مواقف تربوية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٥:٢٨، ٨ أبريل ٢٠١٠ للمستخدم ابو نضال (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مواقف تربوية

- صيحة دعوية صادقة

- في وضوح الهدف والغاية

- غاية الداعية ومقصده في الحياة

- كسب القلوب لا كسب المواقف


صيحة دعوية صادقة

زار الإمام "حسن البنا" الشيخ "يوسف الدجوي"- رحمهما الله- في منزله، وعرض عليه ما آلت إليه حال الأمة آنذاك، وطلب إليه عمل شيء ينقذ الأمة وشبابها، من تيار الإلحاد والانحلال الجارف، فردَّ الشيخ على الشاب بعد بيان جهوده التي بذلها، متمثلاً قول الشاعر:


وما أبالي إذا نفسي تطاوعني على النجاة بمن قد مات أو هلكا


عندها فقط ترتعد فرائص الشاب، وتتفجر كمائن نفسه، التي امتلأت إيمانًا وصدقًا، فتأتي هذه الصرخة الداوية حقيقةً تكشف الوهن، ونورًا يبدد ظلام التقاعس، وشُهبًا تذيب كثبان جليد اليأس والضعف، ونارًا تحرق أشجار الأنانية، وتنير شمس الهمَّة، وتوقظ حسها في النفوس: "إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة، في هذا الذي تقول، وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفًا فقط، وقعودًا عن العمل، وهروبًا من التبعات، من أي شيء تخافون؟! مِن الحكومة أو الأزهر؟!.. يكفيكم معاشكم، واقعدوا في بيوتكم، واعملوا للإسلام، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه؛ لأنه شعب مسلم، وقد عرفته في (القهاوي)، وفي المساجد، وفي الشوارع، فرأيته يفيض إيمانًا، ولكنه قوةٌ مهمَلة من هؤلاء الملحدين والإباحيين، وجرائدهم ومجلاتهم لا قيامَ لها إلا في غفلتكم، ولو تنبَّهتُم لدخلوا جحورهم".


ثم يتابع صيحَته الصادقة: "يا أستاذ إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون، فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة، ضاع الأزهر، وضاع العلماء، فلا تجدون ما تأكلون، ولا ما تنفقون، فدافعوا عن كيانكم، إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام، واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة، وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء".


وأمام هذه الصرخة الدعوية الصادقة لم يجد الشيخ جوابًا إلا أن يَعِد الفتى بالتفكير في هذا الأمر، فما كان من داعيتنا الشاب إلا أن قال:


"يا سبحان الله!! يا سيدي، إن الأمر لا يحتمل تفكيرًا، ولكن يتطلب عملاً، ولو كانت رغبتي في هذا النقل (نوع من الحلوى قدمه الشيخ للشاب) وأمثاله لاستطعت أن أشتري بقرش، وأظل في منزلي، ولا أتكلف مشقة زيارتكم.


يا سيدي، إن الإسلام يحارَب هذه الحرب العنيفة القاسية، ورجاله وحماته وأئمة المسلمين يقضون الأوقات غارقين في هذا النعيم، أتظنون أن الله لا يحاسبكم على هذا الذي تصنعون؟! إن كنتم تعلمون للإسلام أئمةً غيرَكم، وحماةً غيركم، فدلُّوني عليهم لأذهب إليهم؛ لعلي أجد عندهم ما ليس عندكم".






في وضوح الهدف والغاية

انظر إليه وهو يجيب عن سؤال وجَّهه إليه صحفيٌّ يطلب منه أن يوضح بنفسه عن شخصيته للناس..


فقال رحمه الله: "أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومُواطِن ينشُد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف.. أنا متجرد، أدركَ سرَّ وجودِه، فنادى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.. هذا أنا، فمن أنت؟!".


بهذه الإجابة المبسطة، أجمَل الإمام "البنا" تحديد ملامح شخصية الداعية، والغاية التي من أجلها يحيا.





غاية الداعية ومقصده في الحياة

سأل أحد الصحفيين الإمام الشهيد "حسن البنا" قائلاً له: "لاحظ الكثير أنك مقلٌّ في تأليف الكتب.. فلماذا لاتؤلف كتبًا؟!


فرد عليه: "أنا لا أؤلِّفُ كتبًا، لكني أؤلف رجالاً، حتى إذا حلَّ أحدُهم في مكانٍ ما.. قلَبَه رأسًا على عقب، وجعله نبراسًا يُضيء بنور القرآن".


