منهج (أبو الحسن الندوي) في التربية الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهج (أبو الحسن الندوي) في التربية الإسلامية

د. مناف أحمد الكتاني

أستاذ التربية الإسلامية

والمشرف التربوي في جمعية المحافظة على القرآن الكريم

مقدمة

أضحى نظام التعليم ومناهجه أحد ميادين الفكر الإنساني مجالاً خصباً لنموّ القيم والمثل العليا التي تعكس آمال المجتمعات ورغباتها في المحافظة على معتقداتها وثقافتها ونُظمها وأساليب حياتها، وكذلك صياغة مستقبلها وفق منظومة الأفكار التي تدين بها.

ولما كانت الأمّة الإسلامية أمّة لها فلسفتها، وأسلوبها الخاص في الحياة، وتاريخها المستقل الذي يُعد منارة للحاضر، لذا كان اهتمامها بالتعليم وما ينبثق عنه من مناهج وطرق تدريس وسيلة راقية لدعم فكرها التربوي الإسلامي، من خلال بلورة هذه المناهج التعليمية التي تعد حلقة الوصل بين أجيالها المختلفة.

وتأتي جهود أبي الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله لتصبّ في مضمار بناء الصرح التعليمي الإسلامي، من خلال دعوته لقيام نظام تعليمي يُراعي قيم مجتمعنا الإسلامي، وإيجاد منهاج تعليمي يلبّي متطلباتنا الفكرية والعقدية والقيمية، بعيداً عن عمليات الاستيراد المتتابعة من قِبل المجتمعات الإسلامية لنُظم التعليم الغربية، التي شكّلت معول هدم للبُنى الأساسية للمجتمع الإسلامي.

وقد عمل أبو الحسن على إصلاح المناهج والمقررات الدراسية الإسلامية ، والرقيّ بها، ورفع مستواها وتطويرها حسب مقتضيات العصر، من خلال إيجاد معمل تربوي حيّ دار العلوم التابعة لندوة العلماء مارس فيه كل أفكاره، وطبّق فيه كل نظرياته التربوية والتعليمية.

نقده لنظام التعليم الغربي وفلسفته

لكل أمّة من الأمم فلسفة تدعو إليها، وتربي أبناءها عليها، تنبثق من جملة تصوراتها عن الكون والحياة، وتتحدد في ضوئها مناهجها وأهدافها، وطُرقها وأساليبها التربوية.

والأمة الإسلامية ليست بدعاً من الأمم؛ فهي نموذج متميز تدين بعقيدة ترتبط بها، وتدعو لها، وتربي أجيالها عليها.

وقد تنبّه أبو الحسن إلى خطورة هذه الأنظمة التعليمية، يقول رحمه الله :

" تلك هي قصة نظام التعليم الغربي؛ إنه يحمل روحاً مستقلة، وضميراً منفرداً، تتجلى فيه عقيدة مؤلفيه، وعقلية واضعيه، وهو نتيجة التقدم الطبيعي في آلاف من السنين، وتعبير عن أفكار أهل الغرب ومجموع أقدارهم وقيمهم". (1)

من هنا برزت الحاجة في تصوّره إلى أن

"يُصاغ هذا النظام صوغاً جديداً، ليلائم عقائد الأمة، ومقومات حياتها، ويُخرج من مناهجه ومواده روح المادية، والتمرد على الله تعالى، والثورة على القيم الخُلقية والروحية، وعبادة الجسم والمادة، وينفخ فيه روح التقوى والإنابة إلى الله، وتقدير الآخرة، والعطف على الإنسانية كلها". (2)

المنهاج التعليمي الإسلامي الجديد

يستند المنهاج التعليمي إلى فكر تربوي يأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل التي تؤثر في عملية وضعه وتنفيذه، وحتى تكون هذه النظرية متكاملة يفترض فيها أن تكون ذات أبعاد مختلفة، تشمل فلسفة المجتمع الذي نعيش فيه، وطبيعة المتعلم الذي نقوم بإعداده وتربيته، ونوع المعرفة التي نرغب في تزويده بها. (3)

وقد راعى أبو الحسن بناءً على ذلك مجموعة من الأسس المركزية التي ينهض على كاهلها المنهاج التعليمي .

وهذه الأسس هي:

  1. الأساس العقدي: يقول أبو الحسن: "فمِن أول واجبات نظام التعليم ومناهجه في جميع البلاد المتمدنة الواعية أن يغرز هذه العقائد والحقائق في قلوب الناس ويغذيها حتى يؤمن بها كحقائق علمية". (4)
  2. الأساس الاجتماعي والثقافي: يقول أبو الحسن: "إن كثيراً من رجال التعليم والتربية في الشرق والغرب اعتادوا قديماً وحديثاً أن يبحثوا في قضية التعليم والتربية، كقضية منفصلة عن الحياة والمجتمع، ليست بينهما إلا الصلة المؤقتة العارضة، إنها نظرة تقليدية غير واعية يجب أن تتطور وتتغير". (5)
  3. الأساس النفسي: يقول أبو الحسن: "لذا عنيت أكثر اللغات، والآداب، والديانات، والبيئات، والمعنيّون بتربية النشء، وإنشاء الجيل الجديد، جمع حكايات شائقة تلائم سن الناشئة وعقليتهم، ومدى قدرتهم على الوعي والتذوق" (6).

