مشروع النهضة عند حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مشروع النهضة عند حسن البنا

الإمام حسن البنا

إذا نظر الباحث المنصف إلى ظواهر البعث والإحياء والنهضة والتجديد والإصلاح، والمشروعات الحضارية النهضوية، وحركاتها وتنظيماتها على امتداد أوطان الأمة الإسلامية، وفي خارجها حيث توجد الأقليات الإسلامية، فسيجد أن ظاهرة الصحوة الإسلامية ومشروعها الحضاري، هي أقوى ظواهر هذا العصر الذي نعيش فيه وأعمقها!.

ولا يوجد خلاف على أن الشيخ حسن البنا يمثل الأبوة والريادة بالنسبة لهذه الظاهرة الكبرى، التي تمثل أمل النهضة لدى الإسلاميين. وقد كانت إمامة البنا وريادته لهذا الإحياء الإسلامي المعاصر، يمثل الحلقة المعاصرة في سلسلة حلقات هذا الإحياء الإسلامي الحديث، فقد كان امتدادا متطورا لمرحلة "النشأة" و"التبلور" التي تمثلت في حركة "الجامعة الإسلامية" التي تزعمها جمال الدين الأفغاني، وكان الشيخ محمد عبده المهندس الأول لتجديدها الفكري، كما مثل الشيخ محمد رشيد رضا الامتداد، الذي حمل رسالتها –عبر مجلة (المنار)– إلى العالم الإسلامي على امتداد أربعين عاما، ثم أسلم أمانتها إلى الشيخ حسن البنا، الذي واصل إصدار(المنار) لعدة سنوات، كما أخذ في تفسير القرآن الكريم من حيث انتهى رشيد رضا، الذي سبق وواصل تفسيره من حيث انتهى محمد عبده، والذي حافظ – في البرنامج التثقيفي لجماعته – على تدريس كتب: (رسالة التوحيد) و(الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) للإمام محمد عبده، و(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لعبد الرحمن الكواكبي (1270-1320 هـ / 1854-1902م).

وذلك لتأكيد قسمة "التواصل" و"الامتداد"، مع "التطور" الذي انتقلت به الظاهرة الإحيائية والتجديدية –على يديه– إلى "الكيف" الجديد والمعاصر، الذي استجاب ويستجيب لمتغيرات الواقع والتحديات.


مشروع البنا لنهضة الأمة

وبمناسبة مئوية الإمام حسن البنا، قدم الدكتور محمد عمارة بحثا عنوانه: (مشروع نهضة الأمة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا). تناول فيه أهم معالم المشروع الإصلاحي في فكر الإمام البنا، حيث ذكر الدكتور عمارة أن سنة 1347هـ / 1928م كانت سنة "اللحظة التاريخية" التي مثلت "التطور النوعي" لإنجاز الشيخ حسن البنا في سياق تطور المشروع الإسلامي للنهضة الحضارية، وتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام، حيث أدرك فيها هذا الرجل أن تصاعد التحديات، وثغرات الأخلاق، وعموم البلوى، إنما تتطلب الانتقال بالقضية من إطار الصفوة والنخبة – التي كانت عليه منذ )العروة الوثقى) وحتى (الشبان المسلمين) – إلى الدائرة التي تشترك فيها "الأمة" مع "النخبة"، وإلى المستوى الذي تسهم فيه "الجماهير" مع "الصفوة" في مواجهة التحديات.


وفي بحثه الذي قدمه الدكتور محمد عمارة بمناسبة الاحتفال بمئوية الإمام حسن البنا، ألقى بعض الإضاءات السريعة على معالم المشروع التجديدي للنهضة الحضارية الإسلامية، كما صاغه الإمام البنا لحركة الصحوة الإسلامية المعاصرة، ممثلة في (جماعة الإخوان المسلمين)، مؤكدا تميز الحركة عن المؤسسات الدينية التقليدية التي من وجهة نظره كانت ولا تزال واقفة عند "المتون" و"الحواشي" و"التعليقات" و"الاعتراضات" التي أفرزها عصر التراجع الحضاري –المملوكي، العثماني- والتي أقامت شبه قطيعة معرفية مع عصر الازدهار والإبداع في تاريخنا الحضاري، واتخذت موقفا غير ودي من إبداعات العصر الحديث في التجديد والإحياء؛ ولذلك أعلن حسن البنا أن جماعته هي: دعوة من دعوات التجديد لحياة الأمم والشعوب، وأنها لذلك جامعة لأصول التجديد ولمعالمه، ومستجيبة لملكات الإنسان، وملبية لشرائح الأمة ومكوناتها، وأيضا مراعية لمستوى الجماهير؛ فهي: "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية".


