معالم الدولة المدنية في الإسلام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مَعَالِمُ الدَّوْلَةِ المَدَنِيَّةِ في الإِسْلاَمِ


بحث مقدم لكية الشريعة بجامعة الخليل

د. ماهر أحمد السوسي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون

الجامعة الإسلامية غزة جمادى الأول 1434ه - مارس 2013م

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.

في ظل الثورات العربية، وعلى وقع الحراك الإسلامي في المنطقة، علت الأصوات التي تتحدث عن الدولة الدينية والدولة المدنية، وبدأ كثير من المسلمين العلمانيين، أو المتنورين، أو المثقفين – سمهم ما شئت – يخوفون الناس وحلفاءهم من الغرب بدولة دينية قد تنشأ في أي بلد إسلامي يسعى نحو التحرر من هذه الأنظمة المستبدة التي سيطرت على مقدرات الأمة الإسلامية ردحا ًطويلاً من الزمن، بحيث صار المسلمون في ذيل قائمة الأمم بعد أن كانوا على رأس هذه القائمة، حيث كانوا رواد الحضارة، وقادة الأمم.

هذا وإن الادعاء بأن الدولة الإسلامية هي دولة دينية، دعوى مجردة عن الأساس العلمي الصحيح، وقد أطلق هؤلاء دعواهم إما عن جهل بالإسلام ودولته، وإما عن خبث منهم، حتى يضللوا الشعوب، ويستقووا بالغرب على القوى الإسلامية الصاعدة؛ ذلك أن فكرة الدولة الدينية قد نشأت في العصور الوسطى في أوروبا

حيث كانت الكنيسة بمن يحكمها من رجال دين وباباوات يسطيرون على مقاليد الأمور في الإمارات والإقطاعيات الأوروبية في ذلك الوقت، فكان رجال الكنيسة هم الذين يولون الولاة، وهم الذين يعزلونهم، وهم الذين يعلنون الحروب ويسيرون الجيوش، وهم الذين يسنون القوانين في دولهم، ويفرضون تصورهم عن العلاقة بين الناس وبين الرب، وبين الحاكم والمحكوم

وكذلك تصورهم عن الكون، كانوا هم الذين يحددون كل هذه العلاقات من خلال تصورهم هم غير المبني على أي اساس علمي أو منطقى، وكانوا يدعون كل ذلك باسم (الرب) على أنهم هم النواب عنه، والمتحدثون باسمه، فحاربوا العلم والعلماء، واستخفوا بعقول الناس، حتى تمرد الناس عليهم، وكان ذلك بقيام ثورات التحرر في أوربا، التي نشأ على أثرها فكرة الفصل بين الدين والدولة، تلك الفكرة التي تبناها من ينتسبون إلى الحداثة اليوم من أبناء المسلمين، ظناً منهم أن الإسلام هو ذلك الدين الكنسي الذي كان سائداً آنذاك في العصور الوسطى.

هذا والمتأمل في نظام الدولة الإسلامية، والأسس التي يقوم عليها نظام الحكم، يجد أن الدولة الإسلامية ليست هي تلك الدولة التي كانت قائمة في العصور الوسطى، وسيجد أن الدولة الإسلامية هي دولة قائمة على أسس أن الحكم لله والعدل والطاعة والشورى

تلك الأسس التي تعني أن يكون كل فرد من أفراد الدولة له دوره في النظام السياسي فيها، وأنه لا رجال دين في الإسلام، وأن الشروط التي وضعها العلماء لتولي رئاسة الدولة أو أي وظيفة من الوظائف العامة فيها لا تحصر الحكم في فئة معينة، لا من المتدينين ولا من غيرهم، وأن طرق إسناد السلطة هي في غالبها تشبه طرق إسناد السلطة الموجودة في غالب الإنظمة القانونية اليوم.

وعليه فإن هذا البحث محاولة في بيان معالم الدولة الإسلامية وبيان معالمها المدنية؛ ذلك مساهمة في سد الأبواب أمام هؤلاء الذي لا بنفكون يخوفون الناس من نظام حكم إسلامي، سواء كان فعلهم هذا عن قصد أو عن غير قصد، ومن أجل تكوني رأي عام مسلم، يدفع باتجاه قيام هذه الدولة، وقد كان عنوان هذا البحث هو (معالم الدولة المدنية في الإسلام).

أهمية البحث

تتلخص أهمية البحث في الأمور التالية:

  1. الرد على من يزعمون أن الدولة الإسلامية هي دولة دينية على غرار الدولة البابوية القيصرية التي حكمت أوروبا في العصور الوسطى.
  2. محاولة تكوين رأي عام مسلم قائم على أسس علمية سليمة، يدعم باتجاه قيام نظام حكم إسلامي وخصوصاً في تلك الدول التي تحررت من أنظمتها الظالمة المستبدة.
  3. بيان معالم الدولة الإسلامية، وإظهار هذا الجانب من جوانب السياسة الشرعية الذي خفي على كثير من مثقفي المسلمين.
  4. تنقية النظام السياسي في الإسلام من كل الشوائب والشبه التي تحوم حوله.

خطة البحث

يتكون هذا البحث من المقدمة السابقة وثلاثة مباحث على النحو التالي:

المبحث الأول: مفهوم الدولة ونشأتها.

