معايير اختيار أعضاء مجالس النواب وفق المنظور الإسلامي الوسطي (الإخوان المسلمون أنموذج)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٤:٢٧، ١٢ يناير ٢٠١٢ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
معايير اختيار أعضاء مجالس النواب وفق المنظور الإسلامي الوسطي (الإخوان المسلمون أُنموذج)

موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

إعداد: محمد الصياد

مقدمة

مجلس الشعب المصرى

اختيار نائب البرلمان "أهل الحل والعقد" ، في المنظور الوسطي الإسلامي ، لا ينبغي أن يعتمد علي العُنجهيات القبلية ، ولا الحمية الجاهلية ، ولا العصبيات المقيتة ، ولا المصالح الضيقة ، وسُبُل الاختيار في النظام الإسلامي تختلف تماما عن طرائق الاختيار في الأنظمة الوضعية والمحدثة . ذلك أننا نتعبد لله عز وجل باختيار نائب البرلمان ، فهو اختيار تعبدي ، وليس اختيارا دنيويا محضا ، لأن الدنيا عندنا تنبثق وتسير حسب ما يمليه الدين من ملامح كلية وخيوط عامة .

في الأنظمة الديمقراطية –حتى الكبيرة والعريقة منها- ، ربما تتحكم لوبيات ذات توجه معين ، اقتصادي أو سياسي أو كلاهما ، في خط سير العملية الانتخابية ، واختيار الأعضاء ، بوساطة الامبراطوريات الإعلامية الضخمة .

وكان المفكر الإسلامي الدكتور عبد الصبور مرزوق قد كتب قبل موته ببرهة من الزمن مقالا يفتتح به مجلة منبر الإسلام بعنوان "أمريكا يحكمها اليهود فهل من مدكر" ، أشار فيه إلي مدى تحكم وتغلغل اللوبي الصهيوني في رسم خارطة الامبراطورية الأمريكية السياسية والاقتصادية ، وأنه لا يأتي رئيسٌ إلا وفْق رؤية هذا اللوبي المتجذر في الحياة هناك ، والمتحكم في الامبراطوريات الإعلامية والاقتصادية ... "انظر : ميردوخ جيت أنموذج العلاقة بين رأس المال والسياسة والإعلام ص113 ، ملف الأهرام الاستراتيجي سبتمبر 2011م"

في النظام الإسلامي يجب أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب . ويجب أن يتم اختيار الكفاءات ولا مكان للمحسوبيات والقرابة ونحوها من أمور اعتادت الأنظمة المستبدة أن تجعل منها الأصول والأدبيات التي تسير وفقها .

وفي السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، يخبرنا أنه لو وُجد قائدان أحدهما شجاع متمرس علي فنون القتال ويخوض المعارك بحُنكة ودربة ، لكنه فاجر ، والآخر تقي ورع ولا باع له في فنون الحروب وأزقة القتال ، مثل ما للأول ، فالأولي أن نقدم الفاجر المتمرس لأن فجوره علي نفسه وحنكته في الحروب لصالح المسلمين .

في حين أن الثاني تقاه وورعه لنفسه وضعفه وخوره علي المسلمين .

وهذه سياسة فائقة ونظرة متأنية من شيخ الإسلام ابن تيمية ... "السياسة الشرعية، ط/دار الشعب"

فلا شك أن الخبرة مطلوبة وأن التمرس علي العمل السياسي أمر مرغوبٌ فيه أثناء مرحلة الاختيار.

النبي صلي الله عليه وسلم ولّي خالدا إمارة الجيوش والفتوحات الإسلامية ، وقبل موته صلي الله عليه وسلم ولي أسامة بن زيد وهو لم يبلغ العشرين بعد ، إمارة جيش جرار من جيوش المسلمين ، ومن تحته عمر وعثمان وعلي وخالد وسعد وكبار الصحابة ورؤوس القوم ، لكفاءته الحربية، وحماسته الشبابية .

لكن عندما تم اختيار الخليفة ، فلم يختاروا خالد بن الوليد ولا أسامة بن زيد .

وهنا لمحة مهمة جدا ، وهي أن العقل الجمعي للأمة المحمدية المشرفة عقلٌ يغربل ويختار ويسبر وينقح ، ثم يولي الأصلح .

الاختصاصية أمرٌ مهم عند الأمة المحمدية ، فخالد بن الوليد انتصر في معارك حربية في غاية الخطورة لكن مع ذلك لم يتول الخلافة ولم نسمع أحدا يطالب بذلك .

كان من الصحابة العباد ، وكان منهم العلماء ، وكان منهم السياسيون البارعون ، ومنهم القواد وأمراء الجند وقادة الكتائب والفصائل ...

لم يتدخل أحدٌ في عمل أحد ، ولم يترك أحدُهم ثغره ليرابط علي ثغر غيره ، لأن الكل في المكان الذي هو فيه يدري جيدا أنه ينافح عن دينه وأنه إذا ما أحسن النية وصفّاها فسوف يكون الأفضل.

الكل يلج الأزقة التي يدريها ، والتي لا يعرف مكامنها يتزحزح عنها .

سقطت الامبراطورية السوفيتية في عهد جورج بوش الأب ، ومع ذلك لم ينتخبه الأمريكيون لفترة رئاسية جديدة , وحدث ذلك مع أكثر من زعيم ..

فهذه الفلسفة نحتاج للتعامل معها في أدبيات ما بعد ثورة يناير .

الفئات العلمية المرابطة علي كتب التراث ، والمؤسسات الكبرى التي لم تعرف النضال السياسي من قبل ، ولم تتمرس ، لماذا تدخل المعترك السياسي ، وتترك أولوياتها في تنمية العلوم وتثقيف العقول .