بين "النظر العقلي" و"النظر الشرعي"

ويؤكد د. عمارة أن الأستاذ البنا وقف بـ(التجديد الإسلامي) عند وسطية الإسلام، فقطع باستحالة الخلاف والصدام والتناقض بين "النظر العقلي" و"النظر الشرعي" في الأمور "القطعية".

وإذا كانت "طبيعة المبحث" هي التي تحدد أداة النظر فيه، وهل الأولى أن تكون "العقل" أو "الشرع" فإن اختلافهما إنما يكون في "الظاهر" وفيما هو "ظني" لم يبلغ فيه أحدهما مرتبة "اليقين"، فقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر.

وإذا كان الإسلام قد رفض "غرور العقل" و"انفراده بالنظر" في كل الميادين، ودعا إلى التوازن بين نظره والنظر الشرعي، فإنه على حد قول الإمام البنا: "لم يحجر على الأفكار ولم يحبس على العقول، بل جاء يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها".


مرونة الشريعة وانفتاحها

وحتى يكون الباب مفتوحا –حقا– أمام التجديد، جاء الإسلام –في المعاملات، والاجتماعيات، والسياسات– بالكليات؛ فوقفت شريعته –التي هي وضع إلهي ثابت– عند فلسفة التشريع، ولم تأت بتفاصيل التشريعات، وركزت على "القواعد" و"النظريات" و"الكليات" تاركة الباب مفتوحا أمام "الاجتهاد" المحكوم بهذه الكليات والقواعد والفلسفات والنظريات، ومفتوحا –كذلك– أمام التجديد الذي يضع هذه الاجتهادات في الممارسة والتطبيق، فكان هذا المنهاج الإسلامي الذي يواكب كل المستجدات بالحلول الجديدة، والذي تبقى فيه هذه الحلول الجديدة إسلامية دائما وأبدا؛ لأنها فروع وأوراق للجذور والأصول والكليات والثوابت التي لا تغيير فيها ولا تبديل.


وعن هذا الموقف الإسلامي من الكليات الثوابت، والجزئيات المتجددة، كتب الأستاذ البنا فقال: (لقد جاء الإسلام للناس فكرة سامية تحدد الأهداف العليا، وتضع القواعد الأساسية، وتتناول المسائل الكلية، ولا تتورط في الجزئيات، تدع بعد ذلك للحوادث الاجتماعية والتطورات الحيوية أن تفعل فعلها وتتسع لها جميعا ولا تصطدم بشيء منها، ولقد فرق الفقهاء في النظرة التشريعية بين ما هو من قواعد أحكام المعاملات وشئون الحياة الاجتماعية، فأفسح للنظر والاجتهاد في الثانية ما ليس في الأولى حتى لا يكون على الناس في ذلك حرج ولا مشقة (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185(.


وهذا الجديد الذي تفتح له الشريعة صدرها وتفسح أمامه الطريق، كما يكون إبداعا ذاتيا للأمة الإسلامية والعقل المسلم، يكون – أيضا – حكمة – أي صوابا عقليا – يلتقطها العقل المسلم أنّى وجدها، وبصرف النظر عن المواطن الحضارية التي أبدعتها.


إسلامية النظام النيابي الدستوري

ويرى الدكتور عمارة أن الأستاذ البنا طبق منهج انفتاح الإسلام – وخاصة في الشئون الدنيوية على مختلف الثقافات والحضارات؛ فطبقه على الموقف الإسلامي من النظام النيابي والدستوري الذي تبلور في تجارب الديموقراطيات الغربية؛ فقال: "إنه ليس في قواعد هذا النظام النيابي –الذي نقلناه عن أوروبا– ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدا عن النظام الإسلامي ولا غريبا عنه"، ويقول: "وإن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري، التي قام عليها الدستور المصري الموضوع 1341هـ /1923م – التي تتلخص في: المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب، ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات - هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه


وقواعده في شكل الحكم. ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاما آخر".