المبحث الثاني: الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة الإسلامية.

المبحث الثالث: مظاهر مدنية الدولة في الإسلام.

منهج البحث

يقوم هذا البحث على المنهج الاستقرائي الوصفي، بحيث يتتبع الباحث الأحكم المتعلقة بالموضوع من مظانها الأصلية، ومن ثم تأصيلها وتحليلها حتى يتسنى الوصول إلى نتائج مبنية على أسس منطقية وعلمية سلسمة.

الباحث:

د. ماهر أحمد السوسي أستاذ الفقه القمارن المشارك كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية غزة

المبحث الأول:مفهوم الدولة ونشأتها

للدولة باعتبارها إطار يجمع أمة من الناس معانٍ تميزها عن غيرها من الأطر الاجتماعية الأخرى؛ كتجمعات البدو في الصحراء، أو التجمعات النقابية أو الأطر الطلابية أو التنظيمات الحزبية وغيرها من الجماعات الأخرى، من أجل ذلك كان لا بد من التمييز بين الدولة وبين التجمعات الأخرى، حتى يمكننا الحديث عن نشأة الدولة، وعن خصائصها، لنتوصل إلى ما بيان حقيقة مدنية الدولة الإسلامية، وعليه فيجدر بنا أولاً تعريف الدولة في اللغة والاصطلاح الفقهي والقانوني، ثم بيان نشأة الدول، ويكون ذلك في المطلبين التاليين:

المطلب الأول: مفهوم الدولة

أولاً: الدولة في اللغة:

الدولة في اللغة من الفعل (دَول)، بمعنى انتقل من يد إلى يد أو من مكان إلى مكان؛ تقول: تداول الشيء: أي حصل في يد هذا تارة وفي يد هذا تارة أخرى، و دالت الأيام بمعنى دارت (1)، والدولة هي انقلاب الزمان، والعقبة في المال. (2)

هذا ولم أجد لأصحاب اللغة تعريفاً للدولة التي هي الكيان السياسي، وإنما أكتفوا بما نقلنا عنهم، وعليه، فإنه يمكن القول سميت بذلك لانتقال السلطان فيها من شخص لشخص، أو من حاكم لحاكم،

ثانياً: الدولة في الاصطلاح القانوني:

تعددت تعريفات فقهاء القانون الدستوري للدولة، ولكنها لم تغادر التعريف التالي:

الدولة في اصطلاح الفقه القانوني هي مجموعة متجانسة من الأفراد، تمارس نشاطها على إقليم جغرافي محدد تخضع لتنظيم معين (3)

ومن خلال هذا التعريف نستطيع القول أن الدولة في النظام الدستوري تتكون من عناصر ثلاثة هي: الشعب، والإقليم، والسلطة، هذه هي المكونات التي يتحقق من وجودها قيام الدولة في نظر الفقه القانوني.

المطلب الثاني:نشأة الدول

إنما يقصد من سياق هذا المطلب هو التعرف على النظريات التي قيلت في نشأة الدول، والمطول هو سوق هذه النظريات بعمومها لا بتفصيلها؛ ذلك أننا بصدد الحديث عن الدولة الدينية والدولة المدنية، وعليه فالمطلوب هو التعرف على ما إذا كان الواقع يثبت أن هناك دولاً دينية بالفعل، وما إذا كانت الدولة الإسلامية هي دينية أم لا.

نظرية نشأة الدولة في الفكر السياسي والاجتماعي والقانوني (4):

هناك مجموعة من النظريات التي سيقت من أجل تفسير نشأة الدولة، ويمكن حضرها في ثلاثة نظريات رئيسة هي:

أولاً: النظرية التيوقراطية:

وقد ترجع هذه النظرية نشأة الدولة إلى إرادة الإله، وقد تطورت عبر العصور إلى ثلاثة صور:

  1. الطبيعة الإلهية للحكم: وهي تعني أن قيام الدولة تمّ بإرادة إلهية، وأن الله هو الحاكم على الأرض، كما كان الحال عند الفراعنة، وبعض الرومان.
  2. الحق الإلهي المباشر: وهي تعني أن الدولة هي حق لله تعالى، وهو الذي يختار من يحكمها اختياراً مباشراً.
  3. الحق الإلهي غير المباشر: وهي تفيد كشابقتها أن الدولة حق لله تعالى، وأنه هو صاحب السلطات فيها، ولكن البشر هم الذين يختارون حاكمهم فيها.

ثانياً: النظريات الطبيعية:

هذه النظرية تقرر أن الدولة هي ظاهرة طبيعية كغيرها من الظواهر الطبعية الأخرى، وأن أص نشأتها هو رغبت أي جماعة في أن تعيش حياة سياسية منظمة.