لماذا لم تحترم تاريخها وتراكماتها المعرفية ، وخبراتها التي اكتسبتها في زمن كبير فيما تمارسه وتجيده من صنائع . هناك جماعات ضغط سياسي تعمل في المعترك السياسي منذ ثمانين سنة –الإخوان المسلمون أنموذج- وهؤلاء بالعقل والعرف لهم قصب السبق في فهم الواقع السياسي المعاش ، والتعامل مع المعطيات والأدبيات ذات الصلة بالواقع والأحداث . هذه الجماعات بخبراتها وتراكماتها المعرفية السياسية تماثل تماما جماعات العمل العلمي والتثقيفي ، هذه في السياسة وهذه في العلوم . فإذا ترك المنشغلون بالسياسة مهمتهم ليجيدوا العلوم ، فقد أخلوا بالفقه المقاصدي الذي هو معلم من معالم الشريعة الإسلامية ، وبفقه الأولويات . وكذلك إذا ما ترك العلماء الذين أفنوا أعمارهم لحفظ التراث والعقل والهوية ، ليشتغلوا بالسياسة زاعمين أنهم يجيدونها لأنها ليست كيمياء .

علي أن الفلسفة السياسية صارت في النظريات الحديثة علمٌ قائم بذاته ومستقل له نظرياته واتجاهاته والقائمون عليه . وجماعات الضغط الكبرى تعتمد علي كبار الفلاسفة والمفكرين وليس علي منطق الفعل ورد الفعل .

اعتمدت الإدارة الأمريكية في سياستها في فترة من الفترات علي هنري كسنجر وهو مفكر ومنظر قبل أن يكون مسئولا في الإدارة . واعتمدت المخابرات الأمريكية علي الفيلسوف السياسي فوكوياما صاحب كتاب "نهابة التاريخ" ولا زالت تعتمد علي برنارد لويس ، وغيرهم من جماعات الفكر وخلايا التدبير هناك .

إذن السياسة هناك علم وفن ، هي فن إدارة الصراعات وفن الممكن وحل الأزمات . وهذا يحتاج إلي رجال متمرسين ومطالعين لكافة النظريات المعاصرة في علم الفلسفة السياسية ، كي نعرف كيف يفكر الآخر ، وكيف يدير معاركه ، وما ماهية قوته وحدودها ، وما طموحاته الامبريالية ، وما تاريخه في كل ذلك .

لكن عندما أجد رجالا يدخلون المعترك السياسي بأجندة تحرم الفلسفة ومطالعتها ، وماضيها القريب يحرم المشاركة السياسية ، والتعددية الحزبية ، فهذا مدعاةُ –حقا- للتخوف .

لا شك أن الديمقراطية لا تقصي أحدا ،لكن ينبغي أن نفهم الأولويات ، وأن نعي الفقه المقاصدي جيدا . وأن نؤثر أهل الاختصاص "فاسئلوا أهل الذكر" .

يقول الدكتور أحمد ربيع في هذا الصدد: في هذه الأيام كَثُرَ الحديثُ عن المعايير التي على أساسها يستطيع المرء اختيار من يُمَثِّلُهُ في البرلمان خاصة مع اختلاف الرؤى والبرامج والمرجعيات والتوجهات والأفكار ، بل والانقسام الحَادّ داخل الفصيل الواحد والأيدلوجية الواحدة ... ولأننا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا فإنَّ خطابَنا الديني الوسطي يقتضي أن نُؤَسِّسَ لفقهِ الإئتلافِ ، وأن نُحارب ثقافةَ خِلْفِ خِلافٍ ، تلك الثقافة التي أنْهَكَتْ القوى السياسية والفكرية والثقافية في مصر على مَرِّ الشهور العشر الأخيرة من تاريخ مصر بعد ثورة يناير .

ولكون الشعب المصري لا يمكن تشكيل عقله وِفق رؤيةٍ واحدة لكون التّنَوِّعِ في حَدِّ ذاته ميزة إيجابية وليست سلبية .

وهذا ما عبرت عنه جماعة الإخوان المسلمين في كل مؤتمراتها بعد ثورة يناير ، وكل قادة العمل الدعوي والسياسي في الجماعة قالوا ذلك وأكدوا عليه بدء بفضيلة المرشد الدكتور محمد بديع في حواره علي قناة مصر 25 ، وفي حواره مع المذيع عمرو الليثي في برنامج 90 دقيقة ، وأكد عليه المهندس خيرت الشاطر في حواره الأخير مع المذيع أحمد منصور ببرنامج بلا حدود علي قناة الجزيرة الفضائية ، وعبر عنه كل أعضاء مكتب الإرشاد في الجماعة وقادة حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين .

أكدوا جميعا أن مصر تحتاج إلي تكاتف كل القوى السياسية ، لأن عملية البناء –بناء الوطن- لا يستطيع فصيلٌ واحد أن يقوم بها مهما كانت قوته !! كذلك إيمانا منا بالاستفادة بكل العقول والطاقات في تربة الأمة المصرية بغض النظر عن أيدلوجياتها المتباينة .

ويمكننا أن نبين الملامح الكلية التي اعتمدت عليها جماعة الإخوان في اختيار مرشحيها للبرلمان المصري ، بالاستقراء وإمعان النظر في تاريخ الجماعة وأدبياتها التاريخية في التعامل مع المعترك الانتخابي .

هذه المعايير التي يجب أن نُنَقِّبَ عنها فيمن يطرحونَ أنفسَهم كمرشحين عن الشعب سواء كانوا أحزاباً أو مستقلين ، لكن عندما نجد بعض الأحزاب تقدم علي قوائمها مجموعات من الفاكهانية وبائعي الخضراوات ويطالبون الناس بانتخابهم لأنهم سيطبقون الشريعة ، فهذا يدعو إلي حزن عميق بسبب اختلال الثقافة المجتمعية في فرز الأفضل ، وترشيح الأكفأ ، بغض النظر عن العصبيات والمصالح الضيقة . ولم نجد تلك الشروط والضوابط العليا لعملية السبر والاختيار إلا عند حزب الحرية والعدالة ، وتعرف ذلك من الآتي:


معايير اختيار أعضاء مجالس النواب

معايير الاختيار أربعة أمور ، هي :

  • إدراك الهُوية للدولة المصرية .
  • إدراك الخصوصية الحضارية للشعب المصري .
  • الرؤية والبرنامج .
  • الكفاءة .