رفض التغريب ونقد الحضارة المادية

وفي مواجهة "التغريب" الذي اخترق عقل الأمة، وغدا له أنصار من بين أبنائها، يقف مشروع الأستاذ البنا ليقول: "إن الحضارة الغربية، بمبادئها المادية، قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعي على الحضارة الإسلامية، بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معا في أرض الإسلام نفسه، وفي حرب ضروس ميدانها نفوس المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم، كما انتصرت في الميدان السياسي والعسكري... وكما كان لذلك العدوان العسكري أثره في تنبيه المشاعر القومية، كان لهذا الطغيان الاجتماعي أثره كذلك في انتعاش الفكرة الإسلامية".


كما يقول أيضا: "إن مدنية الغرب، التي زهت بجمالها العلمي حينا من الدهر، وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدوله وأممه، تفلس الآن وتنتحر! فهذه أصول السياسة تقوضها الدكتاتوريات، وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات، وأصولها الاجتماعية تقضي عليها المبادئ الشاذة والثورات المندلعة في كل مكان، وقد حار الناس في علاج شأنها، وضلوا السبيل! ونحن نريد أن نفكر تفكيرا استقلاليا، يعتمد على أساس الإسلام الحنيف، لا على أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا نتقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيء. نريد أن نتميز بمقوماتنا ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة، تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد".


ويعلق د.عمارة قائلا: "كان الموقف التجديدي –إزاء الحضارات الأخرى– وسطا... يرفض "الانغلاق والعزلة" ويرفض "التبعية والتقليد" ويتخذ الموقف النقدي، الذي يميز ما بين "المشترك الإنساني العام" وما بين "الخصوصيات العقدية والفلسفية والثقافية"، فهو "التفاعل" الذي ينفتح على الدنيا من موقع الراشد المستقل، الذي لا يفقد هويته ولا يفرط في روحه الحضارية المتميزة عن الآخرين".


في مواجهة التخلف الموروث

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
الإمام البنا في إحدى خطبه

وفي مواجهة "التخلف الموروث"، دعا الأستاذ البنا إلى "التجديد"، وحدد في صراحة ووضوح أن دعوته هي واحدة من "الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب".

وطالب في النظرة النقدية للتراث والتاريخ بالتمييز بين "الدين الثابت" وبين "الفكر المتغير" و"الممارسات البشرية"؛ وهو ما يعني التطبيق لمنهاج التجديد الإسلامي في العودة إلى المنابع الجوهرية والنقية المعصومة –الكتاب وصحيح السنة– أي البلاغ القرآني، والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني، فهو "المقدس الملزم" بينما الفكر الإسلامي، والتراث الحضاري، وتجارب التاريخ، هي كنوز نحييها ونحتضنها، ونستلهم منها، لكن دون تقديس ولا تعصب ولا إلزام.

وعن هذا المنهاج التجديدي يقول الأستاذ البنا: "إن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما فلن تضل أبدا، وإن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها؛ ولهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جمعاء".

ويؤكد عمارة على أنه عندما نتأمل هذا المنهاج في التجديد الإسلامي، عند الأستاذ البنا، ونتأمل كلامه السابق، نتذكر صياغة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لذات المنهاج، عندما قال: إنه قد دعا إلى "تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى".

وبهذا المنهاج تتحول السلفية إلى تحرير وتجديد، لا إلى جمود وتقليد، كما فهمها آخرون! وهنا –أيضا– يتميز التجديد الإسلامي عن "الحداثة" –بمعناها الغربي– فضلا عن تميزه عن الجمود والتقليد.

فالجمود والتقليد قد حوّل "التراث" إلى مرجعية كادت أن تحجب المنابع الجوهرية والنقية للإسلام، حتى غدت حجابا بين العصر وبين البلاغ القرآني والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني.. وكادت المذهبية والمذاهب أن تحجب مقلديها عن منهاج النبوة.