وقد نشأت هذه النظرية بناء على مجموعة من التصورات؛ مثل تصور أن الدولة هي تطور لنظام الأسرة، كما هو الحال في نظرية (الأبوة) عند أرسطو، أو أنها نشأت بطريق الوراثة، وأصحاب هذه النظرية استندوا إلى النظام الاقطاعي الذي كان سائداً قديماً، واعتبروا أن الحكم انتقل للحاكم كونه مالكاً للإقطاعية بمن علهيا وما عليها، وهناك تصور ثالث وهو أن الدولة قد نشأت استناداً إلى أن الدولة تشبه الإنسان؛

فكما أن لكل عضو في الإنسان وظيفة ما، فإن لكل عضو في الدولة وظيفة، وبناء عليه يجب التعاطي مع الدولة كما هو الحال بالنسبة للظواهر الطبيعية، وهذه هي النظرية العضوية؛ ويبقى التصور الأخير في النظرية الطبيعية، وهو أن الدولة هي حاجة نفسية للأفراد، وأن الأفراد متساوون في الإمكانيات والمواهب، فمنهم من يميل إلى الزعامة، ومنهم من لا يحب ذلك.

ثالثاً: النظريات الاجتماعية:

تفسر هذه النظرية قيام الدولة بأنه نتيجة صراع اجتماعي يكون عبر مراحل تاريخية، بحيث ينتهي الأمر إلى غلبة فئة على أخرى، وسيطرة الفئة الغالبة على مقاليد الحكم في أي جماعة من الجماعات.

وهذه النظرية كسابقتها نشأت بناء على تصورات مختلفة مثل تصور أن الدولة نشأة بطريق القوة والغلبة، أو أنها قامت عن طريق العصبية – كما هو مفهوم ابن خلدون – أو تصور أن الدولة قامت على أساس التظامن الاجتماعي، أو التطور التاريخي، ثم التصور الماركسي، وهو أن الدولة قد نشأت بناء على الصراع الطبقي بين العمال وأرباب العمل، أو بين الفقراء والأغنياء.

رابعاً: النظريات القانونية:

وهذه النظريات تعتبر أن الدول قد قامت على أساس قانوني، وقد تفرعت عنها مجموعة من النظريات:

  1. النظرية الاتفاقية: وترى هذه النظرية أن الدولة هي نتاج اتفاق بين الأفراد، إما في صيغة عقد، وإما على شكل اتحاد فيما بينهم، مع ملاحظة أن من قالوا بهذه النظرية لا يرى أن الحكم طرف في التعاقد؛ لذا فإنه لا يتتزم قبل الجماعة التي تتنازل له عن حقها بأي شيء.
  2. نظرية المؤسسة: وترى هذه النظرية أن الدولة نشأت عبر مرحلتين: الأولى أتفاق الأفراد على مشروع إنشاء دولة وفق القانون الساري عندهم، والمرحلة الثانية هي قيام المهتمين بهذا الأمر بتحويل هذا المشروع إلى حقيقة واقعة.

هذه هي النظريات التي توصل إليها علماء الاجتماع والسياسة والقانون في أصل تشأة الدولة، والناظر في هذه النظريات على كثرتها وتعددها واختلاف موضوعها، يتوصل بسهولة ويسر إلى أنها جميعاً هي نظريات فرضية، وليس لها نصيب من الواقع، إنما هي توقعات حاول العلماء من خلال نظرهم لواقع الدول أن يتوصلوا من خلالها إلى نظرية صحيحة تبين كيف نشأة الدول؛

ومعلوم أن أحاول الدول تختلف بحسب اعتبارات كثيرة، وأهم هذه الاعتبارات في الفكر السائد في وقت من الأوقات، وكذلك ثقافة الفئة الحاكمة وطموحها، وانتمائها؛ فحينما يتغلب على سلطة رجال الدين؛ تنطبع الدولة بطابع ديني، كما كان الحال في العصور الوسطى في أوروبا

وحينما يتمرد الناس على الدين لأنه يجافي حقائق العلم، تنشأ الدول العلمانية، كردة فعل على تشجنج المتدينين الذي حكموا أوروبا في العصور المشار إليها، وساعتها يرى علماء الاجتماع أن الدولة قامت على تعاقد بين الأمة وبين السلطة الحاكمة، نظراً لما تقتضية عقيدة الراسمالية من ضرورة وجود سلطة تحمي حقوق الأفراد. وهكذا …

وبناء على ماسبق فإن فكرة وجود دولة دينية هي فكرة فرضية، حتى وإن شاعت ضمن أدبيات الفكر الروماني وفي المسيحي في وقت من الأوقات (5)، إلا أنه ليس هناك ما يدل في الواقع على أن كل دولة تنشأ إنما تنشأ حسب هذه النظرية.

وعلى فرض صحة هذه النظرية (التيوقراطية)، فإننا سنحاول في المبحث التالي بيان الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة الإسلامية؛ ذلك لتمييز نظام الحكم في الدولة الإسلامية عنه في الدول التي وسمت بأنها دول دينية.