أولاً: إدراك الهُوية للدولة المصرية

لقد اشتد الصراع في مصر بعد الثورة على مفهوم الهُوِيَّة لمصر وشعبها ودار جدال حول المادة الثانية من دستور 1971م -والتي تنص على أن دين الدولة هو الإسلام ، وأن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع- ظهرت معالمه في حالة الاستقطاب الحَادِّ والذي وَاكَبَ الاستفتاء على بعض المواد الدستورية ..(1)
وفي حقيقة الأمر لقد نتج عن تداعيات هذا الأمر خطورةُ المنعطفِ الذي تُجَرُّ إليه الأمةُ ، ومن حسن التقدير أن جميع التيارات الإسلامية وغير الإسلامية قد أدركت خطورة المُزَايَدَة على هذه المادة ، فوَجَدت أن الجميعَ قد اتفق على هوية مصر الإسلامية ، ولقد نَصَّتْ جميعُ الوثائق التي تُحاول إضاءةَ نِبْرَاسٍ لِنَسِير في ضوءه نحو المستقبل ، كوثيقة الأزهر والتحالف الديمقرطى وغيرهما ...
وفي حقيقة الأمر أن مفهوم الهوية لمصر يشمل الإسلام كدينٍ وثقافة وحضارةٍ ، كما يشمل العربية كلغة ، وقضية اللغة العربية (2) كلغة رسمية للبلاد أيضاً لا خلاف عليها .
وفي حقيقة الأمر فإننا ندعوا جميع التيارات السياسية بكافة أشكال مرجعيتها أن تقف في نظر قضية الهُوية بثقافة التأمل فيقوموا باستقراء واقع الأمة ومُكوِّنَات عقلها الجمعي ، وسوف يجدون الهوية الإسلامية لمصر حاضرة ، أما مَنْ يَأخذنا إلى صراعٍ حول هذا الأمر فإنه يستخدم ما يُسمى بثقافة الضجيج (3) والتي تعتمد على الصراخ والعويل والتخويف وتبني العقلية الهَشَّةَ والتي لا تَقْدِرُ على التفكير ، وعادة ما يسبق النشاط الفكر ، وسبق النشاط للفكرة ،َ أحدُ السِمَات التي قتلت الإنسانَ أمام نفسه ، أما ثقافة التأمل وهي عكس ثقافة الضجيج تعني النظرة الثاقبة حيث يتقدم الفكرُ النشاطَ فيأتي التعَلُّمُ قبل التكلم ، والوعي قبل السعي ، والرؤية المحيطة للواقع قبل النشاط الذي قد يفسد ولا يصلح لعدم تأمله للوسط المحيط وللظرف القائم ، بل وفقه الشرع الحكيم ، وثقافة التأمل سوف تجعلنا نبني مصر المستقبل بمعايير تحفظ للأمة ثوابتَها وتبرز حضارتَها وتُقِيمُ نهضتَها ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخري فإن ثقافة الضجيج سوف تأخذنا إلى الصراع ، وسيطرة فكرة الإقصاء بين الأطراف جميعاً .
أما ثقافة التأمل فإنها سوف تجعل التيار حديثي العهد بالسياسة من اليمين الإسلامي يتعامل مع الهوية الإسلامية وشريعتها الغراء بشيء من الحكمة والتروي ، لأن الشعب المصري لن يستطيع أحدُ أن يسلخه من عقيدته وهويته الإسلامية ، لأن التدين له سَجِيَّةٌ ، وعليه : فإن ثقافة الضجيج في الدفاع عن الهوية الإسلامية ليس له ما يبرره ، وسوف يأتي بنتائج عكسية ، كما أن ثقافة الضجيج من التيارات الأخرى التي ترى عكس ذلك ، فإنها لو أعملت ثقافة التأمل فسوف تجد أن هذا الشعب لا يمكن تطبيق نماذج فكرية وسياسية نشأت في رحم مجتمع مغاير ووفق ظروف وأوضاع وممارسات أدت إليها ولا يمكن تطبيقها حرفيا بدون التفرقة بين ما يصلح وما لا يصلح لتطبيقه على هذا الشعب الذي يمتلك خصوصيةً حضارية ونموذجاً معرفياً ، يأتي الدين في صَدْرِ مكونات هذا النموذج ، من هنا : فإن صناعة المستقبل لهذا الوطن تقتضي على كل التيارات السياسية في مصر أن تُؤسس لنموذج مصري يُدرك هويتَها وثقَلَها الحضاري وقيمَها الراسخة ، ويستقريء جميعَ الأطروحات والتجارب ، فمصر لن تكون النموذجَ الإيرانيَّ ولا التركيَّ ، وبالتالي لن تكون النموذجَ الغربيَّ العلمانيَّ ، بل مِصْرُ تحتاج إلى نموذجٍ جديدٍ ومنفرد يُدْرِكُ مفهومَ الهويةِ والخصوصيةِ الحضاريةِ ويُؤسِّسُ لقيمِ الحريةِ والمساواةِ والعدالةِ والعِزَّةِ والكرامة الإنسانية والتعايشِ السلميِّ وعدمِ التفرقةِ العنصريةِ ، فهل تُدْرِكُ جميعُ التياراتِ السياسيةِ هذا المعني وتجعل من انتخاباتِ مجلس الشعب والشورى ومن بعدهما الجمعية التأسيسية لوضع الدستور بدايةً لصنع هذا النموذج –كما ألمح الدكتور عصام العريان إلي ذلك عندما تكلم عن اللجنة التأسيسية وأن الجميع سوف يشترك في صناعة الدستور المصري وليس الإخوان فقط- ، والذي أرى أنه سوف يكون عند التيار الإسلامي أفضلَ من النموذج التركي والماليزي بل والسعودي ، وعند التيار الليبرالي والعلماني أفضلَ من النموذج الأوربي والأمريكي ، وعند اليسار أفضلَ من أي دولة تُنادي بقيمِ الاشتراكية والعدل الاجتماعي ، هذا بشرط الفهم العميق وإمعان النظر في الحالة المصرية ، هويتها وثقافتها ، وجذورها ، وثقافة أبناءها..(4)


