مع رحيل بوش تتبخر الأوهام الأمريكية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مع رحيل بوش تتبخر الأوهام الأمريكية ..... بقلم / د. عصام العريان


لم تكن الأزمة المالية المصرفية وإعصار أسواق المال هي التي أطاحت بأحد أهم الأوهام الأمريكية التي روج لها المحافظون الجدد وعملوا علي نشرها في العالم كله بقوة التهديد الأمريكي، فقد سبق ذلك تبخر معظم ما روجت له إدارة بوش الابن علي مدار ثماني سنوات وشاءت قدرة الله تعالي أن يتم تبدد تلك الأوهام مع رحيل بوش عن البيت الأبيض وبذلك تهاوت تلك الأبقار المقدسة التي حاول سدنة البيت الأبيض فرض عبادتها علي الدنيا ونشر الدمار في بلادنا بالذات بأفغانستان والعراق والصومال في حروب مجنونة أضفوا عليها مسحة القداسة «من لم يكن معنا فهو ضدنا» وسعوا جاهدين إلي تهديد كل الدنيا باسم «الحرب علي الإرهاب»، و«نشر الديمقراطية»، وأخيرا «الاقتصاد الحر والرأسمالية المتوحشة والعولمة».

لم يكن هناك بد من تدخل الحكومات في الأسواق وبدأت بذلك الإدارة الأمريكية لفرض القواعد والقيود التي تضبط حركة الأسواق المنفلتة علي عكس كل ما درسته أمريكا وعلمته للعالم المتخلف والمتقدم علي السواء، ثم تلتها كل حكومات العالم في أوروبا وآسيا في سلوك يشبه تحطيم الأصنام المقدسة دون إعلان عن الدين الجديد وقواعده بعد سقوط المعبد الرئيسي في «وول ستريت» علي رؤوس الكهنة الكذابين.

انهارت الثقة في النظام المالي والمصرفي القديم وبالتالي وحتي كتابة هذا المقال فإن الخسائر المتعاظمة تتوالي ومئات المليارات من الدولارات تتسرب من الأسواق المالية وأسعار الأسهم تنهار والكساد يخيم علي العالم كله رغم كل ما يبذله المسئولون من جهود بخفض أسعار الفوائد وضخ مئات المليارات من السيولة المالية والخطب والاجتماعات والأحاديث المتتالية للسادن الأعظم الرئيس بوش، إلا أن الجميع ينتظر خراباً اقتصادياً علي الأقل للعام المقبل وقد يتبعه لسنوات سيصل مداه إلي أرجاء المعمورة التي سارت مغمضة العينين خلف الأنبياء الكذبة والكهان الجدد في أمريكا التي فقد الجميع الثقة الآن بعد خراب مالطا في قيادتها للدنيا والعالم.

وكما انهارت الأسواق علي رؤوس الجميع فسرعان ما سيكتشف الكل زيف ما روجت له أمريكا من شعارات أخري بدأ ينكشف بطلانها ولا يعرف أحد متي يعلقون الجرس في رقبة الفيل الأمريكي ليعلنوا الفشل الذريع لبقية السياسات الخرقاء ويعتذروا لأسر وشعوب الملايين من الأفغان والعراقيين والصوماليين والعرب والمسلمين الذين أهدروا دماءهم واستباحوا بلادهم ونهبوا ثرواتهم بتواطؤ دولي وصمت إسلامي وعجز عربي مريب.

كان شعار «الحرب علي الإرهاب» هو دق طبول الحرب علي أفغانستان وها نحن بعد سبع سنوات نري أمريكا - علي خجل - وفي ورطتها الحالية تدين التصريحات الانهزامية التي تصدر عن قادة أوروبا بشأن الوضع في بلاد الأفغان.

هذه السياسات الجديدة التي ستنشأ عن التصريحات الأوروبية لا تعني سوي أمر واحد وهو فشل الحرب في أفغانستان أمام حركة طالبان وأمام صمود الشعب الأفغاني، ومن الذي انهزم؟ إنه أقوي حلف عسكري في العالم بل الحلف الوحيد الباقي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في نفس المقبرة الأفغانية : حلف الأطلنطي.


ماذا يعني ذلك؟

إنه يعني ببساطة قدرة الشعوب إذا امتلكت إرادة النصر واستمدت العون من الله تعالي وصمدت أمام الآلة الدعائية الجبارة والآلة العسكرية المهولة، قدرة هذه الشعوب علي الانتصار.