المبحث الثاني:أسس نظام الحكم في الدولة الإسلامية

لبيان شكل الدولة أي دولة، لا بد من النظر إلى الأسس والمرتكزات التي بُني عليها نظام الحكم في هذه الدولة؛ ذلك أن نظام الحكم وطريقة إسناد السلطة من أهم الدلائل التي تدل على شكل الدولة، ٍوهذا ينطبق على الدولة الإسلامية أيضاً، فإذا ما أردنا أن نتعرف على كونها دينية أو مدنية لا بد من بيان الأسس التي قام عليه نظام الحكم فيها، وعليه فسنذكر أهم الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام في المطالب التالية:

المطلب الأول:الحاكمية لله

الحاكمية اسم مصدر من الفعل حكم، بمعنى قضى، يقال حكم بالأمر حكماً، أي قضى به (6). وكون الحاكمية لله تعني أن الله تعالى هو الحاكم على عباده، وهو المتصرف في شؤونهم جميعاً، يقول الحق عز وجل على لسان نبية يعقوب: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (7)، حيث أراد بقوله (إن الحكم إلا لله)، أي أنني لا أستطيع أن أمنع عنكم شيئاً مما قضى الله عليكم، فالله هو الحاكم في الخلائق، وهو صاحب القضاء في شؤونهم (8)

أدلة كون الحاكمية لله تعالى:

  1. قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (9) ، فالله سبحانه وتعالى قد حصر الحكم في نفسه، وبيّن أنه وحده القاضي في أمور الخلائق كما بيّنا سابقاً.
  2. قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) (10)، جاء في سبب نزول هذه الآية أنه اختصم مشرك مع يهودي، فقال اليهودي نختصم عند محمد لأنه لا يقبل الرشوة، وقال المشرك نختصم عند كعب ابن الأشرف، وهو من كبراء اليهود، ذلك لعلم هذا المشرك أن كعباً يقبل الرشوة فيرشوه، فنزلت هذه الآية تشنيعاً على المشركين الذين يطلبون الحكم عند غير الله تعالى، ويلجأون إلى بشر مثلهم يشرعون لهم (11)
  3. قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (12) ، إن الله تعالى قد رهن الإيمان بالتحاكم إلى شرعه هو وحده، مما يدل على اختصاصه عز وجل بالحكم والتشريع.

وغير ذلك من الأدلة التي تثبت أن الله واحده هو صاحب الحكم لا معقب على أمره عزوجل. وعلى ذلك فإن الحاكنية في الدولة الإسلامية لشرع الله تعالى، وقد أوكل تطبيق هذا الشرع للدولة نفسها ممثلة في السلطات الحاكمة فيها، حيث أمر الله تعالى رسوله r أن يحكم بما أنزل الله إليه، على اعتباره ولي أمر المسلمين في ذلك الوقت، فقال: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) (13)

وإذا كان الأمر لرسوله باعتباره حاكم المسلمين، فهو لكل حاكم يكون من بعده،، وإذا كان التشريع الإسلامي هو ثابت في أصوله مرن في فروعه، كما هو معلوم، فإن هذا يعني أن يجتهد أولوا الاختصاص في إنزال أحكامه على الوقائع النازلة، والقضايا الحادثة، لقول الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (14)

وبهذا نستطيع القول أن الإسلام لم يحجر على عقول المسلمين، بكون الحاكمية لله تعالى؛ ذلك أنه أشرك عقولهم في التشريع حينما أمرهم في الاجتهاد في النصوص القابلة للاجتهاد فيه، وعليه فليس الأمر خاضعاً لتصور رجال الدين ومزاجهم، وإنما هو مستند إلى تشريع يشارك فيه أهل الذكر في تصريف شؤون حياتهم بناء على تشريع مرن، يستوعب وفق نظامه العام كل ما ينزل للبشر من نوازل، ويحدث لهم من قضايا.

المطلب الثاني:الشورى

هي الأساس الثاني من أسس نظام الحكم في الإسلام، ونتناول الحديث عنها على النحو التالي:

الشورى لغة:

الشورى في اللغة من الفعل (شارً) بمعنى (جنى)؛ تقول: "شِرت العسل، وأشرته؛ أي: أخرجته، والتشاور، والمشاورة، والمشورة: استخراج الرأي بمرجعة البعض إلى البضع … والشورى الأمر الذي يُتشاور فيه" (15)

الشورى في الاصطلاح:

هي طلب الرأي من أهله وإجالة النظر فيه وصولاً إلى الموافق للصواب. (16)

أو هي: استعراض رأي أهل الخبرة في نازلة أو قضية حادثة واختيار الأوفق لشرع الله منها. ومن خلال هذين التعريفين يظهر أن المعنى الاصطلاحي للشورى لا يبتعد كثيراً عن المعنى الذي وضعته اللغة لها.

مشروعية الشورى:

الشورى مشروعة بكتاب الله تعالى وسنة نبية :

أولاً: الكتاب:

  1. قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (17)، فقوله تعالى: (وشاورهم) أمر، والأمر يفيد الوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا عن الوجوب (18)، ولو لم تكن واجبة لمأ أمر الله تعالى بها.
  2. وإذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم مأموراً بالشورى بالآية السابقة وهو المصوم بالوحي، فالأمر في حق غيره أولى وآكد.
  3. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (19)، لقد قُرِنَت الشورى بين أمرين واجبين على كل المسلمين ، وهما الصلاة والزكاة، وما كان اقترانها بينهما إلا دليلاً على أنها واجبة مثلهما ، وإلا لما كان لذكرها بينهما فائدة (20)

ثانياً: السنة النبوية:

ورد أن النبي كان دائم المشورة لأصحابه، ومن ذلك:

  1. استماع رسول الله للحباب بن المنذر في بدر. (21)
  2. مشاورة النبي لأصحابه في أسرى هوازن. (22)

