مصطفى الشكعة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٩:٠٢، ٩ أبريل ٢٠١٣ للمستخدم Ahmed s (نقاش | مساهمات) (للمزيد)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مصطفى الشكعة وعلاقته بالإخوان المسلمين


إعداد : موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

بقلم/ محمد الصياد

من هو الدكتور مصطفى الشكعة ؟

ولد الدكتور مصطفى الشكعة عام 1917 ، في قرية محلة مرحوم، المجاورة لمدينة طنطا بمحافظة الغربية، وتعلَّم في مدارسها الابتدائية، وحين تُوفي والده انتقل للإقامة مع أخيه الأكبر الذي كان موظفًا في القاهرة، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة .

وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1944 ونال الدكتوراه عام 1954 قبل أن يعمل مستشارًا ثقافيًا لمصر في واشنطن في الستينيات.

وأصبح عميدًا لكلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1976.

وفي السبعينيات والثمانينيات عمل أستاذًا في ثلاث جامعات عربية هي جامعة بيروت العربية وجامعة أم درمان وجامعة الإمارات العربية المتحدة .

ونال الشكعة جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1989 وله مؤلفات منها «إسلام بلا مذاهب» و«فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين» و«بديع الزمان الهمذاني رائد القصة العربية والمقالة الصحفية» و«أبو الطيب المتنبي في مصر والعراق» و«معالم الحضارة الإسلامية».

وله باللغة الإنجليزية كتابان هما «مقالات في الدراسات الإسلامية» و«التربية والتعليم في العالم العربي .

كان الدكتور مصطفى الشكعة طالبًا في كلية الآداب يتلقى العلم على كثير من المستشرقين ، لكن كان مصطفى الشكعة يُعارض كل رأي لا يرضاه، ولذلك فإنه تصدى لبعض الآراء التي كان الدكتور طه حسين يلقيها في محاضراته، منها موقفه من مصطفى صادق الرافعي في ذلك الوقت .

ويُذكر للدكتور مصطفى الشكعة فضل إدخاله تدريس اللغة العربية في كثير من الجامعات الأمريكية - أثناء إقامته في الولايات المتحدة - والإسهام في تطوير الجامعات المصرية منذ سنـة 1959م، ومراجعة مقررات اللغة العربية والتربية الإسلامية في مدارس دولة الإمارات العربية المتحدة، وكتابة بعض المواد العلمية في دوائر المعارف الإسلامية.

نال جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1989 وله عديد من المؤلفات في شتى العلوم والمعارف الإسلامية أشهرها "إسلام بلا مذاهب" الذي طُبع أكثر من ثلاثين طبعة، قال عنه الشكعة "أشير في هذا الكتاب إلى أنه حينما نزلت الرسالة السماوية على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان هناك إسلام واحد هو الإسلام الذي يشترط الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والأنبياء، الإسلام الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والذي فرض علينا التعلم والعمل" .

يقول الشكعة عن نفسه واصفا تلك المرحلة : تخرجت في أول العشرينات من العمر، ثم عملت لأربع سنوات مُعلمًا؛ هروباً من الجامعة ووظيفة باحث، براتب ضعيف، فانخرطت كمعلم في وزارة التربية والتعليم، وقد عملت معلمًا لسنتين من الأربعة في الخارج، كانت إحداهما في لبنان، والأخرى باليمن، وفيها كنت معلمًا في كلية المعلمين؛ ونشأت بيني وبين الإمام عبد الله بن الوزير صلة، فاستدعاني إلى مكتبه أنا وزملائي المصريين، وأصدر قرارًا بتعييني مديرًا للإذاعة، ثم أضيف إليها الدعاية، ثم أضيف إليها وظيفة أمين عام لمجلس الوزراء، ثم وظيفة مدير مكتب الإمام؛ فإذ بي وأنا في العشرينات من عمري وجدت نفسي أحكم اليمن، فكل شيء يُضاف علي .

ويقول واصفا تلك المرحلة أيضا : لقد نشأت في قرية اسمها "محلة مرحوم"، وهي من قرى مدينة طنطا, حيث بدأت حياتي العلمية في "كُتَّاب" القرية، وقضيت منذ طفولتي الباكرة في هذا الكتّاب نحو عامين, حفظت فيهما قدرًا من سور القرآن الكريم، كما تعلمت الخط والإملاء ومبادئ الحساب, ثم ألحقني والدي بمدرسة طنطا الأميرية، كما كانت تسمَّى آنذاك، ومنها حصلت على الشهادة الابتدائية، ثم التحقت بمدرسة طنطا الثانوية، ومنها حصلت على الثانوية العامة, ثم جئت إلى القاهرة في صحبة أخي الكبير.

