنين ، وضربت السكة باسمه ، ونودى فى الأذان بحى على خير العمل .

المعز - اكتبوا على جدران مصر القديمة ( خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب ) وامنعوا أن يسب أحد من صحابته الكرام ، فلقد كانوا جميعاً على خير ،ولكن علياً عاش مظلوما ومات مظلوما .

العلوى - وشرد أبناؤه فى أرجاء الأرض ، وسيموا خسفا وهلاكا وأشبعوا مطاردة واضطهادا وتنكيلا .

المعز - لقد انتهى عهد الخصومة والاضطهاد ، إن الله أرسل نبيه رحمة للعالمين ، إن مهمتنا أن نجمع المسلمين على كلمة سواء ، وأن نحسم الداء ونصف الدواء وأن نجمع من شباب المسلمين الأجلاد الأقوياء ليقفوا صفا واحداً خلف سوره ، يحميه من جور المغير ، ويدفع عنه عادية الأعداء .

جوهر - ليطمئن مولاى إلى روح الشعب المعنوية ، إن الدعوة قد وصلت إلى كل بلد من بلاد مصر ، وكل مدينة من مدنها ، وكل قرية من قراها ، وقد استقرت فى كل قلب ، ودخلت كل بيت ، وهتف بها كل لسان ، وردد هتافها الرجال والنسوة ، والفتية والفتيان ، فهم جميعا يهتفون : الله أكبر ولله الحمد

المعز - لقد بدأ الجهاد اليوم يا جوهر ، كل ما فات كان إعداداً واستعداداً . وسنبدأ اليوم غزوا واجهادا فلينفخ فى النفير ، وليدع إلى الجهاد كل صغير وكبير ، لا يتخلفن عن الجهاد أحد ، حتى ترتفع كلمة الحق ، وتذل دعوة الشرك ، وتنثال الجموع إلى الإسلام تعتنقه وتستظل براياته ، وتعنو الوجوه لدعوة القرآن تتبعه وتستنير بآياته . . إن مهمتنا ليست فى مصر وحدها ، إنها فى العالم جميعه ، يبسه ومائه ، وأرضه وفضائه . . إن علينا أن تستقيم مصر ويتوحد الشرق ، ويسلم العالم . .

القاضى - أيد الله ملكك يا أمير المؤمنين ، إنك تعيد فينا سيرة جدك عليه الصلاة والسلام ، وتدعونا إلى الجهاد ومنزلته من الإسلام فى الذروة والسنام لقد نامت مصر زمنا حتى أيقظها الله بدعوتك وهانت دهرا حتى أعزها الله برايتك ، فسر والمسلمون من روائك ، وامض لما أمرك به ربك فالنصر فى ركابك ، والمعز على أعتابك ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز )

جوهر - لن يخذل جيش أنت قائده ، ولن يهون بلد أنت سيده ، ولن يضل ركب أنت مرشده

المعز - وما كان جواب القرمطى

جوهر - لقد تمرد وعصى

المعز - بماذا أجاب ؟

جوهر - بأبيات لا أستطيع ذكرها

المعز - أتلها ولا تخف

جوهر - زعمت رجال العرب أنى هبتها فدمى إذن ما بينهم مطلول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم يروى ثراك فلا سقانى النيل

المعز - لقد جاوز الحد فى الجرأة والقحة . وقد كنت أغمضت العين عنه حيناً فأبى ألا أن يوقظها لهلاكه وأغمدت السيف اشفاقا على ضعفه فأبى إلا أن أجرده لقتاله ( يده على لحيته ) لقد اقترب يومك يا قرمطى ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) لأملأن له الأرض رجالا ، ولأحشدن له البحر سفيناً ، ولأرصدن عليه كل ثغر ، ولأقعدن له بكل طريق ، وليعلمن أينا أشد عذابا وأبقى

جوهر - لقد بلغت قوة جيشنا مبلغا عظيما ، وعدة أسطولنا ستمائة قطعة من الشوانى والشلنديات والمسطحات ، وإلى جانبها العديد من السفن التجارية

المعز - سأستعرض الأسطول بنفسى ، وليس ذلك فحسب بل سأبنى إلى جوار قصرى ثكنات عديدة لأبناء المصريين الأشداد ، وذوى الأعواد الفروسية على كبار القواد