ثم جاءت "الحداثة" –بمعناها الغربي– لتقيم قطيعة معرفية كبرى مع الموروث والتراث، والموروث الديني على وجه الخصوص، فأحدثت فراغا كاملا، فلا "التراث" أبقت، ولا هي رجعت إلى "المنابع" الأولى.


النقد العبقري لتاريخ الدولة

ويرى عمارة أنه انطلاقا من هذه النزعة التجديدية، وقف الإمام البنا هذا الموقف النقدي، وهو يقيم تاريخ الدول الإسلامية في تاريخنا الحضاري، فكان حديثه عن العوامل السبعة التي أدت إلى تحلل كيانها، ومن ثم حدوث الفراغ الذي أخذ يتمدد فيه النموذج الغربي للدولة القومية الحديثة:

"أهم عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية" – تاريخيا – هي:

أ- الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه.

ب- الخلافات الدينية والمذهبية.

ج- الانغماس في ألوان الترف والنعيم.

د- انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه.

هـ- إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة.

و- غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة، وأخذتهم على غرة.

ز- الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم، والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع.

وبهذا النقد العبقري –على حد قول د. عمارة- قدّم الأستاذ البنا للصحوة الإسلامية ميزانا تزن به نظم الحكم الإسلامية في تاريخ الإسلام.


مواجهات مختلفة

ويعدد د. عمارة مجموعة من المواجهات التي تصدى لها البنا في كتابات وتعاليمه؛ ففي مواجهة الذين اكتفوا من مقاصد "الاستقلال" بالاستقلال "السياسي" – الذي يقف عند "العَلَم" و"النشيد"! دعا الأستاذ البنا إلى الاستقلال الشامل الذي يحقق "سيادة الأمة"؛ لأن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال، فضلا عن السيادة وإعلان الجهاد، ولو كلفهم ذلك الدم والمال.

وفي مواجهة المضمون الغربي، الضيق الأفق، والانعزالي، لكل من "الوطنية" و"القومية"، والذي وجد له دعاة وأحزابا تخندق بعضها عند "الوطنية الإقليمية"، وتخندق بعضها الآخر عند "القومية العنصرية"، وافتعل آخرون التناقضات بين الإسلام وبين الوطنية والقومية... وفي مواجهة هذا الغلو، رأينا الأستاذ البنا يبعث – بالتجديد – المنهج الإسلامي الذي يؤلف بين جميع دوائر الانتماء – الوطني والقومي والإسلامي والإنساني – فيسلكها جميعا في سُلّم واحد.

وفي مواجهة الغلاة، الذين لا يرون في المجتمعات الإسلامية، وفي عقائد المسلمين المعاصرين إلا شوائب الكفر والجاهلية، فيحكمون بها على الأمة، أو على النظم والحكومات والمجتمعات، في مواجهة هؤلاء الغلاة قدم المشروع التجديدي للأستاذ البنا الموقف الإسلامي الأصيل والمتوازن، قائلا: "فنحن لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض –برأي أو معصية– إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر".

وفي مواجهة المظالم الاجتماعية التي تطحن سواد الأمة – من قبل النهب الاستعماري، ومن قبل الاستغلال الطبقي المحلي – قدّم الأستاذ البنا صفحة من أروع صفحات العدالة الاجتماعية مطبقة على واقعنا المعاصر والمعيش.

فقد تحدث الأستاذ البنا عن الواقع الاجتماعي البائس للشعب وسواد الأمة، وقدّم الحلول المدروسة والناجعة لهذا الداء الاجتماعي الذي يشل طاقات البناء والانتماء لدى الملايين. فجاء الإمام حسن البنا لينبه على دور هذا النهب الاستعماري لخيرات البلاد في "انتشار" الجماعة، وفي دعوتها لإقامة العدل الاجتماعي بين الناس؛ فقال: "إن الدعوة نشأت بالإسماعيلية، يغذيها وينميها ما نرى كل صباح ومساء من مظاهر الاحتلال الأجنبي والاستئثار الأوروبي بخير هذا البلد. فهذه قناة السويس علة الداء وأصل البلاء.