والتحقت بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وتخرجت منها واشتغلت في التعليم الثانوي نحو 3 سنوات، ثم بمؤسسة اليونسكو التي كان مقرها قرية من قرى محافظة المنوفية، وهي قرية "سرس الليان"، واشتغلت بها نحو3 سنوات، حيث حصلت خلال هذه السنوات السابقة على درجة الماجستير ثم الدكتوراه، وفي ذلك الوقت، أعلنت جامعة عين شمس عن وظيفة "مدرس أدب"، وكنت ذلك الشخص الذي حصل على هذه الوظيفة، حيث كان مقر كلية الآداب في حي شبرا بالقاهرة .

ثم اختِرت لكي أكون ملحقًا ثقافيًّا في أمريكا، ومكثت في هذا العمل نحو 6 سنوات موصولة، عشتها جميعًا في واشنطن، مع شغل الوظيفة في كندا، حيث كانت سنوات مثمرة على الصعيدين؛ العربي والإسلامي، حيث أنشأنا لجنة اتحاد الملحقين الثقافيين العرب، وأسهمنا في التعريف بالثقافة العربية في عدد غير قليل من الجامعات الأمريكية, كما قمنا بإلقاء بعض المحاضرات في تلك الجامعات عن الثقافة الإسلامية, فضلًا عن إرسال بعض الطلاب في شكل بعثات إلى الأزهر.

وكان من بين الطلاب اثنان من أبناء "اليجا محمد"، الذي كان يدَّعي أنه رسول لجماعة "الإسلام السود"، الذين لا يمتون إلى الإسلام بأية صلة، وحينما عاد هذان الطالبان إلى أمريكا حاولا تبصير أبيهما بحقيقة الدين الإسلامي، ولكنه لم يمتثل لهما، وبمجرد وفاته تحول مليونان ونصف مليون من السود إلى الإسلام، الذي يمثل العقيدة الإلهية السليمة. هذا فضلًا عن أشياء أخرى كثيرة .

ثم عدت إلى مكاني في جامعة عين شمس، وبعد فترة وجيزة انتُدبت أستاذًا بجامعة بيروت العربية، التي كانت تعدُّ فرعًا لجامعة الأسكندرية، ومن خلالها درَّسنا لعشرات الآلاف من طلاب العالم العربي, وآلاف من الطلاب اللبنانيين في الجامعة اللبنانية، بعدها عدت مرة أخرى إلى كلية الآداب بجامعة عين شمس أستاذًا، ثم رئيسًا لقسم اللغة العربية، ثم عميدًا للكلية، وكان ذلك في المراحل المتقدمة واللاحقة سببًا من أسباب إصدار كتبي التي يعرفها الخاصة في جامعات مصر والبلاد العربية والجامعات الإسلامية.

ولا أزال حتى الآن أستاذًا متفرغًا بالكلية نفسها، هذا بالإضافة إلى انتخابي عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف؛ هذا المجمع الذي كان يسمى في العهد الملكي "هيئة كبار علماء المسلمين"، حيث لا تزال هذه المؤسسة الكبيرة تؤدي دورها الجليل في خدمة الإسلام والمسلمين دون تقصير. وفيما يتعلق بما بقي من ذاكرة الطفولة فهما والداي؛ أبي وأمي، حيث كان أبي من علماء المسلمين، كما كانت أمي من بيتٍ عُرف بالعلم والمعرفة، وكان خالي الشيخ أحمد صلاح نائبًا للمحكمة الشرعية العليا، وهو والد السفير الشهيد جمال الدين صلاح، الذي اغتيل في الصومال .

أما عن التعليم في قريتي، فيمكن القول: إن العلم المدني لم يكن معروفًا بها، وكان متعلموها أكثرُهم أزهريين أو خريجي مدارس المعلمين الأولية، وكنت أول من تخرج في كلية الآداب من أبناء قريتي، وقد أسهمت مع متعشِّقي المعرفة من أبناء القرية في تشجيع العلم بها, وهي الآن قرية كبيرة حافلة بأبناء الثقافات المتناثرة؛ من طب وهندسة وقانون وأدب، إلى غير ذلك من ألوان المعرفة .