مدى إلزام الشورى لرئيس الدولة:

إذا قلنا إن الشورى واجبة على المسلمين كما تبين من النصوص السابقة، فما هو مدى ألزامها لرئيس الدولة؟ في المسألة خلاف بين العلماء، والذي يهمنا من هذا الخلاف هو الرأي الراجح فيه، وهو أن رئيس الدولة إن لم يكن مجتهداً فإن الشورى واجبة في حقه، وليس له العمل بمقتضى ما يخالف من شاورهم (23)

وإذا كانت الشورى واجبة في الإسلام، وكان رئيس الدولة ملزم بمقتضاها إن لم يكن مجتهداً، ففي هذا أشارة إلى مدى مشاركة الأمة ممثلة في أهل الخبرة والاختصاص فيها في إدارة الدولة، والنظر في شؤون العامة فيها.

المطلب الثالث:العدل والمساواة

"المساواة هي أساس العدل !! ولذا كانت مبدأً عاماً يطبق على الرعية داخل الدولة، وبين الشعوب على الصعيد الدولي، كركن أساسي من سياسة الإسلام الخارجية، دون حيف أو محاباة أو تمييز بلون أو عنصر، أو لغة أو اختلاف دين" (24)

أدلة مشروعية العدل والمساواة في الإسلام:

  1. قوله تعالى: (25)، فالنص صريح في الأمر بالعدل؛ بل هو أمر مباشر في ذلك، حيث استعمل الحق عز وجل لفظ (يأمركم) للتأكيد على إقامة العدل.
  2. قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)(26)، فالآية دليل على إقامة العدل في النقس أولاً؛ حيث أداء الأمانة عدل مع النفس، ومن قدر على إقامة العدل في نفسه يصبح قادراً على إقامته بين الناس، وكأن الآية إرشاد في كيفية إقامة العدل (27)
  3. قال رسول الله : "أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرهم بأقوام ، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكوننَّ أهون على الله من الجُعلان التي تدفع بأنفها النتن" (28)، هذا الحديث يقرر مبدأ العدل والمساواة بين الناس، حيث يبين أن أصل الناس واحد، وعلى ذلك فلا مجال لتمييز أحد على أحد، بأي بسبب من أسباب التمييز.

هذا، وفي ظل منبدأ العدل والمساواة في الإسلام لا سلطة مطلقة للسلطة الحاكمة في الدولة؛ ذلك أنه لا أحد في ظل هذا المبدأ يعلو على حكم الشرع، فالكل منصاع لأمره ونهية، حاكماً كان أو محكوماً، ومن ذلك ما جاء عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (29)

ومنه أيضاً ماجاء على لسان أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة تولي الخلافة حيث قال: "أيها الناس .. .. لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أصبت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني، القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له".

والناظر في هذا النص يرى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه يؤكد على مبدأين اثنين:

الأول: أنه لا فرق في الإسلام بين الحاكم والمحكوم، حيث قال: "وليت عليكم ولست بخيركم".

الثاني: أنه لا فرق بين القوي والضعيف، فالكل أمام تحت طائلة القانون في الدولة.

وغير هذا كثير في أدبيات الإسلام يبين العدل الذي أراد الشرع أن يرسخه في أذهان الناس مهما كان مركزهم، أو كانت مكانتهم.

المطلب الرابع:الطاعة

في المطلب السابق بينت أن تمييز بين الناس في ظل الإسلام، وأن الحاكم في الدولة الإسلامية لا سلطة له مطلقة؛ بل خاطع لأحكام الشرع تماماً مثله مثل أي فرد من أفراد الأمة، وفي هذا المطلب أبين حدود العلاقة بين الحكم والحكوم، للتأكيد على أن الحاكم مقيد في سلطاته، وليس هو إلهاً كما يمكن ان يتصور.

حقيقة الطاعة ومفهومها:

المقصود هنا هو طاعة الرعية لولاة الأمر فيها، وعليه فسأبين معنى الطاعة في اللغة والاصطلاح:

الطاعة في اللغة:

هي اسم من (الطوع) مصدر (طاع)، أي لان وانقاد، وعليه، فالطاعة هي الانقياد والموافقة للغير (30)

الطاعة في الاصطلاح:

وهي في هذا الباب: موافقة ولي الأمر والانقياد له بقدر انصياعه لشرع الله عز وجل (31)

أدلة وجوب الطاعة:

قد زخرت نصوص الشرع في الكتاب والسنة بالأدلة في هذا الباب، أقتصر على ذكر البعض منها على النحو التالي:

  1. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (32)، يقول القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: " لما تقدم إلى الولاة في الآية الكريمة المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم أن يؤدوا الأمانات، وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدم في هذه الآية للرعية فأمر بطاعته عز وجل أولاً، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانياً فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثاً" (33)؛ ويكاد المفسرون يجمعون على أن هذا النص هو أمر صريح في وجوب طاعة ولاة الأمر..
  2. ‌عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني" (34)، في الحديث الشريف قرن النبي r طاعته بطاعة الله تعالى، وعلق طاعة الله على طاعته، وكذلك فقد شرط لطاعته طاعة أولياء أمر المسلمين، وهذا الربط بين طاعة النبي صلى الله عليه وسلم – وهي واجبة بلا منازع – وطاعة أولياء الأمور، إن دل على شيء فإنه يدل على التأكيد على طاعتهم؛ حيث أمر الرعية لا يستقيم بدون هذه الطاعة.
  3. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" (35)، هذا نص صريح في وجوب طاعة ولاة الأمور في الأمور كلها، حتى وإن كان المأمور به مما يثقل على نفس المأ/ورين.