وفي الغرب: المعسكر الإنجليزي بأدواته ومعداته.

وفي الشرق: المكتب العام لإدارة شركة القناة بأثاثه ورياشه ومرتباته. والمصري غريب بين كل هذه الأجواء في بلده، محروم وغيره ينعم بخير وطنه، وذليل والأجنبي يعتز بما يغتصبه من موارد رزقه.

كان هذا الشعور غذاء ومددا لدعوة الإخوان، فبسطت رواقها في منطقة القناة، ثم تخطتها".


سنة التدرج في الإصلاح

وانطلاقا من سنة التدرج في الإصلاح، وليس الهبّات العفوية والانقلابات العنيفة، واجه الأستاذ البنا "المتعجلين" الذين يريدون الوصول السريع إلى "المقاصد"، دون المرور "بدرجات السلم" الموصلة إلى هذه "المقاصد"، ونبّه البنا على خطورة التطلع إلى تحقيق "الغايات" دون التأسيس لمقومات هذه الغايات، وسلوك طريق "المراحل" التي تفضي إلى هذه الغايات.

ذلك أن المنهاج الإسلامي في الإصلاح ليس منهاج القفز المباشر على "الدولة"، وإنما هو منهاج التربية "للأمة" أولا، لتأتي "الدولة" بعد ذلك ثمرة ناضجة نضوجا طبيعيا، ولتجد هذه "الدولة" "أمة" مهيأة ومتقبلة للمنهاج الإصلاحي لهذه الدولة الجديدة، فضلا عن رجالات هذه الدولة الجديدة وإطارات مؤسساتها.

وفي حالة الأستاذ البنا ودعوته وحركته، فإننا نلمح وعيه بهذه الحقيقة حتى وهو لا يزال في مرحلة التفكير بمشروعه الإصلاحي قبل تكوين الجماعة عام 1928م، فهو يتحدث عن الزلازل التي أصابت الإسلام وأمته ودولته، فيقول: "إنها ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجود الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس".


يقول د.عمارة: انطلاقا من هذا المنهج عرض الأستاذ البنا للموقف من "الثورة"، فتحدث عن أن الإسلام إنما جاء ثورة كبرى بكل ما تحمل هذه الكلمة من مضامين، وفي كل ميادين الإصلاح والتغيير، فهو الذي نقل وينقل الناس والمجتمعات من الجاهلية إلى الإيمان، ومن الظلمات إلى النور، وهو الذي يحيي موات النفوس والمجتمعات بما يحدثه فيها ولها من تغيير جذري وعميق وشامل في كل الميادين.

وعن هذه الحقيقة قال الأستاذ البنا: "إن الإسلام ثورة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، يزلزل الأوضاع الفاسدة، ويحطم صروح البغي والعدوان الشامخة، ويجدد معالم الحياة وأوضاعها، ويقيمها على أثبت الدعائم... إنه ثورة على الجهل... وثورة على الظلم بكل معانيه: ظلم الحكام للمحكوم... وظلم الغني للفقير... وظلم القوي للضعيف... وثورة على الضعف بكل مظاهره ونواحيه: ضعف النفوس بالشح والإثم، وضعف الرؤوس بالغباء والعقم، وضعف الأبدان بالشهوات والسقم".

لكن الأستاذ البنا ينبه على أن "الجماعة" ليس في نيتها استخدام "العنف الثوري" الذي تخشاه الحكومات؛ لأن منهج الجماعة هو الإصلاح بالإسلام، وفق منهاج التدرج، وعبر الإعداد المرحلي، اللهم إلا إذا فرض الآخرون على (الجماعة) هذا العنف الثوري، باستخدامه ضدها، وعندئذ تكون مكرهة على رد العدوان بمثله!

وفي صياغة هذه "المعادلة الصعبة" ميز بين "إعداد القوة" التي هي طريق الإصلاح والتغيير وبين "الثورة" التي هي "أعنف مظاهر القوة"، والتي لن يلجأ إليها (الإخوان) ابتداء، ولن يسلكوا سبيلها إلا إذا فُرض عليهم، كما يُفْرض القتال على المؤمنين –وهم له كارهون-!