علاقته بأهل العلم والأدب من معاصريه

يقول رحمه الله : كان أساتذتي على قدر كبير من العلم, ولقد كان لكل طالب منا أستاذ مفضل، وقد كان لجميع أساتذتي أفضالٌ عليّ، ولكن أستاذي الذي نال القدر الأكبر من احترامي وتقديري هو الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام (أستاذ أساتذة الآداب العربية والإسلامية)، من فارسية وتركية وأردية, والذي كانت علاقتي به علاقة حميمة، حيث كنت أذهب في نهاية كل أسبوع لأقضي في بيته الأمسية الأخيرة من كل أسبوع، وأتلقَّى علمه وعطفه ومحبة شباب أسرة عزام، وقد كتبت عنهم في مقدمة كتاب ظهر مرتين أخيرًا فيما يسمى بمكتبة الأسرة، جاء تحت عنوان: "عبد الوهاب عزام.. أديبًا وأستاذًا".

كما أنه من مشروعاتي التي أرجو أن يساعدني الله على تحقيقها، تأليف كتاب بعنوان: "في صحبة أساتذتي طالبًا بجامعة فؤاد الأول"، حيث آمُل أن أتناول فيه هذه الكوكبة من الأساتذة بقدرٍ يشفي غُلَّةَ القارئ, وفي مقدمتهم "عبد الوهاب عزام، وأحمد أمين, وطه حسين، وأمين الخولي, ومصطفى السقا، وإبراهيم سلامه، وشوقي ضيف".

علاقته بالأديب طه حسين

يقول الدكتور مصطفى الشكعة : وفي أثناء تلمذتي بكلية الآداب، جلست إلى كثير من الأساتذة الكبار ذوي الشهرة في عالمنا العربي، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الوهاب عزام، الذي أعتبره شيخي، ومنهم بطبيعة الحال الدكتور طه حسين، الذي درَّس لدفعتي أربع سنوات متواصلة، ومنهم الأستاذ أحمد أمين، صاحب "فجر الإسلام"، و"ضحى الإسلام"، والأستاذ أمين الخولي، الذي كان يدرِّس لنا علوم القرآن، وكان الأستاذ الوحيد الذي يتزيَّا بالزي الأزهري، والأستاذ مصطفى السقا، والأستاذ الدكتور شوقي ضيف، وأستاذ التاريخ الإسلامي الكبير عبد الحميد العبادي، الذي صار أول عميد لكلية الآداب بجامعة الأسكندرية منذ بَدْء نشأتها، وكوكبة من الأساتذة، خرَّجت عددًا كبيرًا من أساتذة الجامعات، بخاصة كليات الآداب المعاصرين .

أما عن لقائي بالدكتور طه حسين، فقد فوجئت أنا وزملائي من طلاب السنة الأولى بالدكتور طه حسين يقوم بتدريس الأدب العربي لنا, وكان معروفًا عنه أنه لا يدرِّس إلا لطلاب السنتين الثالثة والرابعة، وقد جرى تحوُّلُه إلى طلاب السنتين الأولى والثانية مع دفعتي. وكان طه حسين يدرّس لنا الأدب العربي الحديث والنقد الأدبي .

وأتذكر أنه عندما تحدث طه حسين عن مصطفى صادق الرافعي، وكان قد مضى على وفاة الرافعي سنواتٌ ثلاث، شعرنا -نحن التلامذةَ- أنه لم يقدِّم الرافعيَّ بالحجم الذي كان يمثِّله في عصره، فانتظرنا حتى انتهى درس الرافعي، حيث قال الدكتور طه حسين: "وإلى اللقاء في الأسبوع القادم مع أديب آخر"، وانصرف إلى غرفته، حيث تهامَسْنَا جميعًا بأن طه حسين لم يعطِ الرافعي حقَّه بما يتمشَّى مع خدمته للأدبيْن؛ العربي والإسلامي، في عهده.

واتفقنا ـ وكنَّا نحوَ 13 طالبًا ـ أن نذهب إلى طه حسين في غرفته، فقمنا بذلك بالفعل، وسمح لنا بالدخول، وبادرَنا بالسؤال: لماذا جئتم؟ وماذا تطلبون؟ قلت له: أنَابَنِي إخواني في أن أقول: إننا نعرف الكثير عن الرافعي في نشأتنا في بيوتنا، لأننا من أبناء المشايخ, ولقد كنا نتوقع أن نسمع أكثر مما سمعناه في تناولك للرافعي، فكان ردُّه: إنكم شباب متسرعون, ولو انتظرتم إلى الأسبوع القادم لسمعتم بقية حديثي عن الرافعي, فانصرفنا وقد انتصرنا، لأنه سوف يعاود الحديث عن الرافعي بعد أن كان قد قرر أنه أنهى حديثه عنه. وظلت لي مواقفُ متعددةٌ في تلك السنة, والسنوات التالية مع طه حسين، وكان لا يقاطعه أحد إلا الشخص الضعيف، لأنها مقاطعة مهذبة تعرّف الرجل قدره .