جوهر - إننا يا أمير المؤمنين لا يمر بنا يوم إلا ونراك قد بنيت للإسلام بناء ، أو عقدت بين القلوب إخاء أو رفعت فى ميدان الجهاد لواء

المعز - وما يوم يمر دون عمل أو جهاد ، ما ميزته فى الحياة وما قيمته عند الله . إن أعمالا كثيرة تنتظرنا يا جوهر ، إن مسئولية الحاكم جسيمة خطيرة . إن قيمة الحياة لا تقاس بطول أيامها ولكن بجليل أعمالها . إن أمة يدوى فيها كتابها بآيات العزة والسيادة ثم لا تسود لجدير بها أن تذل فى الدنيا وتخزى فى الآخرة ، إن الله قد ألزمنا جميعا فريضة الجهاد ، وندبنا للنفير ، ودوت آياته " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون "

الشريف - يا أمير المؤمنين ـ إن أنفسنا وأموالنا وما نملك فداء لديننا وعقيدتنا ، وإن الله قد ولاك أمرنا وأوجب طاعتك علينا ـ فضع ذلك منا فى الموضع الذى يعتز به الإسلام ،ويسعد به المسلمون

المعز - ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم )

جوهر - ( ينهض ويده على قبضة حسامه ) لن ترد هذه السيوف إلى أغمادها حتى تأوى عقارب الفتنة والالحاد إلى أوكارها . فمن ألقى السلم نجى نفسه ومن تمرد وعصى أتينا به طائعا أو كارها .

المعز - بارك الله فيك يا جوهر ، امض الآن إلى ساحة القصر الخارجية ، وليدع الجيش إلى استعراض عام ، ولتصطف الكتائب وتسو الصفوف وسأكون فى طليعة الجيش عندما يدوى النفير .

الشريف - وليأذن مولاى الخليفة أن أخرج فى أولادى وعبيدى وأنصب خيامى إلى جانب عسكر جوهر

المعز - لا بأس أيها الشريف إنكم أبناء عمومتنا ، وعماد دولتنا .

الوزير جعفر - وهل يسمح مولاى أن يكون جيش مصر ، إلى جوار جيش المغرب ؟

المعز - بل هو الأمر الواجب اتباعه ، إن العقيدة تجمع المسلمين فى صف الصلاة من شتى الأقطار فلا يعرفون لهم وجهة إلا الكعبة ، ولا لغة إلا القرآن ، ولا وطنا إلا الإسلام .

وإن الأمر فى الجهاد كالأمر فى الصلاة ، فلا مصرى ولا مغربى ، ولكن مسلم يجاهد بقوة الايمان ، ويضرب بسيف الله ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )

حماد - وليأذن لى مولاى فى المضى إلى ساحة الجهاد . فإن فى بريق العيون ، والتماع السيوف ، وتوثب الهمم لمادة للقول ، ومعينا على البيان

المعز - ومن أوتى بيانا فاستخدمه فى إظهار الدعوة والدفاع عنها فليس نصيبه بأقل من نصيب المجاهدين ، فامض يا حماد ، بل امض يا حسان

( يخرج جوهر والشريف والوزير وحماد )

( تسمع ضجة ويدخل سجين يرسف فى قيوده بين جنديين )

السجين - بل يعفو على أمير المؤمنين

المعز - ما شأنك أيها الرجل

السجين - يا أمير المؤمنين ، قدر سبق ، وقضاء حم ، وفى يدك العفو ، وأنت معقد الأمل والرجاء

المعز - أوضح يا رجل ما أمرك

السجين - امتدت يدى إلى السرقة فأتيت جليلا وركبت عظيما

المعز - مالك عندنا من شفاعة

السارق - لقد أخرج من فى السجون جميعاً ، ولم يبق غيرى من أرصده القعاب لاقامة الحد

المعز - لو سألتنا غير ذلك لأجبناك إليه . إن هذا الحق من حقوق الله . وهذا الحد من وحيه وتشريعه أليس كذلك أيها القاضى ؟

القاضى - ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله )

المعز - لا تبديل لهذا القول ولا استئناف لهذا الحكم ولا شفاعة فى حد ، ما كنت لأعطل حدا من حدود الله ( يشير إلى المصحف ) إن هذا الكتاب يجب أن تقام أحكامه . وينفذ تشريعه وتكون آياته الناطقة مواد القانون ، وتوجيهاته العالية مرد الأحكام ، الا فاعلمى يا مصر أن حد السرقة القطع ، وحد الزنا الرجم أو الجلد ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ( إلى الجنديين ) إذهبا به فأنفذا حكم الله فيه ، ولتعلق يده على باب القصر ليراها جميع الناس ، وليكن ذلك باشرافك أيها القاضى

القاضى - أعز الله بك الحق يا أمير المؤمنين ( يخرجون )

المعز - ان يداً واحدة نقطع فى الأمة لتكفل لها الحماية من وقوع آلاف الجرائم والمنكرات ،لماذا نقطع الرقاب المجرمة ولا نقطع الأيدى الأثيمة إن التفريط فى أحكام الله إشاعة للمفاسد ، وتستر على الجريمة . فلا والذى بعث محمداً بالحق ما رأيت عوجا إلا أقمت من مائله ، ولا كذبا إلا انتقمت من قائله ، حتى يستقيم الأمر ، ويستقر الحكم ، ويكون الدين كله لله

( يدخل جنديان يحملان مقعدا على محفة )

المجاهد - سوف يأذن لى أمير المؤمنين ( يضع الجنديان المحفة ويقفان )

المعز - وأنت فما أمرك

المجاهد - رأيت الجيش تصطف كتائبه وتخفق راياته ، فطارت نفسى شوقا إلى الجهاد ، فحملت إلى الميدان فنحيت عن الجيش ، فلجأت إلى حماك أستجير من القعود ، وأستعيذ من التخلف ، وأستأذن فى الجهاد

المعز - أنت ممن حضر فتح مصر

المجاهد - أجل يا أمير المؤمنين

المعز - وقطعت زجلاك ويدك اليمنى فى الجهاد

المجاهد - أجل يا مولاى

المعز - وماذا تريد بعد ذلك

المجاهد - أريد أن أموت فى سبيل الله ، أريد أن أجاهد إلى آخر نسمة فى حياتى ، أريد أن أبرهن على أن الإسلام لا يتفق مع الجبن ، وأن المسلم لا يحيا إلا شجاعا مجاهداً

المعز - لقد ذهب من جسمك ما يمكنك الدفاع به فماذا بقى لك بعد ذلك

المجاهد - بقى لى يا أمير المؤمنين قلب لا يخاف الموت ولا يعرف الجبن ، وعزيمة لم يقتلهاالنعيم الزائف ولا ذهب بشهامتها حب الدنيا ، ولعمرى إن هاتين الخلتين لهما قوة المجاهد وعدة الشهيد

المعز - صدقت يا رجل ، فى قصرى تقطع يدان يد لاقامة الحد ، ويد لاقامة الجهاد ، وكلاهمافى سبيل الله

( ينفخ فى البوق ويسمع النشيد )

عشت براً وأميناً يا أمير المؤمنينا أنت للاسلام رمز تنفذ الأحكام فينا

( يزحف المجاهد حتى يقترب من باب المسرح ) المجاهد - أيها الأبطال انى قاعد بالرغم منى ليتنى يا ليت أنى لا أرى فى القاعدينا فاحملونى طار عقلى واربطونى فوق رحلى اننى قد بعت أهلى بجهاد الكافرينا

( يشير الخليفة إلى الجنديين فيحملانه ويخرجان . يدوى النفير )

المعز - لبيك يا داعى الجهاد ، ما أشوقنى إلى استعراض صفوفى ومشاهدة جندى ، فى يمينى قوى ثلاث الجيش والأسطول ، والأزهر . الآن استقام أمرى واستقر سلطانى . . اليوم تسود مصر الدنيا وتقود أمم العروبة والإسلام ( ينظر إلى السماء ) قفى أيتها الغمامة فى كبد السماء ، إن سلطانى يتحداك بل سيرى حيث شئت فلن يجى إلا إلى خراجك إحذرى سلطانى ، وما سلطانى إلا من سلطان الله

" ستار "