هذه هي بعض الأدلة التي تبيّن وجوب طاعة الرعية لولاة أمورها، وأهم ما يبرز في هذه الأدلة هو أن الإسلام لم يعطِ ولاة الأمور أي سلطة مطلقة؛ وإنما جعل طاعتهم مشروطة بطاعة الشرع، وإن خالفوا فلا طاعة لهم، ويظهر هذا من خلال:

  1. ما جاء في الحديث الشريف عبن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ عَلَيْهِ وَلاَ طَاعَةَ" (36)
  2. ما رويناه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سابقاً، حيث قال: (وليت عليكم ولست بخيركم)، وقال: (فإن أصبت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني) (37)
  3. ما تقرر في قواعد الفقه الإسلامي من أن "تصرف ولي الأمر على الرعية منوط بالمصلحة" (38)

وعلى ذلك فإن الحاكم في الإسلام لا يطاع لذاته، ولا لأنه صاحب الولاء المطلق؛ وإنما يطاع لأنه القائم على شرع الله تعالى، وعلى مصحلة الرعية، فإن فقد هذين الشرطين فقد حقه في الطاعة كما بينا سابقاً.

المبحث الثالث:مظاهر مدنية الدولة في الإسلام

بعد الانتهاء من المبحثين السابقين، حيث استعرضنا مهوم الدولة ونشأتها، الأسس التي بني عليها نظام الحكم في الإسلام، تبين لنا أن الدولة الدينية هي فرضية تقررت نتيجة واقع وجد في أزمان معينة حكم فيه رجال الدين بعض المجتمعات، ولكن لم يثبت بالدليل عند فقهاء القانون أن أي دولة من الدول نشأت على أساس ديني؛ بل إن هذه الصفة يفرضها الأمر الواقع حينما يتسلط رجال الدين على الحكم، كما كان الحال في أوروبا في العصور الوسطى.

وكذلك تبين لنا أن الأمة قد شاركت مشاركة فعليه ورئيسية في حكم الدولة الإسلامية، من خلال ما تقرر في كتب السياسة الشرعية حوال خصائص نظام الحكم في الإسلام؛ حيث لا سلطة مطلقة لولي الأمر، وإنما كانت الحاكمية لله، من خلال شورى أهل الخبرة والاختصاص (أهل الذكر)، ومن خلال كون الحاكم في الدولة الإسلامية محكوم بأحكام الشرع مثله مثل أي فرد من أفراد الشعب، ومن خلال ما تقرر للحاكم من طاعة مقيدة بقدر تحقيقة لمصلحة الأمة.

ومن خلال هذا كله يمكننا أن نبين هنا مظاهر مدنية الدولة الإسلامية مع مقارنتها بما كان موجوداً في الدولة الدينية في أوروبا في العصور الوسطى، لنبين أنه لا علاقة من قريب ولا من بعيد لدولة الإسلام بما يسمى بالدولة الدينية

وذلك على النحو التالي:

  1. إن تعيين الحكام في الدولة الإسلامية ما كان يوماً بواسطة، وما كان باسم الرب، وإنما تعيين الحكام كان بواسطة الانتخاب، والانتخاب من أكبر المظاهر الدالة على مدنية الدولة اليوم؛ ذلك أن أبا بكر الصديق وهو أول خلييفة للدولة الإسلامية قد تولى منصبه بالبيعة، بعد أن تم اختياره من قبل المجتمعين في سقيفة بني ساعدة فور وفاة رسول الله r، حيث كان الأنصار قد تشاوروا فيما بينهم أولاً على تنصيب خليفة منهم، ثم انضم إليهم المهاجرون، ودار ما دار بينهم من سجال في هذه المسألة إلى أن انتهى الأمر برضى الجميع بخلافة الصديق – رضي الله عنه – دون أن يقول أحد من المهاجرين أو الأنصار أن الله قد عهد إليه بالخلافة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى له بذلك؛ حيث إن كتب التاريخ والسير لم تسجل هذا الأمر (39)
  2. وكذلك الحال عند تعيين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الستة أشخاص الذين أوصى الناس باختيار واحد منهم، إنما كان ذلك باجتهاده هو – رضي الله عنه – ولم يصرح أن ذلك وصية من الله – تعالى – أو من رسوله (40)، وهكذ كل من تولى الحكم في بلاد المسلمين من بعد هؤلاء.
  3. كانت كثير من الأحكام المتعلقة بالدولة تتقرر بناء على المصلحة العامة التي يقتضيها الواقع إن لم يكن في ذلك تعارض مع قواعد الشرع وتظامه العالم؛ وهذا في الإسلام كثير، منه قصة الحباب بن المنذر مع رسول الله r في تحديد موقع جيش المسلمين في معركة بدر، حيث قال الحباب – رضي الله عنه – يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله أم هي الحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بل هي الحرب والمكيدة" (41)، ولا أجد أصرح من هذا النص في بيان أن الدولة تساس مدنياً لا بناء على تعاليم رجال الدين كما كانت تفعل الكنيسة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم استجاب لأمر الحباب بن المنذر، ونزل على رأيه وغير موقعه في أرض المعركة، وأمثلة ذلك كثيرة لا تحصى في الإسلام.
  4. لم يقل أحد من علماء المسلمين يوماً أنه وسيط ما بين الله وبين الناس، كما كان يفعل رجال الكنيسة، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لم يدّعِ ذلك؛ بل إنه قال لابنته: "يا فاطمة لن أغني عنك من الله شيئاً" (42)، وقال: "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها" (43)، وما فعل ذلك صحابته من بعده.
  5. ويقلرر القرآن الكريم ذلك، ويبين أنه لا وساطة بين الناس وبين الله تعالى، حيث قال الحق عز وجل: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (44)، وقوله تعالى: (َقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (45)، إذاً فإن الله قريب من الناس، ويستجيب لهم مباشرة، بدون حاجة أن يجلس المسلم على كرسي الاعتراف، ويمتهن نفسه، فيفضي لرجل الدين بما اقترفه من آثام سترها الله تعالى عليه، ولم يعلمها إلا هو عز وجل.
  6. قول الرسول صلى الله عليه وسلم "ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به" (46)، في حادثة تأبير النخل المشهورة"، فهذا صريح في ترك الأمور إلى أهل الاختصاص يدبرونها بخبرتهم وعلمهم، كما ورد في قول الحق عز وجل: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (47)، وأهل الذكر هم المختصون في كل علم من علوم الحياة على حدة، ولا أجد ما هو أصرح من ذلك في الدلالة على مدنية الدولة الإسلامية.
  7. ثم إن علماء المسلمين، المتخصصين منهم في العلوم الشرعية بالذات، لم يفرضوا على الناس ما يتناقض مع حقائق العلم كما فعل رجال الدين في الكنيسة، ولم يقل أحد من علماء الدين أن على الناس أن يصدقوا ما توصل إليه من الحقائق العلمية ويؤمنوا به لأنه من الله تعالى؛ بل إن المسلمين هم أو من وضع النهج التجريبي القائم على التجربة والبرهان، باعتراف الناس جميعاً، وهذا يعني أنهم دائماً كانوا يخاطبون في الإنسان عقله، ولم يجبروا أحداً على قبول ما يقولون قسراً، ودليل ذلك أن ما تقرر في الإسلام لم يتناقض مع معطيات العلم بشكل من الأشكال، وأجزم القول بأن كثيرا من النظريات العلمية التي تقررت قد عاد أصحابها – وهم غير مسلمين – عنها لأنها تناقض ما جاء في القرآن بعد أن تثبت التجربة أن ما قرره القرآن هو الحقيقة التي لا تقبل الجدال، وليس أدل على ذلك من نظرية النشوء والترقي، ومراحل تكوين الجنين في الرحم وغير ذلك كثير.
  8. إن الأسس التي استند إليها نظام الحكم في الإسلام تدلل بوضوح وصراح عىلى أن السلطة في الدولة هي سلطة مدنية وليست حق إلهي؛ وقد بيّنا في المبحث الثاني من هذا البحث هذا بما يتناسب مع المقام (48)، فالشورى، ومساواة الحاكم بغيره من أفراد الرعية أمام أحكام الشرع، وطاعته في حدود مصلحة الرعية؛ كل هذه أمور هي خصائص للدولة المدنية وليس من مميزات الدولة الدينية.
  9. والأهم من ذلك كله أن نشأة الدولة الإسلامية ليست سراً، ولسنا مضطرين لافتراضها كما فعل فقهاء القانون عند حديثهم عن نشأة الدول الأخرى؛ ذلك أن الدولة الإسلامية نشأة نتيجة بيعة العقبة الثانية، التي تمت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من حضر هذه البيعة من أهل يثرب، الذين بايعوه على أن يأووه هو من يهاجر إليهم من المسلمين، وأن يمنعوه مما يمنهوا منه نساءهم وأموالهم (49)، وهذا أشبه ما يكون بالعقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل يثرب، ولا علاقة لهذه النشأة من قريب أو من بعيد بكون هذه الدولة هي دولة دينية.

قائمة المراجع

أولاً: القرآن الكريم:

ثانياً: التفسير:

  1. الرازي: أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، مفاتيح الغيب، أو التفسير الكبير، درا إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1420ه.
  2. الطبري: محمد بن جرير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420ه 2000م.
  3. القرطبي: محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب المصرية، القاهرة، ط2، 1384ه 1964م.

ثالثاُ: الحديث:

  1. البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط1، 1422ه.
  2. الترمذي: محمد بن قيس الترمذي، الجامع الكبير (سنن الترمذي)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.
  3. أبو داود: سليمان السجستاني، سنن أبي داود، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.
  4. الطحاوي: محمد الطحاوي، شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة، ط1، 1415ه 1995م.
  5. مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

رابعاً: اللغة: والمعاجم:

  1. الأصفهاني: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب الحديث، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط1، 1412ه.
  2. الرازي: محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، المكتبة العصرية، بيروت، والدار النموذجية، صيدا، ط5، 1420ه 1990م.
  3. الفيروز آبادي: مجد الدين محمد الفيروز آبادي، القاموس المحط، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1426ه 2005م.
  4. الفيومي: أحمد بن محمد القيومي: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت.

خامساً: السيرة النبوية:

  1. الواقدي: محمد بن عمر الواقدي، المغزي، دار الأعلمي، بيورت، ط3، 1409ه 1989م.
  2. ابن هشام: عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، شركة الطباعة الفنية المتحدة.

سادساً: السياسة الشرعية وكتب أخرى:

  1. علي حيدر: جرر الحكام في شرح مجلة الأحكام، دار الجيل، ط1، 1411ه 1991م
  2. الدريني: محمد فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مؤسسة الرسالة.
  3. السوسي: ماهر أحمد السوسي، حقوق الحاكم بين الشريعة الإسلامية والقوانين الدستورية، بحث غير منشور، الجامعة الأردنية، 1991م.
  4. المهدي: حسين بن محمد المهدي: الشورى في الشريعة الإسلامية، بدون طبعة، اليمن.

سابعاً: القانون:

  1. غالي: بطرس بطرس غالي ومحمود خيري عيسى، المدخل في علم السياسة، ط7، مكتبة الإنجلو المصرية، القاهرة، 1404ه 1984.
  2. الغالي: كمال الغالي، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، مطبعة جامعة دمشق، ط2، 1967.
  3. حلمي: محمود حلمي، المبادئ الدستورية العامة، دار الفكر العربي، 1964.
  4. بدوي: ثروت، النظم السياسية، 1986.

المصادر

  1. الفيومي: المصباح المنير، 1/203ز
  2. الفيروز آبادي: القاموس المحيط، ص1000.
  3. ثروت بدوي: النظم السياسية ص28، كمال الغالي: مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، ص20، محمود حلمي: المبادئ الدستورية العامة، ص115، بطرس عالي: المدخل في السياسة، ص183.
  4. انظر نظريات أصل نشأة الدولة في: غالي: المدخل إلى علم اسياسة، ض
  5. عالي: المدخل إلى علم السياسة، ص64. موريس رويان: تاريخ الأفكار السياسية المقارن، ترجمة: د. جعد قناب عائدة
  6. الرازي: مختار الصحاح، 1/78، الفيومي: القاموس المحيض، 1/2095.
  7. سورة يوسف، الآية 67.
  8. الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، 16/158،
  9. سورة يوسف، الآية 40.
  10. سورة النساء، الاية 60.
  11. القرطبي: الجامع لأحكام اقرآن، 5/263.
  12. سورة النساء، الآية 65.
  13. سورة المائدة، الآية 49.
  14. سورة النساء، الآية 83.
  15. الأضفهاني: المفردات، 1/469.
  16. حسين: الشورى في الشريعة الإسلامية، 1/28.
  17. سورة آل عمران، الآية 159.
  18. الدريني: خصائص التشريع الإسلامي، 420.
  19. سورة الش ورى، الآية 38.
  20. الدريني: السابق، ص419.
  21. مغازي الواقدي: 1/53.
  22. تفسير القرطبي، 6/113
  23. راجع مذاهب الفقهاء في مدى إلزام الشورى لرئيس الدولة في: الدريني: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص462، الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية ص111.
  24. الدريني : خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص407.
  25. سورة النحل، من الآية 90.
  26. سورة النساء، من الآية 58.
  27. الرازي: التفسير الكبير، 10/139.
  28. سنن أبي داود 4/331.
  29. صحيح البخاري، 4/275، واللفظ له، صحيح مسلم، 3/1315.
  30. الفيروز آبادي: القاموس المحيط باب العين، فصل الطاء، مادة (طاع)، الفيومي: المصباح المنير: كتاب الطاء، الطاء مع الواو، مادة (طوع)، الرازي: مختار الصحاح ، مادة (ط وع).
  31. السوسي: حقوق الحاكم بين الشريعة الإسلامية والقوانين الدستورية (بحث غير مطبوع) ص192.
  32. سورة النساء، من الآية 59.
  33. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 5/259.
  34. صحيح البخاري 4/60، 9/77، صحيح مسلم، 3/1466، ح32.
  35. صحيح البخاري، 4/60، مسلم، 3/1469، ح38.
  36. سنن الترمذي، 3/261، وقال عنه حديث حسن صحيح.
  37. انظر ص16 من هذا البحث.
  38. علي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 1/57.
  39. ابن كثير: السير النيوية، 4/492.
  40. سبق تخريجه ص15 من هذا البحث.
  41. مغازي الواقدي: 1/53.
  42. صحيح البخاري، 4/185.
  43. سورة البقرة، الآية 186.
  44. سورة غافر، الآية 60.
  45. الطحاوي: شرح مشكل الأثر، 4/424.
  46. سورة النحل، من الآية 43، سورة الأنبياء، من الآية 7.
  47. انظر هذا البحث ص10.
  48. سيرة ابن هشام، 1/432.