ولقد استمرت صلتي بالدكتور طه حسين حتى بعد تخرجي والتحاقي بعضوية هيئة التدريس بالجامعة، حيث كان يُحسن استقبالي في بيته في شارع الهرم, كما كنت أشعر بعطفٍ وأبوَّةٍ صادقة, كما لمست في أحاديثي معه أنه قد عاد إلى رحاب العقيدة الإسلامية السمحة؛ حيث كان بين الحين والحين يقول: "ومن فضل الله عليَّ كذا وكذا "، بل إنه كان يُكثر من هذه العبارة، ولذلك فإنني أعتقد أنه قد توفي على قدر سليم من العقيدة، التي تمرد عليها في فترة من شبابه، حينما كتب كتابه الذي صودر بعنوان: "في الشعر الجاهلي"، والذي أعاد كتابته بعد حذف المآخذ التي تضمنها، وأسماه اسمًا آخر، وهو "الأدب الجاهلي".

علاقته بالرافعي

يقول رحمه الله : لقد كان الرافعي من المدينة التي أنتمي إليها، وهي مدينة "طنطا"، ولقد عاش الرافعي حياته في طنطا موظفًا في المحاكم، حيث نال شهرةً كبيرةً، وقد شاهدته وأنا طفل أخرج من المدرسة بعد الظهر، حيث كان يجلس على مقهًى في شارع "التُّرعة" في مدينة طنطا، وكان زملائي الكبار حينما نمرُّ أمامه، يشيرون إليه, ويقولون، الرافعي الكاتب, وكنت أفهم من هذه أنه الكاتب في المحكمة، إلى أن عرفت قيمة الرافعي، حيث كنت أقرأ على أبي وأصدقائي بعضًا من القيم الموجودة في كتب الرافعي.

وحينما شبَّ التوق عندي، وبدأت مؤلفاتي، كان الرافعي من بواكيرها، وظهر باسم: "مصطفى صادق الرافعي كاتبًا عربيًّا ومفكرًا إسلاميًّا"، حيث طُبع الكتاب مراتٍ عديدةً، كما أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية حينما أراد أن يُصدِر بين إصداراته الكثيرة كتاب "إعجاز القرآن" للرافعي، عهد إليَّ أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب، لكي تكون مدخلًا يسهِّل على القارئ فهم لغة الرافعي وعمق فكره، لأن هذا الكتاب يتسم بالعمق، ولقد كتبت المقدمة بالفعل، وهي في حوالي 80 صفحة، حيث فوجئت بالمقدمة وحدها يُصدرِها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ككتاب مستقل في إحدى سلسلاته، وقد نفدَت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قبل صدوره، ولعلهم يُصدِرون طبعة أخرى منه .

علاقته بالعقاد

يقول رحمه الله : لقد عرفت العقاد؛ تلك الشخصية الخصبة المعطاءة الموسوعية، وكنت ألتقي به في مكتبة الأنجلو، حيث كنا نجلس سويًّا نتسامر، وكنت أجلس منه مجلسَ التلميذ من الأستاذ. فالعقاد، على خلاف ما يرى كثيرٌ من الناس، كان شخصيةً مهذبةً مؤنِسة.. أيُّ حديث معه يمكن أن يُكتب مقالًا، لذلك كان العقاد مكثرًا في مقالاته إكثارَه في كتبه.

كما أن العقاد يُعَدُّ من القلائل الذين هضمت الدولة حقهم. وإن كان تمثاله، والميدان الذي يحمل اسمه في أسوان، يمثِّل نوعًا أو جزءًا من العزاء. وستعرف الأجيال القادمة الأكثر عن العقاد مما يعرفه أبناء العهد الذي نعاصره .

أخلاق الشكعة في بيته

يقول الدكتور حسام الدين الشكعة ابن الأديب مصطفى الشكعة : كان والدي مصطفى الشكعة مع أسرته أبًا مثاليًّا يتسم بالحنان في كل مواقفه؛ حيث رعانا وتفقدنا في صغرنا وفي كبرنا، وكان شديد الحرص على مصلحتنا ومستقبلنا، وكان يقوِّم أخطاءنا بالرحمة والإقناع والمزاح الجميل، وكان يحثني- رحمه الله- أنا وإخوتي على صلة الرحم والارتباط ببعضنا في الصغر والكبر، وخاصة بعد زواجنا .