ثانياً: إدراك الخصوصية الحضارية للشعب المصري

المعيار الثاني الذي وضعه الإخوان المسلمون في اختيار من ننتخبه لعضوية مجلس الشعب والشورى بعد إدراكه لمفهوم الهوية الإسلامية للدولة المصرية : أن يدرك الخصوصيةَ الحضارية لشعبها ..
هذه الخصوصية التي أعْيَتْ أعداء البلاد أن ينفثوا سُمُومَهم للنيل منه ومن نسيجه الوطني ، لأن لهذا الشعب خصوصيته الحضارية جعلته يتكون من لحمةٍ عجيبة مُتَمَاسِكَة لَعِبَ العِرْقُ الواحد الجامع لكلِّ أفراد شعبِها دوراً عظيماً في هذا الشأن ، فرغم أن المصريين يتكونون من مسلمين ومسيحيين إلا أن عِرْقَهم واحد ، فعندما دخل الإسلامُ مصرَ لم يترك من الجيش الفاتح مع عمرو بن العاص في مصر أكثر من خمسمائة جندي فقط فتلقف الشعبُ هذا الوافد الجديد وتَعَاطَى معه كما تَعَاطَى مع الإغريق والرومان ، وقبل ذلك مع الهُكسوس ، حيث كان رافضاً الذوبانَ مع هذا الوافد المُستعمر ، لكن حدثت المُفَارَقَة أن هذا الوافد الفاتح لم يكن جيشاً استعمارياً ، وإنما مُخَلِّصَاً من ظلم الرومان ، ولم يترك حامية عسكرية تتسلط على رِقَابِ الناس ، ولا حُكَّامَاً جَابِينَ للضرائب ، بل ترك خمسمائةَ مسلمٍ فقط ، خمسمائة داعية لدين الإسلام فانتشر الإسلام في مصر بالحُبِّ وحُسْنِ المعاملة وطيبِ الخصال ، مما جعل أقباطَ مصر النصارى يُقْبِلُونَ على الإسلام بدون إكراه بالسيف ، بل من خلالِ استقراءٍ حضاريٍ لهذا الدين الجديد ، حتى امْتَزَجَ هذا الدينُ (5) بالشخصيةِ الحضارية لهذا الشعب ، وهذا الامتزاج مع الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية حتى صار ثقافةً جامعةً للشعبِ المصريِّ لم يكن في يومٍ وليلة بل جاء على مَرِّ مِئَاتٍ من السنيين فـ "بعد مائة سنة من دخول الإسلام إلى مصر كان فى مصر 1% من المسلمين و 99% من غير المسلمين ، وبعد مائتي سنة وخمسين سنة أصبح عددُ المسلمين 25% من المسلمين و 75% من غير المسلمين، وبعد سبعمائة وخمسين سنة أصبح هؤلاء أكبرَ من تسعين أو خمسةٍ وتسعين بالمائة ، والآخرون (غير المسلمين ) 5% ......" ، وبجوار العرق الواحد المُكَوِّن لهذه الخصوصية الواقع الجغرافي ليؤكد هذه الخصوصية ، وقد لعب نَهْرُ النيل دوراً بارزاً في رَسْمِ هذه الخصوصيةِ الحضاريةِ ، فهو الذي أنزل المصريَّ القديمَ من الهضبة إلى الوادي فامتزجت ثقافةُ الزرع والإثمار في ممارسته ... مما أثمر ثقافةَ التسامحِ والتي تأكدت أكثر وأكثر بعد اعتناق الإسلام كدين وثقافة جامعة لجميع المصريين ، فلم تجد أبداً خصائصَ جغرافية معتمدة على الاختلاف المذهبي أو الديني أو حتى العِرْقِي ، فها هو المسيحي يحيى في وسطه المسلمُ آمناً على نفسه ودينه ، فتجد في البنايةِ الواحدة التجاورَ بين المسيحي والمسلم ، والذي أثْمَرَ ثقافةً جامعةً لهما معاً ، هذه الثقافة تُعَدُّ أبزرَ خصائص الخصوصية الحضارية للشعب المصري ... والتي حَمَتْ كنائسَ مصر أثناءَ أحداثِ ثورة يناير كانت هذه الخصوصية ... وللأسف الشديد تأتي بعضُ المُمَارَسَاتِ - البعيدة عن التسامح والعطاء الحضاري للإسلام - من بعض المسلمين والنصارى على السواء ، لتكون مدعاةً لبعض الأحداث الفردية والتي تُسْتَغَلُّ من قِبل أعداء هذه الأمة وهذا الشعب لإشعال الفتنة ، والتي يُروج لها بأنها فتنةٌ طائفية ، والخصوصية الحضارية لهذا الشعب تقول بأنها غُبَارٌ نُفِثَ في الهواء سُرْعَانَ ما تحملُهُ الرياحُ إلى أرضٍ بعيدةٍ .
وهو ما آمنت به جماعة الإخوان المسلمين عندما نجح علي قوائمها أول قبطي نصراني في البرلمان المصري برلمان ما بعد ثورة يناير ، وولت المفكر القبطي الكبير رفيق حبيب نائبا لحزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لها وأمرت شبابها أن يحرسوا الكنائس المصرية في احتفالات الأخوة الأقباط بعيد الميلاد آخر ديسمبر 2011م .
ومن أبرز من أدركَ هذه الخصوصيةَ للشخصيةِ الحضاريةِ لهذا الشعب الإمامُ الشافعي - رحمه الله - حيث أسَّسَ لفقهٍ جديدٍ بعدما قدم إلى مصر تاركاً فقهه القديم الذي أسسه فى العراق ، لأنه استقرأ الواقعَ والمحل فأدرك هذه الخصوصية ، بل قُلْ : وجد نموذجاً للمجتمع المسلم يصلح أن يكون الفقه الخارج من واقعه وشخصيته الحضارية نموذجاً لكل شُعوبِ بلادِ الإسلام ، حيث جَعَلَ فقهه في مصر هو مذهبه الجديد ، وإذا ذكر قولين في مسألة تخص المسلمين - في أي مكان من بلاد الإسلام - إحداهما من مذهبه القديم والأخر من مذهبه الجديد ، قدم قوله في الجديد الذي استقاه وأسسه على أحوال أرض مصر .
من هنا أدرك الإخوان المسلمون تلك الخصوصية ولم يرشحوا علي قوائمهم إلا من يدركها ويتفاعل معها ، وتاريخهم خير دليل علي ذلك .
لابد إذن أن ننتخب من يُدرك هذه الخصوصية الحضارية لهذا الشعب ، ولا يَنْجَرُّ إلى الأفكار الوافدة والتي تنفث رُوحَ الفرقةِ والطائفية والتصنيف والطبقية ، أو تخل بالحقوق والواجبات والتي يتمتع بها الجميع على قدم المساواة وبدون استثناء .