في إيجازٍ وبلاغةٍ رائعةٍ يحدد الإمام "البنا" المقصد من رسالة الداعية وهدفه في الحياة، ألا وهو.. التربية.. التربية.. التربية..


فلا مجال لنشر الدعوة بغير تربية الأتباع، وتوريث الدعوة لهم، وقيامهم بذلك من بعد..




يقول الشيخ "محمد الغزالي" في مقالة كتبها في مجلة (الأمَّة) في عددها (27)، الصادر في ربيع الأول من عام 1403هـ:


"التقيتُ بالأستاذ الإمام "حسن البنا" قبل يومٍ من استشهاده، وعانقتُه، وأفزعني أن عانقتُ عِظامًا معلَّقة عليها ملابس! كانت الهمومُ قد اخترمَتْ جسدَ الرجل، فلم تُبقِ منه إلا شَبَحًا يحمل وجهَه المغضَّن (أي المكدود) العريض.


وشرع يحدِّثني كما يحدِّث أيَّ تلميذٍ له، قال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لعُدتُ بالجماعة إلى أيام (المأثورات).




كسب القلوب لا كسب المواقف

يقول الحاج "عباس السيسي"- حفظه الله-: في (كفر المصيلحة) بلدة "عبدالعزيز باشا فهمي" حدثت مشادة بين (الإخوان) وبين أفراد عائلة الباشا، وكان من عادة الأستاذ "البنا" ومن أخلاقه الإسلامية أنه إذا نزل بلدًا فإنه يبدأ بزيارة عمدتها أو كبيرها، ومن وراء هذا المعنى مدلولات لا حصرَ لها.


وعلى أثر هذه المشادة توجه بعض (الإخوان) من (كفر المصيلحة) إلى (القاهرة) وقدموا شكواهم إلى فضيلة المرشد، وقالوا فيما قالوا إنه بعد ذلك لا يستحب لفضيلتكم أن تقوم بزيارة "عبدالعزيز باشا فهمي" عند حضورك للبلدة، وصرفهم الأستاذ المرشد ونصحهم أن يلتزموا الحكمة والصبر.


ومضت الأيام واعتزم الأستاذ زيارة (كفر المصيلحة) واستقبل الإخوان مرشدهم هذه المرة بصورة شعبية حماسية، وسار الموكب متجهًا ناحية شعبة (الإخوان المسلمين) غير أن الأستاذ "البنا" طلب من السائق التوجه إلى دار "عبدالعزيز باشا فهمي" كالعادة ولم يستطع السائق إلا تنفيذ طلب الأستاذ أمام تعجب (الإخوان) ودهشتهم، وسار الموكب حتى وصل إلى منزل الباشا، الذى كان هو وعائلته يتشككون في هذه الزيارة بعد الذي حدث، واستقبله الباشا وعائلته استقبالاً كريمًا وودعوه وداعًا لائقًا.



وفي المساء ازدحم السرادق بالإخوان والذين جاءوا ليزيدوا النار اشتعالاً ويصطادوا في الماء العكر، ووقف "حسن البنا" وحلق بالناس جميعًا في عالم جديد بعيد كل البعد عما يجول في خاطرهم حتى إذا رطب النفوس وربط بين القلوب برباط الإسلام الحنيف عاد إلى الموضوع، فقال إنه جاء منذ مدة وفد من الشعبة وحدثوه عن المشادة التي حدثت بين الإخوان وبين عائلة "عبدالعزيز باشا فهمي" وقالوا له إنه لا يستحسن بعد ذلك أن تبدأ بزيارته كالمعتاد ووعدتهم خيرًا، ولكن (الإخوان) كما تعلمون في كل تصرفاتهم عن عقيدة وشريعة، ولا يحتكمون إلى هوى ولا يقادون إلى شهوة ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة :8)، لهذا حين جئت إلى هذا البلد الطيب كان لابد أن أدخل البلد من الباب ولا يمكن أن أدخله من الشباك، والباب الوحيد لهذا البلد هو منزل "عبدالعزيز باشا فهمي".



حتى إذا أنهى الأستاذ المرشد هذه الكلمات الحكيمة المؤمنة تعالت الهتافات (الله أكبر ولله الحمد) من الناس جميعًا.. الإخوان وغير الإخوان وأعداء الإخوان.


وتصافحت الأيدي وربط الله بين القلوب، وهكذا فقه المرشد رحمه الله بعمق معنى قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ* وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:33 ,34).

المصدر :إخوان اون لاين