وأنّه رحمه الله كان مثال الزوج الرقيق والحنون مع زوجته؛ حيث كانت مواقفه في جميع أحواله تتمتع بالعطف والحنان واللطف والهدوء، وكان يشعر بمن حوله، ويتفقد أحوالهم ويفرح في أفراحهم ويواسيهم في أطراحهم وأحزانهم، وعلّمني وإخوتي تقديم الصدقات للفقراء والمساكين في الأعياد والمناسبات، وكان يقول لنا لا تنسوا إخوانكم الفقراء في أعيادكم؛ فالأعياد خُلقت لكي نفرح جميعًا، ومن يفرح وحده لا يقتدي بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وكان يلجأ إلى الله تعالى في كل أزماته وشدائده ويبسطها ويقول: "من توكل على الله فهو حسبه، ومن لا يثق برحمة الله لا يستحق عفوه"، وكان متفائلاً دائمًا لا تفارق البسمة وجهه؛ حيث تعرض لحادث سيارة في السبعينيات، وأصيبت أعضاؤه بكسور شديدة أدت إلى بقائه في المستشفى زمنًا طويلاً، إلا أنه كان مؤمنًا واثقًا مسرورًا بقدر الله ويقول: "الله يحبني فابتلاني".

الشكعة وجماعة الإخوان المسلمين

الدكتور مصطفى الشكعة

ويتذكر الشكعة بداية التحاقه بالإخوان حين كان مقر الجمعية عبارةً عن غرفة في إحدى الشقق السكنية في حارة عبد الله بك في (اليكنية) وهو الحي العريق المتواضع الملاصق لنهاية شارع محمد علي، وكان يسكن في نفس الحي في بيت مستقل الإمام البنا ومعه والداه وإخوته، وفيه كان الإمام يعقد اجتماعات لمريدي الإخوان، وفي إحدى هذه الاجتماعات عرض أن يتطوع أحد الأعضاء بالبحث عن مقر جديد للدعوة على أن يكون مقرًّا واسعًا .

وحول هذا الموقف الطريف يقول الشكعة: "بالفعل استجبت لدعوة الأستاذ المرشد، وبدأت أبحث عن شقة مناسبة، ووجدتها في شارع الناصرية، وهو امتداد شارع عماد الدين، وكان المكان عبارة عن شقة لا تقل غرفها عن أربعة، تطل على حديقة صغيرة، وتحدثت مع صاحب الشقة وكان اسمه (مدكور)، وكان رجلاً جسيمًا يجلس على كرسي في الشارع أمام المنزل، فقلت له نريد تأجير الشقة لجمعية الإخوان، فذكر أن إيجارها 125 قرشًا شهريًا، فوافقت وطلبت منه أن نحرِّر العقد، فضحك قائلاً: أرسِل من هو أكبر منك، فذهبت للأستاذ البنا ورويت له ما حدث فابتسم، وأرسل معي أحد الإخوان الأكبر مني سنًا، وهو المرحوم (حمدي الجريسي)، وذهبنا للشقة وحررنا العقد، وانتقل مقرُّ الإخوان إليها".

ويضيف: "قام الإخوان بعد الانتقال إلى المقر الجديد بإعداد الحديقة لتصبح مكانًا لإلقاء المحاضرات وعقد الاجتماعات، وكان الأستاذ البنا يشجِّع الشباب على العمل في أنشطة الدعوة، ويوليهم اهتمامًا خاصًا، وكان يكلفني بأن أقدم بعض العلماء الذين يلقون المحاضرات رغم شهرتهم الفائقة وسني الصغير، وكان من هؤلاء الأستاذ مظهر سعيد، والشيخ مصطفى عبد الرازق الذي كان أستاذًا بكلية الآداب ورئيسًا للجمعية الخيرية الإسلامية التي أسهمت في تسديد نفقات دراستي؛ لأن الوالد تركنا في حالة مرتبكة ماديًا، كما قدمت أيضًا محاضرات للأستاذ عمر التلمساني الذي كان على جانب كبير من الأناقة، وكانت الوردة الحمراء لا تغادر جيب سترته.

ويقول الشكعة عن علاقته بالإمام الشهيد حسن البنا : لقد عرفت الأستاذ البنا عندما كنت طالبًا، ومهما تكاثرت الآراء فيه، فإنه يظل مَعْلمًا من معالم الشخصيات الإسلامية التي أدت إلى الإسلام خدماتٍ جليلةً منفردةً في النصف الأول من القرن العشرين. ولقد كنت من أصغر الأعضاء سنًّا، كما كنت وصديقي المرحوم، سعيد رمضان، أقرب الشبان إلى قلب البنا .