ثالثاً: الرؤية والبرنامج

من أهم معايير اختيار الإخوان المسلمين لمن يمثلها في مجلس الشعب والشورى وحتى الرئاسة : لابُدَّ من برنامج ورؤية لبناء مصر المستقبل ، رؤية لا تعتمد على الشعارات البَرَّاقة والكلمات المسبوكة والعبارات المنظومة والتي لا تعالج الواقع ولا تحل المشكلات .
لابد من الرؤية في التعاطي مع الشأن الخارجي للبلاد ، وكيف تدور العلاقات الخارجية مع دول الجوار ومع المحيط العربي والإسلامي والعُمق الإفريقي وملف المياه ، ودول العالم خاصةً مع الدول الكبرى ، والأخطار الناتجة عن الوضع في فلسطين واتفاقيات مصر الدولية ، والشراكة التجارية مع دول العالم ، على أن يكون الميزان التجاري في صالح مصر .......؛ إلخ
لابد من برنامج للشأن الداخلي والخارجي المعقد والمتشابك !!
لابد من السؤال والتنقيب عن برامج الأحزاب وأفكار الأفراد المترشحة على النظام الفردي !!
نبحث الرؤية في هذا البرنامج عن الحلول للقضاء على المرض والجهل والفقر ، هذا المثلث المُرعب ...
رؤية لإصلاح منظومة التعليم والصحة والقضاء على البطالة الحقيقية والمقنعة..
أن ننظر إلى أولويات هذه البرامج ، وأيُّها مُلَامِسٌ لهموم وطموحات الناس ويضع رؤيةً واضحة لإدارة الموارد الطبيعية والبشرية و كيفية بناء دولة المؤسسات ، ويُؤسس للقيم الحاكمة لبناء المستقبل .... نريد رؤية لقضايا مصر القومية وكيفية استثمار الثروة البشرية لهذا الشعب العظيم .
نريد نائباً عن الأمة وليس نائبَ خدماتٍ ، نائباً يحمل همومَ الوطنِ ويشارك في رَسْمِ أحلامِهِ ، يقترح مشروعاتِ القوانين ويُراقبُ ويناقشُ ويملك أدواتِه البرلمانية من سؤالٍ وطلبِ إحاطة بل واستجوابٍ يطالب على إثره بإقالة وزير أو الحكومة كاملة ؟!!
وبرنامج جماعة الإخوان التي قدمته بوساطة مرشحيها تعتني بكل تلك الجوانب اعتناء بالغا .
ويُحزنني أن أحد الأحزاب استقدم الشيخ حازم شومان في مؤتمر للحزب بمدينة بنها ، فسأله أحد الناس البسطاء المؤمنون علي الفطرة ، ما هو برنامجكم يا شيخ ؟ فقال له : أقول لك سنطبق الشريعة ثم تسألني عن البرنامج. فهذا كلامٌ فضفاض هلامي ضبابي يحتمل وجوها عدة ، فنحن لدينا أكثر من دولة تزعم أنها تطبق الشريعة ، مثل أفغانستان والصومال والسودان والسعودية . المشكلة إذن ليست في المشروع الإسلامي بل في بعض من يحملونه ولا يدرون مداخله وأبعاده وسبله .


