مشكلة الشرعية في العالم العربي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٩:٢٨، ٢ فبراير ٢٠١٢ للمستخدم Elsamary (نقاش | مساهمات) (حمى "مشكلة الشرعية في العالم العربي" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مشكلة الشرعية في العالم العربي

إنَّ مصطلح الشرعية من المصطلحات الملتبسة حتى على المثقفين في العالم العربي، كما أنه من المصطلحات الخطيرة، ذلك لأن الأنظمة الحاكمة تستخدمه كسلاح ضد خصومها بُغية نفيهم وعزلهم سياسيًّا عن الجماهير، باعتبارهم فاقدي الشرعية، بل كثيرًا ما يُستخدم هذا السلاح للقبض على الخصوم ومحاكمتهم وسجنهم.

وللأسف الشديد لا يقتصر انتضاء هذا السلاح على السلطات الحاكمة فحسب، بل يستخدمه أيضًا الفرقاء المتصارعون من السياسيين والمثقفين على السواء، كل فريق يشرعه في وجه غريمه، ويرميه به حتى يصرف الناس عنه ويخيفهم منه، وينفيه عن ساحة المنافسة، ومن ثَمَّ كان لا بد من وقفةٍ تُزيل الضباب والغبار عن وجه هذا المصطلح وتشرح معناه بموضوعية وتجرد، وتفك الاشتباك الحادث بينه وبين غيره من المصطلحات.

إنَّ الناسَ منذ أن وصلوا إلى الديمقراطية وارتضوها كصيغة للحكم، اتفقوا على أن يحكم الشعب نفسه، ولما كان مستحيلاً أن يكون الشعب كله حاكمًا ومحكومًا في نفسِ الوقت اتفقوا على انتخابِ نواب عنهم بإرادتهم الحرة المستقلة ينوبون عنهم في سلطة التشريع والرقابة، وعلى انتخاب رئيس للسلطة التنفيذية (رئيس جمهورية أو رئيس وزراء) حسب نظام الحكم (رئاسي أو برلماني)، ويتم انتخاب السلطتين كلتيهما من تجمعات سياسية متنافسة (أحزاب) لكل منها برنامجه الخاص، ولها جميعًا فرص متكافئة في شرح برامجها والدعاية لها، ولها أيضًا من ثَمَّ فرصها المتكافئة في الحصول على تأييد غالبية أفراد الشعب لها وبالتالي الوصول إلى الحكم، والحزب الذي يحوز أغلبية أصوات الشعب هو الذي يتبوأ مقاعد السلطة لينفذ البرنامج الذي ارتضته هذه الأغلبية.

كما أنَّ القوانين التي يسنها البرلمان لا بد وأن تحظى بموافقة أغلبية نواب الشعب، بالإضافةِ إلى أنه يحق لنواب الشعب إقالة الحكومة عن طريقِ سحب الثقة منها، وهكذا يتضح أنَّ وجود الجماعات السياسية (الأحزاب) أو رفضها، نجاحها أو فشلها، بقاءها في السلطة أو إخراجها منها مرتهن بإرادة الشعب، فهي المرجعية الوحيدة في النظم الديمقراطية، وليس لأحد أن يفتات على هذه الإرادة أو يزيفها أو يكرهها على شيء، وهذا باختصار هو معنى الشرعية وحقيقتها، فما يرضى عنه الشعب فهو شرعي (الأحزاب، والحكومة، والقوانين) وما يرفضه وينصرف عنه فهو غير شرعي، وهذه هي الشرعية الديمقراطية أو الوضعية.

ويزيد الإسلاميون إلى تعريف الشرعية شرطًا آخر ألا وهو الموافقة للشريعة الإسلامية أو على الأقل عدم التعارض معها.

وذلك في برامج الأحزاب أو في القوانين، وذلك بالإضافة إلى الرضا الشعبي، فالمرجعية العليا هنا للشريعة الإسلامية، والشعب هو مصدر السلطات، وهذا ما يُسمَّى بالشرعية الإسلامية، ولقد عبَّر عنها الخليفة الأول أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- في أول خطبةٍ له بعد بيعة الصفوة في السقيفة وبيعة عموم الناس في المسجد حيث قال: "لقد وُليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، إن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوموني...إلخ".