أما عن جوانب التأثير في شخصية الأستاذ حسن البنا: فقد تمثَّلت في كون البنا رجلًا سمحًا، دَمِث الأخلاق، يأسرك من أول لقاء، وكان مخلصًا في دعوته، كما كان خطيبًا مفوَّهًا، ومحاضرًا من طراز فريد. ولقد قتل الأستاذ البنا ظلمًا، رغم أنه أصدر بيانًا عن قتلة النقراشي باشا، تحت عنوان: "ليسوا إخوانًا وليسو مسلمين"، فإنه قد وقع المحظور، وقتلوه على باب جمعية الشبان المسلمين .

ومما أذكره من مواقفي مع الإمام الشهيد أنني حينما التحقت بالإخوان كانت الجماعة تتخذ مقرًّا في غرفة في بيت في حارة عبد الله بيه في حي "الياكانيه" ـ قريب من القلعة ـ وذات يوم قال لي الأستاذ البنا: نريد أن تبحث لنا عن مقرٍّ مناسب في حي مناسب بإيجار مناسب، وكان لي زملاءُ طلابٌّ في الأزهر من قريتنا، يسكنون في الطرف الشمالي من حي السيدة زينب في شارع "الناصرية"، حيث وجدت بيتًا فيه حديقة، وكان إيجاره جنيهًا وخمسة وعشرين قرشًا، لكن صاحب المنزل لم يوافق على أن أقوم بتحرير العقد؛ نظرًا لسني الصغير في ذلك الوقت، فرجعت إلى الأستاذ البنا غاضبًا، فأرسل معي أحد الإخوان لتحرير العقد. وانتقلت الإخوان من غرفة إلى شقة جميلة من حي السيدة زينب-شارع الناصرية.

كما أنني كنت أقدم المحاضرين الذين يحاضرون في حديقة المنزل الذي أصبح مقرًّا للإخوان، ولفت نظر الشيخ مصطفى عبد الرازق ذلك في ذات مرة، فقال لأخي الكبير: يا محمد، أخوك يدخل الحقوق، وقد كانت هذه أمنية أبي، وقد تقدمت بالفعل للالتحاق بكلية الحقوق، ولكن عندما ذهبت إلى الجامعة قالوا: إن التقديم في كلية الحقوق قد انتهى، فكانت كلية الآداب هي وجهتي .

ويفصل القول عن رأيه وعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين في موضع آخر فيقول رحمه الله : "لم تكن هناك هيئات كافية للدعوة الإسلامية على النحو الأمثل الذي يتفق مع سماحة الإسلام وعظمة شريعته باستثناء الشبان المسلمين وجمعية الهداية الإسلامية، فكان الإخوان هم مجددو الدعوة الإسلامية، وكأنَّ الله قد بعثهم لتجديد الدين، وعلى رأسهم مرشدهم حسن البنا .

فالإخوان بعثوا الدين مرةً أخرى في قلب المجتمع، وأحيوه في النفوس، وأهم ما يميزهم تبنِّيهم للوسطية التي يتسم بها الإسلام، وهذه كانت سياسة الإخوان منذ نشأة دعوتهم؛ ولذلك فمن تشدَّد أو فرَّط فقد أخرج نفسه متعمدًا من محيط دعوتهم، وكانت رسالة الإخوان دائمًا بعيدةً عن التطرف والغلوِّ.. أما الذين انجرفوا إلى ذلك فهم قلة سارت على غير ما يتفق مع رسالة الإخوان التي هي رسالة الإسلام الخالصة .

ويشير الشكعة إلى أن علاقةً خاصةً كانت تربطه بالمرشد، قائلاً: كنت قريبًا إلى قلب الأستاذ، ثم صارت العلاقة عائليةً حين عرفنا إخوانه محمد، وجمال، وعبد الباسط، وكان يرانا مع إخوانه في المنزل فصارت العلاقة أكثر روحيةً واجتماعيةً، وكنت ضمن ثلاثة طلاب أقرب إلى قلب البنا مع المرحومَين سعيد رمضان، وأحمد رفعت .

وعن المرشد العام يقول الشكعة "كان الإمام حسن البنا رجلاً طيب السمت، ساحرًا حين يتكلم، إلى درجة تجعل كل من يستمع إليه يتعلق به، وكانت آيات الكتاب العزيز تَجري على لسانه استشهادًا بكل قضية يُثيرها، ويكاد يحفظ حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو بذلك كان واحدًا من دعاة الإسلام التاريخيين، وامتدادًا لشباب الصحابة نقاءً وحماسًا وتفرُّغًا لدعوته، حباه الله بالقبول، ثم موهبة الخطابة والتعامل الجيد مع الناس، وحفظ أسماء من يقابلهم بشكل مثير.. لدرجة أنه كان يعرف أسماء أسر كاملة؛ مما قَّربه إلى قلوب الناس.