رابعاً: الكفاءة

من أهم المعايير التي اعتنت بها جماعة الإخوان وحزبها السياسي لأشخاصها المرشحين أن يتمتع الشخص بالكفاءةِ لهذا المنصب الهام الخطير ...
لأننا لا نريد نُوَّابَاً يجلسون على مقاعدِهم لا يحركون ساكناً ، ولقد قرأتُ تقريراً يرصد مشاركاتِ أعضاء البرلمانات قبل الثورة يُوَضِّحُ أن بعضَهم لم يشاركْ ولو بمداخلةٍ وتعليقٍ واحد ، ناهيك عن السؤال وطلب الإحاطة والاستجواب –كانت أكثر الاستجوابات وطلبات الإحاطة لصالح أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأعلاها في تاريخ البرلمان لصالح الصحفي محسن راضي المنتمي لجماعة الإخوان- ، كما تجد أن غالبية القوانين كانت نتيجةً لاقتراح السلطة التنفيذية وليس أعضاء البرلمان ... لا نريد هذا .. بل نريد عضواً يملك المهاراتِ والأدواتِ ، ولديه الرؤية للقيام بالدور المنوط به .
وإذا رجعنا إلى الكفاءة كمعيار هام في اختيار من ننتخبه فسوف نجد أن الكفاءة تنقسم إلى قسمين :
  • كفاءة فنية تخصصية .
  • كفاءة قيمية أخلاقية .
ويُقْصَدُ بالكفاءة الفنية التخصصية: أن يكون كفؤاً في بناءِهِ العلمي ، ولديه رؤية تَنُمُّ عن معرفةٍ وثقافة وإدراك ، فالجهلاءُ لا يصنعون نهضة ، حتى من يُخْتَاروا بصفةِ عاملٍ وفلاح ، لابد أن يكونوا مُدركين لصفتِهم وللقطاع الذي يُمَثِّلُونَه ، من حيث إلمامهم بقضايا العُمَّال ومشاكلِ الفلاحين من خلال ممارستهم لهذه الصفة عَمَلِياً ، ومدركين لمشكلاتها ورؤى لِحلها علمياً ، وما كان يحدث من تلاعب بالصفة بين فئات وعمال وفلاحين يدرك أن السابق لم يكن يدرك علمياً على الأقل لدورِهِ فجاءت الممارساتُ على أرض الواقع مُخزيةً ، فضيعت حقوقُ العمال وبِيعت المصانعُ في عمليات الخصخصة المَشْبُوهةِ ، وتَقَلَّصَتْ رقعةُ الأرض الزراعية وكفاءةُ الأرضِ على الإنتاج ، وأصبح الفلاح يساوي فقيراً معدوماً ...إلخ
ويقصد بالكفاءة القيمية الأخلاقية: أن نختار أناساً يتمتعون مع كفاءتهم العلمية أن يكونوا أكفاء أخلاقياً ، فيتحلون بقيم الأمانة والعدالة والسماحة لكننا وجدنا بعض الأحزاب تعتمد فقط علي الكفاءة الأخلاقية ، فلا مجال للتشكيك في دينهم وأخلاقهم ، لكنهم أبعد ما يكون عن الجانب الفني والتقني والتخصصي والممارساتي وهذا النموذج سوف يجرنا إلي النموذج السوداني وأشباهه .
وآخرون يعتمدون علي ممارساتهم السياسية فقط من غير أية جوانب أخلاقية ، كأن يكونوا رجال أعمال وأصحاب نفوذ ومصالح وما أشبه .
ففي السنوات الماضية كانت تُوكل أمورُ الناسِ لبعض المسئولين ممن يُرَصِّعُونَ مكاتبَهم بأعلى الشهادات العلمية ، وسيرهم الذاتية تتخطى الصفحات الكثيرة ، مما تنوء به الشهادات والدورات والخبرات ...إلخ ، ومع ذلك كان الخلل من غِيَابِ القيم الأخلاقية ، فظهر السارقون والمختلسون والمتلاعبون بأحلام الناس ، فَضَيَّعُوا من تاريخِ بناءِ أمتِنا سنواتٍ كان من الممكن أن تأخذنَا إلى صفوف الدولِ ، لا أقول الدول المتقدمة بل على الأقل إلى صفوف الدول النامية بشكلٍ جيد .

والتطبيقات القرآنية والنبوية لهذه الكفاءة تُؤَصِّلُ لهذين النوعين من الكفاءة ، فمن القرآن الكريم نضرب ثلاثَ تطبيقات :

التطبيق الأول:

قوله تعالى: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "[سورة البقرة: 246- 247]
فكان اختيار طالوت للقيادة نتيجةً لمعيار الكفاءة التي تُحتمها المهمة المنوط به " مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " فجاء ت الكفاءة " وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ " لأن العلم وقوةَ الجسمِ هي الكفاءة الفنية المطلوبة في هذا الأمر ، فالعلم فَنُّ إدارة الحرب ، والزيادة في الجسم مِعْيَارُ القوة ، لكون سلاح هذا العصر من رمح وسيف ودرع تقتضي هذا الجسد من الجندي العادي وتأتي الزيادة في ذلك لقائده .

التطبيق الثاني:

قوله تعالى : "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ "[سورة القصص: 25- 26]
بعد تجربة الفتاة مع موسي - عليه السلام - من حيث وضوح كفاءته علمياً (القوة) وأخلاقياً (الأمانة) حيث ظهر لها جلياً كيف أن موسى - عليه السلام - استطاع بقوته أن يسقي لها ولأختها ، كما كان أميناً بسيره أمامَها خشية أن يسير خلفها فيرى منها شيئاً ....فجاء معيارُ الكفاءة : " إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ " حيث القوة (القوي) لأن مهمة تيسير شئون الشيخ الكبير والبنتين تحتاج لهذه القوة ، والأمانة (الأمين) مطلوبة لأنه سوف يَلِجُ إلى بيت راعيه شيخ كبير وبه ابنتين يحتاجان لمن يحفظ عليهما عِرْضَهُمَا ، ويأمنان في كَنَفِهِ ، فيأتي معيارُ الكفاءة في القوة والأمانة لينول موسى - عليه السلام - القيامَ بهذه المهمة .

التطبيقُ الثالث:

" قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ "[سورة يوسف:55]
فها هو يوسف عليه السلام يضربُ لنا نموذجاً تطبيقياً لمعنى الكفاءة ، فيوسفُ قَدَّمَ مُسوغات كفاءته لإدارة هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر حيث التخطيط لإدارة الرخاء من أجل رفع محنة الجفاف .
وفي حقيقة الأمر كُنْتُ أَمُرُّ مع قوله تعالى على لسان يوسف : (حَفِيظٌ عَلِيمٌ) مُرُورَ الكِرَام ، خاصةً كلمة " حفيظ " ، لكن بعد أن قرأت بحثاً قَيِّمَاً للأستاذ الدكتور : سيف الدين عبد الفتاح بعنوان : "مقاصد ومعايير التنمية ، رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي " وكيف أنه في إطار رؤيته للاجتهاد والتجديد العمراني تحدث عن نظرية الحفظ والعملية الإنمائية ، والتي انبهرت من التعبير القرآني (حَفِيظٌ عَلِيمٌ) عندما قرأتها وحاولت إنزال عناصر هذه النظرية على معايير الكفاءة التي ذكرها يوسف - عليه السلام - عن نفسه.
وفي لمحة سريعةٍ قَسَّمَ د/ سيف الدين عبد الفتاح الحِفْظَ إلى :
  • حفظ الابتداء: ويُقصد به عملية الإقلاع التنموي ، وهذا ما فعله يوسف - عليه السلام - من خلال رؤيته الكُلية للمشهد ، من حيث إدراكه لسنوات السبع السمان والسبع العجاف ، وأن يأخذ من هذه لتلك ، وهذا لا بد له من رؤيةٍ وعِلْمٍ ، فجاءت البداية بحسن الانطلاق نحو هذا الهدف ، وهذا ما يُسَمَّى بحفظِ ابتداء .
  • حفظ البقاء: ويقصد به التنمية المستدامة ، وهذا ما فعله يوسف - عليه السلام - من خلال تخطيطه لهذه المهمة التي تعتمد على الرؤية المعتمدة لمفهوم التنمية الحقيقية والتي تعرف بكونها تنمية مستدامة .
  • حفظ البناء: ويقصد به مؤسسات التنمية والعمران ، وهذا ما فعله يوسف - عليه السلام - حيث قام بوضع مؤسسات للزرع في سنوات الرخاء وجمع المحصول وبناء صوامع جديدة ....إلخ
  • حفظ الأداء: ويقصد به السياسات التنموية والسياسات العامة ، وهذا ما فعله يوسف - عليه السلام - من خال سياسته لزراعة أكبر مساحة من الأرض واستصلاح الأرض ، وكيفية الزرع وشكله وقيام الدولة بهذا الأمر وتقسيم القمح على الشعب وِفْقَ رؤيةٍ دقيقةٍ تحفظ الحياةَ في سنوات القمح ، بالإضافة لاستخدام تكنولوجيا جديدة وسياسة اقتصادية مُجدية حيث قام بجمع المحصول في سنبله وتخزينه بشكل منفرد حافظ على القمح من الفساد لهذه السنوات .
  • حفظ النماء والارتقاء: ويقصد به عمليات الإحسان والتحسين والارتقاء التنموي ، وهذا ما فعله يوسف - عليه السلام - من خلال تأسيس سياسة عامة لمصر في هذه الحقبة من تاريخها ، وارتقى من خلال ما قام به من السياسة الزراعية بل والاقتصادية والمالية ما يحفظ للبلاد رُقِيَّهَا وارتقائها .
من هنا: كانت روعة معيار الكفاءة التي اختير عليها من أُوكِلَ إليه أمرُ البناء والتعمير ، معيار الحفظ بكل مستوياته والعلم بكل فنونه ومعارفة .

التطبيق الرابع: من السنة النبوية:

اختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أريقط على معيار الكفاءة ، فهو يتمتع بالكفاءة الفنية التخصصية وهي : العلم بالصحراء ودوربها وطرقها الوَعِرَة ، ويعرف كيفيةَ المُرَاوغة بين رمالها ، وكذا يتمتع بالكفاءة القيمية الأخلاقية ، فعلى الرغم أنه على دين قريش- مشرك بالله – إلا أنه يتمتع بالكفاءة الأخلاقية القيمية ، وهي الأمانة والإخلاص ، ولذلك اختاره الرسول في أهمِّ حَدَثٍ في الإسلام ، وهو الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة ، والتي اختارها المسلمون لتكون تأريخاً لأحداثهم ، هذا من ناحية ، ومن أخرى : أن قريش رصدت مائة ناقة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً ، فَدَلَّ ذلك على كفاءةِ الرجلِ رغم شركه ، فاستحق أن يقوم بالمهمة .


الخاتمة

وختاما:

فإننا يمكننا أن نقول بأن جماعة الإخوان المسلمين اتسمت في تلك المرحلة ، مرحلة الاختيار وما بعده ، بثلاثة أمور ، أنها أدركت المهمة ، وتحلت بالهمة ، وحملت هم الأمة .

لذلك كانت اختياراتها نابعة عن وعي عميق بمتطلبات المرحلة ، ومشاكلها العميقة والعويصة . فجاء اختيار نوابها متناغما مع أحداث المرحلة وأولويات الواقع من فهم لمجريات الأمور وكفاءة عالية خُلقية وتقنية ، وإدراك لخصوصية الشعب المصري ، وطموح في بناء عقل الإنسان كمرحلة أولي ، لأن بناء الإنسان يؤدي بالضرورة إلي بناء العمران . وأن مشكلة الدول ليست في بناء العمران إنما في بناء الإنسان ، بناء العقول ، إعادة ثقافة التأمل والفكر ، ترشيد العملية الاجتماعية ، كل هذا يدخل في باب الكفاءة التقنية .

وأخيرا: فإن كل ما سبق يتم فهمه من زاوية أن البرلمان ما هو إلا وسيلة لتحقيق العدل والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية التي ينشدها الجميع ، وأن غايتنا هي إرضاء الرب تبارك وتعالي . والله المستعان ؛


الهوامش

1- عندما نبحث عن تعريف "الهُوية " سنجد أن مصطلحها ليس غريباً عن موروثنا القديم .. فهو واحد من المصطلحات التي ضمتها معاجمنا القديمة .. سنجد الجرجانى (740-816هـ = 1340-1413م) يعرف الهوية فى كتابه {التعريفات}- وهو قاموس للمصطلحات – يعرفها بأنها " هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة فى الغيب المطلق "!.. أي تعنى: الذاتية، الخاصية، البصمة التي تميز الظاهرة عن الظواهر التي تشبهها أما {مجمع اللغة العربية} فهو يعرف "الهوية " حديثاً فيقول: إنها حقيقة الشيء، الشخص، المطلقة: المشتملة على صفاته الجوهرية، وليست أى صفات، والتى تميزه عن غيره ". راجع: كتاب: الاستقلال الحضارى – د/ محمد عمارة – – الناشر نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الثانية – أبريل 2008م –– ص 166