في ضوء هذا الكلام لو نظرنا لعالمنا العربي لوجدنا أن الشرعية تمثل مشكلة معقدة ومزمنة فيه من أقصاه إلى أقصاه، فالأنظمة فيه تنقسم إلى ثلاثة أنواع تلتقي في بعض الصفات وتختلف في بعضها، إلا أن القاسم المشترك الأكبر فيها أنها لا تستمد مشروعيتها من الشعب وإن ادعت غير ذلك.

فالقسم الأول منها يعتمد على الوراثة ويستمد مشروعيته منها وهي الأنظمة الملكية التي يتوارث الأبناء والأخوة فيها الحكمَ دون أن يكون للشعب أي رأي في ذلك، وللأسف الشديد فقد بدأت عدوى التوريث تسري إلى بعض الأنظمة الجمهورية أيضًا، ويتولى الملوك الحكم مباشرة، فهم الذين يرسمون السياسات ويعينون الوزارات ويقيلونها بعيدًا عن رأي الشعوب وإرادتها، ولقد تغلبت الدول الغربية التي أبقت على النظام الملكي فيها على هذه المشكلة بأن جعلت الملوك رموزًا يملكون ولا يحكمون، إلا أن هذا الأمر في بلادنا ما زال بعيدًا.

القسم الثاني وهي النظم التي تستمد مشروعيتها من القوة فيما يُعرف بالشرعية الثورية أي تستند في بقائها وتنفيذها على جناحي القوة: الجيش والشرطة، وتلغي إرادة الشعب إلغاءً تامًّا، بل تسوقه إلى حيث تريد، أمرها هو القانون وحكمها هو القضاء، وهي نظم عسكرية ديكتاتورية.

القسم الثالث نظم ديمقراطية الظاهر ديكتاتورية الحقيقة، تسمح بالتجمعات السياسية المحدودة والمقيدة والمرهونة بمشيئتها، وتسمح بانتخابات برلمانية تزيف من خلالها إرادة الشعوب، فتتكون برلمانات أعضاؤها أقرب إلى المعينين منهم إلى المنتخبين، ومن ثم يكون ولاؤهم للحكومة لا للشعب، ويسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة في مقابل مجاراة الحكومة في كل ما تريد في اتفاق غير مكتوب، ضاربين عرض الحائط بحريات الشعب وإرادته ومصالحه.

وفي نفس الوقت تحظر هذه النظم جميع التيارات الشعبية الأصيلة التي تنحاز للشعب وتستند إليه وتستمد منه، وتشرع من أجل ذلك قوانين وتشريعات من هذه المجالس والبرلمانات التي يتم تشكيلها حسب رغبة النظام، وهذه النقطة بالذات هي سبب الخلط- بحسن نية أو بسوء نية- لدى بعض الناس؛ إذْ يعتبرون أن القوانين التي تصدرها البرلمانات تكون دائمًا شرعية، وهذا الكلام يحتاج إلى ضبط، فالبرلمانات الشرعية تصدر قوانين شرعية (إما وضعية وإما إسلامية) والعكس أيضًا صحيح، فكم من أوضاع قانونية ليست شرعية، وكم من أوضاع شرعية غير قانونية في عالمنا العربي.

وهذه الأقسام الثلاثة كما أن لها خصائص مختلفة، فإن لها أيضًا خصائص مشتركة تلقي بظلالٍ داكنةٍ على قضية الشرعية، فالقسمان الأول والثالث يعتمدان أيضًا على القوة المستترة في مواجهة الشعوب، هذا جوهر المشكلة، ولقد استشرفت الشعوب العربية للشرعية يوم رأت رياح الحرية والديمقراطية تهب على دول أوربا الشرقية أملاً أن تعرج على ديارها، ثم خاب فألها، وانكمش أملها إلى جذوة متقدة في النفوس تتحول إلى إحساس بالمرارة والحسرة وهي ترى بين الفينة والفينة بلدًا في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا يستعيد شرعيته، لا سيما والشعوب العربية تسبق تلك البلدان في مضمار الحضارة بعشرات القرون.

فالرجاء أن يجتمع العقلاء- كل العقلاء- على مفهوم الشرعية، وعلى تطبيق حقيقتها وجوهرها، ولا سيما وأن الأخطار التي تتهددنا تفرض تلاحم الحكومات مع الشعوب، وتلاحم الأمة العربية كلها في ظل شرعية صحيحة، إذ أنها (أي المخاطر) أكبر من كل الحكومات.


المصدر