وقد وضع أبو الحسن مجموعة من المقررات الدراسية لمادة التربية الإسلامية واللغة العربية، راعى فيها الأساس النفسي للمتعلم، ومن ذلك:

(أ) المرحلة الابتدائية: مقرر "القراءة الراشدة" و"قصص النبيين للأطفال" و"قصص من التاريخ الإسلامي".
(ب) المرحلة المتوسطة: مقرر "سيرة خاتم النبيين".
(ج) المرحلة المتقدمة: مقرر "إذا هبّت روح الإيمان".
(د) المرحلة العليا (بكالوريس): مقرر "مختارات من أدب العرب"، و"إسلاميات".
  1. الأساس المعرفي: يقول الندوي: "كل من يهتم بقضية هذه البلاد (يعني بلاد العرب والمسلمين) يركز فكره على المعارف لأنها هي التي تصوغ البلاد صياغة جديدة، وهي التي ستعطي المجتمع شكله النهائي". (7)

طرق تدريس مقررات التربية الإسلامية

أَولى التعليم الإسلامي طرق التدريس عناية خاصة، باعتبارها وسائل عملية تنفذ بها أهداف التعليم وغاياته بالإضافة إلى محتواه، وقد حدد العلماء خصائص الطريقة التعليمية الجيدة، فقالوا:

"إن طريقة التعليم يجب أن تراعي مستوى الذكاء لدى المتعلمين وقدراتهم العقلية، وتهتم بالصحة النفسية لدى المتعلمين؛ وذلك بأن لا توجد المخاوف التي تستثيرها في نفوس المتعلمين وتزيد من توترهم وقلقهم، وبالمقابل لا تدفع الطريقة الطالب إلى الملل والسأم، فيكون متحفّزاً يقظاً طيلة فترة الدرس، وأخيراً ينبغي على طريقة التدريس أن تتوافق مع طبيعة المادة الدراسية". (8)

وقد كان لأبي الحسن وقفة فكرية مع طرق التدريس؛ ذلك أن طبيعة صلته العلمية والتعليمية بدار العلوم التابع لندوة العلماء هيّأت له الجو المناسب لتطوير عدد من طرق التدريس التعليمية الناجحة؛

يقول رحمه الله:

"إنما هو شغف بتمرين الطلاب وتعليمهم العربية، نختار لها الطرق الحديثة ونجرّب لها التجارب الجديدة، ونخترع لها ما تسعفنا عقليتنا، وتمدنا معلوماتنا". (9)

ومن جملة الأساليب التي اعتمدها الندوي في عملية التعليم العديد من طرق التدريس التقليدية، كالمحاضرة والمناقشة والإملاء، مع التأكيد على أسلوب الحفظ والاستظهار في بعض المواد التعليمية، كأسلوب تعليمي قديم موجّه، بالإضافة إلى الطريقة المباشرة التي تحمل في طيّاتها سمة التجديد في طرق التدريس، وهذه الطريقة تقوم على استقاء لفظ اللغة المراد تعلّمها من فم المعلم بطريقة مباشرة دون اعتماد الترجمة كواسطة للتعلم، بل معايشة اللغة الجديدة ضمن بيئتها المصطنعة.

هوامش

  1. الندوي، أبو الحسن علي، نحو التربية الإسلامية الحرة، القاهرة، المختار الإسلامي، ط3، 1976م، ص30.
  2. الندوي، نحو التربية الإسلامية الحرة، مرجع سابق، ص16.
  3. أبو حويج، مروان، المناهج التربوية المعاصرة، عمان، الدار العلمية، 2000م، ص97.
  4. الندوي، أبو الحسن علي، كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب، دمشق، دار ابن كثير، 2002م، ص101.
  5. الندوي، كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز، مرجع سابق، ص86-87.
  6. الندوي، أبو الحسن علي، قصص من التاريخ الإسلامي للأطفال، دمشق، دار ابن كثير، 1999م، ص6.
  7. الندوي، كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز، مرجع سابق، ص70.
  8. عبد العال، حسن، الفكر التربوي عند بدر الدين بن جماعة، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1988م، ص305.
  9. الندوي، أبو الحسن علي، في مسيرة الحياة، دمشق، دار القلم، ج1، 1985م، ص120.

المصدر