إنها قوة الضعفاء الذين لا يخسرون شيئا أمام ضعف الأقوياء الذين يملكون كل شيء ويفتقرون إلي المشروعية الأخلاقية والسند الرباني، إنه درس لبقية شعوب العالم الإسلامي المنهزمة أمام المشروع الغربي الأمريكي، بإمكانكم الصمود والانتصار إذا امتلكتم مشروعاً مقابلاً قادراً علي الحياة والبقاء، وهو بأيديكم وبين ناظريكم: إنه الإسلام، إنه درس لكل «كارازي» يستبد بشعبه ويحكم بلده مستنداً إلي الخارج وإلي الدعم الأمريكي: سيأتي يوم الحساب العسير وستخرج من بلدك مطروداً إلي الخارج الذي أتيت منه علي ظهر دبابة مشيعاً بلعنات الملايين الذين شاركت في قتلهم ودمار بلادهم في حرب مجنونة ليس لها سبب حقيقي إلا إشباع نزوات المتربصين ببلادنا وديننا.

وسقط شعار «الحرب علي الإرهاب» عندما بدأت المفاوضات مع حركة طالبان وبدأت برلمانات أوروبا تبحث كيفية الخروج من المستنقع الأفغاني وسيأتي يوم الانسحاب العظيم معلنا أن أفغانستان التي كانت مقبرة للأسكندر الأكبر والإنجليز والسوفيت، ستكون مقبرة للأمريكان المتغطرسين المتكبرين ومعهم حلف الأطلنطي مجتمعين.

وفي «العراق» سقط شعار آخر «الحرب من أجل نشر الديمقراطية» فبعد انكشاف الأكاذيب الأمريكية حول الحرب علي العراق جميعها وثبت أن السبب الحقيقي هو «البترول» ولا شيء غيره، لم تجد إدارة بوش ذريعة لشن الحرب والبقاء في العراق إلا «نشر الديمقراطية وبناء نموذج ديمقراطي» ولو بقوة السلاح وإزهاق ملايين الأرواح.

ومع آخر استطلاعات الرأي كانت المفاجأة للمراقبين أن «أوباما» يتقدم علي «ماكين» بشأن «الخروج من العراق» وبذلك ينحاز أغلبية الأمريكيين إلي الانسحاب الجاد من الوحل العراقي وليس البقاء إلي ما لا نهاية معروفة كما يريد ماكين الذي يعني انتخابه استمرار إدارة بوش بشكل جديد.

بلاشك ستبقي المشاكل المتعلقة بـ«الإرهاب» و«الحرية والديمقراطية» و«النظام الاقتصادي البديل» موجودة وتحتاج إلي حلول حقيقية ولكن مع رحيل إدارة بوش المجنونة بالحروب والتي تسببت في الكوارث، بدا أن الحلول والاجتهادات التي قدمتها والتي كانت مقدمة «للقرن الأمريكي» الذي تقود فيه أمريكا العالم وفق أجندة محددة تنفرد فيه بالقيادة والريادة قد سقطت ويدخل العالم في مرحلة جديدة يبحث فيها عن عقلاء وحكماء يرسمون سياسات جديدة غير تلك الأوهام التي تبخرت وتبددت بأسرع مما يتوقع المراقبون كما تبددت الأموال التي جمعت من الهواء.

سيرحل «بوش الابن» مكللا بالعار وسيدخل التاريخ ملعوناً حتي من الأمريكيين أنفسهم الذين أضاع مدخراتهم وثرواتهم وتركهم وبلادهم ترزح تحت أكبر دين داخلي عرفته أمة في التاريخ واقتصادهم يدخل إلي الكساد والركود وجيوشهم مهزومة في أرجاء العالم تبحث عن مخرج مشرف.

وغالبا سيأتي «أوباما» وشعاره «التغيير» ولكن أي تغيير؟! وهل يستطيع ذلك الشاب الأمريكي من أصل أفريقي أن يقود أمريكا وأن يفلت من عقاب الكهنة والسدنة في «واشنطن» التي لم تطأها أقدامه إلا منذ بضع سنوات فقط؟ سؤال ستجيب عنه الأيام والشهور المقبلة.

المصدر : نافذة مصر