وكان الزعماء السياسيون يحترمونه وكذلك رجال القصر الملكي، ويقيمون له وزنًا وقت أن كان أصحاب الوزن الراجح من القلة بمكان، وتبعًا لذلك يحترمون الإخوان وكان إلى ذلك نشيطًا متحركًا كثير الأسفار والارتحال داعيًا إلى الله على بينة، وكانت المدينة التي يذهب إليها يحتشد فيها الآلاف ليستمعوا إلى البنا الذي كان خطيبًا من نوع جديد غير مألوف يجمع بين الخطابة وفنِّ الاستشهاد بالقرآن والسنة، حديثه كان عميقًا فصيحًا يأسر قلوب السامعين ويجذبهم إليه جذبًا رئيفًا، وكان عف اللسان، ذا سماحة في قوله وأدب في تعامله مع الناس الذين صار معظمهم بعد ذلك من كبار أتباعه ومحبيه.

ويواصل الشكعة قائلاً: "كرس المرشد وقته كله للدعوة، بالإضافة إلى عمله كمدرس للغة العربية في مدرسة السبتية الابتدائية الأميرية، رغم المناصب التي عُرضت عليه؛ حيث كان زاهدًا فيها، وكان يرى التدريس للصغار جزءًا من رسالته، وظل يفخر بعمله مدرسًا، رغم أنه من ألمع زعماء العالم الإسلامي بمختلف أقطاره وعواصمه، ثم اندلعت ثورة اليمن التي قامت باغتيال الإمام يحيى حميد الدين، وأرسلت الثورة اليمنية تدعو الأستاذ البنا لكي يزور اليمن، وكنت إذ ذاك أعمل في اليمن، وكان القائمون على الثورة تربطهم رابطة المكان للإخوان؛ حيث كانوا يجتمعون أثناء إقامتهم في القاهرة في مقرِّهم، فلما وجَّه الثوار الدعوة إلى الأستاذ لم يستجب لها، بل أرسل أحد كبار الإخوان ممثِّلاً له في طائرة خاصة.

ولما انتهت الثورة بالفشل، وعاد الحكم إلى بيت حميد الدين أُودع المصريون بالسجن ومن بينهم ممثل الإخوان وأنا، وكنا عرضةً للإعدام لو لا أن أرسلنا برقيةً إلى وزارة الخارجية في مصر فحولها الوزير إلى النقراشي رئيس الوزراء الذي تدخل لإخراجنا من السجن وتسفيرنا إلى مصر، وحين وصلتُ إلى مصر كتبت للأستاذ حقيقة الرجل الذي كان يمثله، وطلبت فصله من الجمعية، خاصةً أنه كان أحد وجوهها البارزة، ولما لم يُبعد فقد اعتبرت نفسي مستقيلاً، واعتبرني المسئولون في الجمعية كذلك، ويؤكد الشكعة أن هذه الرسالة كانت سببًا في نجاته من الاعتقالات التي تمَّ خلالها القبض على آلاف الإخوان بعد ذلك .

ويواصل الشكعة شهادته قائلاً: "انضم الناس إلى الإخوان بأعداد غفيرة، حتى إن أغلب الشعوب الإسلامية عرفتهم دون أن يروا البنا، وبعد ذلك قام بعض المنفلتين من الدعوة بقتل الخازندار وحرق الخمَّارات التي تبيع أدوات القمار، وتواطأ بعض أعضاء التنظيم الخاص في قتل رئيس الوزراء.. الأمر الذي أدى إلى القبض على الإخوان.. البريء منهم قبل المسيء، ولكن الأستاذ البنا كتب آنذاك بيانًا وصف فيه قتلة النقراشي باشا بأنهم (ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين)، ولكن الفتنة كانت قد استشرت فاغتيل الإمام البنا.

وعن شعوره لحظة الاغتيال يقول الشكعة: "تلقيت نبأ اغتيال البنا بحزن شديد؛ لأنه كان صادق الوعد أمينًا، وباغتياله خسرت الدعوة الإسلامية أحد كبار الدعاة في تاريخها الطويل، وكان متوقعًا قتل البنا؛ لأن قتل رئيس الوزراء كان لا بد من أن يتبعه قتل من هو كفءٌ له، فالذين قتلوا المرشد العام هم الذين قتلوا النقراشي باشا".

ويقول الشكعة عن مجمل دعوة الإخوان وأصولها : إن الإخوان من طراز إسلامي صحيح نقي، أما الذين أساءوا للإسلام فليسوا منهم إطلاقًا؛ ولذلك احتفظ الإخوان بقوتهم رغم القهر الذي تعرضوا له؛ لأنهم يستمدون قوتهم من قوة الإسلام كعقيدة ودين وسلوك؛ ولأن الجماهير في مصر وغيرها لا يزالون على حبهم لدينهم والصادقين من دعاته، مؤكدًا أن دعوة الإخوان أخذت تنمو بموهبة الإمام البنا واستقامة أتباعه وصدقهم وبُعدهم عن الانحراف .

وحول مدى انتشار الجماعة في مصر حينئذ قال: إن الفترة التي كنت فيها ضمن صفوف الإخوان خلال دراستي الجامعية شهدَتْ تضاعفًا لتجاوب الجماهير معهم؛ حيث كان يحضر دروسهم الآلاف، إلى أن انتقلت دار الإخوان إلى العتبة فارتفع صوتها وأصبحت تلي الشبان المسلمين من حيث الشهرة.. لدرجة أن بعض ضباط الجيش والبوليس كانوا يحضرون المحاضرات التي يعقدونها بملابسهم الرسمية، وكانت الدولة سعيدةً بتنامي هذه الجمعيات؛ لأن الدولة كانت متدينة بطبعها، فلم يكن من الممكن قراءة ما يمسُّ الإسلام من قريب أو بعيد في جريدة يومية أو مجلة أسبوعية، كما لم يتطاول أحد على الدين إلا بعد دخول الحكم العسكري إلى مصر، ولم يكن يجرؤ أحد أن يخدش الإسلام، بل إن المحاضرات التي كانت تُلقى في الجامعة الأمريكية كان يستعين مُلْقوها بالقرآن والحديث.

وعن تأثير الإخوان في المجتمع بعد أكثر من 75 عامًا من الدعوة والجهاد لإصلاح المجتمع قال: إن الوجه المصري كان إسلاميًا حوَّله الإخوان إلى وجه إسلامي فاعل يَكثر فيه الدعاة والمتطوعون، فضلاً عن دورهم في تنمية ظاهرة الاستقامة بين شباب الجامعات.. لدرجة أن الطالبات السافرات كن يتعاطفن مع شباب الإخوان، وأصبح بعضهن يؤدين الصلاة في غرف خاصة داخل الكليات، وهو ما لم يكن موجودًا قبل ظهور حركة الإخوان .

وامتدت دعوة الشكعة وجهوده في اليمن مع إخوانه من جماعة الإخوان المسلمين ويقول رحمه الله عن تلك الفترة :

لقد ظللت في الإخوان إلى أن كنت مدرّسًا منتدَبًا في صنعاءَ باليمن، وقد كنت قريبًا إلى قلب الإمام يحيى، ولكن حالة القطر اليمني كانت تدعو إلى الشفقة، فقرًا وجهلًا وتمزقًا، وفي تلك السنة حدثت الثورة اليمنية الأولى، حيث عينني الثوار مديرًا للإذاعة، كما طلبوا من الأستاذ البنا أن يجيء إلى اليمن يبارُك عملهم, ولكنه اعتذر، وأرسل اثنين؛ أحدهما يمثِّل مكانًا رفيعًا في الجمعية، وآخر يرأس تحرير مجلة الإخوان، ولكن الرجل الذي كان ذا مكانة، ظهرت منه انحرافات شديدة، وعندما عُدت إلى مصر بعد أن فشلت الثورة وتم إلقاء القبض علينا وسجنَّا، كتبت خطابًا مفصلًا إلى الأستاذ البنا، وطالبت بفصل هذا الرجل، لأن وجوده في الجماعة يسيء إليها، وبعد أسبوعين أو ثلاثة حُلَّت الجماعة، وتم إلقاء القبض على الإخوان، غير أنني لم يتم القبض عليَّ؛ لأني كنت استقلت من الجماعة، احتجاجًا على عدم الاستجابة لطلبي بفصل العضو البارز، الذي ظهرت منه بعض الانحرافات في اليمن. ولقد ألّفت كتابًا عن رحلتي إلى اليمن، وتجربتي هناك، وذلك تحت عنوان: "مغامرات مصري في مجاهل اليمن".

وفاته

وفي هذا العام 2011م= 1432 توفي الدكتور الأديب مصطفى الشكعة عن عمر يناهز 94 عاما بعد رحلة طويلة مع الدراسات العربية والإسلامية وعلاقة قوية مع الحركة الإسلامية والصحوة الربانية المعاصرة .

وقد نعاه فضيلة المرشد الأستاذ محمد بديع .

ونعته مشيخة الأزهر الشريف ورثاه الشعراء والأدباء .

للمزيد

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

تابع أخبار متعلقة