يقول الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف : فالهُوِيَّة : في عرف حضارتنا العربية الإسلامية – مأخوذة من : " هُوَ..هُوَ " بمعنى : جَوهر الشيء .. وحقيقته .. فهوية الإنسان .. أو الثقافة ... أو الحضارة ..هي : جوهرها وحقيقتها .. ولما كان في كل شيء من الأشياء – إنساناً أوثقافةً أو حضارةً – "الثوابت" و " المتغيرات " .. فإن هُوِيَّة الشيء هي " ثوابته " ، التي " تتجدد " ولا "تتغير" ، تتجلى وتفصح عن ذاتها ، دون أن تخلى مكانها لنقيضها ، طالما بقيت الذات على قيد الحياة ! .. إنها كالبصمة بالنسبة للإنسان ، تتجدد فاعليتها ، ويتجلى وجهها كلما أزيلت من فوقها طوارىء الغبار وعوامل الطمس والحجب ، دون أن تخلي مكانها ومكانتها لغيرها من البصمات ! .. "راجع كتاب : إزالة الشبهات عن معاني المصطلحات – أ.د/ محمد عمارة – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – ط الأولى 1431هـ - 2010م - ص 680"

وحول موضوع الهوية الرجوع إلي التحقيق الصحفي: " الهُوية حائط الصد أمام تحديات الأمة " والذي قام به الأستاذ / حمادة سعيد وأشرف عليه الأستاذ / سعيد حلوى – والمنشور بصفحة الفكر الديني بجريدة الأهرام القاهرية يوم الجمعة الموافق 18 نوفمبر 2011م ص 36 .

2- تلعبُ اللغة العربية عنصراً مُهما من عناصر الهوية المصرية فهي لغة ثقافتها وعَطَائُها الحضاري وتراثُها العلمي والأدبي بالإضافة إلى كونها لغةَ القرآن الكريم ، والمُتْعَبَّدَ بها للرب العالمين ، ونظراً لكونِ العالمِ أصبحَ قريةً صغيرةً ، والتبادلُ المعرفيُّ والقِيَمِيُّ سريعٌ في وسائلِهِ وأدواتِهِ خاصةً في عصرِ الاتصالات والعولمة والكيانات العَابِرَة للقارات وَجَبَ على خطابِنا الديني أن يُحافظ على اللغة العربية كجزءٍ مُهم من مُكَوِّنَاتِ الهوية ، خاصة مع التداخل الغريب للغات الأعجمية في قاموس حياتنا ومعاملاتنا ، وأن يَنْفُثَ رُوحَ النهوض في بناء الأمة ، خاصة أنَّ اللغة العربية الآن ليست لغة العلم عالمياً ، ونهوضُ الأمة علمياً جزءٌ من النهوض بلغتِها لأنه يُحَوِّلُهَا إلى لغةِ العلم ... واللغة العربية لغة حية ولن تموت كغيرها من اللغات وهي لغة ثرية وقوية وقادرة على تصدير محتوى علمى ينهض بالبشرية إلى العليا .

3- ثقافة الضجيج وثقافة التأمل أصل لها الأستاذ الدكتور / علي جمعة مفتى الديار في كتابه القيم سمات العصر رؤية مهتم بقوله : ثقافة الضجيج تبني العقلية الهشة ، التي لا تقدر على التفكير ، وعادة ما يسبق النشاطُ الفكرَ، وسبق النشاط للفكر أحد السمات العظمى في التأثير في الحضارات والفنون والآداب والحياة ...إلخ ثم ذكر فضيلته تأصيل ذلك من القرآن والسنة فاليرجع إليه من شاء . راجع كتاب : سمات العصر رية مهتم – تأليف فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية – الناشر دار الفاروق للاستثمارات الثقافية – 2006م – ص 74

4- " فمصر دولة إسلامية ، ولا يعني هذا أنَّها دولة دينية تسيطر فيها السلطة الدينية على القرار السياسي ، ولا يعني هذا أيضاً أنَّها دولةُ كافرة قد أنكرت الدين وتخلَّتْ عنه ، بل إنَّها صاحبة تجربة فريدة ، استطاعت أن تُبقي على دينها ، وأن تُبقي في ذات الوقت على حرية الاعتقاد المكفولة لأبنائها ، واستطاعت أيضاً أن تستمر في موكب التاريخ ، وألَّا تخرج أو تنسلخ عن هويتها ، وفي ذات الوقت ألَّا تتخلف عن العالم الذي أصبحت – بموجب الاتصالات والمواصلات والتَّقْنِيَّات الحديثة – جزءاً لا يتجرأ منه ، فتراها تشارك قي المحافل الدولية ، وتلتزم بالقوانين الدولية ، وتنشئ عَلاقاتٍ دوليةً ضخمة لها فيها الريادة والقيادة ، وهي تجربة يجب على المسلمين في العالم أن يدرسوها ، وأن يستفيدوا منها بحسب ثقافاتهم وتركيبهم المجتمعي " . راجع كتاب: وقال الإمام - المبادئ العظمى لفضيلة الدكتور / علي جمعة مفتي الديار المصرية – الناشر الوابل الصيب للإنتاج والتوزيع والنشر – صدرت طبعة الاولى منه 2010م - ص 357

5- راجع كتاب : الكامن في الحضارة الإسلامية ،د/ علي جمعة – الناشر: الوابل الصيب لللإنتاج والتوزيع والنشر – الطبعة الأولى – 1427هـ - 2006م – ص 42.

المراجع


للمزيد عن الإخوان والإنتخابات ومجلس الشعب

كتب متعلقة

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

وثائق متعلقة

أحداث في صور

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو