نجم الدين أربكان ودوره في السياسة التركية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
نجم الدين أربكان ودوره في السياسة التركية
1969 -1997

بقلم : منال الصالح

الدار العربية للعلوم ناشرون

محتويات

الطبعة الأولي

1433 هـ - 2012 م

عين التينة , شارع المفتي توفيق خالد , بناية الريم

هاتف (+961 -1 ) 786233 – 785108 – 785107)

ص. ب : 13 – 5574 شوران – بيروت 1102 -2050 – لبنان

فاكس : (+961 -1 )786230 – البريد الالكتروني : [email protected] .com.lb

الموقع على شبكة الإنترنت : http: www.asp.com.lb

إن الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن رأي الدار العربية للعلوم ناشرون ش. م . ل

بسم الله الرحمن الرحيم

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ...)

صدق الله العظيم

سورة النحل : أية 125

تقديم

  • بقلم : الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل

تتدفق معطيات هذا الكتاب , وبالاستقصاء العلمي الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة , لكي تؤكد قدرة هذا الرجل – الزعيم ( نجم الدين أربكان ) على العودة بتركيا , المرة تلو المرة , إلى حضنها الإسلامي الأصيل الذي منحها المجد والجغرافية والتاريخ .

وقد تتبادر إلى الذهن للوهلة الأولي , فكرة ( البطل في التاريخ ) قدرة هذا الرجل الفذ على مجابهة التحديات التي تفوق الطاقة والتفوق عليها .

ولكننا سنكون مخطئين إن اكتفينا بالوقوف عند ( الصورة ) بوجهها المنفرد هذا , فهناك إلى جانب ذلك : الجمهور .... الشعب التركي نفسه الذي كان ينهض في أعقاب كل كبوة لكي يمنح أصواته وثقته ومحبته للقائد الكبير .

إنها - إذن- ثنائية البطل والجمهور .. وحرام علينا , على مستوى المنهج أن نستسلم لمقولة " إما هذا أو ذاك " بل أن نستبدلها بالميزان الأكثر عدلا : " هذا وذاك "

هذا في صفحات هذا الكتاب سنتبين لنا مصداقية اللقاء الحميم في ثنائية كهذه , عبر جدل متواصل بين البطل والجمهور استغرق حوالي الثلاثين عاما .

ورغم كل محاولات الإجهاض , فإن ما زرعه القائد بأذرع الجماهير استوى على سوقه , ونهص قائما لكي يغطي السهل والجبل , وينشئ جيلا من التلامذة سيقدر له أن يمضي بالراية خطوات كبيرة أخرى إلى الأمام .

إن الكاتبة منال الصالح تقنعنا بهذا كله من خلال خطاب علمي , وبمجرد إلقاء نظرة على الكتاب بفصوله الخمسة , والتهميشات الخصبة التي ذيّلت بها الصفحات وبقائمة المصادر والمراجع العربية والانكليزية والتركية التي قاربت المنتين عددا , يتبين الجهد المكافح , الذي بناته المؤلفة في إنجاز عملها , ورغبة ملحوظة في الإحسان والإتقان الذين أمرنا بهما الرسول المعلم , والكتاب الذي بين أيدينا هو واحد منها : توثيق تاريخي ينطوى على رؤية شمولية لدور ( أربكان ) في السياسة التركية للفترة 1969 -1997 , ويتابع بقدر طيب من التحليل , حلقات جهده المتواصل لتحويل قناعاته , وقناعات الجماهير التي منحته ثقتها , إلى واقع منظور.

إنها في بدء التحليل ونهايته قضية هذا الدين الذي أريد لشريعته أن تحكم في الأرض ويبقي الخلاف والاجتهاد في منهج العمل , بين فئة وأخرى وحزب وآخر ... وبغض النظر عن المسميات التي تقلب فيها أربكان نفسه , وهو يضع عناوين حزبه المرة تلو المرة فإن النتيجة ... الهدف ,هو نفسه دائما . العودة بالحياة إلى شريعة الله ... وبعبارة أخرى , إعادة صياغة الحياة في ضوء ( كلمات الله ) التي أريد للبشرية من لحظات انبعاثها الأولي , أن تتلقاها وتتشكل بها وإلا فهو التيه والضياع .

في الفصل الخامس والأخير من الكتاب تعالج المؤلفة جملة من القضايا التي تعامل معها أربكان في السياستين الداخلية والخارجية يتبين معها لكل ذي عينين أنه لو أتيح لها أن تواصل الطريق وتستكمل الأسباب , فإنها ستحقق لتركيا بكل تأكيد جملة مدهشة من المكاسب في مجابهة المشاكل الداخلية الاقتصادية والعرقية والمذهبية وعلى رأسها مشكلة الأكراد , وسننتقل تركيا في الوقت نفسه لأداء دور أكثر فاعلية على المستوى الإسلامي والقارئ والعالمي تقف في قمته ولا ريب محاولة إقامة اتحاد اقتصادي إسلامي آسيوى أفريقي في مواجهة التغوّل الغربي , عجزت القيادات العربية والإسلامية عن تحقيقه , بل التفكير به على مدى عشرات السنين , فلو قدّر له أن يظهر للوجود , فإن معادلات جديدة ستتشكل في سياق لم الطاقات الفاعلة لأمة إسلامية كبرى , طحنها التمزّق وبعثرت الخلافات وغياب الاستراتيجي وقدرتها على أداء فاعل في الأرض .

ولكن لا بأس .. فها هم تلامذة أربكان على اختلافهم مع الأستاذ في منهج العمل وهو ظاهرة صحة وعافية يلتقون معه في الهدف ... في الإستراتيجية بعيدة المدى.. ويمضون قدما لتحقيق المزيد

ومن الله وحده التوفيق .

مقدمة

أولا – حدود الكتاب

لم تثر شخصية تركية من الجدل والاختلاف في النصف الثاني من القرن العشرين ما أثاره السياسي والمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور نجم الدين أربكان والمعروف في الأوساط التركية باسم ( أبو السبع أرواح ) فتأمل سيرته يقودنا مباشرة إلى قول سيدنا الإمام على بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) في كتاب نهج البلاغة الذي يقول : ( رضي الله عنه ) في كتابه نهج البلاغة الذي يقول : ( إذا أقبلت الدنيا على أحد أعطته محاسن غيره , وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه ) فهذا الرجل الذي أسس خمسة أحزاب سياسية وحكم وسجن وحظر نشاطه السياسي غير مرة وفرضت عليه الإقامة الجبرية والذي ارتقي حتى شاع عنه اصطلاح الظاهرة الأربكانية وأبدي أعداؤه إعجابا وخوفا منه في الوقت نفسه وتحشدت حوله الملايين ليس من الأتراك فحسب ولكن من أرجاء العالم الإسلامي , هذا الرجل جدير بأن تكرس لسيرته وفكره المؤلفات فإن ظهور سياسي إسلامي في تركيا العلمانية يرتقي إلى السلطة بالوسائل الديمقراطية دون أن يتخلي عن مبادئه الإسلامية هي ظاهرة فريدة بالنسبة للدول الإسلامية , فهل يعود الفضل في ذلك إلى النظام العلماني الذي أفسح المجال للإسلاميين إذ التزموا بالمبادئ الديمقراطية أن يصلوا إلى السلطة , أم مطاولة نجم الدين أربكان وصبره ونفسه الطويل لمدة ثلاثين سنة لتحقيق أهدافه ؟ مما لا شك فيه أن الجواب الثاني هو الأصح لأن النظام العلماني طوال ثلاثة عقود كان يضع العراقيل تلو العراقيل أمام أربكان دون أن يثنيه عن مواصلة السير باتجاه أسلمة المؤسسات العلمية عبر طريق شاق ووعر , كانت له أصداؤه اللافتة للنظر لدي القاري المسلم , وأثيرت تساؤلات كثيرة في حينها حول إمكانية قيام تركيا من جديد بدور فاعل في الإسلام , وكتبت بشأن ذلك المؤلفات والمقالات الأمر الذي يدفعنا بوصفنا مسلمين نتقاسم مع تركيا المعتقد الديني والتراث التاريخي والجوار الجغرافي أن نكون تصورا واضحا عن تلك الشخصية ودورها السياسي والفكري .

لأجل ذلك كله أصبح البحث في دور هذا الرجل في الأوضاع السياسية التركية الشائكة أمرا جديرا بالاهتمام بما يمكن أن يرافقه من مشاق , فكان هذا الدافع لموضوع هذا الكتاب الذي تمحور حول نجم الدين أربكان ودوره في السياسة التركية .

وقد تم تقسيم الكتاب إلى خمسة فصول فضلا عن مقدمة وخاتمة , حمل الفصل الأول عنوان السياسة التركية والمسألة الدينية قبل ظهور نجم الدين أربكان وفيه جرى استعراض لإجراءات أتاتورك المتعلقة بالمسألة الدينية ودور الدين في السياسة التركية حتى عام 1969 عندما ظهر أربكان للمرة الأولي على المسرح السياسي التركي من خلال وجوده في حزب العدالة من تم ترشيح نفسه كمرشح مستقبل في المجلس الوطني التركي الكبير ( البرلمان ) وإذا كان الكثير مما ورد في هذا الفصل قد جرت كتابته بأقلام مختلفة فإن المؤلفة لم تجد بدأ من إيرادها بوصفها الأرضية التي لا يمكن أن نفهم من دونها الدور الذي لعبه نجم الدين أربكان في السياسة التركية .

أما بالنسبة للفصل الثاني فقد لتناول سيرة نجم الدين أربكان شخصيا وعلميا ومهنيا وسياسيا حتى انقلاب 12 آذار 1971 , وحظر حزبه ( حزب النظام الوطني ) من قبل المحكمة الدستورية وتوقف نشاطه الحزبي واستبعاده عن الممارسة السياسية لمدة عامين .

وفيما يخص الفصل الثالث الذي يتضمن عودة أربكان إلى مزاولة العمل السياسي في عام 1973 وتأسيس حزب السلامة الوطني ليتسلم منصب نائب الوزراء لأكثر من حكومة ائتلافية وظل يخوص غمار السياسة حتى انقلاب 12 أيلول 1980 لذلك كرّس الفصل الثالث لاستيعاب حقبة السبعينيات من دور نجم الدين أربكان السياسي .

ومرة أخرى يتدخل العسكر في السياسة عام 1980 ويكون أربكان في مقدمة من يطاله شرر الانقلاب فيقبض عليه ويسجن ويوضع تحت الإقامة الجبرية ويحل حزبه ويحظر عليه ممارسة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات , لكنه يعود مرة أخرى إلى الحياة السياسية زعيما لحزب الرفاه ويرتقي معه ليصل إلى سدة رئاسة الوزراء في حزيران 1996 , وقد غطى الفصل الرابع مشوار نجم الدين أربكان مع حزب الرفاه حتى اقتطافه ثمرة الفوز في الانتخابات النيابية بأن تولي رئاسة الوزراء .

وإذا كان الفصل الخامس الموسوم بـ " أربكان رئيسا للوزراء " هو أطول فصول الكتاب وأكثره تفصيلا , إلا أن لذلك ما يبرره بدليل الأزمات المتعاقبة التي عاشها نجم الدين أربكان خلال حكمه فتم في هذا الفصل تناول تشكيل الحكومة ومظاهر سياسة أربكان الداخلية والخارجية ثم الضغوط التي تعرّض لها من قبل القوى المعارضة له وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية , الأمر الذي أجبره على الاستقالة في 18 حزيران 1997 ولم يكد يمضي عاما واحدا في الحكم , واعتمدنا في هذا الكتاب على الوثائق والمصادر لاستجلاء شخصية نجم الدين أربكان ودوره السياسي بين كتب لمؤلفين عايشوا أربكان واحتكوا به وآمنوا بأفكاره ودافعوا عنه في مقدمتهم مصطفي محمد الطحان الذي ارتبط بعلاقة شخصية مع نجم الدين أربكان وكان شاهدا على تجربته السياسية منذ الستينيات ويعد كتابه ( تركيا التي عرفت من السلطان إلى نجم الدين أربكان 1842 -2006 ) من أهم المصادر التي رافقت بحثي منذ صفحاته الأولي وحتى نهايته , ويليه في الأهمية كتاب ( أربقان والرفاه الإسلامي ) لمؤلفه صباح الدين أوجار الذي ألف بالتركية وترجم إلى اللغة العربية , يستشف من الكتاب إعجاب المؤلف البالغ بأربكان وتبريره لسياساته وقد أمد المؤلفة بمعلومات ثمينة انفرد بذكرها كما هو الحال في الحديث عن طفولة أربكان وتفسيره لتعقيدات إصدار قرار الإنزال في قبرص كما جرى الحديث عنها في الفصل الثالث , وهناك كتب أخرى عالجت موضوع أربكان ضمن سياقات مختلفة بين تناوله ضمن الحركات الإسلامية المعاصرة والحركة الإسلامية في تركيا على وجه التحديد أو تلك التي عالجته ضمن استعراض التاريخ السياسي لتركيا المعاصرة , ومما لا شك فيه أن كتاب ( الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا حاضرها ومستقبلها , دراسة بين الدين والدولة في تركيا ) لأحمد نورى النعيمي , وكتاب ( الحركات الإسلامية في آسيا ) لمؤلفه محمد نور الدين وكلا الرجلين أكاديميين يعتد بوثاقة صلاتهما بالموضوع , وعلى الرغم من أن كتاب نور الدين قد عالج الموضوع ضمن إطار أوسع للحركة الإسلامية المعاصرة إلا أن معالجته مهمة للغاية إذ شغلت نحو 88 صفحة وقدمت تفاصيل وتحليلات تركت المؤلفة حريصة على الاعتماد عليها .

وعلى قدر تعلق الأمر بالدور السياسي لنجم الدين أربكان يأتي كتاب يوسف إبراهيم الجهماني والموسوم بـ " الإسلام السياسي الجديد , حزب الرفاه والرهان على السلطة " وكتاب رضا هلال ( السيف والهلال من أتاتورك لأربكان – الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلامي السياسي ) فعلي الرغم من أسلوبه ووظيفته الصحفية التي سرد من خلالها كتابة إلا أن مادته أيضا ثرية بالنصوص والتفصيلات التي أضاءت بدورها محطات مهمة من هذا الكتاب .

ثانيا : البحوث والدراسات

حظيت المرحلة التي مارس فيها أربكان نشاطه السياسي بقدر غني من الأبحاث والدراسات التي تنوعت أهدافها وزوايا معالجتها لهذا الموضوع بحكم تنوع مؤلفيها وانتمائهم وأغراضهم , فهناك مؤلفون أتراك في مقدمتهم ( هاكان ياوز) ( خلدون كوك ألب ) ( أتيلا يالا ) زينو بولنت ) ( على رضا ) ( إحسان داعي ) ( محمد إبكان بول) وغيرهم , والباحثون المذكورون كلهم أكاديميون ممن يحتلون درجات علمية مرموقة سواء داخل تركيا أم خارجها , أما بالنسبة للأبحاث والدراسات الأجنبية فيقف في المقدمة الباحث والخبير في الشؤون التركية ألن مالوفسكي اذي كتب بحوثا ودراسات عدة في محاولة تفسير الظاهرة الأربكانية وترسيم الطريق المثلي والتعامل معها , وأبرز مؤلفاته " كيف تتعامل مع أربكان "و " العلاقات الأمريكية التركية " ولا يستشف من كتاباته أنه يستسيغ أربكان أو الحركة الإسلامية في تركيا وكتاباته ذات طابع سياسي صرف لا تتيح فرص لقاء بين أربكان والولايات المتحدة الأمريكية , أما بالنسبة للأبحاث العربية فهناك كتابات كثيرة متباينة المستوى بين التناول الأكاديمي أو الاكتفاء بالمعالجة الصحفية فبالنسبة للصنف الأول تأتي أبحاث كل من الباحثين ( محمد حرب عبد الحميد , مصطفي الطحان , جلال عبد الله معوض , فهمي هويدي , إبراهيم الداقوقي )

وكل من الأساتذة ( إبراهيم خليل العلاف , خليل على مراد , عصمت برهان الدين , عبد الجبار مصطفي , عبد الجبار قادر غفور , عوني عبد الرحمن السبعاوي ) أما بالنسبة للكتابات الأخرى فالظاهرة الملفتة للنظر هي التكرار وفقدان الأصالة وغلبة الطابع الصحفي .

ومن البديهي أن ظاهرة سياسية معاصرة مثل الظاهرة الأربكانية قد احتلت حيزا واسعا من صفحات الصحف لا سيما إبان صعوده إلى السلطة في التسعينيات الأمر الذي دفع المؤلفة إلى إيلاء هذا المصدر أهمية خاصة لتوثيق الحوادث التاريخية ورصدها أولا بأول , ويصدق ذلك أينما صدق في تناولنا للفصل الأخير الذي كانت فيه متغيرات حكومة أربكان يومية مما حتم متابعة ذلك بدقة وعناية وتأتي الصحيفة التركية توركش ديلي نيوز في مقدمة الصحف التي تمّ الرجوع إليها ,وحسب المؤلفة أن تشير إلى أنها قد قرأت مئات المقالات والافتتاحيات الصحفية العربية من أجل إعطاء القارئ الشعور بالمتابعة المباشرة لتطورات والأحداث التي لم تتمكن غيرها من المصادر أن تقدمها , فضلا عن ذلك فقد ضمت الصحف والمجلات مادة وثائقية مهمة تتمثل بمقابلات أربكان الشخصية التي تمثل مصدر لا غني عنه لفهم وجهات نظر أربكان وملابسات دوره السياسي .

ثالثا : المقابلات الشخصية

تميّز موضوع هذا الكتاب بأن أغلب شخصياته ما زالت على قيد الحياة ويسهم بعضهم حتى الآن في النشاط السياسي مما يجعل قدرا كبيرا من الحقائق التاريخية مختزنة في صدورهم , فحتّم ذلك على المؤلفة أن تسافر إلى تركيا حيث دارت على مسرحها تجربة أربكان فنجحت في عقد سلسلة مقابلات مع نجم الدين أربكان نفسه ومع أبرز رجالاته وفي مقدمتهم شوكت قازان الذي رافق أربكان عبر مسيرة طويلة تمتد منذ السبعينيات ,وقد كان قياديا بارزا بدلالة تسلمه لمنصب وزير العدل في حكومة الرفاه , والأستاذ ياسين خطيب أوغلو أحد قيادي حزب السلامة الوطني وسبق أن شغل منصب وزير الإسكان والأشغال العامة في الحكومة الائتلافية في السبعينيات وأحد أعضاء حزب الرفاه , والأستاذ جواد إيهان وزير الطاقة والأشغال في حكومة الرفاه , والأستاذ حسن بيتميز مسئول التنظيم الحزبي في حزب السعادة وستتجلي للقارئ أهمية هذه اللقاءات .

لكن من المفيد الإشارة إلى أن جانبا من هذه الأهمية يتمثل بتوجيه المؤلفة صوب مصادر معينة وتطوير مفاهيمها تجاه الموضوع دون أن يقتضي الإشارة إلى هذا المصدر , والمسألة الأكثر أهمية أن المؤلفة أرادت أن تتلمس صدي شخصية أربكان وسياساته في نظر المواطن التركي بوصفه الأكثر تأثرا وارتباطا بهذه السياسات فإذا كانت الكاتبة لم تستخدم هذه المقابلات يوصفها مصدرا في دراستها إلا أنها ولا شك قد أغنتها بدرجة كبيرة عندما اقتربت من النظرة الداخلية التركية لنجم الدين أربكان .

ومن الله التوفيق

الفصل الأول السياسة التركية والمسألة الدينية قبل ظهور نجم الدين أربكان

المبحث الأول

أولا : إجراءات أتاتورك التحديثية وردود الأفعال تجاهها

أسست الجمهورية التركية الحديثة علي يد مصطفي كمال – في عام 1923 بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولي ( 1914 -1918 ) وتولي هو رئاستها لنحو 15 عاما ( 1923 -1938) وطوال تلك الحقبة عمل على إرساء دولة حديثة تنشق عن الموروث العثماني وتقوم على مبادئ عرفت بالمبادئ الستة ورأى أن السبيل الوحيد هو العلمنة السريعة والمكثفة والشاملة بعد أن ظهر عجز الإجراءات التحديثية الناقصة أو الجزئية التي طبقها العثمانيون في القرن التاسع عشر , وشملت إجراءات مصطفي كمال جوانب الحياة المختلفة كان أكثرها قوة تلك المتعلقة بالإسلام والتعليم والقضاء . فقام بإلغاء السلطنة والخلافة والأوقاف والزوايا والطرق الصوفية وأسس إدارة الشؤون الدينية بدلا من وزارة الشريعة وجعلها تابعة لمجلس الوزراء ومنع اعتمار الطربوش والعمامة وروج للباس الغربي وأغلق المدارس الدينية واستعان بمعملين ذوى توجهات علمانية واستبدل المحاكم الشرعية أيضا بمحاكم علمانية واضعا قوانين مأخوذة من الدساتير الغربية , ومنع حجاب المرأة وألغي استخدام الحرف العربي بالكتابة مستبدلا إياه بالحرف اللاتيني وتبني التقويم الميلادي وقام بإصدار قوانين تساوى بين الرجل والمرأة فيما يخص إجراءات الطلاق وحقوق الميراث وألغي الألقاب القديمة - وأمر باتخاذ ألقاب جديدة إلا أن إجراءاته تلك واجهت ردود أفعال متباينة تأرجحت بين مؤيد ومعارض فمثلا أيّدت طبقة المتعلمين والمثقفين ثقافة غربية خطواته وحاولوا إظهاره بمظهر المنقذ للأمة من التخلف والرجعية حسب تصوراتهم وعدوا تلك الخطوات انتصارا لأفكارهم .

من جانب آخر لقيت إجراءاته معارضة شديدة من قبل علماء الدين استثمروا قرار إلغاء الخلافة في إثارة الشعور الديني وتأليب الناس ضده , مما أدي إلى قيام انتفاضات مسلحة طابعها ديني وقومي مثل انتفاضة الشيخ سعيد بيران – 1925.

وق تباينت أصداء إلغاء الخلافة في الوطن العربي فمثلا عبرّت الصحافة العراقية عن الاستياء الشعبي إذ ذكرت صحيفة الاستقلال في عددها الصادر 10 آذار 1924 مقالا جاء فيه – " إن الأتراك قد تعرضوا لما ليس من شأنهم حيث أقدموا على البتّ في أمر الخلافة " وجاء في المقال نفسه أيضا :" مما لا شك فيه أن العالم الإسلامي وعلى رأسهم العلماء والزعماء لن يظلوا واقفين موقف الصامت ولن يصبروا على أى عمل يغضب الله ورسوله .

لم يقتصر الاعتراض والاحتجاج على إلغاء الخلافة فقط كذلك واجهت خطوة إعلان الجمهورية انتقادات من رجال استنبول وصحافتها وبعض قادة الحركة الوطنية الذين ساورهم الشك والريبة من تصرفات مصطفي كمال وقد تباينت تلك المعارضة بين تيارات مختلفة فمنهم من أبدى الارتياب من نجاح النظام الجمهوري ومنهم من رأى أنها مخالفة لتقاليد الأمة وعاداتها .

وعلى الرغم من ذلك ظلت التحولات القسرية التي حدثت تطبيق العلمانية غير مقبولة عند أغلب فئات الشعب التركي المتمسك بالإسلام الذي يمثل أقوى رابطة تربطة بتراثه وماضيه ويؤكد الكاتب البريطاني الصحفي إدوارد مورتير على ذلك بقوله :- " إن مصطفي كمال بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذها لتحديث تركيا إلا أنه لم يستطيع قتل الشعور الديني الجارف داخل قلوب ومشاعر غالبية الشعب التركي .

وبعد أن فارق مصطفي كمال الحياة في 1 تشرين الثاني 1938 في اليوم التالي تم انتخاب عصمت إينونو – نائبه ورفيق مسيرته رئيسا للجمهورية التركية من قبل المجلس الوطني التركي الكبير في جلسته المنعقدة في 11 تشرين الثاني 1938 .

ثانيا : تركيا بعد أتاتورك 1938

تسلّم عصمت إينونو السلطة وقام بإلقاء خطبة في المجلس الوطني التركي الكبير بهذه المناسبة جاء فيها :" لا تنتظروا مني أن أكون مثله ( مصطفي كمال أتاتورك ) فهذا أمر لا أنا ولا سواى يستطيع أن يتنطح له , كل ما أستطيع أن أعدكم به هو أن أظل كما كنت دائما مخلصا لأفكاره ومبادئه وتعاليمه وأن أواصل السير على الطريق الواضح الذي رسمه أتاتورك من أجل رفاهية الشعب التركي وتقدمه ورفعة الوطن ومتعته , وقد ساعدته سياسة أتاتورك التي أرست نظاما سياسيا مستقرا , فلم يواجه إينونو أية متاعب في السنة الأولي للحكم لا سيما وإنه سار على خطى أتاتورك دون أى تغير جوهرى , إلا أن قيام الحرب العالمية الثانية ( 1939 -1945 ) فرضت عليه إتباع سياسة محايدة لضمان وتعزيز الأمن القومي لتركيا طوال مدة الحرب . لكن بعد ذلك واجه مشاكل عديدة داخلية وخارجية , فعلي المستوى الداخلي تعرض لانتقادات عديدة بسبب تردي الأوضاع المعيشية التي عمّت البلاد لا سيما بين أوساط الفلاحين والعمال والحرفيين الذين تضرروا جراء الحرب وبرزت طبقة رجال الأعمال الجدد ( تجار الحرب ) والذين بدأوا بالمطالبة برفع سيطرة الدولة على الاقتصاد مما دفع تلك الفئات إلى توجيه النقد لسياسة الحزب الواحد .

أما على المستوى الخارجي كان للنتائج التي تمخضت عن الحرب العالمية الثانية مثل ظهور الولايات المتحدة الأمريكية قوة دولية في مواجهة الاتحاد السوفياتي ونمو سياسة الأحلاف الغربية وموقع تركيا الاستراتيجي على الحدود الجنوبية للإتحاد السوفياتي نتائج مزدوجة وأثر كبير في تضاعف أهمية تركيا بالنسبة للغرب لذا لم تعد سياسة الحياد التركية التقليدية مقبولة أو حتى ممكنة فكان لابد من التوافق مع الغرب تخوفا وتحسبا مما يمكن أن يترتب على الاتحاد السوفياتي سواء عسكريا أم أيديولوجيا , فضلا عن انهيار الأنظمة الفاشية والنازية القائمة على الحزب الواحد .

أملي التحالف مع الولايات المتحدة على تركيا القيام بمجموعة من الإصلاحات السياسية كان من بينها إعادة النظر في سياسة الحزب الواحد ( حزب الشعب الجموري ) وطبقا لذلك جاء على لسان إينونو في خطابه أمام المجلس الوطني في تشرين الثاني 1945" بأنه على استعداد لإجراء تعديلات في النظام السياسي وفقا للظروف المتغيرة في العالم .

الأمر الذي شجّع على قيام الأصوات المعارضة بالالتفاف حول جلال بأيار – والذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد أتاتورك للمطالبة بتشكيل حزب معارض . فأعلن إينونو أن البلد قد بلغ سن الرشد سياسيا ومن الممكن السماح بقيام تعددية حزبية وسنعمل على دعم الديمقراطية في البلاد وكان إينونو يرمي من وراء ذلك امتصاص الأستياء العام الناتج عن الأزمات التي عانت منها تركيا منذ بداية الحرب العالمية الثانية وأعرب عن أمله بتأسيس حزب معارض , وبعد مدة وجيزة من تصريحه هذا تمّ بالفعل الإعلان عن تأسيس حزب على يد أربعة أعضاء انشقو عن حزب الشعب الجمهوري , وهم جلال بايار , عدنان مندريس , ورفيق كورالتان " وفؤاد كوبرلو – أطلق عليه اسم الحزب الديمقراطي وتبني ضمن أيديولوجية المبادئ الكمالية الستة مؤكدا على الليبرالية والديمقراطية .

ثالثا : المسألة الدينية في مرحلة التعددية الحزبية ( 1946 -1960)

على أثر إقرار مبدأ التعددية الحزبية في تركيا حدثت بعض التغيرات في سياسة حزب الشعب الجمهوري تجاه المسألة الدينية نتيجة للضغوط التي تعرض لها من الرأي العام أولا ومعارضة الحزب الديمقراطية ثانيا الذي قام بحملة ضد حزب الشعب الجمهوري واتهامه بمعاداة الإسلام وعلى الرغم من تمسك حزب الشعب الجمهوري بالعلمانية إلا أنه قام على أثر مناقشات موسعة في المجلس الوطني التركي الكبير في كانون الثاني 1946 ببعض الإجراءات التي تحدث لأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية منها تخصيص الأموال للراغبين بأداء فريضة الحج وبالعملة الصعبة وإعطاء موافقته على قيام دورات لغرض إعداد الأئمة والخطباء كما تم الاتفاق مع رجال الدين على فتح المزارات أمام الزوار , سوّغ حزب الشعب الجمهوري تلك التسهيلات بأنها ضمانة ضد المحافظين , لكن الملفت للنظر أن تلك التسهيلات أحدثت انفراجا في الحياة السياسية مما شجّع على قيام محاولات أولي لتشكيل أحزاب ذات ميول إسلامية مثل ( حزب حماية الإسلام ) الذي تأسس في 19 تموز 1946 على يد نجمي كوناش ومصطفي أوزباك إلا أنه أغلق بعد 23 يوما بحجة مخالفته لدستور 1924 الذي ينص على عدم اتخاذ الدين لأغراض سياسية .

كذلك محاولة الجنرال جواد رفعت أيتل خان والمعروف بعدائه لليهود والصهيونية لتشكيل حزب أطلق عليه ( حزب المحافظين ) إلا أنه ألغي أيضا لاعتماده على أسس إسلامية في برنامجه وأخيرا محاولة المارشال فوزى جقمق – بتشكيل حزب أطلق عليه ( حزب الأمة ) في 25 تموز 1948 أكد في برنامجه على احترم الدين والعادات والتقاليد إلا أنه ألغي في عام 1953 لتوجهاته وأفكاره ضد مبادئ الجمهورية التركية التي أسسها كمال أتاتورك .

فضلا عن ظهور عدد من الجمعيات الإسلامية مثل ( جمعية الإسلام وجمعية التطهير ) الأمر الذي أسهم في عودة عدد من الصحف والمجلات الدينية التي سبق وأن منعت من قبل الكماليين مثل ( سلامات ) و ( حر أدام ) و ( سبيل الرشاد ) وكان لهذه الجمعيات هدف هو مطالبة حزب الشعب الجمهوري بالتخلي عن سياسته العلمانية , وتدخله في شؤون الناس الدينية ومعتقداتهم كما طالب بإلغاء القوانين العلمانية وتربية النشء الجديد تربية دينية وفي انتخابات 1946 ظهر تيار ديني داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه بزعامة حمد الله وتكيلي أوغلو كما شجع مبدأ التعددية الحزبية أيضا على ظهور عدد من الأحزاب ذات توجهات أو عقائد سياسية للمدة من 1946 - 1950.

رابعا : انتخابات 1950 وفوز الحزب الديمقراطي

جرت في 14 آيار 1950 انتخابات برلمانية حقق فيها الحزب الديمقراطية انتصارا ساحقا وفاز بأغلبية مطلقة إذ حصل على ( 396 ) مقعدا مقابل حصول حزب الشعب الجمهوري على (68) مقعدا أما المستقلون فحصلوا على سبعة مقاعد , وقد علقت صحيفة الوطن التركية Vatan في مقال لها جاء فيه : " إن الحزب الديمقراطية لم يتغير نتائج الانتخابات فحسب بل استطاع أن يهزم حزب الشعب الجمهوري .

كان نجاح الحزب تعبيرا عن انتصار أكثرية شرائح المجتمع المعترضة على سياسة الحزب الواحد . فمثلا فئة رجال الأعمال أرادت التخلص من رأسمالية الدولة والسماح لهم بالعمل الخاص كذلك الطبقة المثقفة التي طالبت بالديمقراطية وطبقة المحافظين ممن كانوا يأملون العودة إلى المبادئ الإسلامية السمحاء فضلا عن طبقة الفلاحين التي عانت من سياسة الإهمال من قبل الإدارة الحكومية وقد عرف الحزب الديمقراطية ( بحزب الساخطين ) فلم يكن حزبا داخل البرلمان فحسب بل على المستوى الشعبي , ويعد فوز الحزب الديمقراطي الحدث الأهم على الإطلاق في تاريخ تركيا الحديثة وإنهاء احتكار حزب الشعب الجمهوري في الحياة السياسية فمنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة تحول ديمقراطي نسبي في تركيا .

  • خامسا : المسألة الدينية في عهد الحزب الديمقراطي 1950 -1960

حقق الحزب الديمقراطي وخلال عقد من الزمن العديد من الإصلاحات الداخلية ارتبط البعض منها بالشعائر الإسلامية مثل عودة الأذان باللغة العربية بدل التركية والسماح ببث القرآن الكريم عبر الإذاعة التركية , وتخصيص التمويل الحكومي لموظفي مؤسسات الشريعة والأوقاف بزيادة رواتبهم وصرف مبالغ إضافية لبناء وإدامة الجوامع , ولعل كل هذه الإجراءات كانت تقع ضمن إطار المسائل التنافسية والانغماس أكثر مع القيم الشعبية .

كما شهد عقد الخمسينيات استئناف نشاط الطرق الصوفية البكتاشية والنورسية والقادرية ولم يقتصر نشاط تلك الطرف على المناطق الريفية فحسب بل أصبح لها فروع في المدن الكبرى وصفت مدة حكم الحزب الديمقراطي بأنها مرحلة الأحياء الإسلامي في تركيا , فقد خلقت سياسة الحزب الديمقراطي أجواء مريحة ساعدت وأسهمت في قيام زعماء الطرق الصوفية بالدور الأساس في توجيه الحياة العامة على مستوى المؤسسات والممارسات العقائدية , مما سجّع على ظهور منظمات وأحزاب ذات ميول إسلامية مثل الحزب الديمقراطي الإسلامي وحزب النهضة الإسلامي والجمعية العسكرية المعروفة ( بيوك دوغو ) أى الشرق الكبير , ورافق ذلك نشر الكثير من الدراسات في تلك المدة انتقدت سياسة فصل الدين عن الدولة مشيرة إلى مساوئ سياسة الكماليين التي عرضت تركيا لأزمات اجتماعية وخلقت فجوة في التواصل مع الثقافة الإسلامية ويقول المفكر الإسلامي محمد أركون في هذا الصدد :" إن تجربة أتاتورك قد ذهبت بعيدا في جرأتها لكنها لم تكن في الواقع إلا كاريكاتيرا للعلمنة رافقه بعض التصرفات كما حدث في فرنسا سابقا , لكن الشعب التركي لم يستجب لهذه التجربة وهذا يفسر العودة الدينية بدءا من عام 1950 .

وهنا برز التيار الديني بقوة وفسر البعض تسهيلات الحزب الديمقراطي على أنها مؤشر للعودة إلى عهد الخلافة الأمر الذي شجع أصحاب الطرق الصوفية بممارسة طقوسهم بصورة علنية الذي ساعد في ترسيخ هذا الاعتقاد سياسة الحزب الديمقراطي المرنة لخلق موازنة بين الإسلام والعلمانية والذي نتج عنها تكرار فوزهم في الانتخابات سنة 1954 تباعا ولتميزهم عن سياسة الجمهوريين لمراعاة الحقوق والحريات الدينية .

ومما تجدر الإشارة إليه أن المسألة الدينية اكتسبت بعدا سياسيا ساعد في بناء قاعدة صلبة لمواجهة المد الشيوعي هذا من ناحية والتنافس على أصوات الناخبين من ناحية أخرى , على الرغم من الإجراءات التعسفية التي أحدثها أتاتورك لضمان نجاح إصلاحاته العلمانية ظلت مدن وقرى ريف الأناضول متمسكة بقيمتها الدينية , وذلك لفشل العلمانية في إيجاد نظام بديل عن المعتقد الديني وإيجاد حلول للمشكلات التي تواجه الناس , وقد برّر المستشرق برنارد لويس في هذا المجال عند تقييمه الانبعاث الحركة الإسلامية في تركيا في الخمسينيات :- نشأت إلى حد ما من شعور ديني حقيقي , إلا أنه من الواضح على سياسة مندريس أنه عمل جاهدا لمنع ظهور أى تنظيم حزبي إسلامي يستقطب القطاع الإسلامي في قاعدته الشعبية ففي الوقت الذي يؤكد فيه على مبدأ فصل الدين عن الدولة نجده يستغل أصوات الإسلاميين في الانتخابات ولعل قراره بمعاقبة منتقدي الكمالية والعلمانية من أعضاء الطريقة التيجانية – الذين قاموا بتحطيم تماثيل أتاتورك وإلقاء زعيمهم في السجن خير دليل على سياسته الذرائعية .

المبحث الثاني

أولا : المسألة الدينية والتطورات السياسية في تركيا 1960 -1970

لعبت المؤسسة العسكرية وما تزال دورا أساسيا في الحياة السياسية التركية , إذ كان من تقاليد الأتراك الاعتماد على الجيش منذ قيام الدولة العثمانية فلو استعرضنا التطور التاريخي لهذه المؤسسة نجد أهمية دور الجيش في بناء الإمبراطورية العثمانية وكيف كان للإنكشارية – سلطات تسمح لهم بالتدخل في شؤون الحكم إلى أن قضي عليهم بالقوة في السابع عشر من حزيران 1826, ويبدو أن القضاء على الانكشارية لم يمنع تدخل العسكريين الأتراك في السياسة التركية فيما بعد , وبدا واضحا أن هناك عوامل عدة ساعدت على ذلك ومنها أن القوات التركية تختلف عن بقية القوات المسلحة باختلاف التركيبة والبناء والروح والتوجه , فمن الناحية التقليدية كان الضباط الأتراك قادة في الصراع من أجل التقدم والديمقراطية فمعظم مؤسسي الجمهورية التركية كانوا ضباطا في الجيش مثل مصطفي كمال وعصمت إينونو فضلا عن الذين استقالوا لاحقا من مناصبهم العسكرية , ولعبوا دروا مهما في عالم السياسة والإدارة المدنية ولعل وجود روح أتاتورك المتمثلة بالتحديث المفعمة والمتجذرة في نفوس هؤلاء الضباط الأتراك هي السبب في إحساسهم بأنهم المسئولون عن حماية جمهورية أتاتورك وإجراءاته فلم تكن تلك القوات منغلقة على نفسها بل كانت تمثل المقطع العرضي والتركيبة الأساسية والقاسم المشترك للأمة التركية لاعتبارات عديدة منها أن الجيش وريث الأمجاد العثمانية وقادة حرب الاستقلال ومؤسس الجمهورية التركية ويمتلك حق الدفاع عن التقاليد القومية والوحدة الوطنية وحامل الراية الكمالية وهذا يفسر الأسباب الحقيقية والدوافع النفسية لتدخل تلك القوات في السياسة لقناعتها بضرورة التدخل ففي الوقت الذي تعدّ الحكومة أداة دستورية لتنفيذ برنامج الحزب الحاكم في حالة الاستقرار تظهر المؤسسة العسكرية أداة لتنفيذ آراء القوى المهيمنة في ظروف الاضطراب السياسي لذا أصبحت هذه القوات مؤسسة مستقلة تمتلك حق محاسبة السلطة التنفيذية ( رئيس الجمهورية رئيس الوزراء ) بل حق الإطاحة إذا ما انحرفت عن مسار إصلاحات أتاتورك ومبادئه , والقوات التركية تختلف عن بقية المؤسسات العسكرية في بلدان أخرى حيث يكون تدخل الجيش في أغلب الأحيان ضد الديمقراطية بل تعمل على إعادة الديكتاتوري كما أمريكا اللاتينية .

وبينما يري القادة العسكريون الأتراك أن تدخلهم دائما هو لصالح الديمقراطية ومبادئ الجمهورية التركية , نرى أن القوات العسكرية التركية تتمسك بتقاليد منها عدم البقاء في الحكم وتسليم السلطة للمدنيين , وانقلاباتها ليست من النوع الدموى وإن هدفها هو إعادة النظام والمحافظة على الاستقرار وحماية المبادئ الأتاتوركية . فقد ظلت القوات المسلحة قبل عام 1960 ذراعا مطيعا لدى الدولة لمواجهة أى تهديد تتعرض له الجمهوري , مما يذكر بهذا الصدد أن عدنان مندريس استعان بالجيش في فرض النظام بالقوة وفي منع زعيم المعارضة إينونو من إلقاء خطبته بمناسبة الحملة الانتخابية ,الأمر الذي فسح المجال أمام الجيش للتدخل بالسياسة كما أدي نهج مندريس الأوتوقراطي إلى إثارة سخط كبير مما ولد شعورا لدى العسكريين أن تعاليم أتاتورك قد عطلت لخدمة المصالح الخاصة وانتهاك الحقوق الطبيعية للأمة .

ثانيا : المسألة الدينية وانقلاب 1960

نظرا لإخفاقات حكومة مندريس في أداء واجباتها قام الجنرال جمال كورسيل بانقلاب عسكري صبيحة يوم 27 أيار 1960 تحت دعوة حماية المبادئ الكمالية , تمكن كورسيل من السيطرة على مقاليد الحكم , وبمساعدة ثمانية وثلاثين ضابطا وتم حل الحزب الديمقراطي واعتقال كل من رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه ووزيري الداخلية والخارجية ونفيهم إلى جزيرة يأسي أده , وعلى ما يبدو أن الانقلاب كان متوقعا إذ لم يثر أى نوع من الدهشة والاستغراب لدي المهتمين بالتطورات السياسية على الساحة التركية وذلك لوجود دلائل تشير إلى ضرورة تغير النظام فقد عانت تركيا خلال تلك السنوات من الاضطراب السياسي ولم يكن الخلاص من هذا الوضع دونما تدخل الجيش لأنه القوة الوحيدة القادرة على التغيير لا سيما أن البرلمان كان تحت قبضة الحكومة والحزب الديمقراطي .

على الصعيد السياسي ازدادت حدة الخلافات بين الحزبين الرئيسين , حزب الشعب الجمهوري والحزب الديمقراطي , فتحولت تلك الخلافات إلى ظاهرة اتهامات صارخة , إذا اعترضت الحكومة على أسلوب المعارضة بإعاقة واجباتها وعلى أثر ذلك اتهمت المعارضة الحكومة بالفساد والقمع على ما يبدو أن سياسة الحزب الديمقراطي هي السبب وراء ذلك إذ بدأ يسير باتجاه معاكس للعملية الديمقراطية من خلال إتباعه سياسة مغايرة منها تقييد حرية الصحافة والقيام بحملة اعتقالات لعدد من الصحفيين المعارضين وازدياد الضغط السياسي على أساتذة الجامعات وقمع المظاهرات الطلابية .

أما على المستوى الاقتصادي فقد فشلت حكومة مندريس في إيجاد حلول لمعاناة الشعب التركي جراء التضخم الاقتصادي وانتشار الفساد والرشوة فضلا عن ذلك تجاهل مندريس الوضع المادي للعسكريين وعدم إيفائه بالوعود التي قطعها , عندما كان في المعارضة وإقتناع القوات المسلحة بإهمال الحزب الحاكم لأوضاعهم المادية فقد كان من المتوقع حدوث تغيرات شاملة في البنية العسكرية إلا أن تخلي الديمقراطيين عن الالتزام بذلك فسير على أنه تنازل للجناح المحافظ فعاني الضباط من تدهور مستوى معيشتهم , وأما على المستوى النفسي فقد كان الجيش متعاطفا أكثر مع حزب الشعب الجمهوري لاعتبارات عديدة منها أنه تأسس على يد أتاتورك ولا زال هؤلاء الضباط يحتفظون بذكريات تلك الرابطة القوية بين الجيش والحكومة ناهيك عن موقف الديمقراطيين من المجتمع المدني والاهتمام به والحفاظ على الممارسة الديمقراطية الأمر الذي أدي بدوره القضاء على الروابط والعلاقات القديمة فضلا عن ذلك فإن عودة المظاهر الدينية كان عاملا استفزازيا للقوى العلمانية إذ فسر المؤرخ شريف ماردين ذلك بالقول :" لقد اعتقد الجيش بأن الإسلاميين يريدون جعل تركيا دولة دينية مرة أخري.

ثالثا : المسألة الدينية وحكومة الانقلاب

قبض الجنرال كورسيل على مقاليد السلطة لبعض الوقت , وارتأى قادة الانقلاب إبعاد العناصر الفاسدة من الجيش حسب زعمهم , ورفده بدماء جديدة وقد تمّ ذلك بالفعل من خلال منح ترقيات استثنائية لضباط جدد , كما أن حملات التطهير التي قامت بها لجنة الوحدة الوطنية شملت أساتذة الجامعات وكبار موظفي الإدارة والقضاة بحجة تأييدهم لسياسة الحزب الديمقراطي , كما اتخذت لجنة الوحدة الوطنية عددا من القرارات منها إطلاق سراح السجناء السياسيين وحظر الأحزاب السياسية ومنع صدور الصحافة الحزبية ,وقد اختلف الانقلابيون فيما بينهم إذ انشق على كورسيل عدد من الضباط معترضين على إعادة الحكم المدني عرفوا بـ ( تكتل الأربعة عشر ) بقيادة ألب أرسلان توركيش – وطالبوا بإبقاء الحكم بيد المجلس العسكري لمدة أربع سنوات وعدم إجراء انتخابات نيابية إلا أن مطالبهم قوبلت بالرفض وبسبب إصرارهم قرر كورسيل فصلهم من القوات المسلحة , وتعيينهم بوصفهم ملحقين عسكريين في السفارات التركية في الخارج ,وقام كورسيل بحل المجلس العسكري وتشكيل لجنة أطلق عليها اسم اللجنة الوطنية بدلا من المجلس العسكرى .

استعانت لجنة الوحدة بفريق من أساتذة القانون الأتراك في جامعة إستنبول لغرض وضع دستور جديد للبلاد , وتم بالفعل وضع دستور أطلق عليه دستور 1961 فجاء هذا الدستور ليؤكد على السياسة التقليدية إذ صرّح أعضاء لجنة الوحدة الوطنية بأنهم سيكونون أوفياء للمبادئ الأتاتوركية وتم الاستفتاء الشعبي على الدستور في صيف 1961 وحصد نسبة 60% من الناخبين بالمقابل كان الممتنعين عن الإدلاء بأصواتهم نسبة غير قليلة لمعارضتهم التغيرات الجديدة وبعد إعلان نتائج الاستفتاء بدأ العمل بإجراء انتخابات عامة من أجل إعادة الحكم للمدنيين .

كان أبرز ما جاء في الدستور الجديد جعل ( تركيا دولة علمانية وديمقراطية ) بدلا من الدستور القديم لعام 1924 الذي سبق أن حدد هوية الحكم فيها بأنه ( جمهوري علماني ) وتضمن الدستور فقرات منها الاعتراف بحق الملكية العقارية الخاصة ويقصد بذلك حث الدولة على مصادرة الملكيات العقارية الكبيرة وتوزيعها على فقراء الفلاحين كما أعطي للدولة حق مصادرة المؤسسات الصناعية الخاصة إذ تعرض نشاطها مع مصالح العمال أو مصلحة الدولة , واعترف الدستور أيضا بحق الإضراب للعمال وجعل الضمان الاجتماعي إلزاميا لجميع العاملين .

إلا أن أنصار الحزب الديمقراطي المنحل أخذوا بإطلاق الشائعات لا سيما بين الأوساط الريفية بأن لجنة الوحدة الوطنية على وشك إعادة الأذان باللغة التركية , وأن النظام الجديد سيقوم بتصعيد هجومه ضد التوجهات الدينية وتحويل المساجد إلى ثكنات عسكرية , وعلى العكس فإن لجنة الوحدة الوطنية التي مثلت السلطة التشريعية والتنفيذية للانقلابيين كانت أكثر تعبيرا عن التكيف مع التوجهات الإسلامية التي أعلنت ضمن أهدافها تمتع المواطنين بحريتهم الدينية بدون أية قيود بما في ذلك حرية العبادة دون استغلال الدين لأغراض سياسية .

ولأجل ذلك تم تجنيد مجموعة من المدرسين للقيام بشرح أسباب تدخل الجيش هذا أولا وأهمية الدين من وجهة نظر اللجنة الوطنية ثانيا , وضمن هذا السياق أكد قادة الانقلاب على أن الإسلام عامل مهم في تشكيل الثقافة التركية ومكّون حيوي للشخصية القومية ومن الحكمة أن تسيطر الدولة عليه وتمنع الآخرين من استغلاله .

لذا قبلت اللجنة بما أنجز من تغيرات مؤسساتية في عهد الحزب الديمقراطي لصالح الإسلام مثل بناء مدارس الأئمة والخطباء والمعهد الإسلامي العالي الذي سبق وأن فتح عام 1959 فقامت بإدخال مواد جديدة كالاقتصاد والفلك والقانون المدني وعلم النفس لتصبح أكثر تقدمية وعلمانية حسب تصوراتهم , وقال أحد المسؤولين : -" إن هدف اللجنة هو إعداد وترتيب أفضل لرجال الدين لمحاربة الخزعبلات " كما أصدرت إدارة الشئون الدينية مجلة بعنوان (Hutbeler) ( الخطب ) بهدف توجيه الخطب الدينية في صلاة الجمعة .

وقد عمل الانقلابيون على إحياء مفهوم تتريك الإسلام أو ما يطلق عليه الإسلام التركي أو ما وصفه تكيّف الإسلام مع مطالب الدولة التركية وأيديولوجيتها العلمانية عن طريق الادعاء بتحديثه وإصلاحه من الداخل بطريقة لا تستدعي الرفض والمقاومة , كما هو الحال مع فرض الأتاتوركية وذلك بأوامر تسلطية بيروقراطية من أعلى إلى أسفل , وفي هذا الإطار يذكر كورسيل : - " إن هذا النهج الذي نتبناه سيوصلنا إلى اليوم الذي سيأتي فيه مطلب ترتيل القرآن والأذان باللغة التركية من ( أسفل من الشعب نفسه ) كما أكد كورسيل على التزام الحكومة وموقفها من الدين عندما خاطب الجماهير في أثناء تجواله في الأقاليم قائلا :-" إن الإسلام يأمرنا بالعمل والتقدم نحو الكمال " وقال لجماهير أرضروم – بـ " إن أولئك الذين يلقون على الدين بمسؤولية تخلفنا مخطئون كلا إن سبب تخلفنا ليس الدين , وإنما أولئك الذين قدّموا لنا دينا بصورة خاطئة , إن الإسلام هو أكثر ديانات العالم قدسية وبناء وحيوية وقوة وهو يطلب ممن يؤمنون به أن يحققوا التقدم والحكمة السامية على الدوام , بيد أن الإسلام ظل يشرح لنا علي مدى قرون بصورة سلبية وغير صحيحة وهذا هو سبب تخلفنا " وبدأ واضحا أن هدف الانقلابيين كان تصحيح الأوضاع المضطربة لذلك اتخذت اللجنة سلسلة من الإجراءات كان الهدف منها تسليم السلطة المدنية للسياسيين والسماح باستئناف نشاط الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات نيابية حرة في أقرب وقت ممكن .

رابعا : المسألة الدينية والأحزاب السياسية 1960 -1970

لم يكن ممكنا الرجوع إلى سياسة الحزب الواحد , فمع أن حزب الشعب الجمهوري ظل متواجدا على المسرح السياسي على عكس الحزب الديمقراطي المنحل , إلا أنه تمت الموافقة من قبل لجنة الوحدة الوطنية على تشكيل أحزاب سياسية جديدة بشرط الالتزام بعدم استغلال الدين لأهداف سياسية ومن الواضح كان القصد من ذلك عدم فسح المجال لقيام أحزاب دينية ومع ذلك فقد تأسست أحزاب عدة حاولت اكتساب القاعدة الشعبية المتدينة التي تناصر الحزب الديمقراطي مثل محاولة النائب السابق تحسين ديميري تشكيل حزب جديد عرف بالحزب القروي كذلك محاولة فهمي أرن تشكيل حزب الوحدة إلا أن هذه المحاولات فشلت لتفسح المجال لتأسيس حزب جديد فقد قام بهذه المهمة الجنرال راغب كموش بالا -: لتأسيس حزب العدالة وقد أجيز الحزب من قبل لجنة الوحدة الوطنية وأعلن عن تأسيسه في 11 شباط 1961 رسميا , وانتسب إليه معظم أعضاء الحزب الديمقراطي المنحل والعناصر ذات الميول الإسلامية , وقد تضمن برنامج حزب العدالة مواد عدة كان أهمها المحافظة على الوحدة القومية وضمان حرية الفرد والعائلة وتحقيق الرفاهية والعمل على تحسين المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي .

وقد منح دستور 1961 حرية العبادة مع الالتزام بعدم استغلال الدين إذ أكد كورسيل على ذلك في اجتماع المائدة المستديرة الذي حضره ممثلو الأحزاب وتم فيه التوقيع على بروتوكول تعهدوا فيه بعدم استغلال المشاعر الدينية لاعتبارات تنافسية .

أما فيما يخص مواقف الأحزاب السياسية التركية من الإسلام بعد انقلاب 1960 نلاحظ أن حزب العدالة ظهر للوجود السياسي لأول مرة وريتا للحزب الديمقراطي أما الأحزاب القديمة والمتمثلة بحزب تركيا الجديدة وحزب الفلاحين الوطني الجمهوري وحزب الشعب الجمهوري الذي عدّل أفكاره المتصلبة تجاه العلمانية وانتهت تلك الأحزاب إلى أفكار الانقلابيين نفسها وهي سيطرة الدولة على الدين لمنع استغلاله من جانب الاتجاهات المتطرفة المعادية للعلمانية الكمالية ودعم صيغة التوفيق بين الإسلام والعلمانية , وفي ضوء ذلك جرت انتخابات عامة في 15 تشرين الأول 1961 أسفرت عن حصول حزب العدالة على نتائج متوقعة بلغت 158 مقعدا أى بنسبة 1,35 % من مجموع الأصوات فشكل فوزه لحصوله على نسب مقاربة لحزب الشعب الجمهوري الذي حصل بالمقابل على 173 مقعدا أى بنسبة 7,36% أما بقية المقاعد فقد توزعت على حزبي تركيا الجديدة 65 مقعدا , وحزب الفلاحين الجمهوريين 54 مقعدا من مجموع مقاعد المجلس الوطني الكبير المؤلف من 450مقعدا .

  • جدول رقم (1) يوضح نتائج انتخابات عام 1961


مقاعد المجلس الوطني.jpg


خامسا : الحكومات الائتلافية في عقد الستينيات

أدّى انقلاب عام 1960 والدستور الذي أجيز في العام التالي إلى خلق ظاهرة جديدة في السياسة التركية وهي قيام حكومات ائتلافية بسبب وجود أربعة أو خمسة أحزاب ممثلة في المجلس الوطني وعلى الأغلب كانت غير متكافئة انتخابيا ومن ثمة انعكس ذلك على عدم هيمنة حزب أو أيديولوجية واحدة على السياسة التركية وقيام حكومات غير متجانسة في الأيديولوجيا وتفتقر إلى وجود برنامج حقيقي لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية مما أدّى إلى تفتت القوى السياسية , وهذا يفسر أسباب استمرار الصراعات بين قيادتها فنشأت تحالفات ظرفية أثرت على الناخب التركي فمنذ انقلاب 1960 وخلال عشر سنوات كانت هناك سبع وزارات متتالية كان أولها الوزارة التي قام كورسيل بتشكيلها في 5 كانون الثاني 1961 , ثم قامت بعد ذلك ثلاث وزارات ائتلافية متعاقبة برئاسة عصمت إينونو رئيس حزب الشعب الجمهوري وضمت حزب العدالة عام 1961 وكان هدف إينونو من الوزارة الأولي إشراك حزب العدالة لتجنب معارضته وإقامة نوع من الوحدة الوطنية إلا أن عدم التجانس بين الحزبيين خلق مشكلات لم يكن ممكنا تجاوزها من بينها قضية العفو عن سجناء الحزب الديمقراطي ومواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية مما أديّ إلى تفكك الوزارات واحدة تلو الأخرى فتّم تشكيل وزارة من حزبي الشعب الجمهوري وحزب الأمة الجمهوري وحزب تركيا الجديدة لكن بسبب السياسات القمعية ضد حركة العمال واليسار التي أدّت إلى حدوث اختلافات كبيرة داخل الائتلاف ومن ثم حله في تشرين الثاني 1963 . ثم تشكلت وزارة أخيرة استمرت حتى عام 1965 بين حزب الشعب الجمهوري والمستقلين , وبطبيعة الحال إن ظاهرة الائتلافات هذه لم تستطع تحقيق أهدافها بسبب الاختلافات الأيديولوجية والتوجهات السياسية ومن ثم أدّت تلك السياسة إلى اللجوء للأحكام العرفية التي اتخذت حلا مؤقتا لفرض الأمن وسمحت بتدخل الجيش في محاولات انقلابية سيأتي ذكرها فيما بعد .

سادسا : المسألة الدينية في عهد حزب العدالة

على الرغم من تحذيرات اللجنة الوطنية ودستور 1961 والتوقيع على البروتوكول المار ذكره بعدم استغلال الدين سياسيا إلا أن واقع الحال كان عكس ذلك , فقد التف حول حزب العدالة ذوو التوجهات الإسلامية وكانوا يصوتون له في الانتخابات حتى استطاع الحصول على الأغلبية منذ عام 1965 ولعب دورا مؤثرا في قيادة الحياة السياسية منذ ذلك الوقت حتى عام 1980 وتم التأكيد على الدين بوصفه يتعارض مع الشيوعية وبدا من الطبيعي أن يرفع هذا السلاح بمجرد الإحساس بتهديد اليسار إذ ظهرت في مرحلة الستينيات الرغبة في استخدام ألفاظ مثل إطلاق لفظة شيوعي أو موسكوفي على الاشتراكيين والراديكاليين وبالمقابل وصف من يفضل الرأسمالية الاحتكارية الحديثة بلفظه ماسوني صهيوني وكلها كانت تصبّ في معاداة الإسلام وفي الوقت نفسه اتسمت هذه الألفاظ ببعد سياسي أيضا .


مقاعد المجلس الوطني1.jpg


وظهر استغلال الأحزاب للمسألة الدينية جليا في انتخابات 1965 التي أسفرت عن فوز حزب العدالة إذ حصل على أغلبية الأصوات ونسبة 53% مقابل حصول الشعب الجمهوري على نسبة 22 % وعليه قام سليمان ديميريل – بتشكيل الحكومة وعلى أثر سوء حالة كورسيل الصحية ثم انتخاب جودت صوناى رئيسا للجمهورية فسعى ديميريل بعد تسلم حزبه الحكومة على خلق حالة من التوازن والتوافق بين رغبته بالمحافظة على المبادئ الكمالية من جهة وضمان أصوات الناخبين من خلال إتباعه سياسة مرنة مع التيارات الدينية من جهة ثانية فعمل على إنشاء المساجد الجديدة وإبقاء الصلاة باللغة العربية واهتم بالمدارس الدينية إذ كان عدد المتعلمين بين عامي 1960 -1961 حوالي (337) معلما , (4548) طالبا , بينما ازداد العدد في العام 1969-1970 إلى (1547) معلما و ( 49308) طالبا . الأمر الذي شجع أعضاء الحركات الصوفية بممارسة الشعائر الدينية والعمل بحرية وبصورة علنية , مما دفع بعصمت إينونو القيام بتحذير حكومة ديميريل من مغبة التساهل مع رجال الدين موضحا له إن التعصب الديني لا يقل خطورة عن المد الشيوعي إلا أن ديميريل أكد له بأن حزبه لن يسمح بقيام أى نشاط مضاد للحكومة سواء كان من قبل إسلاميين أو شيوعيين .

إلا أن الملفت للنظر وخلال السنوات الأخيرة في الستينيات من القرن العشرين نمو الاتجاه الإسلامي في نفوس الشعب التركي الذي اتجه أبناؤه للإلتحاق بمدارس الأئمة والخطباء التي اتسعت وازدادت زيادة ملحوظة تراوحت بين ( 45 ) ألفا في أوائل الستينيات لتصبح ( 65 ) ألفا في أوائل السبعينيات وتزايد بناء المساجد بشكل ملحوظ معتمدا على الجهود الذاتية للنخبة الإسلامية المالية الصاعدة وانتشرت حلقات تحفيظ القرآن على نطاق واسع تحت إشراف الشؤون الدينية كما تم إصدار الكتب والمطبوعات والدوريات الإسلامية المبسطة التي تعلّم الدين والعبادات والأخلاق لا سيما لأطفال المدارس والشباب وظهرت كتب لتعليم اللغة العربية ومجموعات لخطب الجمعة ومجموعات كتب التاريخ الإسلامي التي ترك على مرحلة صدر الإسلام والدولة العثمانية فضلا عن ترجمة كتب السنة مثل البخارى ومسلم وبعض أعمال أبي حامد الغزالي , وأخذ التيار الديني في التبلور تدريجيا على مستوى شعبي واسع إلا أنه كان يفتقر إلى وجود إطار تنظيمي ومنهجي وقيادة استراتيجية مع ذلك شهدت المسألة الدينية تطورات مهمة منها انتشار الثقافة الدينية عن طريق معاهد الأئمة والخطباء داخل تركيا , وإرسال الطلبة للدراسة في الأزهر والجامعات العربية ( بغداد دمشق ) كما تمّت الموافقة على طبع مؤلفات الشيخ سعيد النورسي ومزاولة أنصاره لنشاطهم وبعد ذلك ازدادت مدارسهم مما أدّى إلى تعميم الوعي الديني لدى فئات الشعب التركي , وجاء برنامج حزب العدالة مواتيا لتلك السياسة فقد تضمنت المادة ( الثامنة ) من نظامه الداخلي عدم تدخل الدولة في معتقدات المواطنين وقطع صلاتهم مع الدين وإن أى مواطن حر في معتقده على الرغم من إيمان الحزب بالعلمانية وتمسكه بها

هذه السياسة فسحت المجال لتأسيس الأحزاب ذات الصبغة الدينية ففي عام 1967 قام الجنرال صدقي أولاى عميد الكلية الحربية وأحد أعضاء الحركة الانقلابية في الستينيات , ووزير العدل في حكومة كورسيل السابقة بتأسيس حزب الوحدة التركي .

فضلا عن التوجهات والتيارات الدينية التي ظهرت في الداخل فقد تعرضت تركيا أيضا لانعكاسات التيارات الدينية الخارجية التي نمت بذورها داخل الوطن العربي لا سيما في الأردن والعربية السعودية ولعبت دورا في بروز ظاهرة تكوين خلايا تنظيمية ذات صبغة دينية تجسدت بأنشطة منظمة تحت اسم حزب " تحرير تركيا " وقد ذكر الكاتب أندرو مانجو في مقال له عام 1967:- " إن القارئ العادي للصحافة التركية يلاحظ بأن السياسة هناك أصبحت ذات حس ديني واضح .

وسادت الساحة السياسية في تركيا في عقد الستينيات أفكار مثل إن الإسلام مرغوب فيه من الناحية الأخلاقية بوصفه نظرية للحياة , وأن سبب انهيار الدولة العثمانية هو ضعف إيمان المسلمين , لذلك فإن العودة إلى الإيمان هي طريق لعودة تركيا قوية وعظيمة وأنه لا يوجد تعارض أساسي بين العلمانية والإسلام , وإن العلمانية التركية ليست ضد الإسلام وبالعكس فإن العلمانية المستنيرة هي دعم للإسلام وحماية له , هذا فضلا عن أنه لا يوجد تعارض بين القومية التركية والإسلام فهما مكملان لبعضهما وكلاهما أساس مقدس لتركيا كما أن الإسلام عنصر مهم في الثقافة التركية , وأخيرا إن الإسلام ليس قوة رجعية ويمكنه التعاطي مع الثقافة الغربية , كل ذلك كان بحاجة لأن يتأطر في قالب سياسي واضح ومتماسك بقيادة رموز دينية شاخصة ارتبطت به على مدي عقود من الزمن في مقدمتها الأستاذ الدكتور نجم الدين أربكان .

سابعا : السياسة الخارجية التركية

تضمن الحديث فيما سبق عن بعض الملامح في إطار السياسة الداخلية التركية قبل ظهور نجم الدين أربكان , أما فيما يخص السياسة الخارجية في تلك المدة لابد من توضيح بعض الأسس التي قامت عليها السياسة الخارجية التركية منذ تأسي الجمهورية التركية في 1923 إذ قامت على قاعدتين أساسيتين وضع أولهما كمال أتاتورك التي انطلقت من مبدأ ( سلام في الداخل , سلام في الخارج ) الأمر الذي جعلها في عزلة اختيارية بعيدة عن سياسة التحالفات والتكتلات , فحاولت إقامة علاقات متوازنة في المنطقة ملتزمة بمبدأ الحيادية أما القاعدة الثانية والمتمثلة بالوضع الجيويولولتيكي لتركيا من خلال موقعها المطل على مضايق البوسفور والدردنيل حيث جعلها في موقف تحسد عليه بالنسبة للقوى المجاورة لا سيما الاتحاد السوفياتي لأنها تتحكم بالمضايق , ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وما تمخض عنها من نتائج كظهور الولايات المتحدة وصراعها مع الاتحاد السوفياتي , ومطالبة السوفيات بولايتي قارص وأردهان وبناء قواعد عسكرية على البحر الأسود – فضلا عن إجراء تعديلات في اتفاقية مونترو Monterux بشأن المضايق التركية التي قوبلت بالرفض من قبل الجانب التركي , وفي ضوء تلك التطورات تبينت لتركيا أهمية إيجاد علاقات صداقة أيديولوجية مع القوى الغربية لمساعدتها في الصراع مع السوفيات , فحاولت تركيا جاهدة خلق حالة من التوازن بين المعسكرين من خلال توثيق علاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب , وقد الاتحاد السوفياتي وإيجاد حلول للأوضاع الاقتصادية التي كانت تعاني منها تركيا وقتذاك فبدأت تركيا منذ عام 1947 بالاعتماد الكلي على المعسكر الغربي وذلك من خلال مشاركتها بمجموعة من المعاهدات الثنائية مع الولايات المتحدة وبموجب مبدأ ( ترومان ) – وحظيت تلك الخطوات بقبول الولايات المتحدة وذلك لتحقيق أهدافها من خلال استغلال الموقع لجغرافي المهم لتركيا ومضايقها المجاورة للإتحاد السوفياتي من جهة وقربها من مناطق إنتاج النفط المهمة في الشرق الأوسط من جهة أخرى .

أما من جانب تركيا فقد بذلت في عام 1949 جهودا كبيرة لغرض الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952 ومما يذكر أن العلاقات التركية – الأمريكية خلال الخمسينيات شهدت تطورا ملحوظا في عهد الديمقراطيين وتنفيذا لسياسة الحزب الهادفة إلى توثيق التعاون وتعزيز العلاقات الخارجية , وتأسيسا على ذلك شاركت قوات عسكرية تركية كبيرة تقدر بحوالي ( 4500) جندي في الحرب الكورية سنة 1950 استجابة لنداء هيئة الأمم المتحدة وتعبيرا عن عمق تحالفها مع الغرب علاوة على انضمامها لحلف شمال الأطلسي انضمت أيضا إلى حلف البلقان ولعبت دورا محوريا في المشاريع الغربية في منطقة الشرق الأوسط وقد ترجمت دورها هذا في مساعيها بإقامة حلف بغداد - في عام 1955 , فضلا عن ذلك سمحت تركيا للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة أنجيرليك Incerlik الجوية للقيام بالتدخل العسكري الأمريكي في لبنان بناء على طلب الرئيس كميل شمعون عام 1958.

وفي ضوء ذلك يمكن القول أن المسئولين الأتراك فضلوا التوجه نحو الغرب والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وعدو ذلك امتدادا طبيعيا للسياسة الخارجية التركية التي أرادها زعيمهم كما أتاتورك لبلاده وجعل من الانتماء للغرب عقيدة وطنية , وفي واقع الأمر كانت هذه السياسة غير مرحب بها من قبل الإسلاميين في تركيا إذ نظروا إلى هذه التحالفات بكونها ضد مصلحة تركيا والإسلام , لكن عدم انتظام هؤلاء في كيان حزبي واحد وضعف دعم وسائل الإعلام لهم لم يمكنهم من نقل هذه الأفكار إلى الواقع أو الفعل السياسي الخارجي أو الداخلي لتركيا .

الفصل الثاني نجم الدين أربكان والتطورات السياسية التركية حتى عام 1971

المبحث الأول

أولا: أربكان وسيرته الذاتية ( 1926 -1969)

يعد نجم الدين أربكان محور أى حديث سياسي عن الإسلام في تركيا المعاصرة بوصفه أحد أبرز قادة الفكر الإسلامي في ظل الديمقراطية التركية وتيار الحركة الإسلامية السياسية , وقد أدي دوره الكبير على الساحة السياسية فمن هو نجم الدين أربكان ؟ وكيف ارتبط اسمه بهذه الحركة؟ وما هي التقلبات التي عاشها وسط الأجواء السياسية التركية منذ عقد الستينيات من القرن الماضي ؟

  • أ‌- ولادته ونسبه :

ولد نجم الدين محمد صبري حسين بك والملقب بأربكان – في إقليم سيتوب – Sinop في خريف سنة 1926 ينتمي إلى الشرائح الاجتماعية العليا من الطبقة المتوسطة التي تنحدر من أسرة عريقة من نسل الأمراء السلاجقة الذين عرفوا في تاريخ تركيا باسم بني أوغللري الذين امتلكوا ميراثا علميا وإداريا وسياسيا كان لهم دورهم في تاريخ الدولة العثمانية .

ومن المتفق عليه أن نسب نجم الدين أربكان يعود إلى سلالة آل قوزان وهو حفيد حسين بك المعروف بقربه من السلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 -1909 ) استوطن حسين بك في استنبول بعد مجيئه من إمارة أولاد قوزان الذين استمروا بالحكم لعصور طويلة على قوزان وصائم وبيلي التابعة لولاية أضنة وإن أصل عائلته يرجع إلى العائلة المسماة ( سراي لأر) بمعني ذوى القصور وقد استمر حكم أولاد قوزان إلى أواخر القرن التاسع عشر . أما والدته فهي قمر هانم حفيدة البكباشي خليل باشا قائد قلعة سينوب وبذل حسين بيك جهدا في سبيل إلحاق ابنه بكلية الحقوق , إذ تم تعيين محمد صبري بعد إتمامه دراسة القانون في النيابة العامة لمحكمة استئناف أرضروم وتقلد طوال حياته مناصب قضائية رفيعة ثم بعد ذلك تزوج من صبرية هانم وهي من عائلة معروفة باسم ( القوروقجية ) وتعني باللغة العربية الفقراء وتتمتع هذه العائلة بشهرة كبيرة في المنطقة آنذاك . رزق محمد صبري بطفلين هما نظام الدين وصباح الدين وفي أثناء الهجرة الإجبارية إلى سينوب على أثر احتلال الروس لولاية أرضروم بعد الحرب العالمية الأولي لقيت زوجته حتفها , وخلال وجوده في سينوب تزوج مرة ثانية ورزق بثلاثة أولاد كان تسلسل أربكان الثالث بين أشقائه الخمسة ومن الواضح على عائلة أى عائلة محمد صبري أن الميل العلمي سائد فيها بدليل حصول إخوان أربكان على اختصاصات توزعت بين الطب والهندسة إذ تخصص ثلاثة منهم بالطب واثنان بالهندسة .

أما عن مرحلة طفولته كان يتمتع بذكاء حاد ويمتلك مواهب عديدة , فمنذ صغره كان يستحدث لعبا بنفسه ويضع قواعد التحكم بها , فهو بذلك خلق عالما خاصا به وبني صداقات مع أقرانه وبحكم طبيعة عمل والده رئيسا للمحكمة الجنائية في قيصري – أنذاك قضي معظم مرحلة طفولته هناك ,وأما فيما يخص نشأته فقد نشأ في أجواء بيئة علمية وثقافية ودينية ساعدته في تشكيل وصقل شخصيته من خلال تأثره بشخصية والده وارثا عنه الانضباط والجدية .

  • ب‌- دراسته

بدأ أربكان دراسته الابتدائية عام 1933 بمدرسة الجمهورية الابتدائية في قيصرى ولانتقال والده إلى مدينة طرابزون أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة غازي باشا عام 1938 , وفي أيلول 1938 التحق بمدرسة ( أركاك ساسا ) الثانوية للبنين في استنبول , وفي الحقيقة كان والده محمد صبري قد اختار لابنه أبرز إعدادية وهي الإعدادية الألمانية لما امتازت به من رقي ومناهج متطورة إلا أن أربكان فضّل إعدادية استنبول , وكان موضع إعجاب مدرسيه إذ اتسمت حياته الدراسية بالدقة والوضوح , ومما يذكر أن أربكان كان متميزا في مادة الرياضيات وكان يحصل دائما على درجات كاملة وفي إعدادية استنبول حصل على تقدير 100% في مادة الرياضيات فلفت إليه الأنظار فأصبح اسمه يردد في كل أرجاء الإعدادية وتمكن أربكان من تحقيق درجات تقديرية عالية منحته فرصة للدخول في اختيار تنافسي للالتحاق بالجامعة وبسبب تفوقه على أكثر من ألف طالب خضعوا لذلك الاختبار , التحق بالمرحلة الثانية مباشرة في قسم الميكانيك بجامعة استنبول التكنولوجية في تشرين الثاني 1943 , ثم تخرج من هذه الكلية التي مدة الدراسية فيها ست سنوات استطاع أربكان إنهائها في خمس سنوات فقط وكان ترتيبه الأول فعين معيدا بقسم المحركات في الكلية نفسها ,وتم تكليفه بتدريس مادة المحركات لطلاب السنوات المنتهية خلال السنوات من 1948 -1951 .

وتقديرا من الجامعة لجهوده ثم إيفاده إلى جامعة أخن الألمانية في 1951 بعد إكماله لأطروحه الدكتوراه المتكونة من ثلاثة مجلدات بقي في ألمانيا للمدة ( 1951 -1954 ) وخلال تلك المدة التي قضاها في جامعة آخن ( طالب خضعوا لذلك الاختبار , التحق بالمرحلة الثانية مباشرة في قسم الميكانيك بجامعة استنبول التكنولوجية في تشرين الثاني 1943 , ثم تخرج من هذه الكلية التي مدة الدراسية فيها ست سنوات استطاع أربكان إنهائها في خمس سنوات فقط وكان ترتيبه الأول فعين معيدا بقسم المحركات في الكلية نفسها ,وتم تكليفه بتدريس مادة المحركات لطلاب السنوات المنتهية خلال السنوات من 1948 -1951 وتقديرا من الجامعة لجهوده ثم إيفاده إلى جامعة أخن الألمانية في 1951 بعد إكماله لأطروحه الدكتوراه المتكونة من ثلاثة مجلدات بقي في ألمانيا للمدة ( 1951 -1954 ) وخلال تلك المدة التي قضاها في جامعة آخن ( Aachen ) للتكنولوجيا أعد ثلاث رسائل علمية أخرى كانت الأولي للجامعة الألمانية والثانية لغرض الحصول على درجة أستاذ مساعد , أما الثالثة فقد قدمت إلى وزارة الاقتصاد الألمانية وبعد نشر الرسائل عرض عليه من قبل ميلاس المدير العام لشركة ( Lumbelat Dertz KIoemer) التي تقوم بتطوير محركات دبابات الأقاليم الباردة الجديدة للجيش الألماني العمل معهم , عيّن هناك بدرجة كبير مهندسين لمحركات الدبابات في تلك الشركة , وفي عام 1955 عاد إلى تركيا وقدم رسالته لجامعة استنبول فحصل على درجة أستاذ مساعد وهو في السابعة والعشرين من عمره آنذاك وهو بذلك يكون أصغر أستاذ مساعد في جامعة استنبول , فعمل لبضع سنوات في التدريس في كلية الهندسة ومما يذكر أنه قام بكتابة العديد من البحوث والدراسات فحصل على درجة الأستاذية عام 1955 , ثم أصبح بعد ذلك أستاذا في اختصاص المحركات ولم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره .

  • ج- توجهه الديني :

عرف أربكان بشخصيته القوية المتميزة ونبوغه المبكر وهو مسلم حنفي المذهب فيه قدر من الصوفية والزهد في الحياة تربي تربية إسلامية فكان متدينا منذ صغره حريصا على أداء صلاة الجماعة وكثير التردد على الشيوخ ومجالسهم وكان لأسرته المقام الأول في توجهه الديني بفعل ارتباط والده بالشرع والقضاء , إلا أن الشخصية الأبرز تأثيرا في توجهه ومسيرة أيامه هو الشيخ محمد زاهد كتكو – إمام جامع إسكندر باشا إذ ترك هذا الشيخ بصمات عميقة في شخصية أربكان , فقد وجهه لخوض غمار العمل السياسي ودعمه كما سترى في مراحل حياته اللاحقة وقد كان أربكان وفيا جدا لهذا الشيخ وسيمر معنا أنه قد بكي بكاء مرا عندما لم يسعفه الحظ لحضور جنازته عندما كان معتقلا على أثر انقلاب عام 1980 وأشاد بدوره قائلا : - كان لنا أساتذة كثر في أيام شبابنا والأستاذ كتكو منهم وله مقام كبير في تربيتنا وكنت ممن تلقي العلوم الإسلامية على يديه وكان هؤلاء الأشخاص جسرا لتوصيل الأفكار الإسلامية الصحيحة للأجيال الجديدة وأنهم لعبوا دورا مهما في تدريسنا ولهم مكانة خاصة بالنسبة لنا .

وميل أربكان الإسلامي دفعه إلى التعلق بماضي أمته ورفضه الفطري لمحاولة علمنة الحياة في تركيا فولد لديه ردود فعل قوية رافضة لارتباط تركيا التبعي بالغرب ومحاكاتها لسياسته في المجالات كافة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , وقد ورد في ملفه الشخصي بالجامعة التكتيكية بألمانيا أنه كان في أثناء دراسته يكثر من شيئين الصلاة وعمل المشروعات .

  • د- نشاطه المهني / المحرك الفضي ( غموش موتور )

لكن مسيرة أربكان العلمية تعرضت للانقطاع بفعل تحوّله صوب النشاط الصناعي ولتأثره بأفكار الشيخ كتكو قام مع مجموعة من زملائه بالخطوة الأولي لبناء حركة صناعية متقدمة في تركيا فعاد أربكان بعزم وحماس وشوق إلى تركيا من ألمانيا ليسهم مع بعض الأشخاص ويؤسس مشروع غموش موتور أو ( المحرك الفضي ) ففي 1 تموز 1956 أسس شركة مساهمة ضمت 200 شخص في قونية – وبدأوا ببناء مصنع كبير للموتورات وبهذا حقق أحد طموحاته وكان محمد زاهد كتكو أحد المساهمين به وبدأ بالفعل المشروع يضخ إلى الأسواق بضائعه من مضخات للمياه ومكائن للخياطة وغيرها , وقد تحدث أربكان عن جذور هذه الفكرة قائلا : - " على كل إنسان أن يخدم وطنه , فبينما كنت في ألمانيا بعد الحرب ( العالمية الثانية ) أعمل في شركة ( Leopar) بتصنيع محركات الدبابات رئيسا للمهندسين الباحثين كنت متأثرا ومتألما بشكل بالغ لعلمي أن أبسط وأصغر مضخة للري تقوم تركيا باستيرادها من الخارج فكيف يعقل أن نصنع نحن أفضل المحركات في ألمانيا ثم تستوردها بلادنا من هناك فخدمة وطننا تحتم علينا أن نصنع هذه المحركات في بلادنا .

وأردف أربكان قائلا : - " لكن صناعة المحرك ليست بالعلم وحده لهذه قمنا بجمع رأس مال من نحو 200 شخص من المدنيين وأصبحت شركة غوموش موتور ورأس المال الذي جمعناه آنذاك يعد اليوم رقما خياليا وأسسنا أكبر شركة محركات في تركيا وقمنا بتشغيلها خلال أربع سنوات .

ويستمر أربكان في حديثه قائلا :- " لقد صنعنا المحرك التركي في شركة غوموش موتور عام 1960 ليكون محرك بجميع قطع غياره وهذه المحركات حتى الآن اسمها ( بانجر موتور ) تلبي احتياجات تركيا في ذلك المجال حتى إنها تلبي احتياجات العراق وباكستان أيضا وتؤسس الآن شركة أخرى للمحركات في أذربيجان وهذه المحركات تعمل منذ تصنيعها حتى الآن دون أن يتم تغير قيراط واحد منها " وقد زار رئيس الوزراء عدنان مندريس هذا المعمل والتقي بنجم الدين أربكان وأثني على جهود أربكان ومشروعه قائلا :-" كنت أتمنى أن أرى معملا مثل هذا المعمل قبل عشر سنوات أى في سنة ( 1950) ولكن أنا مسرور لرؤيتي هذا المعمل في سنة 1960 وأتمنى أن تتوسع الصناعات الثقيلة في تركيا , إلا أن هذا المشروع واجه عراقيل حالت دون استمرار الشركة آنذاك من خلال تفضيل الاستيراد على التصنيع المحلي وعدم حماية منتجاتها بفعل الكارتلات الاقتصادية الكبيرة التي تجني أرباحها من الاستيراد , ويعلل أربكان ذلك بالقول : - " إلا أننا لم نستطع أن نستمر فقد تعرضت محركاتنا لعملية إغراق تجارى وكان علينا أن نخفض من قيمة المحرك من 6700 ليرة إلى 2700 ليرة , لذا لم نستطيع الاستمرار إلا أن المسؤولية تقع على اتحاد الغرف الصناعية التركية التي لم تستطع أن توقف هذه العملية فكان عليها أن توقف الاستيراد لتشجيع الناتج المحلي"

أما فيما يخص حياته الاجتماعية فقد كوّن أسرته في بداية عقده الأربعيني لانشغاله بهموم الدراسة وتحقيق أحلامه الصناعية من خلال مشروع الموتور الفضي إذ قرّر الزواج عام 1967 من نرمين هانم وهي شخصية متعلمة حاصلة على شهادة الباكلوريوس في كلية الاقتصاد تجيد ثلاث لغات أنجبت له ابنتين هما زينب ولدت عام 1968 والثانية إيلاف 1974 أما الثالث فاسمه محمد الفاتح ولد في 1979 .

ثانيا : - أربكان ونشاطه في اتحاد الغرف الصناعية والتجارية

حصل أربكان وبحكم أنه رجل صناعي على عضوية مجلس الغرف الصناعية والتجارية في استنبول عام 1959 بجانب توليه منصب رئيس إدارة شركة مصنع المحرك الفضي للمدة من 1956 -1966.

من ثم أصبح أمينا عاما وعضوا في مجلس إدارة اتحاد الغرف الصناعية , والتجارية ثم رئيسا له عام 1967 وبقرار من الحزب الحاكم ( حزب العدالة ) الذي كان أربكان عضوا فيه , وهو منصب مهم أتاح له فرصة الانطلاق للدخول في عالم السياسة ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من حياته , وفي أثناء رئاسته للمجلس اختار أربكان مسؤولية الدفاع عن مصالح ملاك الأناضول والمتضررين من سياسة الإهمال والتهميش التي تعرضوا لها في المرحلة السابقة خلافا لسياسة حزبه أى حزب العدالة , الذي سعي إلى كسب تأييد العسكر وموالاتهم ولو ضمنيا من خلال فتح المجال أمامهم للمساهمة ماليا ضمن المشروعات الاقتصادية الكبيرة لتحسين أوضاعهم الاجتماعية عن طريق إنشاء صندوق المعاشات - الذي يتم استثمار الأموال المودعة فيه مما شجعهم على الاهتمام بممارسة الأعمال التجارية , بالتعاون مع كبار الصناعيين في استنبول وأنقرة , وهذا يفسر سيطرتهم على بعض المنشآت الصناعية مثل مصنع ( هاز فستر أنترناشونال للآلات ) ( ورينو للسيارات ) ( وكوديير للإطارات ) ومن ثم امتلك الجيش مؤسسة أوياك ويتم توزيع أرباح تلك المشاريع حسب الرتب العسكرية فضلا عن ذلك كانت الوظائف الإدارية تقتصر على العسكريين بعد تقاعدهم .

وكذلك أراد حزب العدالة أيضا توحيد البرجوازية لجعلها تحت سيطرته من خلال توجهاته لتأمين الرأسمالية الصناعية التي جاءت على حساب طبقة الحرفيين والصناعيين والتي تضررت مصالحهم على أثر ذلك , فضلا عن سياسة تشجيع رؤوس الأموال الأجنبية من خلال إعطائه الموافقات لإقامة مشاريع داخل البلاد التي أسهمت بشكل أو بآخر في ظهور فئة منتفذة من رجال الأعمال الرأسماليين الكبار الأمر الذي أكسب حزب العدالة صفة ممثل المصالح البرجوازية العليا وامتيازاتهم .

وخلال تلك المدة تكوّنت علاقات وثيقة بين حزب العدالة الحاكم واتحاد الغرف والتبادل التجاري التركي , ويعدّ هذا الاتحاد أحد أعمدة الاقتصاد التركي مما أكسبه موقعا مميزا وحساسا بالنسبة للدولة لدرجة أنه لا يمكن تعيين رئيس له إلا بعد إجراء مشاورات خاصة معه ونتيجة لتنفيذ استراتيجية بدائل الاستيراد وتحديد السلع ظهرت منافسات خطيرة شجعت على تقوية العلاقات وتمتينها بين أعضاء الاتحاد وأعضاء الحزب الحاكم ودمجهم ضن إدارة الاتحاد .

وقد أثرت المشاريع المنتجة للسلع الاستهلاكية وطرحها للسوق المحلية أكثر منها لأغراض التصدير على تقويض الصناعة المحلية مما أثر على طبقة البرجوازية الصغيرة .

برز أربكان بوصفه معارضا قويا لديميريل إذ اتهم الأخير بموالاة رجال الصناعات الكبار في المدن الكبرى على حساب المنظمين ورجال الأعمال الناشئين في الأناضول وأخذ يوجّه الخطب مرارا وتكرارا منتقدا سياسة الاتحاد الاقتصادية الذي كان يمثل أحد أعمدة الاقتصاد التركي كما ذكرنا سابقا لصالح الرأسمالية التجارية الكبيرة في مدن استنبول وإزمير وأنقرة التي تمتلك الحصة الأكبر من منح الاستيراد في الوقت الذي " يشعر تاجر الأناضول بأنه يسير حافيا " على حد قول أربكان , فضلا عن ذلك بدأ أربكان بتوضيح التفاوت الذي كان يحصل جراء الاستثمارات وحسب تصوره فإن 80% من ودائع البنوك تذهب إلى جيوب الملاكين الكبار وكان هؤلاء يشددون قبضتهم على مجريات التجارة الخارجية من قبل شركاتهم الكبيرة في المدن الكبرى , أما النسبة الباقية والبالغة 20% فتكون من حصة كل تجار الأناضول كما إن نسبة 80% من المخصصات الصناعية تستغل من قبل الشركات الكبيرة مما يؤدي إلى حدوث خلافات ومنازعات بين بقية الصناعات حول 20% .

ظل أربكان طوال مدة وجوده في الاتحاد يصر على أن اتحاد المجالس التجارية والصناعية يعمل كهيئة لمصالح كبار التجار وإنه يقع تحت سيطرتهم الكاملة ولا يعمل لصالح ملاك الأناضول وأنه يرغب في جمع خيوط الإدارة في قبضته في الوقت الذي يعرب فيه أربكان عن رغبته بضرورة الدفاع عن مصالح تجار الأناضول وبطبيعة الحال أثارت انتقادات أربكان قلق تلك القوى .

بدأت الصحافة تشنّ الحملات ضد توجهات أربكان , فعلي سبيل المثال , ذكرت صحيفة ( أنت ) في عددها 127 والصادر في 3/6/1969 مقالا جاء فيه : - " هناك صراع واضح في هذه الأيام في عالم التجارة والصناعة بين فئتين فئة الرفاق الماسونيين الذين يعملون لحماية رئيس الوزراء سليمان ديمير يل وفئة الإخوان المسلمين الذين يعملون برئاسة نجم الدين أربكان .

ومما لا شك فيه فإن موقف أربكان أثار حفيظة القوى الرأسمالية وردا على ذلك قامت تلك القوى المتنفذة في تركيا بتهديد ديميريل بإسقاط حكومته إذا لم يتم التخلص من أربكان و لا سيما أنه وبعد توليه للمنصب أى ( أربكان ) بمدة قصيرة منع الاستيراد والتصدير من وإلى ( إسرائيل ) لذا بدأ ديميريل بتوجيه الاتهامات لأربكان بحجة مساعدة التجار والصناع الإسلاميين واستخدام الدعاية الإسلامية لإثارة المشكلات وأقدمت قيادة حزب العدالة بصفته الحزب الحاكم على عزل أربكان من منصبه كأمين عام لاتحاد مجالس الغرف الصناعية والتجارية .

ثالثا : أربكان والانتخابات البرلمانية لعام 1969

أضحت سياسة حزب العدالة المدافعة عن مصالح رجال الأعمال والبرجوازية المتواجدة في المدن الكبرى التي حظيت بتأييد النواب داخل المجلس الوطني وبدعم الجيش ومنحه الثقة لديميريل فكانت لتلك السياسة آثار سلبية أسهمت في خلق تناقض بين الرأسمالي التجاري الصناعي المتواجد في مدن استنبول وأنقرة وإزمير والمرتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب وبين البرجوازية الصناعية التجارية الصغيرة والمتواجدة في أقاليم الأناضول , ومن البديهي أن تؤدي مثل تلك السياسة المهيمنة على رأس المال ومركزيته إلى تهديد البرجوازية الأمر الذي دفع بملاك الأناضول إلى ضرورة التحرك والسعي لحصولهم على دعم الدولة من خلال مشاركتهم بالقروض في التجارة الخارجية لتثبيت مواقفهم , إلا أن هؤلاء أدركوا فيما بعد أن تلك الأموال التي تجمعها الدولة عبر المصارف الحكومية يستحوذ عليها كبار رجال الأعمال واتضح لهم بأن سياسة حزب العدالة في الستينيات الداعمة للرأسمالية الصناعية لم تكن لصالح جميع الصناعيين فانعكس ذلك على طبقة البرجوازية الصغيرة وأدّى إلى إفلاسهم لمركزية رأس المال وتقوية نفوذ الرأسمالية الصناعية في المدن الكبيرة ونتيجة لذلك بدأت الشرائح والفئات المتمثلة بأصحاب المتاجر ترفض سياسة حزب العدالة وتوجه له الاتهامات بأنه حزب الاحتكارات برأسمال أجنبي . فطالبوا رئيس الوزراء ديميريل وزعيم حزب العدالة في ذلك الوقت بالتدخل لصالحهم وإيجاد حلول لذلك التفاوت بما ينسجم مع وضعهم إلا أنهم جوبهوا بالرفض فتحول معظمهم إلى معارضة الحزب والابتعاد عنه , مما دفعهم إلى تشجيع أربكان لترشيح نفسه في الانتخابات القادمة لتصورهم بأنه الأصلح لقيادتهم من ديميريل إلى جانب تجربته في اتحاد الغرف الصناعية والتجارية واستجابة لمطالب هؤلاء قرّر أربكان خوض تلك التجربة والدخول في المعترك السياسي وتحديه لديميريل فتّم ترشيحه عن مدينة قونية عام 1969 بوصفه مرشحا مستقلا .

وتمكن أربكان من الفوز بدعم وتأييد رجال الأعمال في الأناضول على أثر مناصرته لقضيتهم من خلال خطبه ودفاعه عنهم فحصل على مساندة هؤلاء وتسلم مقعدا في البرلمان وعدّ ذلك أول انعطاف سياسي له , وضمن هذا السياق ذكر أربكان قائلا :" عندما أصبحت رئيسا لهذا الاتحاد ( اتحاد الغرف الصناعية والتجارية ) عملت على حماية منتجاتنا المحلية وقمت بتغير سكرتارية هذا الاتحاد وعينت فيها من لديهم الرغبة بحماية الصناعة الوطنية , إلا أنه واجه معارضة شديدة من غرف التجارة والصناعة في إزمير وفي الدوائر الحكومية التي لم تعترف بنتائج الانتخابات .


المبحث الثاني

أولا : الأوضاع العامة الممهدة لظهور حزب النظام الوطني

إن ظهور التوجه الإسلامي في الحياة السياسية جاء رد فعل تجاه الإجراءات التحديثية السريعة ( العلمانية ) التي قام بها أتاتورك التي كشفت عن فشله وإخفاق حلفائه في تأسيس دولة على النمط الغربي في الوقت الذي كانت تفتقر إلى مقومات النظام السياسي الديمقراطي بدليل وجود حزب الشعب الجمهوري على الساحة السياسية لمدة طويلة فقد عملت تلك الإجراءات على عزل تركيا عن العالم الإسلامي المحيط بها والتقرب للغرب سعيا لتعطيل دور الإسلام بوصفه قوة محركة في المجتمع والسياسة فخلقت فجوة عميقة كانت السبب في ابتعاد الشعب عن السلطة الحاكمة .

إلا أنه وبعد مضي ستة عقود على علمنة الحياة بدا واضحا خطأ أتاتورك في تقديره لحاجة الشعب التركي للإسلامي وارتباطه , ومما يثير الدهشة أن الغرب هو الذي اشترط على تركيا قيام دولة علمانية وفق ما جاء في بنود معاهدة لوزان – وهو أيضا من أسهم بشكل أو بآخر في عودة المظاهر الدينية إلى تركيا , وقد يثار تساؤل عن كيفية حدوث ذلك ؟ وهنا لابد من توضيح ذلك : فمع نهاية الحرب العالمية الثانية وتوافقا مع المتغيرات التي حدثت فيها على المستويين الداخلي والخارجي , ما أدّى إلى إحلال مبدأ التعددية الحزبية التي أعادت المظاهر الدينية ( كما مرّ معنا ) من خلال ممارسة الديمقراطية وأحداث تقارب مع المحافظين ذوى الميول الإسلامية المهمشين من قبل السلطة حتى ذلك الوقت , وبدا ذلك جليا في انتخابات 1950 عندما صوّت الشعب لصالح الحزب الديمقراطية واستطاع الحزب تحقيق نجاح ساحق على اثر التسهيلات التي قدمت لصالح المسألة الدينية إذ تمكنت الطرق الصوفية التعبير عن نفسها في مدة حكمه بعد أن كانت تمارس نشاطها بشكل سرى فوقع عليها عبء المحافظة على الأسس الفكرية والاجتماعية للإسلام من التفكك والذوبان , وكان وقوفها بجانب الحزب الديمقراطي لغرض التقليل من شأن حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك وحكم لمدة 27 عاما .

وقد فسّر أحد الباحثين أسباب فوز الحزب الديمقراطي قائلا :" إن القاسم المشترك الأعظم بين أنصار الحزب الديمقراطي معارضتهم لمركز الطبقة الحاكمة , وعلى الرغم من كل محاولات أتاتورك في تصفية المظاهر الإسلامية باستخدامه القوة وبطرق استفزازية إلا أن الإسلام ومنذ حقبة الخمسينيات شكل عاملا مهما في الحياة السياسية التركية وأصبح رمزا للمعارضة لتحقيق الإرادة الشعبية وذلك من خلال مواصلة الطرق الصوفية نشاطها في حقبة الستينيات والسبعينيات فلم يؤثر انقلاب 1960 عليها بل على العكس ساعدها على ظهور حزب العدالة بوصفه وريثا للحزب الديمقراطي فبدأ الإسلام يأخذ قالبا جديدا في الشكل والمضمون مما شجع على تبلور الفكر الإسلامي واتساع آفاقه فأدي إلى تزايد انتماء أعضاء جدد لتلك الطرق وبيع الإصدارات والأشرطة الدينية وحصول توسّع في أعداد مدارس تعليم القرآن للأطفال والتمسك بأداء الفرائض الدينية كالصوم والحج , فاستثمرت تلك الجماعات من ذوى الميول الإسلامية معظم جهودها في ثلاثة مجالات ( التعليم والنشر والتنظيم ) فمثلا بذلت جهدا كبيرا في تعليم الدروس الدينية للبالغين في القرى البعيدة عن مراقبة السلطات وعملت على طبع وبيع الكتب الدينية بأسعار زهيدة لا سيما كتب السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين والتاريخ الإسلامي والشعائر الإسلامية .

كما أسهمت الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية في خلق نمط جديد في التعامل بين الدين والدولة فشجعت على بدء مرحلة من التقارب بين التيار الإسلامي والتيار العلماني من خلال اعتراف كل طرف بشرعية الآخر مما ترتب على ذلك وصول أحزاب إسلامية الميول إلى المجلس الوطني التركي فمع بداية عام 1970 شهد التيار الديني مرحلة جديدة للنشاط الإسلامي في تركيا حيث ظهر بوصفه تيارا سياسيا وليس مجرد تيار فكرى أو اجتماعي , فخرج التيار الديني عن تبعية حزب العدالة العلماني الذي اتسم بالانفتاح على الإسلاميين .

وعلى الرغم من تحذيرات الدستور التركي بعدم استغلال الدين لأغراض سياسية إلا أن الإسلاميين أدركوا أن الوقت قد حان للخروج من العزلة السياسية ومحاولة العودة إلى التراث السياسي والإسلامي للدولة العثمانية توافقا مع تبلور التيار الإسلامي وبشكله التدريجي , لا سيما أنهم أدركوا أن الحزب الديمقراطي وحزب العدالة لم يكونا سوى حزبيين ليبراليين يعملان على استغلال المشاعر الدينية من خلال تفسيرهم لحرية العقيدة بأنها جزء من الخصوصية الفردية والحقوق الخاصة للمواطنين .

الأمر الذي ساعد على تعزيز مكانه الإسلام اجتماعا وثقافيا وأضحت جاهزة للتحول النوعي فظهر نشاط الإسلاميين من خلال الجمعيات الإسلامية الخيرية التي شهدت زيادة في أعدادها في مدة قصيرة ,فضلا عن توثيق علاقة أعضاء الطريقة النقشبندية . في الستينيات مع حزب العدالة الذي حكم للمدة ( 1965 -1971 ) وفي نهاية العقد السابع توصل الشيخ كتكو أحد أبرز قادة الطريقة النقشبندية إلى ضرورة الاهتمام بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا وكانت أفكاره معبرّة عن إيمانه بضرورة التغيير وكما بيّن أحد تلامذته قائلا": - كان شيخنا يؤمن بأن التصنيع يلبي احتياجاتنا الأساسية لنحافظ على ثقافتنا ونتخلص من تبعية الغرب وهي وسيلة مهمة لتحقيق استقلالنا الاقتصادي والسياسي , ولقد تركت حركة التصنيع آثارها الضارة على المجتمعات الريفية والحضرية فشعر التجار الصغار والحرفيون والفلاحون البسطاء بالحاجة إلى مؤسسة جديدة يصوتوا لها للاحتجاج على السياسة التي نادي بها حزب العدالة فدأب أعضاء تكية إسكندر باشا المتنفذة والعائدة للطريقة النقشبندية بزعامة الشيخ محمد زاهد كتكو خلال الستينيات إلى أسعي بصورة منهجية للدخول لأجهزة معينة من الدولة مثل هيئة تخطيط الدول , وزارة التعليم , وزارة التربية , وفي أثناء وجود أربكان في ألمانيا بعث برسالة مكونة من 60 صفحة إلى كتكو يشرح له تخلف الصناعة التركية وضرورة التحرك والعمل على بناء صناعة وطنية وأن تبدأ تركيا بالتصنيع مع المحافظة على الثقافة الوطنية , تستطيع من خلالها الاستغناء عن البضائع الغربية ,واتساقا مع ذلك جرى السعي لتأسيس حزب سياسي لقناعتهم بضرورة التحرك ليتسلموا زمام الأمور والتقدم نحو الأمام للتحرر من هيمنة حزب العدالة .

ورافق ذلك استمرار الخلافات في اتحاد الغرف التجارية والصناعية ليضيف سببا آخر متزامنا مع رغبة أصحاب الأعمال والبرجوازية الصغيرة بضرورة وجود حزب سياسي لمواجهة رجال كبار الأعمال المتواجدين في استنبول وإزمير فكان تأسيس حزب النظام الوطني .

ثانيا : مؤسسو حزب النظام الوطني

تبلورت تلك العوامل لتحقيق رغبة هؤلاء بتأسيس حزب سياسي ذي ميول إسلامية فبدأ أربكان بإجراء المشاورات مع العديد من أصدقائه لمناقشة الأوضاع العامة في تركيا وسبل إيجاد الحلول المناسبة لمعالجتها فقام أصدقاؤه بمحاولات لجمع تأييد الشعب والالتفاف حوله لخلق قاعدة شعبية وكان أربكان يتصدر الاجتماعات لما عرف عنه بشخصيته القيادية المتزنة إذ كان يقود الحوارات ويقوم بمقابلة العديد من الشخصيات الصناعية لكسب تأييدهم , وفي إحدى الاجتماعات توصل أربكان ورفاقه إلى إعلان تأسيس حزب سياسي .

فقال أربكان : - " أيها الأصدقاء لقد عرض على البعض منذ مدة فكرة تأسيس حزب سياسي : قائلين فلنؤسس حزبا سياسيا مناسبا للرؤى الأساسية لأمتنا وقد فكرت مليا في ذلك واستشرت من أثق في أدائهم من الأصدقاء المقربين وأهل العلم الذين أحترمهم ... وقد قررت تشكيل حزب سياسي لكي ننتقل إلى الحركة السياسية ولتحقيق هذه الغاية فلابد أن تسير التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية معا وفي خطوط متوازنة فهيا بنا لنبدأ في الاستعدادات .

وقد كلف أربكان كل من سليمان عارف إمرة وحسن أقصاي بإعداد اللائحة الداخلية للحزب وأصبح ذلك مهيئا للإعلان والظهور وفي النهاية أقرّ أربكان وأصدقاؤه تأسيس حزب النظام الوطني بتاريخ 24 كانون الثاني 1970 فرفع أربكان إصبع الشهادة وقال هذا رمز حزبنا وبمشاركة مجموعة من الشخصيات البارزة التي تمتلك رؤية قومية متوافقة مع معتقدات الأمة التركية المسلمة والمتمسكة بتاريخها وإيمانها بضرورة مشاركتها في العملية السياسية وقد أسهمت في تأسيس الحزب ثماني عشرة شخصية اشتملت على عدد من المهن التي توزعت ما بين مهندس ومحام وتاجر وعالم دين .

وتمكن بعد ذلك أربكان من إقناع المفكرين والناشطين الإسلاميين والنواب المسلمين في البرلمان بالانتماء للحزب الذي أعلن عن تأسيسه معبّرا بذلك عن حدوث تحوّل سياسي بعد أقل من نصف قرن على ولادة الجمهورية التركية .

وتمّ الإعلان عن هوية الحزب بوضوح إذ جاء على لسان أربكان قائلا :" إن أمتنا أمة الإيمان والإسلام ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يخرجوا هذه الأمة ويفسدوها ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد , فالتوجيه والإعلام بأيديهم والتجارة بأيديهم والاقتصاد تحت سيطرتهم , وأمام هذا الطوفان ليس أمامنا إلا أن نعمل يدا واحدة وقلبا واحدا حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولي ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقا .

وعلى الرغم من تبني الحزب وجهة نظر ديمقراطية إلا أن التوجهات الدينية بدت واضحة للعيان ويمكن إدراك طابعه الإسلامي من خلال تأكيداته على دعم القيم الروحية إذ يقصد من ورائه الحرية الدينية أى بمعني " التربية الإسلامية " دون التعرض للعلمانية .

مع هذا ظل أربكان رافضا للعلمانية التي تفهم على أنها معادية للإسلام إذ أعطي تبريرا لتأسيس حزبه قائلا :" إن الغاية الأساسية من تأسيس حزبنا هي تفضيل الأخلاق العالية والفضائل السامية في أعماق أمتنا وتحقيق النظام والسعادة والعدالة الاجتماعية وإيجاد موازنة عادلة بين الفرد والجماعة والشعب .

كما أولي أربكان اهتماما خاصا بإقامة الفرائض الدينية مؤكدا رفضه استخدام المبادئ العلمانية أداة ضغط على الدين فتقدم أربكان بطلب إلى الجهات المسئولة لغرض استحصال الموافقة على تأسيس الحزب ومنحه تصريحا بذلك , فتم عرض الطلب على عصمت إينونو فقال : " اسمحوا لهم " وكان رد المسئولين :" إن هؤلاء إسلاميون كيف تسمح لهم " فأجاب إينونو قائلا : - " لم يبق في البلاد إسلام فقد انتهي أمره منذ زمن طويل ’ اسمحوا لهم لتتأكدوا من ذلك , وأضاف إينونو قائلا :- حسبنا أن أسسوا حزبا فلنعلم كم سقطت نسبتهم بعد خمسين سنة لنرى "

سرعان ما تمكن أربكان وبتشجيع من أعضاء الطريقة النقشبندية وعلى رأسهم كتكو بتأسيس حزب ذي اتجاه ديني إذ كان لهم دور مهم في تشكيل نظرية السياسية .

ولإدراك الشيخ كتكو بأن تركيا بحاجة إلى أشخاص يمتلكون إيمانا وتقوى ومن خلال وجهة نظره المتمثلة بالأخلاق والمبادئ التي تعبّر عن صفات الشعب التركي الأصلية لذا لابد من إحيائها عن طريق جيل جديد يتسم بالوطنية وروح التضحية ويظهر الاحترام للملكية والأرباح الشرعية فضلا عن تمتعه بروح المعرفة , وإن هذا سيمكن تركيا من حمل المصباح في الحضارة والمعرفة والتقنية حسب قوله .

لذا يمكن القول إن تأسيس حزب النظام الوطني جاء ليعبّر عن بدء مرحلة جديدة ومهمة من مراحل التشابه والاختلاف بين العلمانية والإسلاميين ليؤكد عجز إجراءات كمال أتاتورك وخلفائه في إبعاد الشعب التركي الذي يشكل المسلمون نسبّته 98% عن جذوره الحضارية .

وبدأ الحزب على الفور بإنشاء فروع له في عموم تركيا والمدن الصغيرة والقرى لا سيما بين الحلقات الدينية , وعلى الرغم من تشديد الدستور التركي لسنة 1961 ومنعه من تأسيس أحزاب سياسية تتخذ الدين شعارا لها إلا أن حزب النظام ظل يؤكد على جذور تركيا الإسلامية ويشدّد على أن الإسلام مصدر أساسي للحياة والنظام لامتلاكه القيم والمبادئ والأخلاق فأخذت القاعدة الجماهيرية للحزب في تصاعد مستمر وسريع , واعترفت الصحافة التركية بسرعة بتقدم الحزب ووصفتها بالخطيرة .

ثالثا : أربكان ونشاطه الحزبي

من البديهي أن سرعة انتشار الدعاية للحزب وخلال مدة وجيزة كانت وراءها جهود هائلة بذلت وهمة عالية وحماس ونشاط شديدين لتحقيق تلك النتيجة , إذ قام أربكان بنشاط حزبي مكثّف من خلال جولاته اليومية وعقده للإجتماعات وإلقائه الخطب في بعض الولايات مثل بوياط وتكيرداغ وسمسون وقيرلاى , وجاء تصريح أربكان في 8 شباط 1970 ليؤكد تلك الحقيقة عندما أعلن في مؤتمر صحفي قائلا : - " إن الحزب يقبل في عضويته كل مواطن تركي ما عدا الماسونيين والشيوعيين والصهاينة " وقد شملت بيانات الحزب تأكيدات على المنطلق التاريخي لتركيا وهذا ما أوضحه أربكان في خطبته التي ألقاها بمناسبة تأسيس الحزب إذ جاء فيها " أما اليوم فإن أمتنا العظيمة التي هي امتداد لأولئك الفاتحين الذين قهروا الجيوش الصليبية قبل ألف سنة , الذين فتحوا القسطنطينية قبل 500 سنة , وأولئك الذين قرعوا أبواب فيينا قبل 400 سنة وخاضوا حرب التحرير قبل 50 سنة , هذه الأمة العريقة تحاول اليوم أن تنهض من كبوتها وتجدد عهدها وقوتها مع حزبها الأصيل حزب النظام إن حزب النظام الوطني سيعيد لأمتنا مجدها التليد , الأمة التي تمتلك رصيدا هائلا من الأخلاق والفضائل يضاف إلى رصيدها التاريخي وإلى رصيدها الذي يمثل الحاضر المتمثل في الشباب الواعي لقضيته وقضية أمته "

وأكد أربكان على عراقة فكرة حزبه وأصالة مرجعيته وأنه ليس فكرة محددة أو نظرية قيد التجربة قائلا :- يا أمتنا العزيزة إن شجرة أمتنا العظيمة التي غذت البشرية قرونا من الزمان بثمارها التي تعرضت للجفاف في أواخر عهدها لظروف مناخية صعبة مرّت بها ها هي تعود اليوم من جديد مدينة عظيمة قوية بتلك البذرة المقدسة التي حفظتها بداخلها سنوات طوال " ويستمر أربكان قائلا :- " يا أمتنا العزيزة إن أمتنا العظيمة المتربعة على عرش تاريخ البشرية بهويتها التي ترتبط بالحق ( الله ) دوما وتحق الحق وتبطل الباطل ها هي اليوم تطلق الصواريخ ابتهاجا باعتلاء عرش التاريخ مرة أخرى بعد طويلة من السبات وأن حزب النظام الوطني هو الصاروخ القوى الذي أطلق ليضئ أمتنا بعد عصور من الاضطراب والظلام ويعيد لها عصرها المجيد , ولم يتجاهل أربكان التشديد على الأهداف المادية التي عدّها وسيلة لتعبئة الجماهير ضد أصحاب المصانع وكبار الملاكين الذين سيطروا على الاقتصاد التركي .

وفي 18 حزيران 1970 ألقي خطابا في ولاية بوياباط وضّح فيه أهمية تأسيس الحزب بقوله : - " في تركيا ثمانية أحزاب وإن حزب العدالة وحزب الشعب الجمهوري يخدعون الأمة بأنهم يختلفون عن اليمين واليسار وأن الحزب الذي شكلناه يختلف عن كل هذه الأحزاب لقد شعرنا بالحاجة إلى حزب مسلم وانطلاقا من هذه الحاجة تشكّل حزب النظام الوطني, وأضح أربكان في خطاب له حول برنامج حزب النظام قائلا :- " إن برنامج حزب النظام الوطني يجب أن لا يقرأ كآية مطوية عادية بل لابد أن يقرأ بعين القلب وبصيرة الفؤاد وبالفراسة من إدراك المعاني الكبيرة التي تكمن في كل قيلت " وتابع حديثه قائلا : - " إذ كان حزب الشعب الجمهوري قد شغل نفسه مدة طويلة في الصراع مع السيدات اللائي يغطين رؤوسهن بالحجاب ومنعهن من العمل بالتدريس وإخراجهن من المدارس فيما كان الأمر يقتضي إكرامهن ومنحهن شهادات التقدير والعرفان .

وفي حديث له في مدينة سمسمون – قال : " إن الإسلام هو طريق الحق وإن القيم الإسلامية تعلو ما عداها وإن الدين عند الله هو الإسلام , والإسلام هو الحق وهو المنقذ من ضلال الأحزاب الأخرى وإن النظام القومي قد سار على طريق الحق أى طريق الله ولكننا لا ندري من أين استسقي الآخرون مبادئهم فليهدي جناب الحق قلوبهم وليمنحهم الرحمة .

رابعا : المضامين الأيديولوجية لحزب النظام الوطني

احتوى برنامج حزب النظام الوطني مواد مخالفة للمبادئ الكمالية في المجالات كافة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولكن دون التصريح بذلك وقد طرح أربكان تلك المضامين من خلال خطاباته ونشاطاته الكثيرة مبيّنا المشاكل التي تعاني منها تركيا ووضع الحلول لها , فمثلا أوضح الحزب على المستوى الاجتماعي أن الناس عاشوا 40 سنة والقوى الخارجية المؤثرة تحاول إبعادهم عن محورهم الحقيقي إلى محور غريب فوقع الناس في ضيق شديد فن الضروري العمل على إرجاع الناس إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها حتى يستقيم أمرهم ويتخلصوا من عقدهم .

وقد أكد الحزب بأنه مختلف عن بقية الأحزاب فهو لا يقوم على أساس التسلط وشهوة الحكم وإنما على أساس جديد يبغي مرضاة الله والعمل في سبيل الوطن , وأما في مجال التعليم فقد ذكر الحزب بأنه نظام فاسد وضعه شرذمة من الحاقدين بشكل لا يناسب الأمة فهو يسقط من حساباته كل قيمة معنوية أو أخلاقية أو دينية غايته فصل تركيا عن ماضيها وسلخها عن دينها وقيمها لذا يجب إصلاح التعليم ليكون أداة موجهة للأخلاق الحميدة. لقد مرت خمسون سنة ونحن نسمع أن تركيا جزء من أوروبا وأن النهضة يجب أن تقوم على أنقاض الدين كما حصل في الغرب فتناسي أن الإسلام يختلف عن الكنيسة ودولة القسس في الوقت الذي تمنع الدولة فيه توزيع الكتب على المعاهد الإسلامية العالية وتحاول إغلاق معاهد الأئمة والخطباء ومدارس تعليم القرآن تنفق الملايين على المسارح في الوقت الذي تتعرض الدولة للطالبات اللواتي يلبسن الحجاب على رؤوسهم تدرّس كتب اللاهوت في كل مكان دون رقابة واضحة لذا يدعو برنامج الحزب إلى انتهاج سياسة التربية والتعليم الديني في الشكل الذي يفسح المجال لاستثمار المشاعر الدينية عوضا عن انتهاج السياسة الخاطئة التي تجعل الأمة محرومة من بعض العلوم الدينية أو كلها .

وأكدت أفكار الحزب على أن جميع المؤسسات المهمة في تركيا في أيدي غريبة وغير وطنية والأمر الطبيعي الذي يؤكد عليه البرنامج ضرورة عودة المؤسسات المهمة التي تخدم العقيدة الإسلامية , وفيما يخص موضوع التنمية والدين ذكر أربكان في خطاب له في ولاية تكيرداغ في السابع من تموز 1970 : " إن أسرع الدول على مستوى العالم في التنمية هما إسرائيل واليابان وهاتان الدولتان ليستا ضد الدين والعقيدة بلا يحملان كل احترام لذلك امتلكتا السرعة في التطور "

ومما تجدر الإشارة إليه أن حزب النظام أشار في المادة السادسة في برنامجه إلى العلمانية إذ جاء فيه :" نحن أنصار حرية الوجدان التي تلبي احتياجات المواطنين من الاعتقاد الديني وتعليم العبادات والتربية وضد جعل العلمانية التي عرفت أنها تأمين لحرية الدين والوجدان – آلة للهجوم على الدين وعدم احترام المتدينين ومعيار حزبنا في موضوع العلمانية أنه يمكن التعبير عن العلمانية في شكل مضاد لكل نوع من المفاهيم التي تصب في وعاء العداء للدين .

أما على المستوى الاجتماعي فقد أكد برنامج الحزب على الاهتمام بالقضايا الاجتماعية ولا سيما موضوع المرأة في اجتماع له عقد في ولاية قيرلاى في 5/10/1970 قائلا :" إن حزب النظام الوطني يختلف عن الأحزاب السياسية الأخرى في العديد من الوجوه وفي الأصل فقد استهدفنا العمل داخل إطار من الدين والإيمان ونبرهن لهن أنهن يختلفن عن المتوربات , وأن المرأة يكفيها شاهدان لكي تطلق من زوجها ,وأن القانون المدني قد أعطاها الحق في العمل بدون إذن زوجها . إنهن لابد أن يعدن إلى حقوقهن الدينية التي اكتسبتها الأمة من ألف سنة وأكد أربكان بأن الحزب مصمم على استئصال الفساد الأخلاقي الذي أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في تركيا على حد تعبيره .

أما على المستوى السياسي فإن برنامج الحزب ينتقد التسميات المعاصرة مثل اليمين واليسار والوسط ويقول :" إنها من اختراع الماسونية والصهونية وكلها مؤسسات تابعة لغرض واحد وهو أن تنحرف تركيا عن خطها الحضاري الذي عمره ألف سنة وأنه لابد من التخلص من هذه الأسماء الغربية والعودة إلى الخط الأصيل الذي يصل الماضي التليد بالغد المشرق وقد جاءت عقيدة حزب النظام مخالفة للعقيدة العلمانية التي نص عليها الدستور التركي وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن من معارضتها بشكل علني وتجنب الخروج عنها لكنه تجاهل ذكر أتاتورك تماما وهذا يحدث لأول .

مرة في حزب تركي فضلا عن اتخاذه الإسلام مبدأ توجيهيا تبني نظرة تقدمية تهدف إلى تحقيق التقدم المعنوي والأخلاقي

خامسا شعار الحزب وتسميته

يتخذ كل حزب سياسي في تركيا شارة تميزه عن بقية الأحزاب ومما لا شك فيه أن لكل شعار معني لذا اختار أربكان إصبع الشهادة ليعبر عن مدى ارتباط حزبه بالدين من خلال قبضة اليد المنطلقة في الهواء باستخدام إصبع الشهادة نحو الأمام

وبخصوص هذا الموضوع أى موضوع شعار الحزب قال أربكان أن حزب النظام الوطني سيعتلي عرش السلطة من جديد بعزم وعزيمة وحب إيمان السلطان العظيم محمد الفاتح أن استخدام حزب النظام الوطني إشارة الشهادة رمزا له يحمل ذلك من المعاني الكبيرة الشئ الكثير وإذا كان هناك من لا يدرك معنى هذه الإشارة وهناك من لا يعلمها فعليه أن يتوب وعندما يتعلمها عليه أن يعود إلى بيته ويرفع إصبع الشهادة مع الأمة ويتمم بالكلمات التي تأكد له إدراك معناها .

أما بالنسبة لاسم الحزب فقد عبّر أربكان في 17 أيلول 1970 في خطاب له ألقاه في ميدان الجمهورية في مدينة بارفا قائلا :- " إن حزب النظام الوطني ليس بالحزب الذي يمكن أن يفهمه أى شخص ولو استوحينا الاسم من الهدف والقصد الذي رميناه وأننا جميعا مجتمعون تحت ذلك الاسم الذي ارتضيناه , إن التغريب الأوروبي النابع من أوروبا هو معطيات ومتطلبات " الهيبي " الذين لا يعرفون حتى الطهارة والختان لابد من التخلص من هذا الانقلاب الباطل الذي حدث طوال خمسين سنة وأن نسلم أنفسنا للحق الذي دام ألف سنة لابد أن ننتقل إلى هذا الدور .

سادسا: ردود الفعل على تأسيس حزب النظام الوطني

أثار حزب النظام الوطني منذ لحظة تأسيسه انتباه القوى الداخلية والخارجية إذ تصورت تلك القوى أن السماح للحزب بالدخول في عالم السياسة سيشكل عاملا منافسا مما يؤثر في ميزان القوى فجاءت مقالة سامي كوهين ( الكاتب اليهودي ) الذي يعمل مراسلا لمجلة كريستيان ساينس مونيتور في عددها الصادر 27 نيسان 1970 لتسلط الضوء على مدى حالة القلق والتوتر من قبل القوى العلمانية في تركيا وكان المقال تحت عنوان " الدعوة للبعث الإسلامي تزعج الأتراك العلمانيين " جاء فيه : " لقد اهتم الكثير من الأتراك اهتماما بالغا بالنتائج المرتقبة للحملة المتزايدة الواعية لقيام بعث إسلامي في تركيا وتخشي تلك الدوائر أن تؤدي هذه الحركة إلى تقسيم تركيا إلى معسكرين مما يهدد الاستقرار والديمقراطية البرلمانية , فالدوائر المتحررة ( العلمانية ) في تركيا تعتبر الحملة الإسلامية خطرا على القواعد العلمانية الحديثة للمجتمع التركي الذي قام قبل أكثر من أربعين عاما على يد كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية " ولكن الحكومة التي يرأسها سليمان ديميريل وحزب العدالة الحاكم ينفيان وجود أى خطر , فالتعصب الإسلامي لم يجد أية وسيلة للتعبير عن نفسه في عهد السيد كمال أتاتورك ونظام الحزب الواحد وقد أثارت سرعة تطور حزب النظام الوطني حفيظة عصمت إينونو حيث قال : - " قد ظهر أنه مهندس محترم وكان يأمل أن يأتي إلى السلطة قائلا : " سوف ندرس الغزالي والإمام الرومي عندما نعتلي كرسي الحكم ولكن لم يكون شئ كهذا .

بالمقابل أشاد أحد الصحفيين الأتراك بتأسيس حزب النظام الوطني قائلا :- إنه لشئ رائع أن تأسس هذا الحزب على يد الأستاذ نجم الدين أربكان والمتأثر بسيرة الإمام الغزالي والإمام جلال الدين الرومي الذي نرى فيه العزيمة والأمل لقد ظهر هذا الحزب في تركيا بوصفه حركة إسلامية تواكب حداثة العصر فهو بذلك يحقق شيئا من التوافق بين العصر العثماني والعصر الجمهوري الحديث .

وبالفعل تمكن حزب النظام من كسب تأييد أعضاء جدد من أحزاب وتيارات سياسية أخرى وفسر ذلك على أنه تهديد لبعض الأحزاب لا سيما حزب العدالة الذي يتزعمه ديميريل . وتمكن أربكان وخلال مدة قصيرة من كسب تأييد شعبي على أثر اللقاءات اليومية والتنقل من منطقة إلى أخرى موضحا أهداف حزبه وكان يغتنم الفرصة مع إدراكه لخطورة عمله ومتيقنا من النتائج وبأنه سيكسب أنصارا سواء استمر الحزب أم لا , لإيمانه بقضيته وبمعني الشهادة في سبيل الله .

سابعا : المؤتمر الأول لحزب النظام الوطني

عقد حزب النظام الوطني مؤتمره الوحيد في 26 كانون الثاني 1971 ومما تجدر الإشارة إليه أنه أحدث ضجة إعلامية في وسائل الإعلام بعد نقل وقائع المؤتمر , إذ تعرض لانتقادات بين مؤيد ومعارض فهناك من عدّه حزبا خارجا عن خط المبادئ الكمالية التي وضعها أتاتورك , بالمقابل عبّر عنه آخرون بأنه فتح جديد متواصل مع روح السلطان محمد الفاتح ( 1451 -1481 )

وقد أكد أربكان في المؤتمر على انتشار القطاع الخاص بدلا من محدوديته وتبعيته للدولة ( الخصخصة ) وبضرورة توجيه الاستثمارات نحو الدول النامية وأكد كذلك على أهمية إقرار العمل والتخطيط اللامركزي بدلا من مزكرية الخطة ومنع الإسراف ( ترشيد الإنفاق ) وشدّد على تحرير الشعب والاقتصاد من أضرار الربا الاستعماري وتغيير نظام الضرائب الذي يثقل كاهل الفقير ووضع نظام يضمن الاعتمادات المالية مع تخطيط سياسة لاستثمار الأراضي من جانب آخر طلب التمسك بالروح الإيمانية والإخلاص والاجتهاد في العمل وضرورة الاهتمام بالسياحة الوطنية والتعريف بمفاخرنا وشهدائنا وأوليائنا .

وأعطي التقيد بالأخلاق وبالروح الوطنية أهمية كبيرة كذلك دعم الأرباح القانونية والصراع ضد الأيديولوجيات الرأسمالية في مجال الاقتصاد وأن لا تدعم الدولة مجموعة ضيقة من الملاك والاعتراف بضرورة دعم التجارة والحد من البرجوازية التجارية الكبيرة بمعني التوزيع العادل للقروض في كل البلاد .

ثامنا : أربكان وانقلاب المذكرة 12 أذار 1971

شهدت تركيا أواخر الستينات ومطلع السبعينيات أعمال ونشاطات متطرفة من جانب اليمين واليسار فقد أدّى عدم وجود نقطة مركز سياسي وضعف مركز رئيس الجمهورية وعجز السلطات القضائية إلى عدم إنهاء حالة الفوضي السياسية والاجتماعية فنظر إلى الانقلاب في محاولة لاحتواء العنف اليسار المتنامي فقد عاشت تركيا أزمة شاملة وعلى المستويات كافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسنحاول عرض تلك المشاكل .

  • أ‌- المستوى السياسي :

عملت مضامين دستور 1961 على توسيع الحريات الديمقراطية الأمر الذي أعطي مجالا واسعا وضمانات دستورية ساعدت في خلق أجواء مناسبة لتطوير نشاط العمال والسماح لبناء تجمعات أسهمت بالمشاركة في مناقشة القرارات الإدارية بمعني أنه أصبح لتلك القطاعات أصوات قريبة من عملية صنع القرار مما شجع على إعطاء العمال صلاحيات منها تنظيم التظاهرات احتجاجا على سياسة الحكومة المتعلقة لا سيما بالمستحقات المالية , كما أتاح دستور 1961 للحركات اليسارية بالعمل السياسي لأول مرة , الأمر الذي ساعد على تأسيس حزب العمل التركي , إن الدستور الجديد الديمقراطي لعام 1961 منح الحريات المدنية والحقوق الاجتماعية ونتيجة لليبرالية التي قدمها هذا الدستور فإن النخبة المدنية قد أصبحت عرضة لأيديولوجيات مختلفة وبدت تشكك بالكمالية , فظهر هذا التغيّر في الانتخابات العامة عندما خسر حزب الشعب الجمهوري المفضل لدي الجيش أمام حزب العدالة .

إلا أن دستور 1961 أغفل وضع قوانين مضادة لحالات الإساءة للحقوق منطلقا من حماسة لمواجهة الهفوات ونتيجة لذلك الإغفال تقلصت سلطة الحكومة مما شجع المتطرفين على العمل بحرية وحاولوا تحطيم النظام الدستوري بصورة علنية , الأمر الذي أدّى إلى زيادة الموقف سوءا وبشكل تدريجي فمع نهاية الستينيات مثلا تحولت قضية إصلاح التعليم من مجرد قضية تربوية ثقافية بحتة إلى قضية سياسية تداولها اليمين واليسار وتمكنت التنظيمات اليسارية ومن خلال مثقفيها الانتقال بقضية التعليم إلى قضية سياسية استغلت في توجيه انتقادات شديدة لتجاوزات حكم ديميريل وبالذات على علاقات تركيا وتبعيتها للغرب والولايات المتحدة .

  • ب‌- ظاهرة العنف السياسي .

تدخل في موضوعة العنف السياسي عوامل عديدة أسهمت في خلق تلك الظاهرة لا سيما العوامل السياسية التي أدّت إلى خلق نظام متصدع وعاجز عن إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية بسبب تعدد وكثرة الأحزاب السياسية المتباينة في أيديولوجيتها فقد كان لنظام التمثيل النسبي – تأثير سلبي على تلك الأحزاب لفشلها في الحصول على الأغلبية مما أسهم في خلق ظاهرة الائتلافات الحكومية وما نتج عنها من صراعات وانقسامات وعجز في التصدى للأزمات القائمة في البلاد .

كما لعبت طبقة الرأسمالية دورا كبيرا في خلق ظاهرة العنف وذلك من خلال هيمنتها على مراكز القرار لا سيما على المؤسسات المهنية والإدارية وتحمكها في مقدرات البلاد الاقتصادية فهي بذلك ساعدت في ظهور تفاوت طبقي بينها وبين الطبقات العاملة الكادحة التي تعاني من ظروف معيشية صعبة وتتعرض للإضطهاد وبطبيعة الحال أدي ذلك إلى خلق أزمة صراع طبقي كانت إحدى نتائجه انضمام العديد من أبناء تلك الطبقات إلى الحركات اليسارية الشيوعية كأداة للتنفيس عن واقعهم السيئ .

والأنكي من ذلك أن المجتمع التركي كان يعاني من الآفات الاجتماعية كالجهل والفقر والمرض والبطالة والبغاء وتعاطي المخدرات مع افتقار أحياء سكنية كبيرة لأبسط مقومات الحياة وعلى الرغم من تعقد وكثرة تلك المشكلات إلا أن المسؤولين الأتراك لم يبحثوا في أسبابها ولم يحاولوا معالجتها أو التصدي لها .

وقد اتخذت ظاهرة العنف وسائل وصيغا متعددة ومتنوعة , كسرقة مؤسسات مصرفية ودوائر حكومية والعمل المسلح من خلال القيام باغتيال شخصيات بارزة في المجتمع كصحفيين وكتاب وأساتذة الجامعات , فقد شهدت تركيا عام 1968 مرحلة الصدام المسلح في احتجاجات الطلبة إذ تمكن الجناح اليميني والجناح اليساري المتطرفان من إشاعة نشاطهما وأفكارهما في صفوف طلاب الجامعات فظهرت في أوساط هؤلاء جماعات متطرفة تؤمن بالعمل المباشر والعنف فقامت على إعداد كوادر تنظيمية للتدريب على حمل السلاح من خلال إقامة المعسكرات , واتخذت تلك الكوادر في البداية صيغة العمل الفردي ثم بدأت بالتوسع مما زاد من فعاليتها وأظهرت عجز وضعف حكومة ديميريل في التصدي والقضاء عليها .

من ناحية أخرى ظهرت تنظيمات سياسية متطرفة ومعتدلة أحيانا بصورة سرية أو علنية تمثلت بجمعيات إرهابية وجماعات ضاغطة كالنقابات العمالية والتنظيمات الطلابية المتباينة في أيديولوجيتها , ورافق ذلك تعدد الأحزاب السياسية واختلاف نواياها التي كانت تمارس في تعاملها مع الحكومة أساليب الضغط لتحقيق أهدافها ومصالحها , وكان لبعض هذه الأحزاب تأثير كبير على التنظيمات اليسارية مما دفع بعضها إلى العصيان وممارسة النشاطات المناهضة للسلطة , ومع بداية السبعينيات وقعت أعمال عنف بشكل خطير فقد انتشرت عمليات الخطف والاغتيالات حتى شملت الأجانب المقيمين في تركيا . ففي آذار 1970 قامت منظمة تحرير الشعب التركي – بخطف أربعة أمريكيين إلا أن السلطات تمكنت من إطلاق سراحهم فيما بعد , كما شهدت تركيا أعمال عنف على أثر قيام إضرابات عمالية لإصدار حكومة ديميريل قانون النقابات – مما دفع العمال إلى التظاهر يومي (15 -16 ) حزيران مما أدّى إلى تعطيل المنطقة الصناعية حول استنبول بسبب تلك التظاهرة وشارك الطلاب مع العمال في تلك التظاهرة لمساندتهم ضد ممارسات حزب العدالة اللاديمقراطية وحدثت مصادمات بين العمال ورجال الشرطة في مدينة استنبول وتم فرض الأحكام العرفية في المدينة لمدة ثلاثة أشهر , الأمر الذي اقتضي الإستعانة بالجيش فنزلت الدبابات إلى الشوارع إلا أنه عجز عن تحقيق الأمن , بل على العكس اتسع نطاق التظاهرة فشملت الفلاحين والأكراد الذين طالبوا بحقوقهم الدستورية والقومية , وبطبيعة الحال رافق ذلك أعمال عنف سياسي بين الفئات اليمينية والقوى الراديكالية .

وقد زادت ظاهرة العنف أوائل 1971 فبدأت موجة من الاغتيالات إذ اغتيل عدد من الضباط الأمريكيين العاملين في القواعد العسكرية بالمقابل قتل عدد من ضباط الجيش التركي على أثر المواجهات , وازدادت حوادث نسف المنشآت وسرقة البنوك وساءت حالة الأمن مما انعكس سلبا على الحالة الاقتصادية .

  • ج- المشكلات الاجتماعية :

كانت لسياسة ديميريل الاقتصادية آثار سلبية أدت إلى تقويض الصناعة المحلية الصغيرة فمع نهاية الستينيات تركت تلك السياسة آثارا خطيرة لم تقتصر على أصحاب المتاجر والبرجوازية الصغيرة بل أحدثت عملية مماثلة في الريف من خلال استخدام الأساليب الحديثة وإدخال الجرارات في الزراعة مما ترتب عليه خسارة المزارع الصغير لأرضه والنزوح إلى المدينة بحثا عن العمل فانضمت أعداد كبيرة إلى صفوف العاطلين عن العمل مما اضطرهم إلى السكن في أحياء على أطراف المدن الكبيرة عرفت بمدن الصفيح وبمرور الوقت أصبحت تلك المناطق تأوى أعداد كبيرة منهم مما شكل عبئا إضافيا على الدولة فضلا عن وقوع منازعات بين الفلاحين وكبار ملاكي الأراضي في المناطق الشرقية والجنوبية التي كانت ما تزال تحت سيطر الإقطاع تحولت إلى مواجهات مسلحة .

وفي محاول من حكومة ديميريل لإنعاش الصادرات التركية قامت في صيف 1970 بتخفيض الليرة التركية بأكثر من 66% دفعة واحدة , وعلى أثر ذلك ارتفعت الأسعار بنسبة 70% تقريبا مما انعكس على حياة معظم فئات الشعب التركي , مما حدا بالقوى اليسارية واتحاد النقابات الثورية لاستغلال الوضع وإثارة نقمة الجماهير التي بدت واضحة من خلال كثرة الإضرابات العمالية وعلى نطاق واسع وخطير .

  • د- ظاهرة تعدد الأحزاب :

فقدت حكومة ديميريل سيطرتها على يمين الوسط في نهاية الستينيات على أثر ظهور أحزاب جديدة على المسرح السياسي التركي فضلا عن الحزب الذي أسسه أربكان فقد أسس ألب أرسلان توركش حزب العمل القومي وبدأ كلا الحزبين بالابتعاد عن مساندة وتأييد حزب العدالة مما ترتب على ذلك تهديد لسلطة ديميريل وحزبه من خلال المنافسة على الأصوات مما أحدث انقساما داخل الحزب .

إلا أن الخطر الحقيقي والمباشر الذي تعرض له حزب ديميريل هو انسحاب مجموعة من الديمقراطيين السابقين الذين كانوا مناهضين لزعامته وقاموا بتأسيس الحزب الديمقراطي في كانون الأول 1970.

واتفقت تلك الأحزاب وحزب الشعب الجمهوري على هدف واحد هو التصويت ضد الميزانية التي طرحتها حكومة ديميريل في شباط 1971 مما أدّى إلى انعدام ثقة المراقبين ومنهم الجيش بإمكانية استمرار ديميريل رئيسا للوزراء فضلا عن ذلك انشغال حكومة ديميريل والبرلمان الذي يسيطر عليه ممثلو الأحزاب البرجوازية بالصراعات حول المصالح مما جعلها حكومة ضعيفة وعاجزة عن إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والتصدي لنضال الطبقة العاملة , ورأى عدد من المراقبين بأن ثمة سببين أخرين شجعا على قيام الجيش بالتدخل أولهما داخلي هو إحباط محاولة انقلابية لصالح القوى اليسارية من قبل مجموعة من ذوى الرتب المتوسطة كانت تستهدف قلب النظام وإقامة حكم عسكري على غرار ما حدث عام 1960 .

أما السبب الثاني فهو خارجي متمثل بقول السفير الأمريكي وعلى لسان حكومته إذ قال لوزير الخارجية التركي آنذاك إحسان صبري جاغليانكل : - نحن كدولة نتحمل التنمية في تركيا لكننا لا نستطيع تحمل كل شئ إن البعض في حكومتنا لا يستطيع تحمل ما يجرى حاليا " وجاء هذا الإنذار ليؤكد على استمرار تعرّض مصالح الأمريكيين للخطر جراء الهجمات التي تقوم المنظمات اليسارية المتطرفة . إلا أن ديمير رأي أن التصريح الأمريكي جاء لأسباب أخرى وضمن هذا السياق ذكر ديميريل :" لم ترضّ أمريكا على الوضع في تركيا لأسباب عديدة منها قيام تركيا بتحسين علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي وتقليص المنشآت ( القواعد ) العسكرية الأمريكية في تركيا .

  • انقلاب 12 آذار 1971:

بناء على ما تقدم إن تلك الأزمات الحادة التي تعرض لها النظام السياسي التركي وعجز حكومة ديميريل في معالجتها دفعت قيادة الجيش في 12 آذار إلى تقديم مذكرة إنذار إلى رئيس الوزراء دعته إلى إجراء إصلاحات سريعة من أجل القضاء على الفوضى والاضطراب , وإلا فإن الجيش سيمارس حقه الدستوري ويتولي مقاليد الحكم , وعلى أثر ذلك قدم ديميريل استقالة حكومته فجاء رد الجيش التركي سريعا بفرض الأحكام العرفية في المدن التركية الكبيرة مثل استنبول وأنقرة وإزمير ووضع يده على السلطة , أما بالنسبة لحزب النظام الوطني فقد تم حظره من قبل المحكمة الدستورية في 2/5/1971 أى بعد مرور خمسة عشر شهرا على تأسيسه تحت ذريعة انتهاك المواد الدستورية والخاصة بالطابع العلماني للدولة فضلا عن مناداته بالإسلام بوصفه نظاما للحكم ورغبته في إلغاء المادة (163) من الدستور, التي تنص على منع استغلال الدين لأغراض سياسية ومطالبته في جعل الدروس الدينية إجبارية في المراحل الإعدادية فضلا عن تصريحاته أى تصريحات أعضاء الحزب بأنه لا يمكن الفصل بين الدين والدولة , وأن الحزب يري فائدة عظيمة في عودة الخلافة وأنها يمكن أن تتحقق وأخيرا رؤيته للتغريبية والعلمانية التي تمت في منتصف القرن الماضي في تركيا وكذلك مرحلة العلمانية التي تبلغ خمسين عاما على أنه عصر الضلالة والتعهد بأسلمة كل مجال إلا أن تصورا ساد بأن حزب النظام الوطني لم يحل فقط لحساسية الجيش من موقفه المناهض للكمالية لكن كذلك لم يعد مقبولا من قبل النخبة السياسية العلمانية .


الفصل الثالث أربكان والتطورات السياسية التركية 1971 -1980

المبحث الأول

أولا : أربكان وحزب السلامة الوطني

على الرغم من قيام قادة انقلاب 1971 بإجراءات عدة لتحقيق الاستقرار وإنهاء حالة الفوضى مثل فرض الحظر على الصحف والقيام بحملة اعتقالات ضد عناصر أحزاب اليمين واليسار وحل حزب النظام الوطني وحزب العمل القومي إلا أن حالة أللاستقرار والاضطراب السياسي ظلت مستمرة , فمع تشكيل ثلاث حكومات ائتلافية للمدة من آذار 1971 إلى تشرين الأول 1973 وتحت إشراف المؤسسة العسكرية إلا أنها أخفقت في تحقيق ما وعدت به وفشلت صيغة الحكم العسكري – المدني التي تمخضت عن التدخل العسكري في آذار 1971 ولعدم رغبة قادة حزبي الشعب الجمهوري والعدالة في تشكيل حكومة في تلك المدة تحسبا من الوقوع تحت تأثير الجيش والمجازفة بسمعة حزبيهما وذلك من خلال العمل تحت توصياته .

كل ذلك دفع الجيش إلى اتخاذ خطوة جديدة ألا وهي التخلي عن الحكم للمدنيين وإعطاء الموافقة على عودة الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات عامة في البلاد في تشرين الأول 1973. الأمر الذي فسح المجال أمام الإسلاميين بدخول الساحة السياسية والعمل مرة ثانية , ولأن أربكان لم يتمكن من الحصول على تصريح لتأسيس حزب جديد قام بالاتصال بكوادر حزب النظام الوطني المنحل للعودة للعمل الحزبي لذا تقدم كل من عبد الكريم دوغر مدير شركة الآزوت وطورهان أكيول أحد رجال الأعمال لغرض تأسيس حزب جديد أطلق عليه فيما بعد اسم حزب السلامة الوطني تيمنا بأن سلامة تركيا ستتحقق به , فأخذ سليمان عارف إمرة وهو أحد الأعضاء الناشطين في حزب العدالة سابقا, على عاتقه مسؤولية النهوض بالحزب إذ لم يكن المسرح السياسي مواتيا لظهور أربكان سياسيا في تلك المرحلة فظل منزويا.

رأي أربكان أنه من الأفضل تجنب استلامه قيادة الحزب بصورة رسمية في تلك المرحلة متفاديا الاصطدام مع الجيش والقوى العلمانية , وتلافي مصير حزب النظام الوطني قاصدا من ذلك عدم لفت الأنظار إليه وإلى مدى الارتباط الواضح بين الحزبين , فظل ينظر إلى أربكان على أنه زعيم من خلف الكواليس .

وقد ظهرت وجهات نظر متباينة بين أعضاء الهيئة الاستشارية التي كلفت بتأسيس الحزب الجديد بين مؤيد ومعارض لتشكيل الحزب في تلك المدة فكانت وجهة النظر الأولي تؤكد على ضرورة تشكيل الحزب الجديد تحقيقا للرغبة العارمة للقاعدة الشعبية , أما بالنسبة لوجهة النظر الثانية فكانت ترى أن الأزمة لم تنتبه بعد ومن المحتمل أن يتضرر الحزب من تأثيرات الأحزاب الرئيسة التي تتمتع بالحصانة , إذ ذكر سليمان عارف إمرة في خطاب له قائلا :_" لقد توالت مطالب الشعب بتأسيس حزب جديد عقب إغلاق حزب النظام وكان بعض أصدقائنا يودون ذلك أيضا إلا أنني كنت أعارض ذلك لأنني كنت أري أن الوقت لم يكن قد حان بعد , وفي النهاية انتهت المحكمة الدستورية وهدأت العاصفة فاجتمع أهل الحل والعقد ورأوا أنه لا حاجة لتأجيل تأسيس الحزب الجديد وقرروا تأسيس هذا الحزب الذي أنا رئيسه. فتم تأسيس حزب السلامة الوطني في 11 تشرين الأول عام 1972 , وقد تمكن سليمان عارف إمرة من إصدار صحيفة رسمية للحزب عرفت باسم مللي كازيت ( الصحيفة الوطنية ) Mill Gazete وهي صحيفة يومية تأسست في 21 كانون الأول 1972 ذات توجه ديني إسلامي تمثل لسان حال حزب السلامة استطاع الحزب , وخلال مدة قصيرة لا تتجاوز 8 أشهر , من تنظيم قواعده في 42 ولاية , 300 مدينة , ويعزو أربكان نجاح الحزب خلال تلك المدة القصيرة إلى تعاطف الشعب مع مبادئ الحزب وأهدافه , التي تؤكد أهمية الأخلاق الإسلامية فضلا عن مواقفه السياسية المدافعة عن مصالح الشعب التي جاءت متوافقة مع طموح الشعب التركي المسلم الذي لا زال محتفظا بطابعه الإسلامي .

وقد مثل تأسيس حزب السلامة ردة فعل تجاه السياسة الكمالية من خلال ممارستها التعسفية إزاء الاتجاهات الإسلامية واتجاه زعماء الطرق الصوفية الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية حمايته على الرغم من التباين الأيديولوجي بينهم , فقد اتخذ البعض طابعا تصوفيا أو عقائديا والبعض الآخر اتخذ طابعا سياسيا منظما سعيا للوصول إلى السلطة عن طريق الديمقراطية .

وقد عمل أربكان على تبني صورة أكثر واقعية من خلال معارضته للسياسات الاحتكارية والتبعية لرؤوس الأموال الأجنبية موجها دعواته بمنع الاستغلال , وعلى الرغم من ذلك ترك انطباعا لدي البعض بأنه يدعو إلى اشتراكية إسلامية على الرغم من محاولاته الابتعاد عن استخدام شعارات تنادي بالتوجه الإسلامي .

تم عقد المؤتمر الأول للحزب في مطلع عام 1973 برئاسة سليمان عارف إمرة , إذ جرى في هذا المؤتمر انتخابه لرئاسة الحزب كذلك تمّ إقرار السياسة العامة للحزب وتثبيت نظامه الداخلي , وذكر سليمان عارف في هذا المؤتمر قائلا :- لقد أناط الدستور بالدولة مهمة تهيئة المناخ اللازم لتنمية الفرد ماديا ومعنويا وحزبنا يتفق مع ذلك الاتزان في حركة التنمية المادية والمعنوية ويرى أن الرؤى اليسارية الليبرالية قد اهتمت بالتنمية المادية وأهملت الجانب المعنوي وأنها بعيدة عن تلبية احتياجات الوطن وأنهما لن يقوما باللازم نحو التنمية المعنوية والأخلاقية المنصوص عليها في الدستور .

ثانيا : مؤسسو حزب السلامة الوطني والقاعدة الحزبية

تم تأسيس حزب السلامة الوطني على يد المحامي سليمان عارف إمرة ( كما أشرنا ) بمشاركة تسعة عشر شخصا من ذوى المهن المختلفة وتوزعت بين محام وطبيب ومهندس وضابط متقاعد ورجل اقتصاد وتاجر ورجل دين .

وعلى هذا الأساس ضم الحزب عناصر وقوى سياسية واجتماعية متنوعة ضمن كوادر من العناصر الدينية المحلية المدعومة من قبل الوجهاء والأشراف المحليين وملا الأراضي ورجال الأعمال من الدرجة المتوسطة فتح أمامهم المجال للخروج من الاعتزال السياسي والانخراط بالعمل الحزبي ونال تأييد أعضاء من حزب النظام الوطني المنحل , فضلا عن ذلك ضم الحزب طبقات شكلت القوى التي كانت وراء تأسيسه فمثلت الفئة الأولي فئة الأصناف المكونة من الحرفيين والمنتشرة بشكل واسع في المدن الصغيرة ونتيجة للتطور الرأسمالي الصناعي في نهاية الستينيات وبدعم حزب العدالة الذي تسلم السلطة وتمتع بدور كبير في الحياة السياسية الأمر الذي جعل من الصعوبة جمع مصالح الصناعيين الكبار ورجال الأعمال الذين يعيش معظمهم في المدن الكبرى لا سيما إستنبول وبين مصالح الحرفيين والصناع المتواجدين في مدن الأناضول .

أما الفئة الثانية فشملت النازحين من الأرياف إلى المدن الذين يعانون من صعوبات ومشكلات عديدة جعلتهم في حالة عدم استقرار , ويمكن القول إن حزب السلامة الوطني جاء معبّرا عن اتجاهات الرأي السائد لدى بعض القطاعات والشرائح الاجتماعية في تركيا والمتمثلة بجماعات مثل الحرفيين والأيديولوجيا , وعلى الرغم من المواجهة القوية من كوادر الأحزاب الرئيسة والإعلام الغربي استطاع الحزب امتلاك قواعد حزبية منظمة مستندة على الفئة الشبابية المثقفة فضلا عن امتلاكه شعبية كبيرة نسبيا بين صفوف الفلاحين .

أما فيما يخص اختيار شعار الحزب فبعد تسمية أعضاء الهيئة التأسيسية تم الاتفاق على اتخاذ صيغة شعار جديد على شكل مفتاح , بعد ذلك طلبت النيابة العامة للجمهورية رسومات الشعار وقرار قبوله من قبل الهيئة التأسيسية لغرض فحص الشعار من قبل خبراء مختصين وقد أثبت هؤلاء أن أسنان المفتاح بالخط الكوفي ترمز إلى لفظة ( الله ) فدبّ الخوف في نفوس منظري الحزب من إصدار أمر بإغلاقه فقاموا على الفور برسم شعار جديد للحزب ليكون جاهزا في حال حدوث ذلك .

ثالثا : أيديولوجية حزب السلامة الوطني

تصوّر حزب السلامة الوطني أن التطور الأخلاقي لا يقل أهمية عن التطور المادي لذا تبني في برنامجه مجموعة آراء وأفكار تؤكد الحاجة إلى مجتمع مستقيم يضمن حرية الاعتقاد ويردع النزاعات الداخلية ويرفض العلمانية التي تستخدم في قمع المعتقدات الدينية وذلك لأن حرية الاعتقاد , هي جزء من حرية التفكير من وجهة نظر الحزب .

فقد امتدح حزب السلامة تقاليد ومعتقدات الشعب التركي التاريخية والدينية واعتمد الحزب في حملته الانتخابية وقتذاك على شعارات تهتم بالجانب المعنوى , وضمن هذا السياق يذكر أربكان قائلا :" إن مبدأ حزب السلامة الوطني " الأخلاق " أولا ولهذا فإن أول ما نريد أن نصلحه هو غرس القيم المعنوية وذلك بتأسيس نهضة اجتماعية .

أما فيما يخص المدارس الدينية وموقف حزب السلامة منها فقد ذكر أربكان بهذا الخصوص قائلا :-

" سيكون بعض نواته الأخلاقية تأسيس المدارس التي تعني بعلوم الشريعة الإسلامية وسيحاول بإذن الله تعميم دروس التربية الإسلامية , وسيحاول بإذن الله تعميم دروس التربية الإسلامية في كل المؤسسات التعليمية , إذ يلاحظ أن دراسة التربية الإسلامية ممنوعة في المدارس التركية بحكم القانون والتحية لأتاتورك فهذه بعض بقاياه وبهذا سنكفل ونضمن تعلم أجيالنا القادمة ديننا وعقيدتنا وأخلاقنا .

وتأسيسا على ذلك أعطي الحزب أهمية كبيرة للتعليم وذلك من خلال توفير الإمكانات اللازمة لتطوير مدارس الأئمة والخطباء وتسليح المواطن بسلاح الدين والأخلاق .

أما ما يتعلق بالعادات والتقاليد الاجتماعية إذ دعا إلى ضرورة الرجوع للقيم والعادات الإسلامية مؤكدا على أن هذه العودة هي الطريق السليم لنهضة تركيا , والاعتماد على الثقافة القومية ونبذ التقاليد المفروضة من قبل الغرب التي عدّها الحزب مفسدة للأخلاق ناهيك عن أنها تلحق الضرر في البلاد .

كما اهتم الحزب بالحقوق والحريات من خلال احترام حقوق الإنسان وحريته وضمن هذا السياق قال أربكان :-" الدين معتقد أساسي ونظام فكرى للأفراد وهذا يعني الاعتراف بحق الحرية والوجود والاعتراف بحقوق المعتقد للفرد , إن حرمان الشخص من هذه الأسس هو ضد الروح والمبادئ الأساسية للدستور لا سيما الفقرة (1) من المادة (19) والمادة (20) من الدستور

وبناء على ذلك ذهبت الصحف التركية ومنها ( جمهوريت ) Cumhuriyet, ( ملليت ) Milliyet لتؤكد أن أربكان اتخذ من ذلك ذريعة لاستخدام الدين لأغراض سياسية فجاء رد جمال أوغلو أحد منظري حزب السلامة الوطني منتقدا العلمانية قائلا :- " إن الملوك والرؤساء في الغرب متدينون وهم يزرون البابا , ويزور الرئيس الأمريكي الكنيسة بانتظام وإن شعار ( نحن نثق بالله ) منقوش على الدولار الأمريكي , كما إن الأحزاب السياسية المهمة في الغرب تعتمد على التعاليم المسيحية وقد أكد أربكان بأن السياسة في الجانب الاجتماعي تعني المساواة الاجتماعية وإلغاء الفائدة وعدم فرضها لأنها من العناصر الرئيسة المخالفة للمبادئ الإسلامية .

أما على المستوى السياسي كان من ضمن أفكار الحزب وأيديولوجية القضاء على بعض القيود اللاديمقراطية بالعمل على تقليص عدد النواب وقيام نظام جمهوري لانتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العام وإدخال أسلوب الاستفتاء لتشكيل المؤسسات بالملاكات الشعبية .

وكانت نظرة الحزب للنظامين الاشتراكي والرأسمالي بأنهما يهددان الحرية وضمن هذه النظرة يذكر أربكان قائلا :- إن النظام الاشتراكي يهدد الحرية ويضر بالكيان القومي ويرتكز على مصادر أجنبية أما الفكر الرأسمالي فإنه يقوم على الربا ومصدره أجنبي أيضا . لذا يعارض حزب السلامة المتعطين بالرهون والفوائد البنكية مؤكدا أن حزبه ثابت في معاداته للشيوعية ويؤيد التوسيع في نظام الرأسمالية الشعبية كما يحث على زيادة عدد المدارس الدينية مؤكدا على الدوام الحاجة إلى تربية وطنية صحيحة .

وكان لحزب السلامة أهداف منها تحقيق نهضة شاملة في البلاد لتضمن السعادة التي ينشدها للفرد والمجتمع في ظل نظام ديمقراطي محب للسلام والعدل , وقد ساعدت صورته الإسلامية كثيرا على تفهم النظرة الوطنية ورفعة شعار ( الفكر الوطني ) لاحقا شجعت الجماهير الشعبية على مساندته كونه ممثلا لمعظم الإسلاميين المهمشين , ومن خلال تلك الأيديولوجية التي تبناها حزب السلامة استطاع التيار الإسلامي التغلغل في الدوائر الحكومية وإدماج نفسه في اللعبة الديمقراطية من خلال الأصوات التي حققها في الانتخابات البرلمانية للأعوام (1973 -1977 ) وقد ركزت أيديولوجية الحزب على خمسة أسس هي السلام والأمن في الداخل امتزاج الأمة بدولة تركيا الكبيرة من جديد النهضة الأخلاقية , النهضة المادية وأخيرا الوحدة الوطنية .


المبحث الثاني

أولا : أربكان والانتخابات البرلمانية لعام 1973

بعد إقرار السماح للأحزاب السياسية بالمشاركة في العملية السياسية تم تشكيل أحزاب جديدة . ثم حصلت الموافقة على إجراء انتخابات عامة في 5 حزيران 1973 لإنهاء حالة الفوضي على الساحة التركية التي أصبحت مصدر إزعاج منذ بداية العقد دخلت تلك الأحزاب الانتخابات من ضمنها حزب السلامة الوطني لغرض التنافس والحصول على مقاعد في المجلس الوطني الكبير حيث حصل حزب السلامة الذي خاض الانتخابات البرلمانية لأول مرة على نسبة 11,8% من مجموع أصوات الناخبين و48 مقعدا ,والجدول الآتي يوضح ذلك .

جدول رقم (3)

نتائج انتخابات 1973

مقاعد المجلس الوطني2.jpg


وإن تفسير تحقيق تلك النتيجة إنما يدل على سرعة انتشار مبادئ وقيم الحزب والاحترام والتقدير الذي يتمتع به قادة الحزب , فضلا عن الجهود المبذولة من قادته لا سيما زعيمه أربكان ومعه عدد من الطلاب الخريجين من الجامعة التقنية , وعدد من المسلمين الذين كرسوا جهدهم باستخدام المناهج الحديثة في التنظيم والدعاية السياسية .

وطرحت آراء عديدة وتفسيرات لدراسة نتائج الانتخابات وتشخيص عوامل الفوز لتعزيز ثقة الناخبين إذ فسر البعض سبب الفوز بأنه قيام الكوادر الحزبية بدعاية فعالة من خلال الحملة الانتخابية بنقد الأوضاع الاجتماعية من ناحية وعجز كل من حزبي الشعب الجمهوري والعدالة على ضم طبقة رجال الأعمال والصناع الصغار إلى تنظيماتهم من ناحية أخرى .

أما التفسير الآخر لفوز الحزب وخلال مدة قصيرة فيعزى إلى تعاطف الشعب التركي المسلم مع الحزب لتبنيه شعار ( الله والأخلاق ) وتوجيه خطاب واضح ومباشر للمسلمين واعدا إياهم بإعادة الاحترام للإسلام وتعاليمه ومؤملا المحتاجين بالتغيير وإصلاح النظامين الاقتصادي والسياسي مما أكسبه ثقة الناخبين من المتدينين والفقراء على حد سواء .

وأشار أربكان بمناسبة فوز الحزب في تلك الانتخابات قائلا : -" إن النجاح الذي أحرزه الحزب في انتخابات 1973 هو بداية تفجر حقبة إسلامية جديدة في تركيا وإن الحزب وبرنامجه الإسلامي سينطلق من نصر إلى نصر .

وبعد استقرار الوضع الداخلي والسماح باستئناف المبعدين عن الحياة السياسية بمزاولة النشاط السياسي في 14 تشرين الأول 1973 تنازل سليمان عارف إمرة عن رئاسة الحزب لأربكان .

ثانيا : أربكان ودوره في الحكومات الائتلافية

  • أ‌- الائتلاف الأول حزب الشعب الجمهوري – حزب السلامة الوطني ( 7 كانون الثاني 1974 -18 أيلول 1974)

أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في 5 حزيران 1973 عن عدم إمكانية وصول أى حزب من الأحزاب المشاركة في تلك الانتخابات إلى سدة الحكم بمفرده كما أسلفنا , وذلك لحصول حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد – على (186 ) مقعدا وحزب العدالة بزعامة سليمان ديميريل على (149) مقعدا ولعدم التوافق بين حزبي الشعب والعدالة الأمر الذي عمق من حدة الصراع بينهما وشكل حالة من عدم الاستقرار , فضلا عن ذلك عزوف الأحزاب اليمينية عن الاشتراك وتشكيل حكومة ائتلافية مع حزب العدالة , فواجهت تركيا أزمة حكومية دامت (105 ) أيام لعدم تمكن الأحزاب من حل الخلافات بينها , فتم تكليف أجاويد زعيم حزب الشعب الجمهوري بتشكيل الحكومة بفعل فوز حزبه بأكثرية الأصوات .

حاول أجاويد من جانبه تشكيل الحكومة من أعضاء حزبه فقط مؤملا مساندة الأحزاب إلا أن أجاويد أخفق في تحقيق ذلك , وبدا واضحا عجز أى من الحزبين ( الشعب – العدالة ) تشكيل حكومة قوية قادرة على تأدية مهماتها , وفي غضون ذلك ظهر رأي يميل إلى تشكيل حكومة ائتلافية من حزبي الشعب والسلامة لإنهاء تلك الأزمة من خلال التعاون بينهما .

بدأ أجاويد بإجراء مباحثات ثنائية لغرض تشكيل الحكومة من الحزبين , إلا أن ذلك الإجراء واجه ردود أفعال بين نواب كلا الحزبين , فقد مثلت تلك المشاركة ضربة مؤلمة لبعض نواب حزب الشعب الجمهوري تصورا منهم بأنها خيانة لميراث أتاتورك ,أما البعض الآخر من أعضاء حزب السلامة فاعترضوا على ذلك لتصورهم بأن حزب الشعب الجمهوري عدو للدين كما اعترض المحتفظون منهم بشدة على بعض فقرات برنامج الحكومة , ومن ثم أدرك أجاويد صعوبة التعامل مع أعضاء حزب السلامة , إلا أن ذلك لم يمنعه من القيام بمحاولات عديدة للتفاوض معهم وذلك لعدم توفر بدائل أفضل فتمكن من إقناع أربكان وأعضاء حزبه من تشكيل حكومة ائتلافية بينهما واستطاعت تلك الحكومة الحصول على الفوز بثقة الأغلبية البرلمانية , الأمر الذي أتاح الفرصة لتشكيل ائتلاف حكومي من نوع جديد بقيادة حزب يساري وحزب إسلامي الميول وقد استمر هذا الائتلاف من 7 كانون الثاني 1974 حتى 18 أيلول من العام نفسه .

ولم تكن مشاركة حزب السلامة في الحكومة الائتلافية صورية أو هامشية على العكس تولي أربكان منصب نائب رئيس الحكومة والاتفاق على بروتوكول الحكومة الذي تم فيه توزيع الحقائب الوزارية والبالغة 25 وزار (18 ) لحزب الشعب و( 6 ) لحزب السلامة وهي ( وزارة الداخلية , العدل , التجارة , التعدين , الصناعة والزراعة ) فضلا عن منصب نائب رئيس الحكومة كما تضمن البروتوكول فسح المجال أمام حرية الرأي والتعبير عبر منافذ الصحافة , وقد مثل حزب السلامة الوطني في هذه الحكومة كل من سليمان عارف وزيرا للدولة وشوكت قازان وزيرا للعدل , وأورهان أصيل تورك وزيرا للداخلية وفهمي أدك وزيرا للتجارة وتورغرت أوزال وزيرا للزراعة وعبد الكريم دوغر وزيرا للصناعة .

وقد أعرب سليمان عارف عن أمله عند تشكيل الائتلاف بين حزبي السلامة والشعب الجمهوري قائلا :" لقد وصفت العلمانية منذ زمن طويل في بلدنا بأنها عداء للدين ومارست ضغوطا قاسية على المتدينين وقبل أى شئ يجب هدم هذه الصورة وتفريق تلك السحب الغائمة في حرية الفكر والاعتقاد " ومع هذا واجهت تلك الحكومة العديد من التحديات السياسية كان من أبرزها العفو الذي شمل جرائم الفكر والاعتقاد الذي كان من أهم فقرات بروتوكول الائتلاف فعندما عرض الموضوع على البرلمان صوت بعض نواب حزب السلامة ضد شمول أصحاب الأفكار اليسارية بالعفو وهؤلاء السجناء اليساريون البالغ عددهم (4000) سجين اعتقلوا أيام الحكم العسكري وكاد هذا الموقف أن يؤدي إلى انهيار الائتلاف , وعلي أثر ذلك قام أعضاء حزب الشعب الجمهوري بعقد اجتماع لتدارس الموقف ومعالجته , الأمر الذي دفع بأجاويد إلى التهديد بالاستقالة غير أن أعضاء حزبه وجدوا أن الأوضاع غير مواتية للاستقالة , وتلاقيا لانهيار الائتلاف جراء النقاش على تلك الفقرة في البرلمان ولمعالجة الموقف عمل أربكان على تأجيل طرح القضية في البرلمان واستبدال جدول الأعمال بمناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية كان وراء تحالف أجاويد – أربكان دوافع لكلا الطرفين مع أن الائتلاف لم يستمر طويلا فكان لكل منهما هدف لمدة طويلة على الرغم من التباين بين حزبه وحزب أربكان , ومن جانب آخر أراد أربكان من خلال ائتلافه مع حزب الشعب الجمهوري أن ينفي صيغة الرجعية عن حزبه على أثر ترويج بعض الطروحات بأنه حزب مغلق , فضلا عن ذلك تمكن من إدخال عدد من أنصار حزبه إلى الوظائف والإدارات عن طريق الوزارات التي تسلمها أعضاء حزبه فضلا عن استثمار الموارد المالية لتعزيز الشأن الديني من خلال تولي رئاسة الشؤون الدينية .

  • ب‌- أربكان والمشكلة القبرصية

فضلا عن الأزمات الداخلية التي تعرض لها الائتلاف الحكومي واجه على الصعيد الخارجي أزمة سياسية وهي الانقلاب العسكرى في قبرص – فظهرت المشكلة في إطارها المعقد عندما وقعت اشتباكات بين رجال الجيش القبرصي وقوات الحرس الوطني في 15 تموز 1974 التي كانت خاضعة لتوجيهات الضابط اليونانيين وانتهت بحدوث انقلاب عسكري وقيام جمهورية قبرصية جديدة مما خلق ظروفا مناسبة لانضمام قبرص إلى اليونان الأمر الذي اتخذه الأتراك مسوغا للتدخل العسكري . فقد أثارت تلك الخطوة قلق تركيا فعبّرت عن ذلك بمذكرة أرسلتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 17 تموز 1974 أعربت فيها عن غضبها واستيائها وبينت أن هذا الانقلاب ضد الرئيس القبرصي مكاريورس هو استيلاء لليونانيين على الجزيرة , أما زعيم القبارصة الأتراك رؤوف دنكتاش فقد صرّح مطالبا بالتحرك العسكري , من قبل بريطانيا وتركيا بوصفها دولا ضامنة لاستقلال قبرص ومنع اليونانيين من تحقيق هدفهم .

اتخذت الحكومة التركية قرار التدخل لاعتبارات مهمة مثل تأمين حماية الجالية التركية التي ترتبط بصلة القرابة بأهالي تركيا فضلا عن القضايا الأمنية المترتبة على الموقع الجغرافي الذي يكمن قرب الجزيرة على السواحل التركية الجنوبية وعلي هذا الأساس اتخذت حكومة أجاويد - أربكان قرارا بإنزال القوات العسكرية في الجزء الشمالي من جزيرة قبرص حيث تتركز الجالية التركية معللين ذلك بوقف المذابح التي كان اليونانيون القبارصة يرتكبونها في حق المسلمين الأتراك ( حسب قولها )

وهنا اختلفت المصادر في إسناد قرار التدخل إلى أجاويد وأربكان إذ يذكر بعض الباحثين أن مشكلة قبرص نوقشت في مجلس الأمن القومي التركي وتناينت الآراء بخصوصها وما طرح من وجهات نظر المسؤولين , فمثلا كان لأجاويد وجهة نظر في المشكلة وإمكانية حلها من خلال الاعتماد على الحليفة بريطانيا إذ قال : " إني أعرف حلا وسطا وبإمكاننا حل هذه المشكلة وفقا للشعار الذي رفعه أتاتورك :( سلام في الداخل وسلام في الخارج ) ولأتوجه أنا فورا إلى انكلترا ولأتباحث مع رئيس الوزراء نلسن خاصة وإن إنكلترا واحدة من الدول الثلاث المكلفة بحماية الوضع واستقراره في قبرص ونحن بالاتفاق مع الانكليز يمكننا إنزال جنودنا بسلام في القواعد العسكرية التي تخصهم في الجزيرة وبدون إراقة الدماء , والجنود الانكليز بالاشتراك مع جنودنا يمكنهم إعادة الهدوء إلى الجزيرة ... ويغلق ملف المشكلة أما أربكان فكان له رأي مخالف لرأي أجاويد إذ قال : -" إن قبول عرضكم هذا وحل المشكلة من قبل الانكليز أمر محال وإنهم يريدون أن يكونوا في جانب الروم واليونانيين وحتى لو قبلوا فمن المحتمل أن يكون هذا الحل أكثر خطورة بالنسبة لنا فمن الممكن أن يقوموا بالضغط علينا لإجبارنا على قبول الحل اليوناني بعد أن يجعلوا من حماتنا رهائن في أيديهم "

من جانب آخر نسب إلى أجاويد اتخاذ قرار إرسال الجيش التركي إلى قبرص , لامتلاكه السلطة الكافية ولأنه يتمتع بالامتيازات التي تؤهله اتخاذ قرار بهذه الخطورة , ومن أجل ذلك أتخذ قرار التدخل في الجزيرة في 20 تموز 1974 مما أكسبه تأييدا وشعبية فأصبح أجاويد بطلا قوميا في نظر الأتراك وأطلقوا عليه فاتح قبرص .

وهناك من ينسب إلى أربكان قرار التدخل بدعوة أن أجاويد كان خارج تركيا فوجد أربكان الفرصة سانحة لاتخاذ قرار التدخل من خلال الصلاحيات التي يتمتع بها كونه نائب رئيس الوزراء فعقد اجتماعا لقادة القوات البرية والبحرية والجوية وتمكن من إقناعهم بالتصدي للإنزال العسكري ردا على الاعتداء اليوناني الذي طرح شعار الوحدة القبرصية ( إينوسيس Emosis ) مع اليونان وتطهير قبرص من المسلمين الأتراك , وأن أربكان هو من أقحم أجاويد في اتخاذ قرار التدخل في قبرص حتى إنه ساد تصور واسع النطاق بأنه في حال تسلم أربكان السلطة مرة ثانية فإنه سيحاول القيام جاهدا لإيجاد حل سريع لتلك المشكلة , وقد كان لحزب السلامة دورا إيجابيا في تعبئة الجماهير قبل عملية الإنزال العسكري وبعدها , فقد قام أعضاء الحزب بتحشيد الشعب على مستوى القاعدة والبرلمان وفي الحكومة على مستوى الوزراء حول تقديم المساعدة للأتراك القبارصة من الوطن الأم .

إن خطوة أربكان تلك حظيت بتأييد وبمساندة كبيرة من أعضاء حزبه فقد ذكر أورهان أصيل تورك وزير الداخلية قائلا :" إننا في مواجهة هذا الموضوع الوخيم في قبرص يجب علينا إنزال قوات في الجزيرة فورا ويجب أن نسيطر على الخط الأخضر ولا وسيلة أخرى غير هذه بالمقابل أشارت الصحافة المحلية بأن أربكان هو الذي أقنع مجلس الوزراء بالتدخل في قبرص فرفض أجاويد ذلك مؤكدا بالقول : - " إن اتخاذ القرار ( التدخل في قبرص ) كان أمرا جماعيا , ثم جاءت الهدنة بقرار من أجاويد بحجة حاجة العسكر إلى الهدنة في الوقت الذي رفضها أربكان ووصفها بالإجراء المتعجل وهو الذي لم يمكن من تحقيق الأهداف الكاملة للعملية , فتّم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار بين البلدين في 22 تموز 1974 تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة وتمت المباشرة بتبادل الأسري العسكريين بين الطرفين ,وفي الوقت الذي تّم فيه إعلان وقف إطلاق النار في الساعة الخامسة من مساء يوم 22 تموز 1974 من جانب الطرفين إلا أنه سرعان ما تجدد القتال في اليوم التالي , علما بأن وقف إطلاق النار المذكور لم يمنه الأتراك من التقدم للإستيلاء على المزيد من الأراضي القبرصية , كما لم تتمكن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من استخدام قوتها لأجل فض الاشتباكات بين الجيشين إلا في تشرين الأول 1974 .

وعلى الرغم من ذلك تمسك أربكان وحزبه بفكرة إقامة دولة مستقلة في الجزيرة ولعل ذلك يرجع إلى النظرة الدينية للحزب والرافضة لخضوع المسلمين الأتراك لدولة يونانية مسيحية وظل أربكان يطالب بقيام دولة مستقلة في قبرص ففي عام 1977 , وعلى أثر احتدام النزاع بين تركيا واليونان طلب أربكان من شريكه في الحكومة ديميريل إعلان دولة مستقلة من جانب واحد إلا أن ديميريل رفض طلبه , وكما هو معروف إن توجهات ديميريل للغرب كانت أحد أسباب رفض طلب أربكان ولا تزال المشكلة القبرصية قائمة إلى حد الآن .

  • ج- أربكان والمكاسب التي حققها من الائتلاف الأول .

تمكن أربكان من تحقيق بعض الانجازات من خلال ائتلافه مع حزب الشعب على الرغم من قصر مدة وجوده بالحكومة , ومما لا شك فيه أن تلك الإنجازات جاءت لصالح الحركة الإسلامية التي استفادت من وجود الإسلاميين في السلطة لأول مرة , فقد مثل الائتلاف مكسبا عظيما لحزب السلامة والتيار الإسلامي الذي أعترف به من قبل حزب الشعب الجمهوري والمؤسس من قبل كمال أتاتورك الذي أنصب مشروعه أى مشروع حزب الشعب الجمهوري على إنهاء دور الإسلام على عكس حزب السلامة الذي تبني التمسك بالإسلام وقيمه فضلا عن ذلك أعطي حزب السلامة الصبغة الوطنية الإسلامية لبعض دوائر الحكومة بوجود الوزراء الستة فضلا عن شخصية أربكان . فقد أسهمت مشاركتهم بتعزيز النفوذ الإسلامي في الحياة العامة على الرغم من قصر عمر حزب السلامة وقلة تمثيله في البرلمان التركي إلا أنه مثل انعطافه كبيرة في الحياة السياسية التركية ومنحته المشاركة في الائتلاف فرصة لإثبات وجوده كقوة سياسية إذ شبه الحزب ( ببيضه القبان ) بمعني أن بيده إمكانية ترجيح طرف على آخر .

وعلى الرغم من أن مقتضيات العملية السياسية فرضت عليه الائتلاف مع حزب الشعب الجمهوري , فإن تلك المشاركة عبرّت عن أول اختراق إسلامي للسلطة التنفيذية في الجمهورية العلمانية منذ تأسيسها على يد أتاتورك عام 1923 .

ولإدراك أربكان حاجة المجتمع التركي إلى إعادة بنائه على أساس عقيدته الإسلامية فقد أولي من خلال وجوده بالحكومة الائتلافية وأعضاء حزبه عناية كبيرة للتعليم الذي يعدّ الأساس المتين الذي تبني عليه النهضة الإسلامية الحديثة وذلك من خلال الاهتمام بالتربية الدينية والعناية بالتثقيف الأخلاقي في المدارس لقد أسهم نجاح حزب السلامة الوطني وحصوله على مقاعد برلمانية في إثبات وجوده بوصفه حزبا سياسيا إسلاميا عرفته تركيا دخل معترك الحياة السياسية , فقد أستطاع أربكان خلال وجوده في الائتلاف الحكومي فتح عدد من مدارس الأئمة والخطباء واستحصال الموافقة لتدريس مادة الأخلاق ( التربية الدينية ) بصورة إجبارية )

كذلك كان السماح للجمعيات الإسلامية بممارسة أنشطتها الخيرية وزاد من مدارس تحفيظ القرآن والمعاهد العالية للشريعة الإسلامية ,فضلا عن فسح المجال أمام المسلمين لعرض طروحاتهم من فوق منبر البرلمان , ويمكن القول إن من أهم الإنجازات والمكاسب التي حققها أربكان من خلال ائتلافه مع حزب الشعب الجمهوري هو تراجع الأخير عن موقفه واعترافه بالإسم بوصفه تيارا سياسيا الأمر الذي أسهم بالسماح لخريجي المدارس الدينية بالالتحاق بالجامعات وقبولهم للعمل في أجهزة الشرطة بعد أن كان قبول هؤلاء محددا بمدارس الشريعة .

  • د – أربكان وأسباب انهيار الائتلاف الأول 18 أيلول 1974:

مما لا شك فيه أن قيام ائتلاف حكومي من حزبين يحملان فلسفتين مختلفتين من الممكن انهياره بسهولة حيث طرحت آراء وتفسيرات حول انهيار الائتلاف وعدم استمراريته فيرجح البعض أن تواجد الإسلاميين في الحكومة وعلى رأسهم أربكان كان سببا قويا لإنهاء الائتلاف لتخوّف القوة العلمانية من تغلغل الإسلام في جسد الدولة , وهذا ما أكده تصريح أجاويد عند تقديم استقالته قائلا :" لا يمكن أن أسمح بمساعدة حزب السلامة للإستيلاء على الدولة .

ولعل هذا التصريح يعطي تصورا عن مدى الاختراق المؤسسي لحزب السلامة الوطني لذا تجاهل أجاويد قواعد البروتوكول الذي حوّل أربكان القيام بمهامه في حال سفر رئيس الوزراء , ووضع بديلا عنه الأمر الذي فسّر بكونه تهميشا وتخوفا من أربكان وحزبه , فضلا عن ذلك هناك من يري أن تخوف أربكان من فقدان قوية حزبه وذوبانها بالانصهار مع حزب الشعب من خلال انصياعه لأوامر أجاويد دفع به إلى العمل على إعاقة أعمال الحكومة من خلال عرقلة تنفيذ أى إجراء تقدم عليه الحكومة بهدف تأكيد وجوده . أما التفسير الآخر فيعلل سبب انهيار الائتلاف هو شخصية أربكان وافتقاره للخبرة السياسية والعلاقات المتباينة بين حزبه والأحزاب التركية الأخرى فضلا عن ذلك طروحات أربكان نفسه التي عدت غير جدية بشأن تطوير العلاقات مع الدول العربية في الحصول على دعم منها لتطوير الاقتصاد التركي .

وقد يكون أرجح هذه الأسباب وراء انهيار الائتلاف هو نجاح العملية العسكرية في قبرص تموز 1974 وما ترتب عليها من نتائج لصالح أجاويد دفعته لاستثمار ذلك بتقديم استقالته ومطالبته بإجراء انتخابات مبكرة للإنفراد بالحكم .

ثالثا : أربكان ودوره في الحكومة الائتلافية الثانية

أربكان ودوره في الحكومة الائتلافية الثانية ( حزب العدالة – حزب السلامة الوطني – حزب الحركة القومي ) آذار 1975 – حزيران 1977.

كان لنجاح أجاويد في قبرص إلى الحد الذي أخذ يقارن بمصطفي كمال عاملا مشجعا لتقديم استقالته والمطالبة بانتخابات برلمانية . إلا أن حساباته لم تكن دقيقة إذ جوبه طلبه بالرفض من قبل أعضاء البرلمان ومن ضمنهم أعضاء حزبه فلم يحصل على تأييدهم ويكمن السبب في عدم تأكدهم من إمكانية الفوز بالانتخابات فضلا عن ذلك اتخذت الأحزاب اليمينية ( حزب السلامة الوطني وحزب الحركة القومي ) موقفا مشابها مؤكدة عدم رغبتها بتشكيل حكومة بقيادة حزب الشعب الجمهورى لذا لم تتفق فيما بينها وظلت منقسمة على نفسها , وقد خلق إنهاء الائتلاف الحكومة أزمة وزارية استمرت مدة تزيد على ستة أشهر بعد استقالة أجاويد في 18 أيلول 1974 الأمر الذي استدعي قيام رئيس الجمهورية فخرى كورتورك بمساع لتشكيل حكومة ائتلافية إلا أن ذلك لم يسفر عن نتيجة لانعدام التوافق بينها فمثلا كان حزب الشعب الجمهوري مستعدا لدعم أية حكومة ضمن شروط منها قيام انتخابات فعارضت الأحزاب الشعب الجمهوري مستعدا لدعم أية حكومة ضمن شروط منها قيام انتخابات فعارضت الأحزاب اليمينية تلك الخطوة هذا فضلا عن إصرار الحزب الديمقراطي المنشق عن حزب العدالة على معاداة فكرة تولي ديميريل الحكومة مما اضطر رئيس الجمهورية وضمن صلاحياته الدستورية تعيين البروفسور سعدى أرماك Ermak رئيسا للوزراء في حكومة وطنية فوق الأحزاب معتمدا على عدد من التكنوقراط من خارج البرلمان إلا أنه فشل لعدم حصوله على ثقة البرلمان وبالكاد حصلت حكومته على (17) صوتا .

وفي ظل المناخ السياسي المهيمن والظروف الموضوعية اضطر حزب العدالة بزعامة سليمان ديميريل للائتلاف مع الأحزاب اليمينية ( حزب السلامة الوطني وحزب الحركة القومي ) فتشكلت الحكومة في 31 آذار 1975 وأطلق عليها اسم حكومة ( الجبهة القومية ) تولي فيها ديميريل رئاسة الحكومة وتسلم أربكان منصب نائب رئيس الوزراء للمرة الثانية فتمكن الأخير من إعادة رجاله مرة أخري إلى الحكومة بعدد الحقائب الست نفسها إذ مثل في هذه الحكومة كل من حسن أقصاي وزيرا للدولة إسماعيل مفتي أوغلو وزيرا للعدل أورهان أصيل تورك وزيرا للداخلية فهيم أداك وزيرا للأشغال العامة وتورقورت أوزال وزيرا للزراعة ,وأحمد توفيق باقصو وزيرا للعمل .

وبطبيعة الحال إن التعاون والتآزر وتوافق الآراء في المعارضة شئ وفي موقع السلطة شئ آخر لذا بات من الواضح ومنذ بداية الائتلاف أن هذه الظاهرة السلبية انعكست على عمل الحكومة وعجزها عن إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي أخذت بالتفاقم حتى بلغ معدل التضخم 40% وتجاوز عدد العاطلين عن العمل ثلاثة ملايين عاطل وتزايدت حوادث العنف السياسي , مع هذا استطاع أربكان أن يثبت دعائم قوته من خلال منصبه نائبا لرئيس الوزراء وتمكن من فرض سيطرته في الحكم مثله مثل ديميريل متحديا الدستور فقد تمكن من دفع أفكاره الإسلامية إلى حيز التطبيق فضلا عن تبينيه حملة التصنيع .

وخلال ثلاث سنوات أصبح أربكان عنصرا مؤثرا في السياسة , إذ لا يمكن تشكيل ائتلاف من دون مساندته وكان يتبنأ على الدوام بأنه سوف يفوز بثلث مقاعد البرلمان ويكرّر أن أى حزب لم يتمكن من تسلم السلطة من دون مشاركة حزبه .

  • أ‌- أربكان والنظرة القومية ( مللي كروش ) :

نشر أربكان في عام 1975 بيانا أطلق عليه اسم مللي كروش أو النظرة القومية تحدث فيه بعبارات عامة عن التربية الدينية والأخلاقية مع تركيز أكثر على الاستقلال الاقتصادي وعمليات التصنيع وهو يحذر من الانجرار وراء أوروبا ويعد الدخول في سوقها مشروعا مرفوضا بوصفه مشروعا كاثوليكيا وصهيونيا من أجل امتصاص خيرات تركيا وإبعادها عن الإسلام , ودعا بالمقابل إلى علاقات اقتصادية وتعاون أوثق مع الدول الإسلامية ثم تبلور هذا البيان ليكون ما يعرف بحركة " مللي كروش " وهي واحدة من أكبر إن لم تكن أكبر الحركات الدينية تأسست في ألمانيا عام 1976 إلى جانب مجموعة من الجمعيات الإسلامية , وقد صرّح أربكان قائلا :" نحن لسنا حزبا ولكننا حركة " والحركة التي يقصدها هي المللي كروش أى الفكر الإسلامي , نظرا للقيود العلمانية للدستور التركي الذي يجرم استخدام مصطلحات أو تعبيرات دينية من قبيل التيار الإسلامي أو التيار الديني , والمللي كروش من وجهة نظر أربكان هي " تعبير عن الفكرة التي يحملها الإسلاميون في تركيا التي تحمل مشروعا للنهوض التركي " مستندا إلى الأيديولوجية الإسلامية والخبرة التركية لا سيما العثمانية وهدف المللي كروش في فكر أربكان هو " تحويل المجتمع التركي إلى الإسلام " ومكان واحد يرتبط بشئ واحد , فتركيا خدمت الإسلام ألف سنة بكل جهدها حتى دقت أبواب فيينا ويستذكر أربكان بشارة الرسول صلي الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية ومباركته لأمير الفتح ولجيش الفتح. ويتساءل عن الخصوصية التركية ويقول :" الجيش رؤية للحق والإسلام وهذا عز وشرف لتركيا عزتنا في الإسلام "

وحركة المللي كروش هي الحصانة الأساس للإسلام السياسي في تركيا , التي عرفت بعدائها لإسرائيل بشكل خاص والغرب بشكل عام إذ يذكر أحد قياديي حركة مللي كروش صادق البيراق :- " حتى السبعينيات ظلت تركيا موالية للغرب ولا علاقة لها بالشرق أو العالم الإسلامي وهناك في تركيا من يصّر على أن تركيا مكانها في الغرب أما نحن فكلنا نقول إن قبلتنا هي مكة ورأسنا في الأناضول وأحد ذراعينا في القوقاز والآخر في البلقان .

وقد اتسمت " مللي كروش " بخصائص عدة فهي فكرة تقوم على قوة الحق والعدل لا على قوة الجبروت والتسلط تقوم على الرحمة والمحبة وحقوق الإنسان وتسعى لتحقيق السعادة داخل تركيا وخارجها ,ولقد تأسست المللي كروش لهدف محدد هو خدمة المهاجرين والحفاظ على هويتهم وثقافتهم الإسلامية من الذوبان ثم إتمام إعادة تأهيلهم وانخراطهم في المجتمع مرة أخرى بعد عودتهم إلى تركيا , ولكن تحوّل الوجود التركي في ألمانيا بمرور الوقت من وجود مؤقت إلى وجود مستمر ألقي على عاتق الجمعية تبعات جديدة تمثلت في الحفاظ على الجيلين الثاني والثالث لتأصيل الإسلام في نفوسهم واندماجهم في المجتمع الألماني وإعطاء الألمان صورة حضارية عن الإسلام .

وكان من الطبيعي أن يصاحب تطور الهدف نقلة مماثلة في الآلية عن طريق إنشاء المؤسسات المتكاملة والإشراف على الأنشطة الإسلامية في المساجد والهيئات الثقافية ومدارس تعليم القرآن الكريم ,وقد نجحت هذه الجمعية منذ تأسيسها في تأدية مهامها لصلتها الوثيقة بأربكان الذي منحها علمه وخبرته للمجتمع الألماني وهذا ما دفع الكثير من الأوساط الألمانية إلى جعل أربكان المؤسس الحقيقي والأب الروحي للمللي كروش .

ويعرف أربكان ( النظرة القومية ) بأنها " الرؤية المعبرّة لكل قيمنا المتوارثة لتاريخ أمتنا ومعنى الرؤية القومية هو رؤية أمتنا لذاتها , إن الإيمان الكامل في قلب السلطان محمد الفاتح عند فتح استنبول مهما كانت كنيته تلك هي الرؤية القومية بالنسبة لنا , إن أمتنا قد امتلكت العالم طوال ألف عام بالرؤية القومية , اليوم أيضا إن العلاج لكل آلامنا يكمن في الرؤية القومية كما يري شوكت قازان أن هدف مللي كروش أن تكون تركيا دولة مستقلة غير تابعة لأحد والاكتفاء داخليا وأن تحتفظ تركيا بالأخلاق والديمقراطية وحرية الاستقلال وحقوق الإنسان وأن المسلمين متساوون أمام القانون وأن " خير الناس من نفع الناس "

إن اسم ( مللي كروش ) بقي مرتبطا بحركة دينية سياسية تمثلت بالأحزاب التي أسسها أربكان فحزب النظام الوطني والسلامة تبني كل منهما مشروع التأكيد على الأخلاق الإسلامية وترسيخها في عقل ووعي الناس من أجل الموازنة مع التحول المادي في المجتمع فالإسلام هو وسيلة للإحياء الأخلاقي وهذا الإحياء هو أساس التطور المادي لذا فإن الفكرة ليست أصولية إسلامية .

وذكر ياسين خطيب أوغلو قائلا :" إن برنامجنا يختلف تماما عن الحركات الإسلامية كلها فلها نظام يختلف عن الحركات ولنا قانون خاص كحزب سياسي , نعمل على كيف نأتي أولا للشعب لتحقيق الرفاه الاقتصادي وبعد ذلك الشعور الإسلامي , في الثمانينيات تبني حزب الرفاه هذه الفكرة ورأي بأن على الدولة أن تهيئ الأرضية لبناء قاعدة أخلاقية وتطوير الفكرة من النظرة القومية إلى النظام العادل الذي يهدف إلى تحقيق النظام الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق رفاهية المجتمع كما سيرد لدينا لاحقا .

  • ب – أربكان وحملة التصنيع :

بقيت فكرة التصنيع الثقيل ملازمة لأربكان منذ تبنيه لمشروع المحرك الفضي ( غموش ماتور ) وقد وجد أن لتسلمه جانبا مهما من المسؤولية السياسية فرصة لإعادة إحياء المشاريع الصناعية فبدأ بحملة كبيرة للتصنيع تمثلت بإقامة مصانع حربية لتزويد تركيا بما تحتاج إليه من سلاح وقطع غيار بدلا من اعتمادها على الدول الأجنبية واشتملت تلك الحملة على بناء صناعات ثقيلة لتعتمد عليها الدولة , وقد أوضح أربكان أهمية تلك الحملة في بيان نشرته جريدة ملليت Milliyet التركية العلمانية بتاريخ 3 أيلول 1975 جاء فيه : " إن تركيا ستتحول من بلد ينتظر قطع الغيار من الدول الأخرى إلى دولة تصدر إنتاج صناعتها الثقيلة للبلدان الأخرى " ولربما جاء طرح أربكان متزامنا مع حظر الأسلحة الذي فرض على تركيا نتيجة إنزال قواتها في قبرص "

وخلال وجوده بالسلطة رفع شعار " مصنع لكل ولاية " دفاعا عن إعادة توزيع الصناعات في تركيا , ومما يذكر بهذا الخصوص أن أربكان وحزبه ظل مدافعا ومتعصبا للصناعة الوطنية الثقيلة وإنتاج الطاقة ويؤمن بوجوب قيادة الدولة وتوجهها للمشاريع الصناعية كما يعارض الصناعة التجميعية , وعرف عن أربكان بأنه يمتلك فلسفة اقتصادية – صناعية وذلك من خلال تأكيده على أهمية الصناعة ودورها في التقدم فقد أشار إلى ذلك بالقول :" لا يمكن النمو والتقدم من خلال مرافق السياحة والزراعة فقط ومن يقول ذلك غافل عن الحقيقية " إن ما يلزمنا هو ثورة صناعية وتطوير الصناعات الثقيلة إذ لم تصنع مصانعنا فلم نتمكن من مقارعة الغرب , وفي مقابلة صحفية أجرتها نشرة ميت النشرة الاقتصادية للشرق الأوسط مع أربكان للتحدث عن خطط الحكومة المقبلة من خلال الخطة الخمسية (1978 -1982 )

أضاف قائلا :" إن تم تشكيل مؤسسة جديدة تسمى تومسان Tumasan تقوم ببناء عشرة مصانع للمحركات , وإن سياسة وزارة الصناعة والتي يشغلها عضو من حزب السلامة ( عبد الكريم دوغر) تقضي بأن يصنع كل محرك من قطع تركية 100% وبعد ثلاثة أعوام ستكون هناك ثلاثة مصانع جديدة , وتحدّث أربكان عن تلك المصانع ومواقعها وطبيعة عملها قائلا :" منها مصنع محركات الديزل في قونية الذي سينتج مائة ألف محرك ويعمل فيه خمسة آلاف عامل , ومصانع للطائرات والعدد الحربية ومصنع سماد , ومصنع صب المعادن في منطقة يوزغان Yozgat . كما ذكر أربكان في مؤتمر صحفي عقده لمناقشة موضوع الصناعات الثقيلة كونه يشغل منصب رئيس المجموعة الاقتصادية في مجلس الوزراء إذ أعلن في هذا المؤتمر إنهاء مرحلة والبدء بمرحلة جديدة بمسيرة تركيا الاقتصادية.

وينتقد أربكان التقليد ويتصور أن تركيا فقدت الكثير في تقليديها للغرب وضمن هذا السياق يذكر قائلا :- لقد فقدنا الكثير باكتفائنا بالتقليد والآن نحن نقلع مرحلة التقليد ونبدأ مرحلة الرؤية القومية وإن عصر البيروقراطية قد أغلق وها هو عصر الديناميكية وعصر النهضة السريعة قد بدأ " ويستمر قائلا :" إننا نغلق عصر نقاش الرجعية والتقدمية وها نحن نبدأ عصر التقدميين المؤمنين بالتقدميين إن أكبر حملة نهضوية وأهمها في تاريخ الجمهورية التركية قد بدأت ويقوم على تنفيذها مجموعة لا يستهان من المؤمنين بقوميتهم. وقد طرح أربكان في هذا المؤتمر الصحفي مسائل مهمة بخصوص الصناعة الثقيلة وأثرها في الاقتصاد والنهضة الصناعية في تركيا

وقال : " إننا نشعر بالسعادة الغامرة لالتفاف أمتنا العظيمة بمؤسساتها السياسية وغير السياسية حول الحملة الصناعية التي تبنيناها لتأسيس صناعة ثقيلة تشكل الأساس في النهضة الكبرى وهدفنا القومي , إلا أن أكثر ما يسعدنا هو التفافنا الكامل كجسد واحد وقلب واحد مهما اختلفت توجهاتنا حول قضيتنا القومية لتحقيق النصر المؤزر كما حدث في انتصار قبرص , وطلب أربكان في المؤتمر الصحفي الدعم لتحقيق هدفه من الحملة قائلا : " إننا ننادي أمتنا العزيزة أن ادعمونا وكونوا عونا لنا , فيجب أن نصل إلى هدفنا الذي بدأناه بهذه الحملة وأن نكون جميعا يدا واحدة لتحقيق هذا الهدف ... إننا نسعى لا من أجل الإرهاب بل من أجل السكينة والهدوء ... لا من أجل الاستغلال والاستعمار بل من أجل رفاهية الجميع ونسعى لا من أجل التبعية بل من أجل تركيا , إن هذا هو انتصار الذين يؤمنون بهذه الحملة وعندما تعثرت هذه الحملة نتيجة مغادرة حزب السلامة للسلطة كتب أربكان ملقيا اللوم على الحكومات التي جاءت بعده قائلا :-" منذ أن ترك حزب السلامة الوطني الساحة السياسية في عام 1978 توقفت الحملة من جانب شركائه السابقين في الائتلاف لأن حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة طبقا ما يريده الغرب أن تبقي تركيا بلدا بعيدا عن الصناعات الثقيلة , إن ما نهدف إليه لن يكون لصالح تركيا فحسب بل سيكون لفائدة الأقطار الإسلامية الشقيقة الأخرى , وفي حال وصولنا إلى الحكم سنبدأ من حيث انتهينا سابقا وسنحاول أن نهئ حملتنا في أقصر وقت ممكن ,وبهذا الشكل يكون العالم الإسلامي مؤمنا من ناحية الصناعات الثقيلة إلى جانب أنه سيصبح إذا تم ذلك صاحب صناعة حربية كذلك .

  • ج – أربكان ومكاسب الائتلاف الثاني :

تمكن أربكان ومن خلال وجوده في منصب رئيس الحكومة في الائتلاف الثاني مع حزب العدالة من تحقيق عدد من المكاسب فعلي سبيل المثال وضع حجر الأساس لبناء مدرسة للأئمة والخطباء في منطقة يوزغات , وأوعز ببناء عشرة معاهد إسلامية وفتح ثلاثة آلاف مدرسة للقرآن في القرى , وثلاثمائة وخمسين مدرسة للأئمة والخطباء تستوعب 200 ألف طالب, واهتم بشكل كبير بفريضة الحج إذ وصل عدد الحجاج في مدة وجوده في الائتلاف إلى 150 ألف حاج ولأن حزب السلامة تبني في أيديولوجيته تحقيق العدالة الاجتماعية فحاول ساعيا مساعدة الفقراء ورفع مستواهم الاجتماعي وتمليك الموظفين العاملين في الدوائر الحكومية بيوت الدولة مجانا إلا أن الانجاز الأهم الكبير الذي أقدم عليه حزب السلامة هو بذله جهدا كبيرا بإقناع أعضاء البرلمان التركي بإصدار قانون بعودة آل عثمان إلى تركيا , وتلك الخطوة كانت بمثابة إعادة الاعتبار لهم ومن ثمة إعادة الاعتبار للإسلام في الجمهورية العلمانية , وفي خطوة أخرى سعي حزب السلامة وزعيمه أربكان إلى مساعدة الفلاحين وذلك من خلال حصوله على الموافقات الرسمية بإلغاء القيود الضريبية المفروضة على القروض الزراعية وقام بتوزيع الجرارات الزراعية على الفلاحين بالتقسيط وأصدر قرار يقضي بزراعة الحبوب بدلا من زراعة الخشخاش .

وجاءت تلك الخطوات من منطلق إيجاد حلول للبطالة والعجز التجاري وتحقيق وارد إضافي يسهم في الدخل القومي ومن ثمة تحسين دخل الفرد ووضعه المادي والقضاء على التمايز الطبقي , فضلا عن ذلك طالب حزب السلامة بضرورة اعتراف تركيا بشهادات العلوم الدينية التي حصل عليها الطلاب الأتراك من مصر والسعودية وسوريا وباكستان وليبيا وترجمة بعض الأعمال لأسماء بارزة ومعروفة مثل سيد قطب وعلى شريعتي إلى اللغة التركية من قبل مجموعة من دور النشر .

وفي أثناء انعقاد المؤتمر الثالث لحزب السلامة في ( 24 تشرين الأول 1976) تحدث أربكان فيه عن إنجازات حزبه قائلا :" إننا قمنا بفتح أكبر عدد ممكن من المدارس الدينية ومراكز تحفيظ القرآن في تركيا , كما أننا اشتركنا في حكومتين وإن مفتاح تشكيل الحكومات في تركيا سيبقي بإذن الله في يد المسلمين إلى الأبد وذلك لأن الله سبحانه وتعالي جعل اليمين واليسار لا يستطيعان تشكيل حكومات بمفردها إلا باشتراكنا نحن المسلمين في الحكم وهذه نعمة من نعم الله وقد قمنا ولله الحمد بأداء واجبنا الديني خلال اشتراكنا في الحكم , كما تحدث أربكان في خطابه عن إنجازات الحزب والمتمثلة بوضع حجر الأساس لمعامل ومصانع عدة وذلك خلال مسيرة الحملة الصناعية الثقيلة وهاجم أربكان من خلال المؤتمر حزب الشعب الجمهوري اليساري الذي يترأسه بولنت أجاويد بالقول :" إن حزب الشعب الجمهوري قد انتهي بالأمس ولم يأت إلى الحكم بمفرده بإذن الله تعالي لأن هذا الحزب حزب يساري مادي وهو الحزب الذي يسبب المشاكل الداخلية في تركيا وبمساعدة المرتزقة من الشيوعيين بقصد تخريب ما نقوم به من تعمير وبناء , وانتقد حزب العدالة التركي اليميني الذي يرأسه سليمان ديميريل في نشر العلمانية وفضح مساعيه ضد الدين وعمله على عرقلة تشريع القوانين الإسلامية في البرلمان.

المبحث الثالث

أربكان وانتخابات 1977

أخذت الأحزاب في تركيا تتنافس على أصوات الناخبين الذين اعتادوا التصويت لصالح اليمين فكانت منقسمة فيما بينها انقساما حادا ولعل يعود إلى مسائل مبدئية حسب قولهم . على اعتبار أن حزب العدالة قد أعطي صورة بأنه حزب إسلامي على الرغم من مخالفته للإسلام في كثير من مبادئه الرئيسة فهو يدافع عن العلمانية كما جاء بها أتاتورك في الوقت الذي يرفض فيه الإسلام العلمانية , فضلا عن ذلك اعتماد حزب العدالة على الرأسمالية مذهبا اقتصاديا والإسلام مخالف للرأسمالية , وقد اتخذت تلك الأحزاب مسارا معاكسا لإجراءات الدولة فمثلا كان لحزب السلامة الوطني موقف معارض تجاه الإجراءات التقشفية التي طرحها صندوق النقد الدولي كشرط مقابل تقديم القروض لتركيا , من جهة أخرى كان لحزب الحركة القومي موقف معارض للإجراءات المشددة التي اتخذتها الحكومة لوقف العنف السياسي .

على الرغم من تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية في تلك المرحلة , إلا أن ذلك لم يمنع الائتلاف من الاستمرار لمدة سنتين , ولابد أن هناك عوامل ساعدت على استمراره نذكر منها على سبيل المثال توافق رغبة الأحزاب المؤتلفة وتعاونها في قطع الطريق أمام عودة حزب الشعب الجمهوري للحكم , لأن ذلك يعني دعم القوى اليسارية لا سيما وأن تلك الأحزاب كانت قد رفعت شعار معاداة الشيوعية واليسار ( كما أسلفنا ) فضلا عن ذلك استخدم ديميريل عناصر حزب الحركة القومية لمواجهة قوة اليسار وذلك من خلال إعطائه ثلاث حقائب وزارية للحزب على الرغم من حصوله على ثلاثة مقاعد في البرلمان , أما العامل الآخر والمتمثل برغبة ديميريل وتمسكه واستعداده لتقديم التنازلات عن مبادئه مقابل الاحتفاظ بالسلطة . فضلا عن شخصيته المرنة التي ساعدت في استمرار الائتلاف , مع هذا تبني حزب العدالة فكرة تقديم موعد الانتخابات العامة بسبب تردى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وزيادة حوادث العنف السياسي , وقد لاقت تلك الفكرة ترحيبا من قبل حزب الشعب الجمهوري لاستغلال الفرصة جراء الاختلافات الوزارية بين الأحزاب المؤتلفة فأبدي موافقته على إجرائها في الوقت الذي حاول حزب السلامة جاهدا منع ذلك ودعا إلى إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في كانون الأول 1977.

إلا أن محاولات حزب السلامة باءت بالفشل وتّم إجراء الانتخابات في الخامس من حزيران 1977, وكان وراء تقديم موعد الانتخابات آراء وتفسيرات عدة لابد من توضيحها فهناك من يري أن الدفاع وراء تلك الخطوة هو تزامن موعد الانتخابات مع موعد شراء الحبوب من المزارعين مما يترتب على الحكومة تأمين المبالغ لتسديد تكاليف الشراء الأمر الذي سيكشف النقاب عن ضعف الحكومة اقتصاديا ومن ثمة سيؤدي إلى خسارة حزب العدالة لأعداد كبيرة من أصوات الفلاحين , أما التفسير الآخر من وجهة نظر البعض أن الأحزاب السياسية التركية 0 الشعب والعدالة 9 أدركت أهمية التيار الإسلامي للمجتمع التركي الذي يمثله أربكان وتفاعل الدين في الحياة العامة لا سيما مع قرب حلول شهر رمضان في تشرين الأول تخوفا وتحسبا من كسب حزب السلامة تلك الانتخابات إذ تتأجج المشاعر الدينية , ويري البعض أنه يعود إلى الحملة التصنيعية التي أطلقها أربكان والتي كان من المقرر أن تعطي باكورة نتاجها نهاية العام وتخّوف الحزبين الرئيسين من ذلك وضمن هذا السياق يذكر أربكان تفاصيل عن موقف الحزبين من حملته التصنيعية

قائلا: " تمّ تخصيص مبلغ 44 مليار ليرة تركية في ميزانية عام 1977 للصناعات الثقيلة وتم عرض الميزانية على المجلس الوطني التركي الكبير بتاريخ 28 شباط 1977 وبعد تمرير التخصيص في المجلس جاء إلى أنقرة رئيس ( CIA) وكالة المخابرات الأمريكية في 3 آذار 1977 وتناول الغذاء مع رئيس سليمان ديميريل , وفي المساء رفض طلب أربكان بتأجيل الانتخابات , لذا اتفق كل من ديميريل وأجاويد على تقديم موعد الانتخابات من كانون الأول 1977 إلى حزيران 1977 , وسعى ديميريل إلى إجراء انتخابات مبكرة في الخامس من حزيران 1977 , وحتى ذلك الموعد شهد المجلس حالة عدم استقرار في تناسب القوى السياسية مما زاد حدة الصراع والاحتدام بين الأحزاب البرجوازية والحكومة الائتلافية لا سيما وأن أعمالها كانت غير مرضية .

أولا: نتائج انتخابات حزيران 1977

لم تتحقق أماني من دخل الانتخابات إذ لم تسفر نتائجها عن فوز أى حزب بالأغلبية البرلمانية مما يعني أن تركيا ستعود إلى ظاهرة الائتلافات الحكومية مرة أخرى ومن ثمة ستواجه أزمات أخرى ومزيدا من المشكلات الاقتصادية وحوادث العنف السياسي بسبب الانقسامات والخلافات بين الأحزاب المؤتلفة , فبعد فرز أصوات الناخبين أظهرت النتائج تراجع حزب السلامة الوطني بحصوله على 6,8% من الأصوات وعلى (24) مقعدا بعد أن كان يحتل ( 48) مقعدا في انتخابات 1973 في الوقت الذي زادت مقاعد حزب الشعب الجمهوري إلى ( 213 ) مقعدا وحزب العدالة (189) مقعدا وحزب الحركة القومي (16 ) مقعدا .

جدول رقم (4)

يوضح نتائج انتخابات 1977


مقاعد المجلس الوطني3.jpg


ومن الملاحظ على حزب السلامة أنه على الرغم من انخفاض عدد مقاعده في البرلمان إلا أن نسبة الأصوات ظلت ثابتة بمعدل (1.5) مليون صوت

ولعل تساؤلات تثار عن أسباب تراجع وانخفاض شعبية حزب السلامة الوطني , مما لا شك فيه أن هناك أسبابا عديدة تتعلق بالحزب أو بشخصية زعيمه أو أعضائه , فعلي سبيل المثال حدثت الانقسامات بين أعضائه من النورسيين الذين كانوا قد أيدّوا الحزب في بداية تأسيسه ثم حملوا لواء المعارضة الشديدة وظهرت اختلافات في وجهات النظر بينهم وبين النقبشبديين على أثر مشاركة حزب السلامة بالحكومة الائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري العلماني فعارض الجناح النورسي ذلك الائتلاف على عكس الجناح النقشبندى برئاسة أربكان الذي كان مؤيدا لتلك المشاركة وعلي أثر ذلك انسحب عشرون نائبا من الحزب فقام هؤلاء بتأسيس حزب آخر عرف باسم النظام الوطني .

لكن هذا الموقف لم يحظ بإجماع النورسيين إذ لقيت الدعوات التي وجهت من دوائر حزب السلامة استجابة صادقة وشعرت هذه الحركة بضرورة التعامل مع الحزب ربما لأنهم وجدوا في ذلك فرصة طيبة لنهضة الحركة السياسية مع محتوى إسلامي مشهود من خلال مساهمة بعض الشخصيات النورسية وأخذت مكانها من خلال مشاركتها في الحملة الانتخابية في عام 1973 وتعيين البعض من تلك الشخصيات النورسية وإعطائها مراكز قيادية مثلت الحزب في الوزارات وكان لها مشاركة في تلك الحكومة الائتلافية عام 1974 .

وهناك رأي آخر يفسر سبب انخفاض شعبية الحزب لتعاونه مع حزبي الشعب الجمهوري والعدالة في الوقت الذي ينتقد الحزب وزعيمه مواقف تلك الأحزاب فأصبح موضع شك وريبة في مصداقيته وعدم التزامه بالشعارات التي أتخذها , أما بالنسبة للبرجوازية الصغيرة فقد تخت عن تأييدها لحزب السلامة لإدراكها عدم قدرته على توفير الحماية لها أمام زحف الاحتكارات , من جانب آخر أدي تأييد عدد من الاسلاميين لسياسة حزب العدالة إلى معارضة بعض أنصار حزب السلامة لهؤلاء كون حزب العدالة حزب رأسمالي يساند الصهيونية ويكون خارجا عن الإسلام حسب اعتقادهم , وهناك من ينسب تراجع حزب السلامة إلى الطبيعة السيكولوجية للأعضاء المتواجدين في الحزب من ناحية التباين الاجتماعي واختلاف المستوى الثقافي فيعده سببا في تراجع حزب السلامة , وإن تدني أصوات الناخبين كان مؤشرا على أن الدين لم يتمكن من بلورة فكرهم وتحديد وجهتهم بعد لوجود عناصر دينية متطرفة كالأصوليين والمتحررين والفنيين فضلا عن أن هناك من يفسر التراجع في نسبة الأصوات باستقطاب حزب الحركة القومي لأصوات الناخبين في مناطق التقاطع العلوي – السني – لصالح الاتجاه القومي وربما يكون التفسير الأخير يتعلق بشخصية زعيم الحزب إذ تولدت قناعات عند البعض بفشل أربكان في إيفائه بالوعود وعدم التزامه بشعاراته خلال حملاته الانتخابية , وإطلاقه حملات إدانة للشركات الأجنبية ومعارضته غير المجدية للسوق الأوروبية في الوقت الذي كانت تزداد فيه الاحتكارات عاما بعد عام وإخفاقه في الحصول على دعم وتأييد الدول الإسلامية الغنية بالبترول وتقديمها المساعدات لتركيا مما ولد انعكاسا سلبيا على مصداقية وثقة الكثير من أتباعه ,ولعل حجم المشاريع التي تبناها أربكان وعمل على بنائها ولد عند البعض قناعات بأنه سوف يحقق أضعاف ما لديه من مقاعد برلمانية لا سيما وإنه قد وضع حجر الأساس لعدد كبير من تلك المشاريع كان من المؤمل أن يحصد ثمارها عن قريب والتخوف من نجاحها وهذا يعدّ التفسير الأصح لتراجع حزب السلامة فضلا عن كل ما ورد فقد تعرض حزب السلامة لضغوط خارجية من بعض الدول الغربية التي أخذت صحافتها تشن هجوما على حزب السلامة فمثلا نقلت جريدة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية مخاوفها من نجاح حزب السلامة وزعيمه قائلة :-" إن احتمال نجاح أربكان يحدث قشعريرة وشكوكا في الأوساط السياسية التركية في كواليس السفارات الغربية في أنقرة فهو يقف ضد أية تسوية في قبرص وهو ضد السوق الأوروبية المشتركة ويريد تحويل تركيا عن الغرب , والعودة بها من جديد إلى تراثها الإسلامي الشرقي وهو غير عابئ بتوتر العلاقات التركية – الأمريكية ويطالب أن تصحح الأخطاء الكبيرة بحق تركيا كما ذكرت صحيفة الإيكوموميست البريطانية في تقيميها لحزب السلامة وشخصية زعيمه إذ قالت : - إن النظرة الأولي إلى البروفسور أربكان توحي بأنه إنسان بسيط ولكن التحدث معه لدقائق ينهي هذا الوهم فهو رجل يفكر على مستوى عال وإذا قدر لحزب السلامة الفوز بالانتخابات فإن الشئ المثير للقلق في الغرب هو أنه لا يزال إلى الآن فئات كبيرة من الشعب التركي لم تستطع هضم الإصلاحات التي جاء بها أتاتورك .

أما جريدة لوفيغارو الفرنسية قالت : -" وفي النهاية فإن تركيا وصلت إلى مفترق الطرق والمراقبون السياسيون ينظرون بتشاؤم إلى تركيا التي تؤشر تطوراتها الأخيرة أنها تريد استرجاع أمجاد الإمبراطورية العثمانية وتعيد أمجاد الإسلام .

كما لخصت جريدة إنريجز الألمانية موقفها من حزب السلامة الوطني في معرض حديثها عن السياسة التركية بالقول : -" إن عودة الإسلام إلى تركيا ومخالفتها بذلك أسس الدولة العلمانية التي أرسي أتاتورك دعائمها لمثار تفكير من قبل جهات عديدة وأن المستفيد من هذا كله أربكان زعيم حزب السلامة الوطني , إنه ضد عضوية تركيا في حلق شمال الأطلسي وضد دخول تركيا عضوا في السوق الأوروبية المشتركة .

إجمالا يمكن القول أن تلك التفسيرات كانت وراء تراجع شعبية حزب السلامة التي أسهمت بشكل أو بآخر في تلك النتيجة لكن علينا أن لا ننسي طبيعة النظام السياسي التركي هذا من ناحية وقواعد اللعبة الديمقراطية التي التزم بها أربكان من ناحية أخرى فضلا عن ذلك أن حزب السلامة كان حديث النشأة عند تسلم السلطة من خلال ائتلافه مع أحزاب رئيسة ليس بمفرده ناهيك عن موقف الدولة العلمانية من الإسلام فضلا عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الخاطئة للحكومات السابقة التي أفرزت تلك المشكلات دون إيجاد الحلول المناسبة .

ثانيا : أربكان وتشكيل الائتلاف الثالث ( حكومة الجبهة القومية الثانية تموز 1977 – كانون الأول 1977)

لم يحظ حزب الشعب الجمهوري بتصويت البرلمان ومنحه الثقة وتشكيل حكومة من أعضاء حزبه فقط لعدم حصوله على الأغلبية البرلمانية إذ نال (213 ) مقعدا من مجموع مقاعد المجلس الوطني التركي الكبير والبالغة (450) في انتخابات 1977 كما أسلفنا "

ونتيجة لذلك قام سليمان ديميريل بتشكيل حكومة جديدة سميت باسم حكومة الجبهة القومية الثانية وتألفت من الأحزاب الثلاثة ( العدالة , السلامة الوطني , الحركة القومي ) وتم توزيع الحقائب الوزارية بين تلك الأحزاب فحصل حزب العدالة على (13 ) حقيبة وزارية , وذهبت (6) حقائب وزارية إلى حزب السلامة فضلا عن تسلم أربكان منصب نائب رئيس الوزراء للمرة الثالثة , (5) حقائب وزارية لحزب الحركة القومي , ومنذ البداية واجهت تلك الحكومة مشكلات عديدة من ضمنها تدني الاقتصاد الذي أثقل تركيا بالديون الخارجية فساد تصور بين الأوساط السياسية التركية أن لحزب السلامة دورا كبيرا في خلق تلك الأزمة الاقتصادية التي عاشتها تركيا في منتصف السبعينيات لرفضه الإجراءات التقشفية التي طالبت بها المجموعة الأوروبية لانتشال الاقتصاد التركي من حاله الركود التي يعاني منها إذ أدّي إصرار حزب السلامة على المحافظة بنسبة النمو المقررة في البلاد وتخفيض قيمة الليرة , إلى إثارة غضب المجموعة الأوربية الأمر الذي أدّى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في ظل تلك الحكومة , فضلا عن الفوضي السياسية التي نتجت عن أعمال العنف التي طالت المنظمات الطلابية في الجامعات مما أدّى إلى سقوط عدد من القتلي والجرحي , الأمر الذي دعا الحكومة إلى إغلاق ثلاث جامعات , وقد أثرت الخلافات الداخلية بين أعضاء الائتلاف الحكومي التي اتصفت بطابع التناقضات السياسية سلبا على مسار عملها في الوقت الذي كانت تبذل تلك الحكومة قصاري جهدها لمنع حزب الشعب الجمهوري من الوصول إلى السلطة , ولتحقيق ذلك بذل ديميريل كل ما في وسعه لتشكيل الوزارة واستمرارها للحفاظ على منصبه وأخذت الأحزاب السياسية في تلك المدة تكيل الاتهامات لبعضها البعض .

وفي مناقشة الوضع الاقتصادي المتردي حمل أربكان مسؤولية تخفيض قيمة الليرة التركية لوزير المالية وهو أحد أعضاء حزب العدالة ففي مؤتمر صحفي قال :- " اسألوا وزير المالية فهو الذي أصدر هذا القرار ( تخفيض قيمة الليرة التركية ) وأخذ على عاتقه مسئولية عدم السماح للحجاج بالسفر إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج بعد صدور قرار مجلس الصحة الأعلي التركي ومطالبة الحكومة التركية بمنع السفر إلى الحج " فشن زعيم حزب السلامة حماية قوية لمعارضة تلك الخطوة , فجاء رد حزب العدالة على تلك الاتهامات بتأييد تلك الإجراءات المتعلقة بمنع السفر لغرض توفير العملة الصعبة نظرا للأوضاع الاقتصادية المتدهورة وجاء تعيين أحد أعضاء حزب العدالة مديرا للإذاعة والتلفزيون التركي ليزيد الأمور تعقيدا فقد أثارت تلك المسألة حفيظة أعضاء حزب السلامة واتهموا تلك المؤسسة بأنها تعمل لصالح حزب العدالة وحزب الحركة القومي بوصفها وسيلة دعائية إعلامية لغرض الحصول على مكاسب حزبية . كل هذا دفع أربكان إلى أن يقوم بتسليم رسالة تحريرية لديميريل موضحا فيها موقف حزبه من عمل الحكومة , وحملت تلك الرسالة انتقادات لخطط وبرامج الحكومة لمعالجة الأوضاع المتردية لا سيما الاقتصادية والأمنية مطالبا بضرورة اتخاذ خطوات فعالة باتجاه تعليم وطني قائم على الأسس المعنوية بالابتعاد عن الأساليب القائمة على المادة والإلحاد, ووقف الحملات التي تتعرض لها الطالبات اللائي يرتدين الحجاب وعدم بث برامج مخالفة للقيم والأخلاق وإلغاء قرار إطلاق حرية تحديد نسب الفوائد المصرفية وعدم إجراء أى تخفيض على قيمة الليرة التركية .

وأمام تلك المطالب أشار أربكان إلى أن حزبه سيتوقف عن تأييد الحكومة في حالة عدم استجابتها وقال :-" إن أعمال العنف من قبل الجناح اليميني المتطرف قد أخذت تنشط في عهد حكومة حزب العدالة " وأما فيما يخص موقف حزب السلامة من موضوع العنف فإنه يرفضه وبشدة فكان لأربكان وجهة نظر في معالجة تلك الظاهرة والقضاء عليها قائلا : -" يجب إعادة النظر بمناهج التعليم " إلا أن قيادة حزب العدالة كانت ترى عكس ذلك فجاء ردها على رسالة أربكان بأن الحزب يري أن إجراءات حكومة سليمان ديميريل إنما هي نابعة من فلسفة الحزب .

وعلى أثر ذلك الرد أعلن أربكان تخلي حزبه عن تأييد الحكومة وأشار ذلك بالقول : -" إننا لا نشارك في تحمل المسؤولية للمسيرة الوخيمة لهذه الحكومة وأصبحنا نعتبر أنفسنا أحرارا في هذا الموضوع , إلا أن قرارنا هذا لا يأخذ طابع كونه قرارا لإسقاط الحكومة " وأضاف قائلا : -" إن حزبه لا يمكن أن يقف موقف المتفرج إزاء إجراءات الحكومة التي عجزت عن مكافحة أعمال العنف وعن تنشيط الاقتصاد التركي خلال الشهور السبعة الماضية , وعلى الرغم من حصول حزب السلامة على صلاحيات وزارية وفقا للبروتوكول الموقع بين أطراف الائتلاف إلا أنه لم يستطع تحقيق مطالبه مما انعكس على أداء الحكومة سلبا ومن ثم أدّى إلى تردع إلى تردع الأوضاع السياسية والاقتصادية , فقاد حزب السلامة حملة معارضة شديدة أدّت إلى خلق خلافات في وجهات النظر بين أعضاء الائتلاف , الأمر الذي دفع أحد عشر نائبا من نواب حزب العدالة لتقديم استقالتهم وكانت تلك الخطوة القشة التي قصمت ظهر ( حزب العدالة ) فعلي أثر ذلك فقد الحزب الأغلبية البرلمانية ولم يحظ بتأييد سوى ( 204 ) منهم (187 ) نائبا من حزب العدالة , (17 ) نائبا من حزب الحركة القومي , مما أضطر ديميريل إلى تقديم استقالة حكومته في نهاية شهر كانون الأول عام 1977 .

على أثر تقديم استقالة حكومة ديميريل أخذ أجاويد على عاتقه تشكيل ائتلاف في 17 كانون الثاني 1978 ضم أعضاء حزبه وبمشاركة بعض النواب المستقلين والمنشقين عن حزب العدالة ومن ممثلي حزبي الثقة الجمهوري والحزب الديمقراطي وهذه المرة الأولي التي يكون فيها أربكان في المعارضة .

ومنذ البداية كان واضحا أن هذه الحكومة لم تستطع تقديم حلول للمشكلات التي تعاني منها تركيا نظرا للظروف الصعبة التي واجهتها حيث ورثت تركة ثقيلة من الحكومة التي سبقتها نتيجة التدهور الاقتصادي وعدم استقرار الوضع الأمني وتصاعد موجات النشاطات الفوضوية وفشلها في السيطرة على تلك الأوضاع بالرغم من فرضها الأحكام العرفية في 13 ولاية , فقد شهدت تركيا خلال تلك المدة مصادمات عنيفة في الشوارع ذهب ضحيتها كل يوم ثلاثة أو أربعة من القتلى , فضلا عن الاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية كما شهدت تركيا نهاية العام مذبحة كهرمان مرعش التي لقي فيها أكثر من مائة شخص حتفهم , ومما تجدر الإشارة إليه أن حزب العدالة استخدم كل إمكانياته لزرع الفرقة في صفوف الحكومة وسحب البساط من تحت قدمي أجاويد في البرلمان , ومما زاد في تأزم الوضع فشل أجاويد بالتزاماته وعدم الإيفاء بالوعود التي قطعها على نفسه مما أدي إلى زيادة حدة الخلافات التي أسفرت عن استقالة عشرة وزراء من أعضاء حكومته مع ذلك ظل أجاويد مصرا على البقاء في السلطة لحين إجراء الانتخابات في تشرين الأول 1979 فمنى بهزيمة اضطر بعدها إلى تقديم استقالته في 16 تشرين الأول من هذه السنة .

ثالثا: أربكان وحكومة الأقلية ( تشرين الثاني 1979 – أيلول 1980 )

بعد تقديم استقالة أجاويد كلف ديميريل بتشكيل الحكومة , إلا أنه واجه منذ بداية تشكيل حكومة مشكلة وهي عدم رغبة المؤسسة العسكرية بوجود حزبي السلامة الوطني والحركة القومي ضمن تشكيلات الحكومة مع هذا استطاع ديميريل المعروف بحنكته ودهائه السياسي من إقناع زعماء الحزبين بدعم حكومته في البرلمان بشرط عدم الاشتراك فيها وعلى الرغم من أن سليمان ديميريل ليس أفضل من أجاويد إلا أن حزب السلامة وزعيمه أبديا وتأييدهما للحكومة , ولعل ذلك من قبيل أن حزب العدالة من الأحزاب اليمينية .

وشكل ديميريل حكومة أقلية من أعضاء حزبه فقط وحصلت على الفوز بالثقة البرلمانية في 25 تشرين الثاني 1979 , وفي أثناء ذلك وصف ديميريل حكومته بأنها حكومة طوارئ وأهم واجباتها معالجة الأزمات القائمة منها الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق الأمن والاستقرار والقضاء على العنف والإرهاب , فقد اتخذ ديميريل خطوة لإنعاش الاقتصاد وذلك بإصدار قرار تخفيض قيمة الليرة التركية واتخاذ قرار التقشف إلا أن ذلك لم يجد فأدي إلى ارتفاع الأسعار بنسبة 50% فتضررت فئات كثيرة من الشعب التركي .

أما فيما يخص المسألة الأمنية فتم الإعلان عن حالة الطوارئ في بعض الولايات التركية المهمة مثل استنبول وأنقرة وإزمير مع هذا زادت حوادث العنف والإرهاب السياسي فترك ديميريل مسألة الأمن بيد الجيش الذي وجد طريقه إلى السلطة بعد التطورات الإقليمية التي حدثت في الدول المجاورة لتركيا , ففي إيران قامت الثورة الإسلامية كما تعرضت أفغانستان للغزو السوفياتي عام 1979 , وبناء على ما تقدم فإن تلك الظروف الداخلية المتدهورة والأوضاع الإقليمية استدعت تدخل الجيش والقيام بانقلاب عسكري ثالث في 12 أيلول 1980 وفرض سيطرته على المسرح السياسي التركي .

رابعا : سياسة تركيا الخارجية

فيما يخص محور السياسة التركية الخارجية وموقف حزب السلامة الوطني وزعيمه أربكان من الدول العربية والإسلامية والغرب و( إسرائيل ) فقد اتخذ أربكان موقفا مخالفا للمسار التقليدي للسياسة الخارجية تجاه تلك الدول , لذا نجد أربكان يقدم طرحا آخر قوامه إعادة النظر في تلك السياسة ويمكن أن نفهم موقف أربكان ضمن إطار أوسع للتحول في السياسة التركية وفيما يخص العلاقات العربية – التركية فقد اتسمت بالتذبذب بين علاقات إيجابية تارة وسلبية تارة أخرى ويعود السبب في ذلك إلى تذبذب مواقف الحكومات التركية من القضايا القومية للأمة العربية , فبعد انقلاب 1960 قامت تركيا بمحاولات لتطبيع العلاقات مع الدول العربية إلا أنها أخفقت في ذلك بسبب عدم تحمس رئيس الحكومة عصمت إينونو لذلك ومطالبة سوريا بإرجاع لواء الإسكندرية إليها .

وبقيت حتى عام 1964 ترفض الفكرة بشتي الوسائل من ناحية أخرى , فضلا عن ذلك وجود الأحزاب السياسية المتباينة في أيديولوجيتها تجاه السياسة الخارجية للبلاد , لذا نجد أن تلك العلاقة مع الشرق الأوسط قد اتسمت حتى منتصف الستينيات باللامبالاة بالمقابل كان موقف العرب مشابها إذ عدّ تركيا جزءا من تحالف غربي إمبريالي واتخذوا منها موقفا مضادا , فعلي الرغم من وجود الروابط التاريخية والجغرافية والدينية والثقافية بين العرب والأتراك إلا أن طبيعة تلك العلاقات كانت تعكس مواقف الطرفين من قضيتين مهمتتين هما الموقف التركي من القضية الفلسطينية والموقف العربي من المشكلة القبرصية فضلا عن ذلك العامل الاقتصادي وما يسهم به في تطوير تلك العلاقات ومما تجدر الإشارة إليه أن تركيا أحسّت بضرورة تحسين علاقاتها مع الدول العربية لإدراكها أهمية ذلك , لا سيما بعد إحساسها بالعزل في أثناء التصويت على القضية القبرصية في كانون الأول 1965 في الأمم المتحدة ورسالة الرئيس الأمريكي جونسون – إلى رئيس الوزراء إينونو في أثناء الأزمة القبرصية التي ولدت شعورا لدى الأتراك بضرورة تحسين العلاقات مع العرب , وتطبيعها كما أن تلك الرسالة طرحت تساؤلات عديدة بين النخب السياسية التركية عن جدوى التحالف مع الولايات المتحدة , وعلى أثر ذلك أدرك صانعو السياسية الخارجية التركية ضرورة إعادة النظر في تطوير علاقاتها مع منطقة الشرق الأوسط , والدور الذي يمكن أن تسهم به تركيا في المنطقة لا سيما وأنها بحاجة إلى الأسواق العربية للحصول على ما ينقصها من عملة صعبة .

شهدت تركيا خلال تلك المدة متغيرات في سياستها الخارجية تجاه العرب جاءت على لسان وزير خارجيتها فريدون راكالي أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي قائلا : - " علينا أن نسعى من أجل توثيق علاقاتنا مع البلدان العربية وإزالة ما علق بها من شوائب , وجاء موقف ديميريل رئيس الحكومة مؤيدا وداعما لموقف وزيرا خارجيته من خلال تصريحه أمام البرلمان عام 1969 إذ قال : -" إن من بين أهدافنا الرئيسية العمل على بناء صداقة حقيقية مع البلدان العربية في الشرق الأوسط ا والمغرب العربي وعلينا تطوير التعاون المثمر في كافة المجالات .

  • 1- أربكان وعلاقاته مع الدول العربية :

لعب أربكان من خلال مشاركة حزبه في الحكومات الائتلافية في عقد السبعينيات دورا مهما في التأثير على القرار السياسي تجاه سياسة تركيا على صعيد العلاقات الخارجية فقد طالب بعودة تركيا إلى حظيرة الدول العربية والإسلامية وتطوير علاقاتها في المجالات كافة وأن لا تظل مجرد علاقات وإنما علاقات فعلية لا سيما وإن الدول العربية المنتجة للبترول تناميا في قوتها الاقتصادية .

وقد أوضح أربكان ذلك بالقول : - " إن التغيرات الاقتصادية التي شهدتها تركيا تتطلب تغيرا في السياسية الخارجية إتباعها سياسة حكيمة دون اللجوء إلى سياسة العداء مع الدول المجاورة وأن تنبثق سياسة تركيا في مصالحها على الروابط التاريخية والدينية بين الشعبين التركي والعربي دون الانسياق وراء الغرب , فبدأ بتحريك فكرة توثيق التعامل الاقتصادي والسياسي مع الدول العربية والإسلامية في مواجهة الحلف مع الغرب والسوق الأوروبية المشتركة.

وقد طالب أربكان عندما كان رئيسا للمجموعة الاقتصادية في عام 1970 بإقامة روابط سياسية واقتصادية مع العالم الإسلامية إذ صرح قائلا :-" أن تركيا يجب أن لا تكون في السوق المشتركة للدول الغربية وإنما في السوق المشتركة للدول الشرقية , إن تركيا متخلفة بالنسبة للغربيين لكنها متقدمة بالنسبة للشرقيين , وأن تركيا ستتحول إلى مستعمرة في حال انضمامها للسوق المشتركة للدول الغربية وأنها تعارض مصالح ألف عام من تاريخها .

وقد أثمرت جهود أربكان خلال وجوده في الحكومة الائتلافية بمشاركة تركيا في آذار 1974 لأول مرة في مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد في الرياض وقد حضره وزير الداخلية أورهان أصيل تورك وهو عضو من حزب السلامة الوطني آنذاك للمشاركة في المؤتمر .

أما بالنسبة لقضية فلسطين كان لزعيم حزب السلامة موقف مشرف فخلال وجوده في الائتلاف الثاني مع ديميريل , وبمناسبة انعقاد المذكور أعلاه , أوضح أربكان مواقفه من الدول العربية , خلال انعقاد المؤتمر الثالث للحزب بتاريخ 24 تشرين الأول 1976 في كلمة له قال فيها : -" نحن نريد تقوية العلاقات مع الدول العربية الشقيقة وكان انعقاد وزراء الخارجية الإسلامي في إستنبول بمثابة نقطة انطلاق لهذه الخطوة وسوف نصل إن شاء الله إلى ما ننشده لخير الأمة والوطن , فضلا عن ذلك كان لحزب السلامة الوطني موقف من قضية الحرب الأهلية اللبنانية إذ رفض أحد قادة حزب السلامة المذابح الرهيبة التي تجرى في لبنان موضحا ذلك بالقول : - " لا تستطيع تركيا الوقوف موقف المتفرج أكثر تجاه المذابح الرهيبة التي تهدر فيها دماء المسلمين وإن ( إسرائيل ) والقوى الاستعمارية تعمل على تجزئة لبنان والقضاء عليه , وجعل الأغلبية المسلمة أقلية وتنفيذ مخطط لمحو اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ومن الملاحظ على السياسة الخارجية التركية مع الدول العربية خلال المدة ( 1976 -1980) أنها شهدت توسعا كبيرا في العلاقات الاقتصادية لا سيما مع العراق الذي تعدّه تركيا مفتاح علاقاتها مع العرب , كما شهدت العلاقات التركية – السعودية توسعا كبيرا فضلا عن إقامة علاقات دبلوماسية مع أقطار الخليج العربي ولأول مرة مثل قطر والبحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة .

  • 2- أربكان وعلاقاته مع الدول الإسلامية :

لا يختلف أربكان في موقفه من العرب كثيرا عن مواقفه تجاه القضايا التي تمسّ الدول الإسلامية فقد ذكر في حديث له : - " نستنكر حرب الإبادة التي تشّن ضد المسلمين في الفلبين وأرتيريا وكشمير وتراقيا الغربية وتركستان الشرقية وفي كل مكان في العالم يضطهد فيه المسلمون , وفيما يخص موقف أربكان من الثورة الإسلامية في إيران في شباط 1979 فذكر قائلا :- " إن دولة إيران دولة مجاورة لتركيا ولنا علاقات طيبة مع الجيران , فمنذ أول أيام الثورة الإيرانية ازداد علاقتنا الطيبة معها وخاصة من الناحية التجارية فالثورة الإيرانية ما هي إلا تحرر من الإمبريالية .

وفيما يخص قضية الرهائن الأمريكان – فقد ترجم حزب السلامة موقفه تجاه الدولة الإسلامية من خلال بيان أصدره سليمان عارف أحد قياديي حزب السلامة على الرغم من وجود الحزب في المعارضة ( خارج السلطة ) تضمن ذلك البيان موقف الحزب ومعارضته بشدة استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للقواعد العسكرية الموجودة على الأراضي التركية في حال حدوث تدخل أمريكي في إيران .

وعن موقف أربكان تجاه قضية أفغانستان بعد الاحتلال السوفياتي عام 1979 ودوره السياسي في تلك القضية قال : -" قمنا بجمع التبرعات من الشعب التركي للمجاهدين الأفغان في الوقت الحاضر , أما من ناحية الدولة أو الحكومة وعند وصولنا إلى سدة الحكم وتسنمنا السلطة ستقوم بالتأييد الكامل وتقديم المساعدات اللازمة .

وتأكيدا لسياسة حزب السلامة الوطني وتحديد مواقفه من الدول الإسلامية دعا أربكان الحكومة التركية إلى تحديد موقفها تجاه تلك الدول مؤكدا في خطاب له أمام المجلس الوطني التركي الكبير في 26 نيسان 1980 عندما كان ( خارج السلطة ) قائلا :-" في الحرب العالمية الثانية قسمت الدول الاستعمارية العالم إلى مناطق نفوذ لهذه الدولة أو تلك وفي السنوات الأخيرة بدأ البعث الإسلامي يطل برأسه في مناطق كثيرة من أنحاء العالم في مصر وباكستان وأفغانستان وغيرها وبدأ .

المسلمون يطالبون بحقوقهم ويشعرون بقوتهم , فهم قوة بشرية هائلة ويقطنون في أهم البلدان ويمتلكون أعظم الثروات ومع ذلك نجد إصرارا من النظام التركي على عدم فهم هذه الظاهرة على الرغم من قوتها ووضوحها , إنني أسأل النظام لماذا لم يستنكر احتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان ؟ لماذا يعترف النظام في تركيا بإسرائيل ويكون آخر دولة تعترف بالجزائر ؟ لماذا يتعامل مع الموساد الإسرائيلي للتآمر على الإسلام والمسلمين في تركيا وغيرها .

وفي الوقت نفسه أوضح أربكان أهمية الأقطار العربية والإسلامية قائلا :-" فالأقطار العربية والإسلامية المؤلفة من ثلاثة وأربعين قطرا مستقلا وعشرين مستعمرا تكون عالما عظيما مؤلفا من (1200) مليون نسمة وهو يشغل أهم مناطق الدنيا استراتيجيا وتوجد فيه أنفس المعادن فهو يملك إمكانية ضخمة للتسويق كما ينتج نصف نفط العالم في الوقت الذي لا تملك أمريكا سوى نصف حاجتها من النفط لذا تسدّ النقص من بلاد أخرى , وهكذا فإن للعالم الإسلامي أهمية خاصة بالنسبة لأمريكا .

ويعطي زعيم حزب السلامة أهمية كبيرة لتطوير العلاقات بالعالم العربي والإسلامي ويرى من الضروري توثيق تلك العلاقات في المجالات كافة وأن تكون علاقات فعلية ومنفذة على أرض الواقع فهو يجد أن العالم الإسلامي يمثل سوقا طبيعية وقوية لإنتاج تركيا وأنها ترحب بكل مودة وسرور أن تكون تلك الدول في مقدمة من تتعامل معها تركيا .

وقد آثارت سياسة أربكان تجاه تلك الدول بعض التساؤلات والاستفسارات فقد وجهّ مدير تحرير جريدة ملليت ذات الميول العلمانية سؤالا لأربكان جاء فيه : - قلتم أننا في حالة إعلاننا لدولة تركية مستقلة في قبرص فإن خمسين دولة على الأقل ستعترف بها لكن قطاعات كبيرا من هذه الدول الإسلامية صوّت ضدنا , ألا تعتبر هذا الموقف مؤلما لك شخصيا ؟ فرد أربكان قائلا :-" لا فقد كانت هناك عدة اعتبارات دفعت هذه الدول الإسلامية لاتخاذ هذا الموقف منها أن لجبهة التحرير الفلسطينية مكتب إعلام في باريس ونيويورك ولندن وهناك قرآن في صحفهم وإعلامهم في الوقت الذي لم تكن الحكومة التركية تسمح بإفتتاح مكتب لهم عندنا مع أننا من صفاتها دائما تعطي وتؤيد كل ذي حق حقه ورغم ذلك لم يسمح بافتتاح مكتب لهم هذا إن لنا يا سيدى سفيرا في ( إسرائيل )

  • 3- موقفه من الغرب :

كان لحزب السلامة وزعيمه أربكان موقف مناهض للغرب وللوجود الأمريكي في الأراضي التركية وتواجد قواعده العسكرية عليها واستخدامه تلك الأراضي ضد دول منطقة الشرق الأوسط فقد وجّه أربكان انتقاداته إلى حكومة ديميريل عندما كان خارج السلطة عام 1979 بسبب زيادة النشاط الأمريكي في تركيا , ومطالبا مجلس النواب التركي بمحاسبة حكومة ديميريل لسماحها قيام طائرتين للهبوط في مطار تركيا وعلى متنها مائة وثمانون جنديا يحملون أحدث المعدات مؤكدا على أن هذا يشكل خطرا حقيقيا وتهديدا للمنطقة , فعمد أربكان إلى إعادة الحديث عن المشكلة القبرصية مستغلا ذلك في تأليب الرأي العام علي الغرب والولايات المتحدة بصدد الخطط والمشاريع اليونانية في بحر للعمل على إفشالها وضمن هذا السياق يذكر أربكان : -" إننا سنتحرك وفق أسس العدالة والحق لا وفق الأسس التي تحددها الأقطاب الأوروبية " وظل أربكان يطالب الحكومة التركية ويدعوها إلى إتباع سياسة مستقلة منطلقا من أهمية أن يكون لتركيا مكانة كبيرة فهو يعارض استمرار تركيا بوصفها عضوا في حلف شمال الأطلسي وفي هذا الصدد يقول أربكان :-" نريد أن تكون تركيا دولة رائدة وليس تابعة في فلك الآخرين "

أما بالنسبة لموقفه من السوق الأوروبية المشتركة فإنه لا يختلف كثيرا عن توجهاته المعارضة ويرى ضرورة مقاطعة السوق المشتركة ويطالب بأن تكون لتركيا مكانة مساوية للغرب , وفي هذا الخصوص يذكر أربكان : -" نحن نرغب أن تكون شركاء في أوروبا بحجم المساواة في التصنيع نحن لا نرغب أن نكون عبيدا للسوق الغربية , يجب أن تظل فرصتنا الصناعية وحقوق عمالنا مساوية لهم .

أما بالنسبة لموقف أربكان وحزبه من الاتحاد السوفياتي فلم يكن مختلفا عن موقفه من الغرب لأنهما يشكلان " ذراع الصهيونية في السيطرة على العالم " على حد رأيه لذا لم يثق أربكان بالاتحاد السوفياتي مثلما لم يثق بالغرب , ومما لا شك فيه أن لأربكان وحزبه مبررات لتلك المعاداة منها أنه حزب إسلامي معارض للأيديولوجية الشيوعية اللادينية ويرى من الواجب محاربتها هذا من ناحية وأطماع الاتحاد السوفياتي الإقليمية في تركيا , ومحاربته للقيم الروحية ( الدينية ) من خلال ممارساته للضغط على مسلمي الاتحاد السوفياتي من ناحية أخرى وسياساته التوسعية ولعل احتلال أفغانستان خير دليل على ذلك .

ظل أربكان طوال مشواره السياسي ينتهج خطا واحدا وثابتا ضد الماسونية والصهيونية العالمية فهو ما يبرح أن يوجه انتقاداته الشديدة للسياسة العنصرية التي عملت على عزل تركيا عن تاريخها وعن العالم الإسلامي فقد أوضح أربكان موقفه من ذلك بالقول :" إن الصهيونية والماسونية حاولتا عزل تركيا عن العالم الإسلامي ولا زالت مؤامراتهما مستمرة وذلك لأن المعركة بين الإسلام في تركيا والصهيونية قد اتخذت أشكالا عدة وهي حربا طويلة المدى ومستمرة منذ فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية , ولكن هذا الصراع في المائة سنة الأخيرة أخذ شكلا مخططا أعدّ له سلفا فقد استطاعت بعض القوى عام 1939 أن تؤثر في حسن الدولة الفكري " ويستمر أربكان بالقول : " وتدخل القوانين الوضعية البعيدة عن الإسلام بواسطة المنظمات اليهودية والماسونية فقد قسم العمل اليهودي في تركيا إلى ثلاث مراحل مدتها ( ثلاثون سنة ) فالمرحلة الأولي تنفيذ فكرة تيودورد هرتزل بإسقاط الدول الإسلامية في تركيا أما المرحلة الثانية فقد استمرت عشرين عاما وكانت لإبعاد تركيا عن الإسلام وإسقاط السلطان عبد الحميد الثاني وتغريبها بطرق عديدة أهمها العلمانية التي تعني اضطهاد المسلمين بالتحديد , أما المرحلة الثالثة فهي محو الإسلام "

وقد أوضح أربكان : -" تلك المراحل ومن خلال تقسيمها , أولا إقامة دولة ( إسرائيل ) كمرحلة أولي , ثانيا إقامة دولة ( إسرائيل ) الكبرى ومن خلال تقسيمها , أولا إقامة دولة ( إسرائيل ) كمرحلة أولي , ثانيا إقامة دولة ( إسرائيل ) الكبرى من الفرات إلى النيل , أما المرحلة الثالثة والأخيرة محو الإسلام وإزالته من على الأرض " , ومن رؤية أربكان للأحداث التي جرت وتجرى أن الصهيونية حققت الخطوة الأولي خلال خمسين سنة فكانت دولة ( إسرائيل) عام 1948 , وتريد أن تحقق الخطوتين الثانية والثالثة من خلال التوسعات التي يقوم بها ( الإسرائيليون ) إلا أن إحدى الخطوات الهامة في هذا المجال أنها تستخدم وسائل عديدة غير الحرب مثل اللجوء إلى وسائل أخرى , فمثلا حاولت مع تركيا وذلك بإدخالها السوق الأوروبية المشتركة ودخول ( إسرائيل ) السوق الأوروبية المشتركة بحيث تصبح ( إسرائيل ) وتركيا دولة واحدة في المستقبل وبذلك تسيطر على مقدرات أكبر دولة إسلامية في المنطقة , وفيما يخص الخطوة الثالثة فهي السيطرة على مقدرات المسلمين في أنحاء العالم " لكن يمكن عدّ ذلك من قبيل التكهنات السياسية إذ لربما أصبحت مصلحة أوروبا وإسرائيل من عدم دخول تركيا للسوق الأوروبية أكثر من مصلحتها إذ دخلت السوق ومن الأهمية بمكان نذكر أن أربكان دعا الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني على أثر القرار باتخاذ القدس عاصمة له في 30 تموز 1980 , معللا ذلك بأن السياسة اليهودية الاستيطانية تهدف إلى تعزيز الكيان الصهيوني في المنطقة واحتلاله للأراضي العربية , وضمن هذا السياق ذكر أربكان : - " إن الكيان الصهيوني الذي قام على خرافة الوطن الموعود يشكل خطرا على أمن وسلامة دول المنطقة ذلك لأن الخرائط الخاصة بهذه الإمبراطورية المزعومة تشمل مناطق عديدة من تركيا بضمنها جبال طوروس "

وقد ترجم أربكان موقفه هذا في التظاهرة الكبيرة التي دعا إليها احتجاجا على قرار اتخاذ القدس عاصمة ( لإسرائيل ) وناشد جميع الشعوب الإسلامية للجهاد وتحرير القدس وذلك في 6 أيلول 1980 , وقد قام المحتشدون بتلك التظاهرة بحرق أعلام ( إسرائيل ) والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي , وفي تفسيره للأحداث التي تجرى في العالم يقول أربكان : -" إننا عندما تقوم نتائج الأحداث في العالم يجب أن نضع المخططات الصهيونية في عين الاعتبار , وكما هو معلوم أن تلك المخططات الصهيونية اتخذت قراراتها في مؤتمر بازل عام 1897 وهي تتحقق في تلك المراحل الثلاث .

وبناء على ما تقدم يمكن القول بأن عودة الإسلام إلى تركيا جاءت متمثلة بحركة البعث الإسلامي من خلال ظهور حزب النظام الوطني ومن بعده السلامة الوطني بزعامة نجم الدين أربكان كردة فعل للتيار العلماني وما تبعه من تفكك في وحدة العائلة وتوهين تماسكها ولعل تمركز القاعدة الشعبية لهذين الحزبين في المناطق المتمسكة بالإسلام في قونية وقيصري وأجزاء أخرى في وسط الأناضول يعد مؤشرا على تمسّك الشعب التركي بالإسلام , وقد منحت المشاركة لحزب السلامة في الحكومات الائتلافية فرصة لإثبات وجوده كقوة سياسية وتعزيزه لدى الأوساط الدينية في تركيا فضلا عن توسيع قاعدته الجماهيرية وعلى الرغم من انخفاض أصوات ناخبيه في انتخابات 1977 إلا أنه ظل محتفظا بمكانته , وهذا يعني أنه استطاع أن يضع أسسا قوية في البلاد وفرض نفسه قوة موازنة في الحياة السياسية التركية .

الفصل الرابع أربكان والتطورات السياسية التركية 1980 -1995

يمثل عقد الثمانينيات والتسعينيات مرحلة مهمة جدا في مسيرة نجم الدين أربكان والحركة الإسلامية في تركيا بمجملها فقد تعاقبت عليها تطورات خطيرة بدءا بانقلاب 1980 وإلغاء حزب السلامة الوطني ومنع أربكان من ممارسة النشاط السياسي إلى تأسيس حزب الرفاه وتوليه زعامته عام 1987 والصعود المتواصل للحركة الإسلامية الذي توّج بتوليتها السلطة في تركيا في عام 1996 إثر فوز حزب الرفاه في الانتخابات ووصوله إلى السلطة في ائتلاف حكومي مع حزب الطريق الصحيح في حزيران 1996 .

المبحث الأول

ممهدات انقلاب 12 أيلول 1980 .

لم يختلف انقلاب 12 أيلول 1980 عن انقلابي أيار 1960 وآذار 1971 في آلياته ومبرراته التي يتخذها الجيش عادة ذريعة للتدخل في الحياة السياسة لحماية المبادئ الأتاتوركية فقد اتخذ الانقلابيون نمطا واحدا من حيث طبيعة الظروف أو من حيث المبررات التي دفعتهم للقيام بالانقلاب , إذ اعتادت المؤسسة العسكرية التركية أن توجه إنذارا للحكومة المركزية وفق شروط معينة وفي حالة عدم التزام ممثلي الحكومة لتلك الشروط يكون الرد العسكري بانقلاب على الحكم المدني , الأمر الذي سيتوجب تسلم السلطة لمدة تتراوح بين سنة إلى ثلاث سنوات تضع المؤسسة العسكرية فيها دستورا جديدا وفق توصياتها كما حدث في انقلاب 1960 , 1980 عندئذ يترك الجيش الحكم للمدنيين ويعود إلى ثكناته العسكرية , ومع عودة الحياة البرلمانية تعود الأحزاب السياسية وتجرى عمليات تطهير في صفوف الجيش في الوقت الذي تميز فيه انقلاب 1980 بتحوّل قائد الانقلاب كنعان إيفرن – K. Evrin رئيس للجمهورية حتى عام 1987 عن طريق الانتخاب . إجمالا يمكن القول أن هدف انقلاب 12 أيلول 1980 هو إنهاء مدة طويلة من الإرهاب والعنف المتزايد في تركيا ( كما سنرى ) والدعوة لإعادتها إلى المسار الذي رسمه أتاتورك لذا يجد الجيش نفسه بمثابة الحارس على المبادئ الكمالية التي أرسي دعائمها وثمة عوامل متعددة ومتداخلة داخلية وخارجية أدّت إلى قيام انقلاب 12 أيلول 1980 ويمكن إجمالها بـ :

  • أ‌- المستوى السياسي :

سياسيا يمكن القول أن عقد السبعينيات كان يتسم بضعف دور الحكومة داخل البرلمان لعدم وجود سلطة تنفيذية قوية لطبيعة النظام القائم على التعددية وفشل الأحزاب في الحصول على الأغلبية التي تمكنها من تشكيل الحكومات بمفردها وفقا لما نص عليه دستور 1961 , مما عرض تركيا لأزمات وزارية فكانت ظاهرة الائتلاف بين الأحزاب المخرج الوحيد لإنقاذ الحياة السياسية وكثيرا ما شهدت تركيا حكومات ائتلافية غير متجانسة وبدون برنامج حقيقي مما أصاب القوى السياسية نتيجة للصراعات المستمرة بين القادة والتحالف الظرفي للناخبين بالحيرة والتشتت .

فكان اعتماد رئيس الوزراء ديميريل على حكومة ائتلافية من أحزاب الأقلية كما سبق الإشارة إليه إذ شلّت إرادة الحزب عن تحقيق أهدافه بفعل دخوله في ائتلافات مع أحزاب مخالفة له أيديولوجيا , فمثلا كان لحزب السلامة الذي يمثل التيار الإسلامي نظرية مفادها أن البلاد تتعرض لمؤامرة إمبريالية – صهيونية – شيوعية تهدف إلى منع قيام دولة إسلامية تركية فهو بذلك يعارض ارتباطات كل من شركائه في الحكومة رئيس الوزراء ديميريل , وبولنت أجاويد زعيم حزب الشعب الجمهوري باتفاقيات القواعد العسكرية الأمريكية .

كما أن حزب العمل القومي الشريك الآخر في الائتلاف اتخذ خطا إرهابيا يمينا مما أبعده عن المسار السياسي , فكان هذا الحلف القلق عاملا في ازدياد تعقيد الوضع التركي فلم تستطع الحكومة التركية أن تضع حدا للفوضى والفلتان الأمني والسياسي بسبب طبيعتها القائمة على تحالف هش لمجموعة من أحزاب الأقلية مثل حزب السلامة وحزب العدالة وحزب العمل القومي إذ أن تباين الأهداف والاستراتيجيات أنهكت الحكومة ومنعت رئيس وزرائها ديميريل من السيطرة على الأوضاع المتفاقمة , الأمر الذي أوقع البلاد في أسر العنف السياسي الذي خلق فوضى عارمة والتي شلت جميع المرافق التركية .

أما على المستوى الفكرى فقد حاولت عشرات الأحزاب والتنظيمات العلنية والسرية التي تتصارع بكل ما لديها من أسلحة وأيديولوجيات ملء الفجوة الاجتماعية ففي الحقيقة أن جانبا كبيرا من هذه الصراعات ذات أساس فكرى أيديولوجي , فعدم نجاح الأحزاب في استقطاب الأغلبية مبعثة حدة التباين الفكرى والأيديولوجي من خلال التقسيمات المتعددة التي عاشتها تركيا على أسس اجتماعية وطبقية واقتصادية وطائفية مما خلق فوضي واضطرابا سياسيا ترك آثاره القاسية على الوضع الأمني في تركيا فتزايدت حوادث العنف والإرهاب التي عصفت بتركيا , فقد كان الشعب التركي ممزقا عن طريق الاستقطاب الأيديولوجي , ومن ثم أسهم ذلك في تفاقم الصراع السياسي وتحوّله إلى صراع طائفي وقومي وطبقي علني بالغ الخطورة , فالتنوع العرقي كان أحد العوامل التي أسهمت بشكل فعال في تدهور الأمن الذي وجدنا صداه بدرجة كبيرة في جنوب شرق تركيا حيث تميزت هذه المنطقة بالتنوع الشديد, فنسبة المسلمين السنة 80% والمسلمين الشيعة 20% الذين يعرفون بالعلويين "- أما التقسيم العرقي فقد انقسم المجتمع هناك إلى أتراك وأكراد وعرب وأفرز جملة من الأزمات لا سيما وأن المؤثرات الخارجية على هذه المنطقة كانت تدفع سكانها صوت الاستقطاب الأيديولوجي كما هو الحال في قيام الثورة الإيرانية عام 1979, واقتتال الأكراد في شمال العراق مع الحكومة العراقية وبالنسبة للتقسيم الفكري , كل ذلك ترك ظلالة القاتمة على التقسيم الفكري بين اليسار واليمين وكان أثره القاسي على الأوضاع في تركيا , إذ اندفع المتطرفون في كلا الاتجاهين نحو العنف , ففي جانب اليسار المتطرف اصطفت حركات سياسية تبنّت العنف السياسي لتحقيق أهدافها من أهمها ( منظمة وحدة الدعاية المسلحة ) ومنظمة ( وحدة العمل لجبهة التحرير الشعبي التركية ) ومنظمة ( جيش تحرير العمال والفلاحين الأتراك ) وقد سعت هذه التنظيمات إلى التخلص من قبضة اليمين التركي على السلطة استجابة لطموحات الطبقات الفقيرة .

أما اليمين في جانبه المتطرف فقد تصدره حزب العمل القومي بزعامة توركش الذي اتسمت أيديولوجيته بالتطرف القومي وتشكيله للمنظمات المسلحة تحت عناوين ( الذئاب الرمادية ) و( الشجعان المثاليون ) التي تواترت الأدلة حول ممارستهم العنف ضد العنف ضد خصومهم السياسيين أما بالنسبة للتيار الإسلامي المتجسد بحزب السلامة الوطني فقد عبرّ هو الآخر عن رغبته بالعودة إلى الشريعة الإسلامية , ونشطت الحركة الإسلامية لتحارب على جبهتي اليمين واليسار إذ اشتدت قوتها حتى قبل حركة الخميني في إيران ولقد أثبت الحزب وجوده بوصفه قوة مفاجئة من خلال حصوله على أصوات الناخبين بنسبة لا يمكن الاستهانة بأهميتها .

  • ب‌- المستوى الاقتصادي :

أما فيما يخص المستوى الاقتصادي , فقد أسهم الوضع الاقتصادي المتدهور في خلق أجواء العنف , فمنذ السبعينيات وتركيا شبه مفلسة وأصبحت مديونيتها بحدود 18 مليار دولار , ومما تجدر الإشارة إليه أن تردى الأوضاع الاقتصادية لم يكن وليد تلك المرحلة وإنما نتيجة تراكمات سياسات خاطئة منذ حقبة الخمسينيات تجذرت دونما وضع الحلول المناسبة لمعالجتها , فعانت تركيا من عجز في ميزات مدفوعاتها مما وضع اقتصاد البلاد على المحط وانخفضت قيمة الليرة التركية وفقدت قيمتها الشرائية أمام العملات الأجنبية بشكل كبير , مما أدّى إلى ارتفاع نسبة التضخم إلى 42% وتزايد نسبة البطالة إلى 20% وكان لغياب الأمن آثاره السلبية على المرافق الحيوية منها الفعاليات السياحية , كما ونشطت السوق السوداء بعد اختفاء السلع الأساسية والاستهلاكية والمواد الغذائية من الأسواق , فضلا عن تراجع صناعاتها إذ بدأت المعامل تعمل بنصف طاقتها لاعتمادها على الخبرة الأجنبية وسيطرة الشركات الأمريكية المتعددة الجنسية ومن ثم كانت النتيجة هجرة أعداد كبيرة من العمال الأتراك إلى الدول الأوروبية .

وفيما يخص المستوى الاجتماعي فمن الواضح أن التباين والاختلافات الاجتماعية جغرافيا وقوميا خلق أجواء رافضة للواقع القائم الذي امتزج بظاهرة العنف السياسي مما انعكس سلبا على الواقع فاتضح عجز السلطة في إيجاد حل مناسب لتطلعات المجتمع التركي بشكل شامل .

وكان للتباين الاجتماعي بين غرب تركيا وشرقها أى بين المدن الكبرى والريف دور كبير , جانب آخر أدت مكننة الخدمات الزراعية واجتياح التقنية في بعض المناطق التركية إلى الاستغناء عن الأيدي العاملة ومن ثم تزايد الهجرة إلى المدن بأعداد كبيرة بحثا عن فرص العمل حيث شكل هؤلاء حزاما واسعا من الفقر على حافات المدن , فشكل هذا التوجه عبثا إضافيا على الدولة وسبّب زيادة في نسبة البطالة , كما أن هؤلاء المهاجرين حملوا معهم ثقافتهم الإسلامية البعيدة عن التحديث الكمالي إلى المدن المعتادة على التمسك بالمبادئ التقليدية حتى في فعالياتهم اليومية مما شكل تضادا أيديولوجيا لدى هؤلاء المهاجرين ساعد على ازدياد ظاهرة العنف بين اليمين واليسار المتطرف .

ومن الجدير بالذكر أن معظم التنظيمات السرية على اختلاف نهجها ترتكز بالدرجة الأولي على الشباب المهاجر الذي لم يتمكن من إكمال الدراسة الجامعية وإيجاد عمل مناسب فضلا عن صعوبات حياة المدينة ومنها التباين والاختلاف في القيم والتقاليد بين القوى والمدن ومحاولات هؤلاء الشباب مد جسور التفاهم بين قيمهم التي اعتادوا عليها في الريف وبين نمط الحياة الحديثة في المدينة ومن ثمة لم يتمكنوا من التفاعل مع المجتمع فذهبت أحلامهم وطموحاتهم أدراج الريح . هذا فضلا عن المسألة الكردية التي تعدّ من أهم القضايا التي أقلقت جميع الحكومات التركية المتوالية على الحكم منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 وانطلاق انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925 كما أسلفنا . إذ إن السلطات التركية لم تعترف بالأكراد بوصفهم قومية بل على العكس تعمدت تجاهلهم وأطلقت عليهم تسمية " أتراك الجبل " واتبعت سياسة الإهمال تجاههم , الأمر الذي دفع الأكراد إلى الانضمام إلى الأحزاب السياسية لإيصال أصواتهم إلى البرلمان التركي وقد أعطي هؤلاء أصواتهم إلى البرلمان التركي وقد أعطي هؤلاء أصواتهم لأحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والعدالة والسلامة الوطني .

ومع استمرار سياسة الإهمال من قبل الدولة اضطرت أعداد كبيرة من الأكراد إلى ترك قراهم والنزوح إلى المدن , فضلا عن الأسباب الديموغرافية والمتعلقة بازدياد نسبة الولادات في تركيا بحوالي 2,5% وأثره تفاقم الاضطراب الاجتماعي .

  • ج- حزب السلامة الوطني عشية الانقلاب :

فسّر عدد من المراقبين والمحللين السياسيين والمهتمين بالشأن التركي أن نشاطات وفعاليات حزب السلامة الوطني وزعيمه أربكان كانت أحد الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى قيام الانقلاب العسكري الثالث . وكان ذلك أيضا المنظور الذي حمله أعضاء حزب السلامة أنفسهم , ومن الأهمية بمكان أن نذكر بأن لأربكان مواقف معارضة لسياسة رئيس الوزراء سليمان ديميريل وحكومته إذ اتهم أربكان ديميريل بأن سياسته تعمل على تمزيق البلاد وإبعادها عن نهجها كما وجّه أربكان انتقاداته إلى وزير المالية آنذاك قسمت سيزجين ومساعيه في توثيق العلاقات مع ( إسرائيل ) .

وعلى الصعيد البرلماني تحالف أربكان مع زعيم حزب الشعب الجمهوري أجاويد لإجبار وزير الخارجية خير الدين أركمان على الاستقالة من حكومة ديميريل لأن سياسته بدأت ميالة جدا للغرب كما أشرنا سابقا , فعدت هذه الحادثة سابقة لا مثيل لها في تاريخ المجلس الوطني التركي , وهي اتفاق نواب المعارضة الإسلاميين واليساريين لإزاحة وزير الخارجية ورأي البعض أن إمكانية قيام حكومة ائتلافية أو تحالف بين أجاويد وأربكان قد آثار مخاوف العناصر العلمانية والغربية وقادهم إلى التفكير بإمكانية وقوعه تحت تأثير أربكان والانجرار ( حسب ادعائهم ) لإقامة دولة قاعدتها الإسلام , وهو احتمال وارد جدا بسبب اندلاع الثورة الإسلامية في إيران في العام الماضي 1979 , إذ عدّ البعض تعاون أربكان وأجاويد الجديد تحولا فعليا في تاريخ تركيا المعاصر .

ولعل وقائع الصلاة التي نقلت من جامع استنبول يوم 8 نيسان 1980 استفزت العسكر عندما تعالت صيحات المصلين احتجاجا على مناداة الإمام بالصلاة على روح مصطفي كمال وعلى الرغم من إيقاف البث التلفزيوني لدقائق إلا أن تلك الواقعة ولّدت رد فعل واسع النطاق بين أوساط الشعب التركي مما دفع رئيس الأركان كنعان إيفرين إلى إصدار بيان أذيع عبر التلفاز في أعقاب ذلك قائلا : -" إن لدي القوات المسلحة التركية القوة لقطع لسان كل من يتحدث ضد أتاتورك العظيم ." وجاءت خطوة أربكان في 24 حزيران 1980 بإعلانه سحب الثقة من حكومة ديميريل ليعمل على زعزعة الخريطة البرلمانية واحتمال سقوط الحكومة لتجعل تركيا دون رئيس جمهورية ودون رئيس وزراء في أن واحد , لا سيما وإن رئيس الجمهورية فخرى كورتورك (1974 -1980) قد انتهت مدة رئاسته في 6 نيسان 1980 وجرت أكثر من مائة عملية اقتراع لاختيار خلف له لكن دون التوصل إلى نتيجة .

فضلا عن ذلك معارضة حزب السلامة وزعيمه أربكان لخطوات البرنامج الاقتصادي الذي وضعه ديميريل , المعتمد على تخفيض قيمة الليرة التركية فضلا عن الاعتماد على القروض الدولية ... إلخ. إذ يري أربكان أن تلك الخطوات تؤدي إلى تعميق تبعية الاقتصاد التركي للبنوك الدولية . وقد مثلت التظاهرة الحاشدة التي قام بها أنصار حزب السلامة في قونية يوم 6 أيلول 1980 قمة الصراع بين الإسلام والعلمانية التي جاء بها أتاتورك , إذ دعا أربكان إلى انعقاد مهرجان جماهيري تحت عنوان " إسلامية القدس " وشجب قرار جعل القدس عاصمة لـ ( إسرائيل ) بمشاركة ممثلي المنظمات الفلسطينية وعدد كبير من الدبلوماسيين العرب وبحضور أعداد غفيرة من المتظاهرين تقارب (250) ألف شخص جاؤوا من جميع أنحاء البلاد .

رفع هؤلاء المتظاهرون شعارات تطالب بقطع العلاقات التركية ( الإسرائيلية ) فناشد أربكان في تلك التظاهرة جميع المسلمين بضرورة تحرير القدس وإعلان الجهاد في سبيل إنقاذها وعودة المسجد الأقصى للمسلمين , وعند عزف النشيد الوطني جلس المحتشدون على الأرض إشارة إلى نفورهم من النظام العلماني الأتاتوركي وطالب هؤلاء بضرورة العودة إلى الشريعة الإسلامية السمحاء فرفعوا شعارات مثل " إن الدولة الملحدة يجب أن تدمر " و"إن القرآن هو دستورنا " و" كانت تركيا إسلامية " , " نريد دولة إسلامية بدون الحدود والطبقات " , " الحكم للقرآن " . وبعد انتهاء المظاهرة التي استغرقت ثلاث ساعات ألقي أربكان كلمة موجزة , قال فيها : -" إن إسرائيل وعملاءها المحليين يقومون ببث الفتنة وإثارة الفوضى في تركيا " واستطرد قائلا : " إن الجهاد والشهادة في سبيل فلسطين هو أرقي ما يطمح له المسلم وعلينا أن نعمل من أجل تطهير أرضنا من الصهاينة وعملائهم "

لقد أثار مهرجان قونية ضجة إعلامية واسعة في الصحافة التركية وعلى صفحاتها الأولي وبطريقة استفزازية نشرت صورا للجموع المحتشدة المرتدية الملابس التركية التاريخية التي ترمز للدولة العثمانية وللشعارات التي كتبت بالعربية وقد أشارت بعض وسائل الإعلام الغربية إلى أن هذه التظاهرة أثارت استياء العسكر , كما فسر امتناع أربكان عن المشاركة في احتفالات يوم النصر في آب 1980 تحديا للسلطة فشكّل ذلك سببا إضافيا لإثارة قلق وجزع الجيش , وعد هذا التصرف ( بنظر العسكر ) تحديا لشرعية أتاتورك , فالجيش يعد المبادئ الأتاتوركية من المسلمات غير القابلة للاعتراض فسّرت فعاليات حزب السلامة وزعيمة أربكان بأنها تهدف إلى إقامة دولة إسلامية في الجمهورية التركية وتعمل على إلغاء المبادئ الكمالية .

  • د- المستوى الخارجي .

أسهمت التحولات الإقليمية بدرجة كبيرة في دفع الجنرالات للقيام بانقلابهم خوفا من إمكانية انحراف تركيا عن مسارها التقليدي لا سيما وأن المتغيرات الجديدة قد ارتبطت بالإسلام مثل قيام الثورة الإسلامية في إيران .

كان للرسالة الشفوية التي بعث بها الخميني لحزب السلامة وقع بالغ الأثر على الحزب وأعضائه لا سيما وأنه من المعروف أن أربكان قد أرسل وفدا من حزب السلامة لتهنئة الخميني بنجاح الثورة الإيرانية , وقد ردّ الخميني على تهنئة الوفد بمباركة جهود أربكان وأعضاء حزبه وتمنّى لهم أن ينجحوا في تكوين دولة إسلامية في تركيا .

ورأى البعض من المراقبين أن الظروف الداخلية كانت مشابهة إلى حدّ ما لما كان يحدث في إيران عشية الإطاحة بالشاه , إلا أن ذلك يخالف الواقع إذ كان من المستحيل على أربكان فيما لو فكر فعلا بثورة وفق الأنموذج الإيراني أن يستقطب غالبية الشعب التركي ويحصل على التأييد والمساندة كما فعل خميني في إيران , فضلا عن ذلك لم يسجل على أربكان ميوله للإنقلابات أو الثورات الشعبية العارمة , ومن جانب آخر , إن المناخ السياسي لعب دورا كبيرا في قيام الانقلاب لمخاوف تركيا من تأثير تداعيات الثورة الإسلامية في إيران على المناطق الجنوبية الشرقية لا سيما وإن تلك المنطقة تعرضت لأحداث عنف طائفي واحتمال التجاوب مع ذلك التوجه كان ممكنا من ناحية وما قد يترتب على احتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان من تهديد لأمن تركيا الاستراتيجي المرتبط بالأساس بالأمن الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة من ناحية أخرى .

خلاصة القول يمكن الإشارة إلى أن المبررات التي اتخذها الجيش لتدخله العسكري الثالث تقع ضمن ضرورات ملحة ( بحسب زعمه ) منها الوحدة الوطنية والقضاء على الفوضى والإرهاب حماية الدولة من الأصوليات وإقامة العدالة الاجتماعية , ومنح الحقوق والحريات للفرد ضمن بنود حقوق الإنسان وأخيرا إعادة النظام المدني بعد تحقيق تلك الأهداف .

أولا : الانقلاب العسكري الثالث في الدولة

أدّت تلك العوامل الآنفة الذكر إلى تفاقم الوضع وفقدت الحكومة سيطرتها على مجريات الأمور وعلى الرغم من التحذيرات الموجهة للقادة السياسيين من قبل العسكر لمرات عدة بوضع خلافاتهم جانبا وإبداء التعاون لمعالجة الوضع وإنقاذ البلاد من أتون الحرب الأهلية , أدت إلى قيام الإنقلاب الثالث في غضون عشرين عاما ليضع تركيا تحت الحكم العسكري من جديد الذي أطلق عليه ( عملية الديمقراطية ) فقد صرّح الجنرال إيفرين في مؤتمر صحفي قائلا :-" إنه ليس كأى انقلاب ذكر في كتب التاريخ إنه عملية نفذت لإبعاد الخطر عن الديمقراطية إنه متوافق مع أماني الأمة والجيش , ففي تمام الساعة 4,15 دقيقة بتوقيت أنقرة فجر يوم الجمعة 12 أيلول 1980 وضع الجيش تهديداته المتكررة للسياسيين موضع التنفيذ وتحركت قطعات كبيرة من القوات المسلحة بقيادة الجنرال كنعان إيفرين رئيس الأركان العامة واحتلت المراكز الحساسة في المدن التركية الرئيسة ووضعت الحواجز حول أنقرة واستنبول .

وبعد وقت قليل من قيام الانقلاب أصدر الانقلابيون أوامرهم باعتقال رئيس الوزراء سليمان ديميريل وزعيم المعارضة بولنت أجاويد وأكثر من مائة شخصية سياسية بعد رفع الحصانة البرلمانية عنهم , وفي تمام الساعة السادسة صباحا تمّ إعلان البيان رقم (2) الذي برّر فيه قيام الانقلاب وفقا للآتي : - " إن الدولة وأجهزتها الرئيسة صارت عاجزة عن العمل وإن الهيكل الدستوري كان مليئا بالتناقضات وإن الأحزاب السياسية متعنتة في مواقفها وتفتقر إلى الإجماع الضروري لمعالجة مشكلات البلاد ونتيجة لكل هذه العوامل فقد زادت القوى الانفصالية من أنشطتها وإن حياة وممتلكات المواطنين لم تعد آمنة "

وأيا كانت إعلانات العسكر عن دوافع الانقلاب , فإن الوضع السياسي في تركيا عشيته كان قد وصل حقا إلى نهايته ولابد من فعل قوى يعيد الأمور إلى نصابها , ولم يكن سوى العسكر من يمتلك القوة والوسائل لتحقيق ذلك , لا سيما وأن العسكر قد انتظر طويلا من السياسيين أن يقدموا مخرجا للأزمة ولم يكن يريد اللجوء إلى الوسائل غير الديمقراطية فقد صرّح إيفرين بعيد الانقلاب قائلا :" إن القوات المسلحة التركية ومنذ ثمانية أشهر قدمت رسالة تحذيرية ملتزمة بالنظام الديمقراطي ومعبّرة عن مخاوفها لعدم وجود محاولات لتأخذ تدابير تتجاوز أزمة النظام .

ثانيا : إجراءات الانقلابيين

بعد أن بسط الانقلابيون قبضتهم على الدولة اتخذوا إجراءات عدة كان من أهمها إلغاء الحكومة وحل البرلمان بمجلسيه ( النواب والشيوخ ) وإلغاء الدستور وإغلاق الاتحادات الفدرالية للجناحين اليميني واليساري وأعلنت فرض الأحكام العرفية وحظر التجوال في جميع الولايات التركية لمدة ثلاثة أيام بدليل مطالبة الانقلابيين العمال للعودة إلى العمل في 15 أيلول مع منحهم زيادة مالية تقدر 70% في حين أغلقت الجامعات ومنعت الصحف من إصدار إعدادها , وجاء في البيان الأول لمجلس قيادة الثورة سيطرة القوات المسلحة على مقاليد السلطة السياسة وأسقطت الهوية القانونية للأحزاب السياسية وزجّ

زعماؤها في السجون ثم تولي إدارة البلاد مجلس عسكري عرف باسم مجلس الأمن القومي بعضوية عدد من القادة العسكريين ومنهم تحسين سالتيك نائب رئيس الأركان أمينا عاما للمجلس وبعضوية كل من تحسين شاهين قائد سلاح الجو ونور الدين أرسين قائد القوات البرية والأميرال نجاة توفير قائد البحرية وسادان سيلاسون قائد الدرك , أسندت له الصلاحيات التشريعية والتنفيذية كافة .

  • ثالثا : ردود الأفعال الداخلية والخارجية تجاه الانقلاب .

حظي الانقلاب العسكري الثالث بتأييد واسع النطاق من قبل فئات الشعب التركي لأنه جاء بمثابة الخلاص من الواقع المأساوى الذي يعيشه ويضع حدا للفوضى والتدهور الاقتصادي والأمني الذي انعكست آثاره القاسية عليه بصورة كبيرة ( كما أسلفنا )

لذا تنفس الشعب التركي الصعداء لإعادة الأمن والاستقرار لحماية أنفسهم , ولقد أكد إيفرين ذلك بقوله : - " إن الانقلاب ليس كباقي الانقلابات العسكرية التقليدية وإنما جاء حصيلة الظروف التي عاشتها تركيا , كما لاقي الانقلاب ترحيبا من رجالات الاقتصادي الرأسماليين والتجار الصناعيين إذ مثل الانقلاب ضربة للنقابات العمالية والاتجاهات اليسارية , أما على الصعيد الخارجي وعلى الرغم من أن الانقلاب آثار قلق حلفاء تركيا الغربيين الذين يأملون توثيق عرى العلاقة معها عندما تكرس نفسها لبناء المؤسسات الديمقراطية وتضعف هذه العلاقة عندما يجدوا أن الحكومة التي انتخبت ديمقراطيا قد أزيحت عن السلطة بالقوة حسب قولهم , مع هذا حظي الانقلاب بارتياح أمريكي بفعل تداعيات إغلاق القواعد الأمريكية في إيران على أثر الثورة الإسلامية فيها عام 1979 , إذ تعدّ تركيا قاعدة متقدمة على غرار إيران لا تقل عنها أهمية من حيث القوة البشرية والإستراتيجية فضلا عن كونها الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو وتمثل خطا دفاعيا للغرب . والنافذة المطلة على الاتحاد السوفياتي والشرق الأوسط .

ذكرت صحيفة الغارديان اللندنية :- " ليس من المدهش أن تعتبر تركيا الآن منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة جدا , ليس للدول الجنوبية ( الناتو ) وإنما للغرب بأجمعه , لذا كان على الولايات المتحدة الدفاع عن مصالحها تحسبا من المتغيرات العنيفة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط فبدأت مخاوف الولايات المتحدة من احتمال قيام ثورة في تركيا على غرار الثورة الإيرانية , إذ ساد في العالم الغربي آنذاك شعور عارم من الخوف من إمكانية قيام مد إسلامي فاندفع إلى معالجة ذلك من خلال وسليتي الاحتواء والإقصاء إذ لم تكن الولايات المتحدة لتقبل برؤية تركيا تنهار تحت وطأة حرب أهلية قاسية تزيد من رغبة الاتحاد السوفياتي بالتحرك في المنطقة سعيا لتحقيق مكاسب جديدة , ومن المرجح أن هذا الموقف لم يكن وليد ساعته ,إنما أعلمت الولايات المتحدة بأوليات الانقلاب بساعة تنفيذه كما صرّح المتحدث الرسمي بلسان وزارة الخارجية الأمريكية : - " إن واشنطن كانت على علم مسبق بالخطوة الانقلابية , هذا فضلا عن إرسال برقية من السفير الأمريكي في أنقرة إلى بلاده ذكر فيها :- " لقد نجح أولادنا وقد واصلت الولايات المتحدة دعمها لإجراءات الانقلابيين متجاهلة ما صدر بحقهم من اتهامات بانتهاك المبادئ الديمقراطية إذ قام كاسبر واينبرغر وزير الدفاع الأمريكي بزيارة تركيا بعد أكثر من عام على الانقلاب في 4 كانون الأول 1981 وصرح قائلا :" أولا إننا نشعر بأن تركيا بدأت تتجه نحو إقامة حكومة ديمقراطية , وثانيا نحن نشعر أن حقوق الإنسان تزدهر فقط في مناخ من سيادة القانون والحفاظ على النظام وثالثا أعرب عن إعجابي بقدرة الحكومة التركية أن تفعل الكثير للقضاء على الإرهاب , وما كان فعلا حالة من الفوضي والانتشار الواسع , أما في موسكو فقد عبّر السوفيات عن قلقهم لما يحدث في تركيا ووجهوا إلى الولايات المتحدة أصابع الاتهام في قيام الانقلاب .


المبحث الثاني : أربكان وحكومة الانقلاب

أولا : القبض على أربكان ومحاكمته

كما أسلفنا القول أن الحركة الإسلامية كانت أول من استهدفها الانقلاب , لا بل أن قائد الانقلاب قد صرّح لوكالة رويترز في يومه الأول ( 12 أيلول 1980 ) بأن " الجيش تدخل ليوقف المد الإسلامي في البلاد وأن ما حدث في قونية يوم القدس وما حصل في جنة قلعة يعدّان دليلا على هذا التعصب الإسلامي .

وما يدعم ذلك إشارة الصحافة الغربية الصريحة إلى أن الانقلاب قطع الطريق عن الحركة الإسلامية ومنعها من السير على خطي الخميني في إيران , فقد نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية في أعقاب الانقلاب على صفحات غلافها صورة لقائد الانقلاب مع تعليق يقول : - " العسكر يوقفون المد الإسلامي , وذكرت صحيفة جيروزاليم بوست ( الإسرائيلية ) أن مواجهة التيار الإسلامي المتنامي في تركيا جاء في مصلحة ( إسرائيل ) وأن الانقلاب سيساعد على تقوية العلاقات بين البلدين "

وبطبيعة الحال توجهت الأنظار في اللحظات الأولي للإنقلاب صوب أربكان إذ لم تمض ستة أيام على المسيرة الحافلة في قونية إلا ووجد أربكان نفسه أمام أحد الضباط واقفا على باب منزله يمهله ساعة واحدة فقط ليضع نفسه تحت تصرف العسكر , ويتسلم رسالة خطية من قائد الانقلاب موضحا فيه دواعي الانقلاب والإجراءات التي سوف تتخذ قائلا :-" لقد تمّ حل الحكومة والبرلمان وأوقفت كل الأنشطة السياسي وألغيت عنكم الحصانة النيابية والعضوية ذاتها وليس لكم الحق أو السلطة في إصدار أى بيان يتعلق بأى موضوع , إن حمايتكم وتأمين حياتكم منوط الآن بالقوات المسلحة وتم اقتياده إلى معتقل في جزيرة أوزن إزمير – إسوة بكبار السياسيين الأتراك مع اختلاف واضح في معاملة أربكان , وبعد مدة بدأت عملية استجواب لأربكان أمام هيئة عسكرية في محكمة ماماك فأبدي القاضي العسكري تعاطفا مع أربكان ولم يجد مسوغا للاستمرار في احتجازه فطالب بإطلاق سراحه فما كان من هيئة الإدارة العامة للأحكام العسكرية إلا أن رفضت هذا القرار والتأكيد على مواصلة توقيفه . ونتيجة لذلك اعتقل أربكان دون أن توجّه له تهمة أو يخضع لمحاكمة عسكرية لشهور عدة , وفي المعتقل عكس أربكان سلوكه الإسلامي مما جعله قدوة للمحيطين به فظل مواظبا على إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها وتلاوة القرآن ومتابعة التطورات السياسية .

بعد مدة تقديم أربكان للمحاكمة وكانت صفحة الاتهام تضم العديد من التهم التي اندرجت تحت المادة 193 من الدستور والتي تنص على حظر التجاوزات ضد العلمانية وتحريض الجماهير على ارتكاب الجرائم , وبمعاقبة كل من يقوم بنشاطات دينية أو شيوعية إي يعد مخالفا للقوانين التركية وتتمحور الاتهامات الموجهة لأربكان كلها حول السعي لإزالة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم واستبداله بنظام ديني , منها استخدام الدين من قبل الحزب وزعيمه لتحقيق مآرب سياسية والتطاول على الإرث السياسي لأتاتورك ومبادئ العلمانية والديمقراطية البرجوازية , فضلا عن النشاطات الاجتماعية للحزب , فمن بين التهم الخاصة باستخدام الدين لأغراض سياسية والمخالفة للمادة (163 ) التي اشتملت علي :

- السعي لاستبدال مبادئ الدولة : القانونية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بمبادئ دينية مستفيدين من الحقوق الممنوحة للأحزاب السياسية .

- قول أربكان بأنه أن يكون للدولة دستور إسلامي حتى تصبح إسلامية بل يجب أن تكون أعمال تلك الدولة مرتكزة على مبادئ الإسلام .

- إن الاجتماعات التي كان حزب السلامة يقوم بعقدها تتميز بذكر الله باستمرار ومنها الهتافات التي كانت تطلق من تلك الاجتماعات موضحة أهدافهم , كما أن اللافتات التي كانوا يحملونها كتب عليها آيات قرآنية وشعار : محمد قائدنا وسنحطم الأصنام ونقيم الدولة الإسلامية .

- تصريحات أربكان في مكة المكرمة خلال زيارته للسعودية عام 1974 وتوجيه اتهاماته للدولة إذ قال :" تخلينا عن القرآن ما يقارب الخمسين سنة الماضية أن الدين والدولة قد فصلا , كما أن القرآن قد أدين ويتعين علينا العمل من أجل أن تكون كلمة القرآن فاعلة مرة أخرى ولهذا الهدف نحن بحاجة للجهاد .

- إلقاء أربكان كلمة في الحجاج في مكة عام 1977 جاء فيها :" يجب أن نبحث فيما إذا كنا نطبق القرآن أم لا ... وهل يحكم حكامنا بالقرآن أم لا "

- العمل على تأجيج الشعب عن طريق المظاهرات كما حدث في مهرجان قونية إذ دعا أربكان مسلمي العالم للجهاد في سبيل إنقاذ القدس مؤكدا على استعداد الجماهير التركية للانخراط في صفوف المتطوعين لتحرير القدس.

- العثور على أوراق مبايعة لأربكان في أدراج مكتبة لترشيحه للخلافة من قبل أشخاص في استنبول معروفين بصلتهم بأربكان .

- اشتراك أحد خرجي كلية الشريعة من جامعة الرياض في أحد اجتماعات حزب السلامة وتصريحه بالقول :-" يشرفني أن أشترك في هذا الاجتماع طالما هو اجتماع إسلامي قول أربكان " إن حرية العبادات مسموح بها في روسيا وألمانيا أيضا والعبادات ليست كل الدين .

أما فيما يخص انتقادات أربكان لتاريخ الجمهورية التركية ومؤسسها أتاتورك والتي وجهت إليه أربكان من قبل المدعي العسكري فهي كما يأتي :

- إدعاء أربكان وأعضاء حزبه بأن الماسونية أسقطت السلطان عبد الحميد وأنهم بدأوا في سالونيك أول محفل ماسوني بالتآمر على الدولة وأن أتاتورك كان واحدا منهم وهذه إهانة .

- ادعاء أربكان وأعضاء حزب الاتحاد والترقي الذي أنهي حكم السلطان عبد الحميد حزب ماسوني وصهيوني .

- تصريح أحد أعضاء حزب السلامة قائلا :- إن ثورة أتاتورك قطعت الصلة بين الشعب التركي وماضيه وقد أفسدت إصلاحاته القيم الروحية للأمة , وبعد معاهدة لوزان ألغيت الخلافة وترك المسلمين بدون قيادة كما أن الأبجدية اللاتينية لا تناسب اللغة التركية واستبدلوا القوانين العثمانية المرتكزة على الشريعة بقوانين غربية لا تلائم حاجات الشعب وإضافة إلى ذلك أصبحت جمهورية تركيا ملحدة أما التهم التي وجهت إلى الحزب ونشاطاته فقد تضمنت :

- تصريح أربكان في إحدى خطاباته " أنه عندما جاء للسلطة بدأ الكثير من حكام الأقاليم يقيمون الصلاة .

- مطالبة الحزب بجعل يوم الجمعة عطلة رسمية وأن يتم الزواج بصورة شرعية .

- وجود جمعيتين للشباب كانتا تقوما بتوجيه الجماهير نحو إقامة حكومة إسلامية وإثارة العقائد الدينية , ومما لا شك فيه أنهما كانتا على اتصال وثيق بحزب السلامة , الذي عمل على نمو الرغبة في إقامة دولة ترتكز على الشريعة وإثارة الحماس لدي الكثيرين بما فيهم الشباب لنشاطات الحزب ومتابعته أحاديث أربكان إذ ذكر :- نحن نفتح مدرسة للقرآن في كل قرية ونحن مصممون على إعادة افتتاح أيا صوفيا , فمن أعجبه ذلك فليسر معنا "

- وقد طالبت جهة الادعاء الحكم على أربكان بالسجن لمدة تتراوح بين 14 – 36 سنة فجاء رد أربكان على تلك الاتهامات الموجهة إليه من قبل الادعاء كما يأتي :

- ذكر أربكان بأن لائحة الاتهام ضمت مغالطات واضحة فمثلا ذكر الاتهام كلمة الدولة الإسلامية 75 مرة مع العلم أنه لم يثبت أن ذكرها أى عضو من أعضاء الحزب .

- قول المدعي العام أن الحزب منظمة سرية وهذا غير صحيح , فإن الحزب أقيم على أساس الدستور التركي وله برامجه وأهدافه المعلنة وأنه ومنذ ثماني سنوات وهو يشارك في إدارة البلاد من خلال ائتلافه بثلاث حكومات سابقة , أما فيما يخص الادعاء بوجود وثائق تدين الحزب دافع أربكان بقوله : - " بأنه على الرغم من تفتيش ما يقارب ألف مركز وثلاثمائة مبني تابع للحزب وتدقيق ستين ألف رسالة فلم يعثر على أى دليل ضد الحزب سوى بعض الأوراق مجهولة المصدر التي ليس لها علاقة بالحزب , فيما يتعلق بكلمة أربكان في جنة قلعة أو في أية مناسبة أخرى فبرر أربكان ذلك بقوله إنه " تكرار للكلام الذي يذكر في البرلمان

وفي الراديو والتلفزيون وهو لا يتعدى كونه تمنيات من أجل التعاون مع الدول الإسلامية , إذ قام رئيس وزراء حكومة الانقلاب بولنت أولصو- بما يشبه ذلك عندما زار السعودية لحضور مؤتمر القمة الإسلامي , ومن الواضح أن سياسة أربكان شكلت خطرا على مصالح ومواقع الرأسمالية ذات النزعة الغربية في تركيا لكن من المفارقة أن كل هذه التهم كانت تفتقر إلى وثيقة معتبرة لإسناد هذه الإتهامات فكل ما استطاع المتحزيون ضد أربكان أن يجمعوا أشرطة صوتية أريد تحريفها من أجل إلصاق هذه التهم بأربكان , وساد تصور راسخ لدي الجميع أن حكومة الانقلاب تريد فعلا إدانة أربكان وزملائه وأن المشهد قد ترتب من أجل ذلك وقد تمّ إيصال هذه الرسالة إلى أربكان لكن إيمانه بعدالة قضيته وثقته بمبادئه التي دافع عنها جعلته ثابتا لا يتزحزح ولا يقدم أى تنازل منطلقا من مقولته الشهيرة " إما كل شئ أو لا شء , ومن المثير أن يتولي أربكان بنفسه مهمة الدفاع فيقول عنه أحمد أوغز الرئيس العام في تشكيلات الشباب في حزب السلامة : - " إن الأستاذ الدكتور رئيسنا العام كان يقود قاطرة الدفاع في القضية رغم ثقلها بكل اقتدار وإنه يستخدم المنطق القانوني بشكل لافت للنظر "

ورأي البعض أن الإيقاع بأربكان فرصة للنيل من مكانته في نظر الناس فدبرت له تهمة الاتجار بالمخدرات وزجّ باسم أحد كبار التجار الأتراك في ألمانيا لكن الدسيسة سرعان ما فشلت عندما تبرأ الشخص أى تاجر المخدرات من أية صلة لأربكان بها .

وأخيرا وصلت المحاكمة إلى طريق مسدود إذ لم تجد المحكمة ما يمكن أن يمثل إدانة لأربكان فأطلق سراحه مع رفاقه في 25 تموز 1981 فسادت مشاعر الفرح لدي أنصار حزب السلامة بالمقابل اشتد غيظ العسكر من ذلك فبعث إيفرين طالبا رئيس المحكمة للاستجواب حول ذلك فأجاب بكل شجاعة : -" لقد قرأت ملف حزب السلامة الوطني بإمعان ولم أجد أى دليل يمكن أن يحاكموا على أساسه " . مع ذلك اعتقل أربكان مرة أخرى على يد العسكر وأصدرت بحقه هذه المرة إدانة جديدة بدعوى الحصول على تسجيل جديد يدين أربكان لكن سرعان ما تجلت الحقيقة وفشل مخطط العسكر , وللمرة الثالثة قبض على أربكان وكان الادعاء هذه المرة قد عدّ للأمر عدته من أجل الإطباق على أربكان ورفاقه في حزب السلامة ومما أورده المدعي العسكري بحقهم " إنه خلال الفترة الممتدة بين أواسط عام 1977 وحتى بدايات أيلول 1980 فإن المتهمين الذين يتضح هويتهم على أنهم أعضاء الهيئة الإدارية العامة لحزب السلامة الوطني والمتهم الذي تمّ تثبيت هويته على أنه الرئيس العام لحزب السلامة وأعضاء الهيئة الإدارية العامة للحزب قد عملوا سوية على تأسيس دولة الشريعة ويتضح من الأحداث المادية الملموسة التي وقعت أنهم عملوا معا أفعالا تتجه نحو هذا الهدف .

وبعد أن قرئت مذكرة الاتهام التي أعدّها المدعي العسكري جرت المحاكمة اعتبارا من 9 تشرين الثاني 1982 وحتى 6 كانون الأول 1982 واستمع للدفاع الذي أعدّه أربكان وزملاؤه بنحو ثلاثمائة صفحة تولي أربكان بنفسه قراءتها ثم صدر الحكم في 24 شباط 1983 وكان قرار المحكمة المرقم 22 لسنة 1983 والأساس 126 لسنة 1981 قد تضمن :

" لما كان حزب السلامة الوطني وفق المحكمة الدستورية قد اعتمد على أسس دينية وأن المؤتمر العام الذي انعقد سنة 1971 قد شهد انتخاب إداريين حزب النظام الوطني في الهيئة الإدارية العامة ولما كانت قد افتتحت دورات لتحفيظ القرآن في كل القرى وأراد اتخاذ يوم الجمعة عطلة أسبوعية وجعل الزواج يتم عن طريق المفتى ووعدوا بأنهم سيقومون بصلاة أول جمعة لهم في أيا صوفيا وأن القرآن سيكون دستورهم ... ولما كان أربكان وطاهر بيوك وشوكت قازان يقومون بفعاليات وأنشطة معتمدة كليا على الأسس الدينية , تأسيسا على ذلك أصدرت المحكمة قرارها في 24 شباط 1983 بالسجن لمدة أربع سنوات وأن يتواجدوا تحت المراقبة الأمنية العمومية بالإقامة الجبرية في أسكي شهر لمدة سنة وأربعة أشهر وأن يحرموا من ممارسة الخدمة العامة طوال مدة العقوبة .

مع هذا تقدم أربكان وزملاءه بطلب استئناف للحكم قدمه محاموا أربكان إلى المحكمة العسكرية فوافقت المحكمة العسكرية لرفع الملف بأكمله إلى الدائرة الرابعة جزاءات لمحكمة الاستئناف التي أبطلت الحكم الصادر ضد أربكان ورفاقه تحت بند عدم كفاية الأدلة ثم رضخت محكمة ماماك وحكمت ببراءة أربكان ورفاقه لكن منع من مزاولة النشاط السياسي .

ثانيا : إجراءات الحكومة العسكرية

كان للجنرالات أهداف مرسومة ومدروسة لما سيقومون به بعد الانقلاب إذ اتضح أن جنرالات انقلاب 1980قد وضعوا أمامهم مهمات أساسية أهمها إجراء إصلاحات شاملة وإقرار تغيرات جذرية على نظام المؤسسة السياسية لتجنب تكرار الأزمة التي شهدتها تركيا في عقدي الستينيات والسبعينيات , فمثلا على المستوى السياسي كان هدفهم القضاء على ظاهرة الائتلافات الحكومية الضعيفة وذلك من خلال منع وصول أحزاب صغيرة للبرلمان فضلا عن السعي لحماية التقاليد الكمالية العلمانية مع ضرورة العودة إلى الحياة الديمقراطية النيابية , وانطلاقا من هذا المبدأ تمّ تشكيل جمعية تأسيسة تألفت من (160) عضوا كان من بينهم (120) من العسكر تم اختيارهم عن طريق مجلس الأمن القومي التركي (40) تمّ تعيينهم من المدنيين من قبل الجنرالات واتخذت تلك الجمعية على عاتقها اقتراح القوانين وإقرارها أو رفضها , كما التزمت الجمعية بمهمة التهيئة لإعداد دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات برلمانية , فشكلت حكومة جديدة من قبل الجيش ( حكومة انتقالية ) في تشرين الثاني 1980 برئاسة الأميرال المتقاعد بولنت أولصو مكونة من العسكريين المتقاعدين والتكنوقراط وأعلنت القيادة العسكرية عزمها الحاسم على إعادة بناء مؤسسات الدولة مؤكدة على ذلك أكثر من مرة , إلا أن بعض الجنرالات ممن يمتلكون رؤية قد رحبوا بفكرة إعادة الديمقراطية بعد مدة محددة لحفظ القانون والنظام حسب تصوراتهم , فقد أعلن إيفرين في قونية في 15 كانون الثاني 1981 : " إنه كخطوة أولي سوف يتم الإعلان عن برامج مجلس الأمن القومي المتعلق بتناول القضايا في جميع مناحي الحياة مثل الاقتصاد ونظام التعليم وهيكلية الزراعة والقضاء على الإرهاب .

طرح في 7 تشرين الثاني 1982 دستور جديد للبلاد , ثم جرى الاستفتاء العام عليه في 12 من الشهر نفسه وحظي بمصادقة (97%) من الأصوات وعد نافذا من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية في 20 تشرين الثاني إذ كان من غير الممكن معارضته فقد ذكر إيفرين في العديد من خطبة :-" إننا نعتبر كل من يرفض هذا الدستور بمثابة خائن وسنعامله بصفته عميلا للقوى الخارجية وقد نصّ دستور 1982 على أن تركيا جمهورية ديمقراطية اجتماعية علمانية يفرض الأتراك سيطرتهم على مرافق البلاد كافة والمناصب الرسمية والوظائف المهمة فهم يشكلون أكثر من 97% من الشعب التركي والباقي قوميات أخرى , كما ضمت بنود الدستور تركيز السلطة بيد رئيس الجمهورية ومنحه صلاحيات فرض حالة الطوارئ وحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة في حال فشل الحكومة أو خسارتها اقتراعا للثقة .

وأسست هيئة عليا استشارية طبقا للمادة (118 ) من دستور 1982 عرفت باسم لجنة الأمن القومي العام تألفت من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الداخلية وقيادات الجيش المؤلفة من القوات البرية والبحرية والجوية والقائد العام لجندرمة وكانت هذه اللجنة تتمتع بصلاحيات أعطت القوات المسلحة مكانة مميزة في الدولة , وقيدّ الدستور نشاطات المؤسسات غير الحكومية كالاتحادات العمالية والمنظمات التطوعية وإلغاء المكانة المستقلة للجامعات أو بمعني آخر استقلالية الجامعات ووسائل الإعلام المرئية والسمعية مع التأكيد على عدم الإساءة للأمن القومي أو الذوق العام لمنع الضرر بمصالح الأفراد وعدم استخدام الصحافة وسيلة للتحريض على ارتكاب الجرائم , ومنع التظاهرات السياسية والتضامنية وقد حقوق وحريات الأفراد .

وتلافيا لما حدث في السبعينيات من فوضي نتيجة وجود أحزاب صغيرة واسعة في البرلمان أجرى دستور 1982 تعديلا على قانون انتخاب الأحزاب السياسية إذ لا يحق لأى حزب الدخول للبرلمان إلا بعد حصوله على نسبة 10% وأن يكون تنظيم الحزب في 24 محافظة على الأقل من أصل 67 محافظة فضلا عن أن يكون في تشكيله قائمة بثلاثين عضوا مجازا وعدم السماح للسياسيين القدامي بتأسيس وإدارة حزب سياسي آخر , ومنعهم من الترشيح في البرلمان إلا بعد عشر سنوات وتكون الموافقة النهائية بيد مجلس الأمن القومي على تأسيس الحزب كذلك أكد الدستور وضمن المادة (24 ) بأنه لا يجوز استغلال الدين لغرض الحصول على نفوذ شخصي أو سياسي , وقد أوضح إيفرين موقفه من المسألة الدينية صراحة بقوله :- " لم تكن هناك سياسة من الجامع " .

  • موقف الانقلابيين من التيار الديني .

وإذ كان قد فهم أن إيفرين قد تقاطع مع فكرة الإسلام السياسي , فإنه بالمقابل أراد أن يوظف الإسلام سياسيا لأن المتغيرات الخارجية والداخلية كانت تقود تركيا في هذا الاتجاه , فقد أيقن بعض القوى العلمانية التقليدية ومنهم الجنرالات أهمية الإسلام ودوره في المجتمع كونه قوة اجتماعية وعاملا مهما في توحيد الأتراك فوجدوا أن الإسلام تختلف عن الأيديولوجيات الأخرى , وأن الأسس والمبادئ الإسلامية المحافظة تمثل خطا دفاعيا وحاجزا أمام التوجهات الماركسية التي كانت تعمل على تمزيق المجتمع , لا سيما وأن التجربة السياسية الإسلامية المتمثلة بحزب السلامة الوطني لم تتبن العنف ضمن أدبياتها وأيديولوجياتها فبدأ هؤلاء الجنرالات يتخذون موقفا من الدين لإدراكهم أهميته بدلا من معاداته , وإمكانية الاستفادة منه في التصدي للمجموعات اليسارية أولا , والحركات الانفصالية لكن بشرط عدم تبنيه مشروعا سياسيا , ومن ثم حاولت السلطة السياسية الاستفادة منه لغرض إعادة صيغة الأيديولوجية الرسمية لإدراكهم بقصور الكمالية عن تأطير الحياة اليومية .

إن عملية الأسلمة المتداخلة مع الهوية القومية " دمج الهوية بالقومية على يد جماعة المثقفين " وعملية " قومنة " الإسلام على يد إدارة الشؤون الدينية كانت ذات نتائج فعالة لإقناع شعب وموظفي الدولة بتبنّي هذه الأيديولوجية الجديدة التي تتجاهل الطبيعة المتعددة الثقافات من أجل تعزيز دولة مركزية ذات وعي إسلامي تركي , فعلي الرغم من أن الجيش التركي يعد نفسه حاميا للمبادئ الأتاتوركية إلا أنه أراد توظيف التعاليم الدينية لمساعدة الشباب التركي على بلورة أفكار مضادة للماركسية والشيوعية المهددة للنظام , ولتحقيق ذلك أعتمد القادة العسكريون علي المؤسسات والتنظيمات والرموز الدينية لكسب تأييدها لإضفاء الشرعية على الانقلاب , فربطوا المبادئ الدينية بالأهداف على أمل خلق مجتمع إسلامي متجانس أقل اهتماما بالسياسة كان الهدف من ذلك تهيئة جيل وعقل جديد يمتلك أيديولوجية تختلف عن الأيديولوجيات السابقة لذا اتخذوا إجراءات عدة قوّت التيار الديني وذلك من خلال زيادة عدد المدارس الدينية وجعل التعليم الديني إلزاميا بعد أن كان طوعيا وتوظيف أئمة جدد , فجاء توجههم متلائما مع بنود الدستور وضمن المادة (24) منه التي وإن حظرت توظيف الدين سياسيا ( كما أسلفنا ) إلا أنها أكدت على إلزامية التعليم الديني في المناهج الدراسية لمرحلتي الابتدائية والثانوية بشرط أن لا تكون ذات منحي تعصبي فسمح قادة الانقلاب بازدهار الدراسات الدينية لكن شرط أن لا تتخذ أسلوبا راديكاليا سياسيا ,وفرض التيار الديني وجوده في الجامعات وفي أوساط المثقفين الصحفيين والنخب المدنية الحديثة , فبرزت وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة والمقروءة ذات الطابع الإسلامي .

وتمخضت السياسات التي اتبعها الجنرالات في أعقاب الانقلاب عن ظهور تحوّل كبير نحو الحركة الإسلامية محدثا تغيرا مهما بعد انحسار التركيز على احتوائها حتى أواخر السبعينيات فنشأ ما يسمي " بالطرح التركي الإسلامي " فقد تبين أن إهمال السلطات السياسية للعنصر الإسلامي في السابق من ناحية ونمو الحركات اليسارية والانفصالية المتطرفة من ناحية أخرى سبب في تفشي حالة الفوضي وعدم الاستقرار , فأكدوا على أن الإسلام في المجتمع التركي يتمتع بدعم قانوني في التراث الكمالي وأصبحت سياستهم هذه تعرف باسم " التركيبة الإسلامية – التركية " التي تسعى للإدماج بين الموروث التركي وحركة الإحياء الإسلامي , فشكلت عودة الدين في حقبة الثمانينيات أهمية كبيرة لبلد تتسارع فيه وتيرة العمران المدني ويتطلع إلى البحث عن الهوية والأمن الكياني للأفراد.

تأسيسا على ذلك عد قادة الانقلاب التيار الديني بمثابة أيديولوجية هادئة ومتسامحة تفضّل على الخطر الشيوعي وتسعي لتذويب التباينات الثقافية في المجتمع التركي التي كادت قد أفرزت عملية الاستقطاب التي عاني المجتمع من وطأتها كثيرا , فجاء الانقلاب ليضع حدا لها , لقد أثمرت سياسة الجنرالات الانفتاحية على التيار الديني بهدف التصدي لليسار ومحاربته بصيغة رسمية عن توفير الكتب الدينية وبناء العديد من المساجد والعمل على تدريب الأئمة , ورأي منفذو الانقلاب أن تنامي الفراغ السياسي في حقبة السبعينيات يعود لاصطدام الأيديولوجيات الراديكالية , ولغرض معالجة ذلك كان لابد من الاستعانة بتيارات دينية لملء ذلك الفراغ لا سيما وأن كثيرا من الأتراك يؤمنون بإمكانية تحقيق وحدتهم عن طريق تلك التيارات وحسب ما جاء بتقرير معهد راند الأمريكي للدراسات وهي مؤسسة رسمية تابعة للمخابرات الأمريكية , ونتيجة لذلك وقع على عاتق الحركة الإسلامية ضرورة إيجاد معادلة أو موازنة بين الدين والعلمانية أو بمعني آخر بين الدين والتعليم الحديث من ناحية والبعد الاجتماعي والتركيبة السياسية من ناحية أخرى , فالتعليم الديني لم يكن المصدر الأساس في تكوين السياسيين الإسلاميين , وإنما ما قام به شريحة المهندسين التي ينتمي إليها أربكان وديميريل وأوزال – مكونة كتلة برلمانية ازدادت أهميتها بمرور الزمن وبطبيعة الحال عكست صورة لحركة إسلامية سياسية معاصرة على خلاف صفة الانغلاق و الرجعية التي يتصف بها زعماء الطرق الصوفية التقليديين في تركيا , فأخذت النخب التقنية المكونة لا سيما من المهندسين والطلاب تدريجيا محل النخب الكمالية التقليدية من القضاة والمحامين والموظفين من خريجي كلية العلوم السياسية فخلال حقبة العشرينيات إلى الخمسينيات أى مرحلة حكم ( الحزب الواحد ) كان 50% من أعضاء البرلمان هم من الموظفين سواء أكانوا عسكريين أم مدينين و1% فقط من المهندسين , وفي الستينيات والثمانينيات أخذت نسبة النواب من المهندسين بالارتفاع إذ بلغت عام 1983 (25% ) وفي عام 1987 (30% ) ومثلت فئة المهندسين أكثرية الوزراء تقريبا في الحكومات كافة المشكلة منذ عام 1983 وتدل هذه الأرقام على تطور النخبة السياسية التركية وثم أنتلجستيا إسلامية ذات منشأ تفني , وقد استغلت إدارة الشؤون الدينية موقف الانقلابيين من الدين فأرادت أن تفسح مجالا أوسع للدين فعلي سبيل المثال تم فتح قسم جديد في إدارة الأوقاف في عام 1981 لغرض تنظيم مؤتمرات وإلقاء محاضرات تثقيفية وتعريفية بمخاطر الأيديولوجيات الأخرى , ومن ثم شهدت تركيا بروز تيارات دينية ديني رسمي جاء كرد فعل لتوجهات قادة الانقلاب وبروز تيار إسلامي متشدد من ناحية أخرى وبين هذين التيارين ظهر تيار سياسي إسلامي معتدل متمثل بحزب الرفاه .

ثالثا : حزب الرفاه وانتخابات 1983

مع عودة الحياة السياسية المدنية جرت أول انتخابات برلمانية وذلك في 6 تشرين الثاني 1983 ومع ظهور خمسة عشر حزبا تم السماح لثلاثة أحزاب فقط بالمشاركة في تلك الانتخابات كونها مؤهلة لذلك ومستوفية شروط بنود الأحزاب كما أشرنا .

سمح بتأسيس أحزاب سياسية وأسماء زعامات جديدة وهي على التوالي وحسب التسلسل الزمني , الحزب الديمقراطي الوطني بزعامة الجنرال المتقاعد تورغوت صون ألب المدعوم من الحنرالات الذي تأسس بتاريخ 16 أيار 1983 , وثانيا الحزب الشعبي بزعامة نجدت كالب تأسس في 19 أيار 1983 وأخيرا حزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال الذي تأسس في 25 أيار 1983 وقد أثارت نتائج تلك الانتخابات دهشة العسكر عندما حصل حزب الوطن الأم على نسبة 45,15% و211 مقعدا , مقابل حصول الحزب الشعبي على نسبة 3,46 و 117 مقعدا أما الحزب الديمقراطي الوطني فقد نال نسبة 23 , 27% و71 مقعدا وعد ذلك مؤشرا واضحا لدعم الشعب التركي للسياسيين المدنيين من خلال تصويتهم لحزب أوزال أكثر من دعمهم لأحزاب العسكر .

وعلى ما يبدو أن فوز حزب الوطن الأم قد جاء لاستثماره القواعدة الجماهيرية للأحزاب المنحلة قبل الانقلاب التي لم تستطع الأحزاب الجديدة التي انبثقت عنها أن تدخل الانتخابات كما سبق القول و فانضمت هذه الجماهير تحت لواء حزب الوطن الأم وحققت له الأغلبية في البرلمان .

جدول رقم (5)

يوضح نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1983


مقاعد المجلس الوطني4.jpg


أما فيما يخص الأحزاب السياسية الأخرى التي لم تتأهل للمشاركة في انتخابات 1983 مثل حزب الطريق الصحيح الذي تأسس في 23 حزيران 1983 بزعامة حسام الدين جندروك وهو من أحزاب اليمين الوسط ووريث حزب العدالة , والحزب الثاني حزب الرفاه الذي تأسس في 19 تموز 1983 بزعامة على تأسيس تركمان وهو حزب ذو ميول إسلامية يمكن وصفه بوريث حزب السلامة الوطني المنحل , وعلى ما يبدو إن فوز حزب الوطن الأم في حقيقته يعود إلى دعم وتأييد القاعدة الإسلامية من جماهير حزب السلامة الذي اعتمد عليه أوزال وحزبه إلى كبير لا سيما وأن أوزال وشقيقه قورقورت وكما هو معروف كانا من أعضاء الطريقة النقشبندية وحزب السلامة الوطني , فضلا عن ذلك حظي بدعم الأحزاب اليمينية التي فرض عليها الحظر مثل حزب العدالة والحركة القومي , فعمد أوزال إلى إرضاء تلك الفئات من خلال دعمه للرأسمالية الصناعية الكبيرة والمتمثلة بحزب العدالة وأصحاب المشاريع الصغيرة أنصار حزب السلامة الوطني وعمل على احتواء أصحاب النزعة اليمينية المتطرفة والمتمثلة بحزب الحركة القومي وتأسيسا على ذلك أصبح تورغوت أوزال رئيسا للوزراء (1983 -1987) ورئيسا للجمهورية (1987 -1989)

رابعا : استراتيجية أسلمة العلمانية في تركيا

إن الإسلام السياسي المعاصر ( كما أشرنا ) أصبح هو التغيير المهيمن في السياسة والثقافة في منطقة الشرق الأوسط , لا سيما في تركيا فإن شكل وجوهر وقاعدة الحركة الإسلامية قد تغيّر منذ تدخل الجيش في السياسة عام 1980 والأهم من ذلك أن سياسة الدولة تجاه الحركة الإسلامية قد تغيرت بصورة جذرية , فاليسار العلماني واليميني دقا ناقوس الخطر نتيجة تصاعد الإعلانات الإسلامية بوصفها حركة إسلامية دينية بديلا سياسيا عن الكمالية والاشتراكية والرأسمالية , ومما لا شك فيه أن هناك عوامل عديدة ساعدت في إحياء حركة حركة الفكر الإسلامي منها حركة الترجمة إلى التركية لمؤلفات سيد قطب وأبي الأعلي المودودي وحسن البنا وعلى شريعتي في حقبة الستينيات التي أحدثت تغييرا جذريا في الفكر الإسلامي التركي فضلا عن تأثيرات الثورة الإسلامية في إيران في أواخر السبعينيات وما تمخض عنها من انعكاسات على الأوساط الإسلامية التركية لترجمة مؤلفات لقادة الثورة الإيرانية خميني ومطهري وبهشتي واندفاع تلك الأوساط للبحث عن الاستقلالية السياسية .

ومع عودة الحياة الديمقراطية في الثمانينيات أسهم وصول حزب الوطن الأم بزعامة أوزال في تزايد وتنامي هذه التوجهات فلم يسبق في تاريخ الجمهورية التركية أن نجح حزب يتسلم السلطة لمدة ست سنوات من استيعاب العناصر الإسلامية من حزب السلامة الوطني فاستطاع هؤلاء فرض وجودهم على القوميين المتطرفين من قواعد حزب الحركة القومي داخل الحزب , لذا استقطب حزب الوطن الأم الإسلاميين وزاد من قبضتهم على وزارات التربية والداخلية , وتمكنوا من الوصول إلى مراكز عليا في مختلف مرافق الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والثقافية والعلمية في حقبة الثمانينيات كما انتشرت في عهده الكتاتيب الإسلامية وتم بناء العديد من المساجد في أنحاء تركيا فضلا عن ذلك اعترفت حكومته بشهادات جامعة الأزهر وجاءت تلك الخطوة امتدادا لسياسة أربكان خلال ائتلافاته الحكومية في السبعينيات , وقد أعلن أوزال صراحة بأن الدين هو المكون الأساس للهوية التركية , وكان لسياسته المتساهلة مع أعضاء الطرق الصوفية التي جاء هو منها والسماح لهم بالعمل بحرية تأثير كبير في مجالات السياسة والثقافة والإعلام على الرغم من أنها كانت محظورة قانونا كونها تعد تهديدا للعلمانية .

وهنا لابد أن نبين موقف أوزال من العلمانية في تصريح له إذ قال : -" نحن ندّعي بأننا في تركيا دولة علمانية في نفس الوقت الذي تتدخل فيه الدولة بتعيين أئمة وخطباء المساجد ورئيس الشؤون الدينية , على العكس من أوروبا توجد أوقاف خاصة أو مؤسسات مختلفة منفصلة عن الدولة تقوم بتعيين المسئولين الدينيين وليس من حق الدولة التدخل في هذه الأمور وعلينا نحن أيضا أن نصبح مثلهم في المستقبل " وهذا يعني أن العلمانية من وجهة نظر أوزال لا تعني الوقوف ضد الإسلام أو الهيمنة عليه وتمثل هذه النظرة الأفكار التي سبق أن نادي بها أربكان إذ كان يقول : -" دعونا نتبع العلمانية في مسارها الصحيح " بمعني أن ترفع الدولة يدها عن الإسلام ومؤسساته , هكذا رفض أوزال تدخل الدولة في تعيين أئمة وخطباء المساجد وعدم إلزامهم بخطبة محددة في صلاة الجمعة مشيرا بذلك إلى حرية إدارة الشؤون الدينية بشكل كامل , وقد تمكن أوزال من خلال سياسته جذب الإسلاميين بسعيه وبحرصه على أداء الصلاة واستخدامه بعض الآيات القرآنية في خطابه السياسي , فكان يؤكد على الدوام بأنه ملتزم بالدين إن قال : - " أنا متدين متحمس وأذهب إلى الجامع لتأدية الصلاة ويمكنني أن أؤكد أن العائدين للإسلام ليسوا من النوع المعتصب , إن التركيبة السياسية والاقتصادية بعد 1980 كانت ميالة إلى نشاطات الجماعات الإسلامية ( المعتدلة ) وشبكات الطرق الصوفية فأوزال دعم سياسة أسلمة الدولة , فمثلا كان وزيرا التربية أحد أعضاء الطريقة النقشبندية بمعني أنه ( صوفي ) إذ تمكن من إعداد منهاج دراسي جديد فيما يتعلق بالتاريخ والجغرافية مستخدما مصطلح " ملي " MILI" بصيغته الدينية وطالب بشطب نظرية داروين في التطور والارتقاء من المناهج الدراسية لأنها تخالف تعاليم القرآن الكريم فضلا عن ذلك أمر الفتيات بارتداء الثياب المحتشمة في الاحتفالات الوطنية وأوصي بتدريس اللغة العربية في المدارس المتوسطة والتعريف بالفلسفة الإسلامية , فكان للتوسع في التعليم والطباعة والاتصالات دور كبير في بلورة الشعور الديني لدى الأتراك في أواخر الثمانينيات وقد تتطور فيما بعد ليصل إلى المستوى السياسي عن طريق تشكيل نخب سياسية تشارك بالعملية الديمقراطية من خلال حزب الوطن الأم على يد أوزال .

إن عملية الديمقراطية وتحرير الاقتصاد في تركيا فتحت المجال أمام الجماعات الإسلامية لتؤكد دورها في العملية السياسية وإن عملية الديمقراطية ساعدت على نقل وجهات النظر السياسية الإسلامية لمركز الحياة السياسية , وفي عهد أوزال تمتعت الحركة الإسلامية بحرية محتلة مساحة كبيرة في السياسة والشارع التركي , فكان يرى أن الأسلمة المعتدلة في إطار أيديولوجي تحد من تطرف الأتاتوركية والتخوف من بعض الإسلاميين ونمو الأفكار المتطرفة لا سيما بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران لذا تبني سياسات إسلامية معتدلة وأخيرا يمكن القول إن الهدف من سياسة أوزال إحداث تقارب تاريخي بين الأتاتوركية والإسلام في تركيا الذي ترجم من خلال ما قام به من دعم للمدارس الدينية التي تخّرج الأئمة والخطباء لتصل نسبة خريجيها إلى 20% من المدارس المتوسطة وسماحة ببث نشاطات الحركة الإسلامية في الإذاعة والتلفزيون وارتداء الفتيات الحجاب بعد أن كان محظورا , وإقامة مؤسسات الأوقاف وتشجيعه للمشاريع الاقتصادية التي تبنتها شركات إسلامية أما على المستوى الاقتصادي أتبع أوزال سياسة ليبرالية عرفت باسم الباب المفتوح في الاقتصاد واستطاع الإسلاميون من خلالها خلق مجتمع جديد جلب إليه المهاجرون من الأناضول في أحياء مدن الصفيح ممن كونوا طبقة من الحرفيين ورجال الأعمال دعمتهم البرجوازية الصغيرة في المدن ورجال الأعمال في الأقاليم والمحافظات البرجوازية الصغيرة التي تضم البائعين وملاك المطاعم والصناعيين الصغار وأصحاب محلات المنسوجات والألبسة ومنتجي الأغذية ممن يرفضون تدخل الدولة في الاقتصاد لذلك دعموا الليبرالية الاقتصادية فوجدت الرموز الاقتصادية والأخلاق الإسلامية لصنع رأي عام ضد الدولة والصناعيين الكبار , فالشركات الصغيرة الحجم استفادت من التوسع الاقتصادي وأسست الموسياد (MUSIAD) للدفاع عن مصالحها ضد كبار رجال الأعمال , فظهور فكرة البرجوازية الأناضولية ذات البعد الاجتماعي الإسلامي خلق صراعا عميقا بين الجماعات الإسلامية والعلمانية في أبعاده الاقتصادية والتاريخية , فانتهاج أوزال الليبرالية في الاقتصاد أتاح الفرصة للبرجوازية الإسلامية لتأسيس شركات مهمة كبيرة , وأسهم في ازدياد نموها الأهمية التي أولاها أوزال للتجارة مع الدول الإسلامية لا سيما مع السعودية التي تمددت ماليا في تركيا من خلال شركات عدة أهمها ( البركة ترك ) ( فيصل فيناس ) ومع الكويت عبر بيت كويت فيناس .

لقد ساعد ذلك على نمو قطاع رأسمالي واسع يفرض عليه الرأسماليون الإسلاميون الجدد سيطرتهم , مما فسح المجال أمام الحركة الإسلامية لتوسيع نفوذها في المجال الثقافي والإعلامي والتعليمي وتوسيع شبكة المؤسسات الاجتماعية واجتماعيا كانت سياسة أوزال تهدف إلى محاولة صهر الفئات المختلفة للمجتمع التركي في بوتقة واحدة , وإلغاء سياسة الإقصاء النابعة من التقسيم الشائع للمجتمع التركي بين فلاحي الأناضول والأتراك البيض , من سكان المدن الكبرى وفي مقدمتها استنبول , ففي عهد أوزال بدأ هؤلاء الفلاحون بممارسة النشاط السياسي وصبّت مواقفهم لدعم الحركة الإسلامية بقوة فضلا عن أن النخبة السياسية الحاكمة لا سيما بعد عام 1983 بدأت تنظر بعين الاعتبار إلى الهوية الإسلامية مع أن هذا يعدّ مناقضا للمسار السياسي لما تعنيه الحداثة والأتاتوركية كان نتيجة ذلك حدوث عمليتي دمج للإسلام بالقومية لغرض تذويب الفروقات القومية والعرقية التي تألفت منها تركيا وخلق قالب واحد يسيطر عليه الإسلام , أما المحطة الثانية فهي إدخال الإسلام للعملية السياسية عن طريق حزبي الوطن الأم والرفاه , ويتفق الباحثون على تصوير حقبة الثمانينيات بأنها حقبة إحياء إسلامي على غرار حقبة الخمسينيات عندما رعي الديمقراطيون أيام مندريس الإحياء الإسلامي , ومن الأمثلة على ذلك جعل بعض المؤسسات الدينية والبنوك من أهم المراكز التي تمول الحركة الإسلامية في تركيا مثل بنك الأوقاف Avkaf Bankas.

إن الأزمات التي واجهت عمليات التحديث ليس في تركيا فقط وإنما على مستوى العالم وما تعرضت له الحضارة الغربية من تحديات جعلت من وعود المشروع الكمالي أقل مصداقية , فإذا كان ظهور سياسات ما بعد الحداثة في أوروبا هو نتيجة الأزمات الأيديولوجية التي خلقتها عمليات التحديث والمرتبطة بموضوع الهوية , فبالنسبة لتركيا إن أزمات التحديث أدت إلى تزايد النشاطات الإسلامية وبدأت المواضيع الإسلامية مثل تحدى الغرب وقيادة المحيط ضد المركز والتشديد على خصوصية الثقافة الإسلامية تجد لها آذانا صاغية لدى هذا الجيل من الطلاب والمثقفين خلاصة القول إن ظروف ما بعد الحداثة قد سمحت بالتشكيك بحقائق كان لا جدال في شأنها بالماضي حول مشروع تغريب تركيا ,وبالنتيجة تزايدت شعبية الحركة الإسلامية من جانب آخر فالإسلام ينسجم مع موضوع سياسات ما بعد الحداثة وما فوق الهوية ويتجاوز الطبقات والقوميات وهذا ما كان يبحث عنه العسكر تحديد بوصفه علاجا لمشكلات تركيا .

المبحث الثالث : أربكان و حزب الرفاه 1983 - 1995

أسفر الواقع الجديد الذي أفرزته حكومة الانقلاب عن نوع من التوافق بين الحركة الإسلامية والموروث العلماني , مما أفسح المجال لأن يكون للإسلاميين دورهم السياسي في المرحلة القادمة فبعد مرور ثلاث سنوات على قيام الانقلاب العسكري الثالث في 12 أيلول 1980 وافقت المؤسسة العسكرية على استئناف الحياة السياسية وفق شروط منها تأسيس أحزاب سياسية جديدة غير تلك الأحزاب المحظورة .

وعلى الرغم من ذلك شهدت تلك المرحلة عودة رموز وأيديولوجيات الأحزاب القديمة لتشكيل ذاتها تحت مسميات جديدة لذلك لم يستبعد المراقبون عودة قيادات حزب السلامة لتشكيل حزب جديد بأفكار إسلامية من الممكن أن تجد صداها لدى رقعة واسعة من جماهير تركيا فضلا عن تمتع زعيمه نجم الدين أربكان باحترام وتقدير كبير على المستوى الشعبي , وبالفعل تقدم المحامي على توركمان في 19 تموز 1983 بطلب لتشكيل حزب يرث حزب السلامة الوطني فوقع الاختيار عليه أول رئيس للحزب وبمشاركة ثلاثين شخصا من أبرزهم على ولال ومصطفي فوج وعثمان أصلان وحسن يلمز ومحمد بولاق أحمد توبال أوغلوا وزكي كوزار وهؤلاء ليسوا من قيادات الواجهة الرئيسية لحزب السلامة أمثال أربكان وشوكت قازان وياسين خطيب أوغلوا , الذين تم حظر نشاطهم كما ذكرنا سابقا .

ومع ذلك قد وقف مجلس الأمن القومي في وجه هذا الحزب وعطل إجراءات مشاركته في الانتخابات العامة التي جرت في أيلول من ذلك العام بذريعة تحفظاتهم على بعض الأسماء المقدمة الأمر الذي فسره أربكان بقوله :-" إن النظام العسكري يومها لم يسمح لحزب الرفاه بالمشاركة في تلك الانتخابات بسبب موافقته على مشاركة ثلاثة أحزاب فقط . واحد يساري ولم يتفاعل معه الشعب والثاني تمّ تشكيله من قبل النظام العسكري مما أدّى إلى رفض الشعب له أيضا , وبذلك أصبح الحزب الثالث الوطن الأم وزعيمه أوزال الحزب الوحيد أمام الشعب مما أدّى إلى فوزه بأغلبية الأصوات ومن ثمة تشكيل الحكومة , وكان على توركمان من بين اعترض عليه مجلس الأمن القومي فتولي أحمد تكدال وهو رجال أعمال مسؤولية رئاسة الحزب بدلا عنه , وأخذ على عاتقه وبمباركة أربكان مسؤولية تأسيس الحزب , ثم قدمت قائمة جديدة تضم 25 عضوا حازوا على موافقة المجلس المذكور ثم بدأت كوادر حزب السلامة الوطني بالانخراط تدريجيا في حزب الرفاه , وهذا يفسر طبيعة العلاقات التنظيمية السليمة وعلى الممارسة الديمقراطية بين تلك الكوادر بشكل صحيح , إذ لم يؤد غياب أى قيادي خلال تلك المدة إلى انهيار منظومة الحزب بالكامل , وانطلاقا من ذلك بدأ الحزب يعيد تنظيم قواعده , فسعى لكسب الأصوات شيئا فشيئا علما بأن قسما مهما من كوادره قد أعط ولاءه لحزب الوطن الأم بوصفه الحزب الذي أتيحت له المشاركة في انتخابات 1983 .

ولأن حزب الرفاه كان في بداية تأسيس كوادره وإعادة بناء هيكليته التنظيمية من ناحية وانضمام أصوات كثيرة من أنصار حزب السلامة الوطني إلى حزب الوطن الأم تحت قيادة أوزال بل

مساهمة البعض منهم في تأسيسه من ناحية أخرى , لذا لم يحقق سوى نسبة 4,4 % من أصوات الناخبين في الانتخابات التي جرت في 25 آذار 1984.

أولا : تسمية حزب الرفاه وشعاره

اختار أربكان وزملاؤه للحزب الجديد اسم الرفاه وقد فسرت بعض المصادر هذه التسمية بأنها جاءت ضمن سلسلة التطور الأيديولوجي لأربكان وأنصاره بدءا من حزب النظام الوطني الذي يعبرّ عن سيادة الشريعة وانتقالا لحزب السلامة الوطني الذي يعبّر عن البعد المعنوي والهدف الأخلاقي للحزب , أما الرفاه فهو الهدف القائم على تحقيق رفاه المجتمع من خلال بناء الاقتصاد والإنسان .

إلا أن شوكت قازان يتحدث عن تفاصيل تسمية حزب الرفاه قائلا : -" إنه بعد أن أكملنا الترتيبات الخاصة بالحزب وكان الأستاذ أربكان على رأسنا وبعض أصدقائه جاء دور تسمية الحزب وتم ّ بالفعل بعد مناقشات مطولة اختيار اسم ( الطريق الصحيح ) تيمنا بالصراط المستقيم وتمّ التصديق عليه بشرط عدم الإفصاح عن الاسم لحين حصول الموافقات الرسمية على التأسيس إلا أن ما حدث كان أمرا مثيرا للاستغراب , ففي يوم 23 حزيران 1983 أعلن في الراديو والتلفزيون عن تأسيس حزب الطريق الصحيح ويقول قازان : -" إنني أصبت بدهشة عند سماعي لذلك الإعلان وتصورت أن أحد الرفاق قام بالإعلان عن اسم الحزب فقمت بالاتصال بالرفاق والزملاء لأستوضح الخبر " هل تمّ الإعلان عن تأسيس الحزب ؟!" لكن بعد الاستفسارات تبين أن هناك حزبا أخر اتخذ الاسم نفسه وليس حزبنا ثم علمنا بعد ذلك أن ديميريل أسس الحزب وأخذ اسمه بطريقة ما تم اجتمعنا بعد ذلك لاختيار اسم جديد وبعد مناقشات تم الاتفاق على اختيار اسم الرفاه للحزب المزمع تأسيسه " وأضاف موضحا شعار الحزب قائلا :" أما بالنسبة لشعار الحزب فقد تم اختيار الهلال والسنبلة فالهلال يرمز إلى الحرية والسنبلة تمثل البركة , ويمكن كذلك الربط بين الهلال بوصفه شعارا عثمانيا إسلاميا .

ثانيا : حزب الرفاه والمنظور الفكري لنجم الدين أربكان

مما لا شك فيه أن نجم الدين أربكان كما سبق القول كما منذ عقد الستينيات الممثل الأبرز للحركة الإسلامية في تركيا ولم يقتصر ذلك على نشاطه السياسي والاجتماعي الاقتصادي وإنما طور أيضا منهجا فكريا وفلسفيا خاصا به , قد عبرّ عن ذلك في خطبه وكتيباته ومحاضراته وعندما تولي قيادة أيديولوجية فكرية تجسدت سياسيا في حزب الرفاه وأطلق عليها تسمية ( النظام العادل ) ( Adel Duzen).

ولما كانت العلمانية هي الفكرة المهيمنة على السياسة التركية وجد أربكان أنه يجب أن لا يتقاطع كليا معها , وإنما يدعو إلى تفسير جديد للعلمانية مشتق من العلمانية الغربية , التي أطلق عليها تسمية " العلمانية الحقة " وهي برأيه العلمانية الأوروبية إذ يقول " إننا نؤمن بالعلمانية الأوروبية التي تعني حرية العقيدة والرأي وندعو إليها ضمن الإطار الديمقراطي للنظام القائم , فالعلمانية التركية برأى أربكان - قد اشتطت عندما ناصبت الإسلام العداء فضيقت الخناق على الإسلاميين وحرمتهم بدرجة كبيرة من ممارسة الحرية الدينية , إذ بدأ وفقا لقول أربكان أن هذه العلمانية في تركيا هي بمثابة " سياسة العداء ضد الإسلام أو نظام القمع ضد المسلمين , فالدولة التركية ومن خلال الدستور والقوانين تتدخل في الشؤون الدينية وتمارس حظرا على النشاطات الدينية وقد صدرت تشريعات عديدة لا صلة لها بالعلمانية الحقيقة كالتشريعات المرتبطة , بمنع ارتداء الحجاب من قبل موظفات الدولة وطالبات الجامعات وزوجات العسكر , وكذلك التشريعات التي تحرّم خريجي المدارس الدينية من الالتحاق بالكليات العسكرية ... الخ .

والأهم من ذلك حظر الأحزاب ذات الصبغة الدينية وفقا للمادة (163 ) من دستور عام 1961 والمادة ( 24 ) من دستور 1982 ويصف أربكان العلمانية التركية قائلا : - " إن العلمانية التركية تختلف اختلافا جوهريا عن نظيرتها الغربية , فالأخيرة هي فصل الدين عن الدولة وعدم التدخل بشؤون الكنيسة ولا الكنيسة بشؤون الدولة " فالعلمانية من وجهة نظر أربكان غير مطبقة في تركيا بل تحت اسم العلمانية يمارس نظام القمع والعداء للإسلام وضمن هذا السياق يقول أربكان :" كل واحد في الغرب يمتلك الحرية الدينية ولا أحد يستخدم الإكراه والعنف لإجبار الآخرين على قبول اعتقاده "

ثالثا : أربكان والإسلام السياسي

تمثل نجم الدين أربكان منذ صغره بالأفكار الإسلامية , فسبق القول أنه كان تلميذا مخلصا للحركة الصوفية ( النقشبندية ) والشيخ كتكو وكونه قد دخل البرلمان نائبا عن أعرق مدن تركيا إسلاما ألا وهي مدينة قونية , وأنه سواء في تصريحاته أو مؤلفاته قد تأثر تأثرا عميقا بالمفكرين المسلمين المعاصرين من أمثال حسن البنا وسيد قطب , وأبو الأعلي المودودي وهو بلا شك وحسب شهادة المقربين منه وريث توجهاتهم , لكنه تفرّد عن الحركات الإسلامية المعاصرة في اختيار طريق خاص مبعثة ولا شك خصوصية تركيا التي عاشت نظاما حزبيا ديمقراطيا لأكثر من نصف قرن فضلا عن الانقسام الطائفي والعرقي والأيديولوجي , فوجد أربكان بأن الإسلام هو وحدة من يستطيع أن يجد الحلول لمشكلات تركيا المتجذرة التي استعصت على الأحزاب سواء من اليمين أم من اليسار إذ يستوحي أربكان في ذلك مقولة جلال الدين الرومي إذ يقول : -" تعال بغض النظر عن الأصل الذي جئت منه ومن تكون , تعال وذوب هويتك في الوقت المناسب " وعلى ما يبدو أن أربكان لم يرّ مجال الحزب تركيبا مرنا يمكن تغيرّه مع ظهور مشاركين أو أعضاء جدد , وإنما أراد أن يقبل المنتمين الجدد صياغته القائمة بمعني أن لا يغيروا صيغته التي تتصرف كمدرسة تصهر وتصيغ عقليته لكنه وبفعل التشريعات المشار إليها لم يستطع التصريح بكون حزبه الرفاه حزبا إسلاميا إذ سعي أربكان إلى تغليف اتجاهه الإسلامي بغطاء أخلاقي إصلاحي لذلك اختار أن يكون الإطار الذي ضم أيديولوجيته الإسلامية عنوانه النظام العادل لا النظام الإسلامي لكن ذلك لم يمنع الأحزاب الأخرى والشخصيات العلمانية من تشخيص الرفاه ورئيسه بأنه حزب إسلامي صريح ويرتبط ذلك بموضوع الديمقراطية إذ رأي هؤلاء بأن الإسلاميين لا يمكن أن يختاروا نظاما سياسيا علمانيا وإذ تيّسر لهم الوصول إلى السلطة سوف يسعون لإحداث تغيير جذري في الأسس الدستورية القانونية لتركيا .

  • أ‌- المجال الاقتصادي :

ليس من المستغرب أن يكون الحل الإسلامي للمشكلات الاقتصادية التي كانت تركيا ترزح تحتها من بين أهم الحقول التي أسهب أربكان وحزبه في مناقشتها ويكفي القول بأنه قد أفرد في برنامجه ( النظام العادل ) حيزا كبيرا نسبيا لمعالجة المشكلة الاقتصادية لخص بـ ( 31 ) مادة من هذا البرنامج وقد عالج في هذه المواد المسائل المتعلقة بدور الدولة في الاقتصاد وطبيعة العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمشكلات الاقتصادية مثل البطالة والتضخم والديون الخارجية فبالنسبة لأربكان إن هذا النظام سيقدم حلولا لمعالجة مشكلات الاقتصاد التركي وإنقاذ سفينة الاقتصاد التركي من الغرق ولا يمكن للحلول التي قدمت لإصلاح الاقتصاد التركي أن تحقق برأي أربكان شيئا وجوهر الحل الذي يقدمه أربكان هو إلغاء الفائدة والضرائب المتعسفة ومنع طبع العملة دون غطاء مالي ويطبق ذلك على الجوانب المختلفة للاقتصاد وفقا للآتي :

بقدر تعلق الأمر بدور الدولة بالعمليات الاقتصادية فإنه يري أن الدولة يجب أن تتيح حرية السوق ولا تتدخل في الأسعار ولا تتقاضي أية فائدة والأهم أن تحدد سعر صرف ثابت لعملتها وضرائب محددة أمام أى مستثمر , لا بل دعا إلى تقنين الضرائب وتثبيتها ضمن الدستور لأن ذلك سيمنح المستثمر الثقة ويمكنهّ من التخطيط للمستقبل دون قلقل , ويستذكر أربكان بشئ من المرارة تدخّل الدولة في المشروعات الاقتصادية في أعوام السبعينيات عندما وأدت الحملة التصنيعية الضخمة التي أطلقها وتجاهلت مناطق الجنوب الشرقي لتركيا طويلا , تدخل الدول في القروض قد أدي برأي أربكان إلى سياسة انتقائية فاشلة إذ زادت الأغنياء غني ووقفت أمام إمكانية الطبقات الأدني للقيام بالنشاطات الاستثمارية لأن القروض برأيه يجب أن ( تكون من حق الجميع ) وإلغاء الفائدة والضرائب العالية واستقرار صرف سعر الليرة التركية ستخفض من كلفة الإنتاج وتؤدي إلى رخص أثمان البضائع المنتجة وزيادة الطلب عليها فتزداد الحاجة للأيدي العاملة وبذلك يتم وضع حد للبطالة واستيعاب الأيدي العاملة فبرأي أربكان إن برنامج العمل لعام 1994 قد استوعب عشرة ملايين عامل بينما سيضاعف تطبيق النظام العادل برأيه هذا الرقم ثلاثة أضعاف .

ومن المنظور نفسه يري أربكان أن زيادة الإنتاج نتيجة العوامل السابقة ستؤدي إلى تشجيع التصدير ومن ثمة دخول العملة الصعبة إلى تركيا فتقدم حلا لمشكلات التضخم والديون إذ سيتحسن سعر صرف الليرة التركية وستجد فائضا من العمل الأجنبية لتسديد ديونها الخارجية " فالتصدير سيوفر العملات لذلك ولن تطبع العملة دون غطاء مالي " وقد أثير النقد حول ما عد تصورا خياليا بالغ التفاؤل إلا أن أربكان يرد على هذا الاتهام بالقول : -" بأنه قد جرى فعلا تطبيق بعض فقراتها في السبعينيات عندما كان حزبه ضمن حكومات الائتلاف وفي التسعينيات من خلال مديري البلديات من أعضاء حزب الرفاه .

ومما لا شك فيه أن أربكان يصور نظاما اقتصاديا إسلاميا وإن كان لم يصرح بذلك إذ جعل من الضروري أن يتلازم في أى إصلاح جذري للاقتصاد العاملان المادي والروحي وهذا لا يتحقق برأي أربكان إلا " بأسلمة الاقتصاد " ويعقب على ذلك بالقول " إن نظام الاقتصاد في الإسلام هو طريق الثراء حيث يعمل على ثراء الإنسان ولكنه في النهاية يصنع إنسانا ثريا تربي على الجوانب المعنوية .

  • ب‌- المجال الاجتماعي .

كان للمجال الاجتماعي حيز لا يستهان به من اهتمام نجم الدين أربكان وحزبه الرفاه فتأسيسا على طروحاته في السبعينيات عندما قاد حزب السلامة الوطني واستثمار للتجربة السياسية التي خاضها سابقا . توجه الرفاه بالخطاب إلى الفئات التي كانت مهمشة سابقا ومغيبة سياسيا ضمن التقسيم التقليدي التركي المركز – المحيط , ووجد أن حل هذه المشكلات في النظام العادل الذي طرحه والذي دعا إلى العدالة وضمان البيئة الاجتماعية والاقتصادية وحماية ملكية الدولة والعلاقات الأسرية , ومما لا شك فيه أن كل ذلك ينطلق من مفهوم إسلامي لأنه يركز على الحلول الإسلامية بوصفها علاجا للمشكلات الاجتماعية وسنجد في ممارسات الرفاه الكثير من التطبيقات لهذه الطروحات النظرية .

رابعا : نشاطات حزب الرفاه

تأسيسا على المبادئ السابقة وضع حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان ( رسميا منذ عام 1987 ) برنامجا مفصلا لتحقيق أهدافه , شمل مختلف جوانب حياة المواطن التركي, وأن جهودا مضنية قد استغرقت نحو عقد من الزمن هي التي جاءت بأربكان إلى السلطة واشتملت عليها لبناء قواعد ومؤسسات الحزب وترسيخ صورة إيجابية عنه في ذهن الناخب التركي وهذه المجالات هي :

  • أ‌- المجال السياسي :

يعد حزب الرفاه أحد معابر الإسلام السياسي لصياغة أهدافه أمام المجتمع التركي , ولفهم حزب الرفاه في مبدئه السياسي وتنظيمه لابد أن نفهم سلفه حزب السلامة الوطني الذي تأسس على أفكار نجم الدين أربكان نفسه , فحزب السلامة مثل أولئك الذين لم يندمجوا كليا على المستوى الاقتصادي والثقافي في المركز المتحضر بعبارة أخرى ممن ظلوا بعيدين عن مركز صنع القرار لكن ارتباط فكر أربكان بالممارسة السياسية الحزبية دفعه إلى بلورة موقف إسلامي خاص من الديمقراطية والممارسات الحزبية في دراسة عملية إعادة أسلمة مؤسسات النظم التركية السياسية التي تستدعي عملية جدلية من أعلي إلى أسفل من خلال ممارسة السلطة السياسية ومن أسفل إلى أعلي من خلال المشاركة السياسية .

إن عملية الأسلمة التدريجية للبيروقراطية الحكومية التي كانت المعقل الرئيس لسياسات كمال أتاتورك العلمانية خطوة مهمة نحو الهدف النهائي لحزب الرفاه نحو ما رآه البعض من إقامة دولة إسلامية في تركيا , ففي فترة ظهور حزب الرفاه ظلت المدارس العسكرية المؤسسة الوحيدة التي لا تقبل خريجي معاهد الأئمة والخطباء , وكان شعار " الرفاه إلى الحكومة والأئمة والخطباء إلى الجيش " إحدى الشعارات التي رفعها حزب الرفاه في الحملة الانتخابية في عام 1995 وكان للحزب أهداف أساسية منها تكوين هوية إسلامية تتجاوز القومية وبناء مجتمع ذي قيم وأخلاق فحزب السلامة أجاز المتطلبات الشرعية والثقافية الإسلامية ولعب دورا مؤثرا في تأكيد المصالح الدينية في السياسة التركية الحديثة.

أما خليفته فقد وسعّ قوته أفقيا وعموديا باتجاه المؤسسات الحاكمة من خلال التشديد على الهوية والعدالة الاجتماعية ويتفق معظم الباحثين على أنه على الرغم من أن الإسلام في تركيا يشترك بمزايا عديدة مع حركات إسلامية أخرى في الشرق الأوسط إلا أنه تنامي وتتطور في بيئة اجتماعية وسياسية مختلفة جدا أعطته إطارا ذا طبيعة فريدة فالأيديولجية الإسلامية لتركيا مرتبطة مع القومية التركية بأسلوب فريد وتحديات المكونات العلمانية والهوية الأوروبية الكمالية تهيمن على الشكل الرسمي للقومية التركية , ففي الوقت الذي تبدو فيه سياسات حزب الرفاه من حيث الشكل بأن صياغتها هي وفقا للمفاهيم الإسلامية لكنها ثورية حقا في محتواها فعندما طلب من (172 ) شخصا أن يعرّفوا أبرز خصائص حزب الرفاه من خلال استبيان تمّ إجراؤه في ( آذار 1995 ) قال 70% منهم ( النزاهة – العدالة – المساواة ) ورأي آخرون أنها ( محاربة الرشوة والفساد وحماية التراث والقيم الأخلاقية ومساعدة المحتاجين والفقراء والصدق والوحدة والتضامن والقضاء على الدعارة والانحطاط الاجتماعي ) إن هذه الدراسة أكدت الانطباع عن حزب الرفاه بعد أكثر من عقد من الزمن على تأسيسه أنه حزب مستقيم بعيد عن الفساد السياسي والإداري الذي تميزت به بقية الأحزاب وهذه السمعة أتاحت لحزب الرفاه أن يخرج من حلقة أصوات الإسلاميين إلى ما هو أوسع وتدلل مراسلة النيويورك تايمز في أنقرة بقول أحد الشباب الأتراك والذي يعمل في دكان يعيل أمه الأرملة " صديقتي مسيحية أحب السفر إلى أوروبا , وفي المساء أذهب إلى الملاهي وأشرب الخمرة كل هذا يعني أنني لا يجب أن أحب الرفاه إلا أنني أعطيته صوتي و فصوتي لم يكن للإسلام بل لأناس أنظف وأفضل . فقد أراد أربكان أن يكون حزب الرفاه حزبا ديمقراطيا شرعيا لا ينقلب على النظام القائم ويلجأ إلى الطرق الديمقراطية للوصول إلى هدف نهائي في تأسيس نظام مبني على الدين في تركيا .

ويرى ألن ماكوفسكي ( الخبير في الشؤون التركية في معهد واشنطن للدراسات الآسيوية ) أن من الصعوبة بمكان تحديد ما إذا كان الرفاه من الديمقراطيين الصادقين أو خلاف ذلك لأن الحزب لم يفرض سيطرته المطلقة على السلطة السياسية يوما كما أن الرفاه ليس كيانا متجانسا متينا . فقيادته أفراد يتوقون للمشاركة في العملية الديمقراطية وآخرون تحوم كثير من الشكوك حيال التزامهم بالنمط الغربي من الديمقراطية البرلمانية .

لذا فإن هناك من يشكك بالتوجه الديمقراطي الإسلامي جزئيا لأن مسؤولي الحزب دأبوا على إرسال إشارات مختلطة ومبهمة بينما قادة الحزب غالبا ما قالوا إنهم لا يعارضون الديمقراطية والتعددية السياسية , أما أربكان فيذهب بعيدا جدا ويتناقض ظاهرى حينما يعد الديمقراطية بأنها مجرد " واسطة لا غاية " أما الغاية فهي إقامة " نظام السعادة " ويقول زعيم حزب الرفاه :" يجب أن لا ننسي أبدا أن الديمقراطية وسيلة وليست غاية , الغاية إقامة نظام السعادة فتحت اسم الديمقراطية يختار هذا فلانا وذاك فلانا لكن إذا كانت النتيجة بعد الانتخابات قيام ( نظام الظلم ) فلا تبقي قيمة لهذه الانتخابات والأشكال المنبثقة عنها .

وبالمقابل يدعي أربكان أن حزبه هو الوحيد المؤهل لإقامة ديمقراطية حيث إنه منسجم مع فكرة إقامة حياة ديمقراطية على الطريقة الليبرالية والتعددية السياسية الواسعة وانتخابات دورية ومبدأ التتاوب والتبادل الشرعي للسلطة ,إذ أن تجربته السياسية الطويلة لم تسجّل خرقه للنظام الديمقراطي بدليل إذعانه لقرار إسقاط حكومته كما سيمر بنا لاحقا .

إن استراتيجية حزب الرفاه هي إعادة صياغة مخيلة الأتراك إسلاميا بوصفهم يشكلون المجتمع الأخلاقي أو مجتمع الأخلاق , وكان للأخلاق أو كما صيغت باسم المعنويات حيز مهم في فكر نجم الدين أربكان وحزبه فبالنسبة له أن المشروع التركي هو مشروع المجتمع التركي الذي يحظي بمباركة الرموز المقدسة ويستمد إلهامه من التجربة العثمانية ,فقد عبرّ عن الفكرة الإسلامية وفق رموز تاريخية تناغي تلك المخيلة وكانت عبارة ( المعنويات والقيم هي القاسم المشترك لأغلب خطابات وتصريحات نجم الدين أربكان وسواه من منظري حزب الرفاه ) إذ يذكر أربكان ضمن هذا السياق قائلا :-" لو أردنا الوصول إلى النجاح فيلزم علينا إحياء الشعور الوطني أولا . فالأخلاق والمعنويات في مقدمة العناصر الواجب إحياؤها ضمن الشعور الوطني .

وارتباط الحديث عن الإسلام والأتراك ومجتمع الأخلاق يقود أربكان لبعث الحديث عن الإمبراطورية العثمانية فيقول : -" إن أمتنا صاحبة أعظم وأشرف تاريخ فقد أسست حضارات نموذجية وأضاءت الطريق للبشرية وعلمت الإنسانية كيف تكون الأخلاق والفضيلة وإدارة العالم ووجهته " ويرى أن الأساس الذي اعتمدت عليه الأمة في بناء حضارتها هو الإيمان , إذ قال : " وبينما كانت أمتنا تحرز هذه الانتصارات والنجاحات لا شك أن الإيمان كان يشكل مصدر قوتها الأساسية , وعند حديثه عن مجد الإسلام وتاريخه الحافل بالانتصارات يذكر بطولات السلاطين محمد الفاتح وسليم الأول وسليمان القانوني ( 1520 – 1566) وموقف السلطان عبد الحميد الثاني ويقوم بتوظيف تلك الرموز التاريخية العثمانية للتأكيد على أثر الإسلام في صنع الأمجاد والوصول إلى الريادة والرفعة .

  • ب‌- المجال الاقتصادي :

شهدت حقبة الستينيات والسبعينيات توسعا كبيرا في الصناعات التحويلية في تركيا على غرار عدد من دول العالم الثالث , وكذلك تم هذا الأمر من خلال سيطرة الدولة على عملية التصنيع , وقد تميزت هذه العملية في تركيا بقيام نوع من التحالف بين الدولة وفئة كبار الصناعيين المنضوين ضمن اتحاد غرف الصناعة والتجارة والمتمركزين جغرافيا في غرب تركيا وتحديدا في استنبول وأنقرة , وإذا كان أربكان قد تولي يوما رئاسة هذا الاتحاد فإنه كان ناقما وناقدا شديدا له ووصفه بأنه ( هيئة كومبرادورية ماسونية للأقلية ) بسبب ضعف تمثيل تجار الأناضول وصناعييه الصغار الذين نموا مع الوقت مستفيدين من جملة متغيرات عاشتها تركيا وعاشتها المنطقة فبالنسبة لتركيا كان صعود الإسلام السياسي على أثر انقلاب عام 1980 قد رافقته عملية تحرير للإقتصاد تبناها تورغوت أوزال رافقها ظهور طبقة برجوازية محافظة جديدة مستفيدة من تخفيف الدولة لسيطرتها على الاقتصاد , وهي طبقة تألفت غالبا من تجار وصناعي شرق تركيا وكذلك من الفئات المهمشة وصغار رجال الأعمال في استنبول وأنقرة , وقد تألف هؤلاء جميعا في اتحاد غرف باتحاد رجال الأعمال المستقلين ( MUSIAD) ليكون مقابلا ومعارضا للإتحاد السابق المهني ( اتحاد Tusiad) ومما يثير الانتباه أن تستقطب الأفكار الإسلامية هؤلاء فيصبحون من أنصار الأحزاب ذات التوجه الإسلامي التي وفقت موقفا معارضا للدولة وسياساتها , وقد أثمر هذا التحالف عن تضاعف قوة الطرفين ( الإسلامي والصناعي الناشئ ) إذ نمت هذه الطبقة وأصبحت ذات ثقل كبيرا في الاقتصاد التركي مثل ( شركات أولكر وقومباسان وإخلاص وإتقان ويمباش ) وخطرها على المؤسسات التقليدية فأطلق عليها تسمية ( النمور الخضر ) نسبة إلى اللون الأخضر الذي يرمز للإسلام , أما بالنسبة للأحزاب وفي مقدمتها حزب الرفاه فقد قدمت هذه الشريحة له الدعم المادي وتحشيد الجماهير حوله , فقد فتحت شركات جديدة يمتلكها إسلاميون أو مستثمرون إسلاميون وتأسست أيضا البنوك الإسلامية بدون فائدة مثل ( البركة تورك) و ( فيصل فيناس ) فضلا عن ( بيت كويت فيناس ) في الوقت نفسه فإن الجماعات المحافظة وجدت في التوجهات الإسلامية التي طورها قادة الانقلاب أرضا خصبة لتطوير حزب الرفاه , فمع بداية مشاركة عامة المسلمين في هذا النظام وفي التغيرات الاقتصادية والسياسية والتعليمية حسب نظرتهم عندها اكتسبت الدولة الشرعية بنظرهم , وهذه الجماعة أرادت أن تدخل الإسلام من القمة إلى القاعدة و أتاحت المجال لتوغل الجماعات الإسلامية فيها مثل حزب الرفاه وهكذا أصبحت العلاقة المتبادلة بين الدولة والإسلاميين متطورة ومتنامية .

  • ج- المجال الاجتماعي :

يمكن أن يفهم الأساس الاجتماعي للإسلام السياسي في تركيا بأنه يتألف من شرائح اجتماعية واقتصادية مختلفة , على الرغم من وجود اختلافات في الاهتمامات والدوافع وراء دعمها للإسلام السياسي , فإن هذه الشرائح المختلفة موحدة في معارضتها للكمالية وتعبيرها السياسي من خلال التأكيد على الهوية الإسلامية فعندما ظهر حزب الرفاه علي المسرح السياسي سعي لتكوين ونقل أو تحويل أنصاره باتجاه هوية إسلامية جديدة يمكن أن تحتوى هذه الاختلافات , لأن حزب الرفاه خلافا لبقية الأحزاب في تركيا لديه أيديولوجية جاهزة لكن هذا لا يعني أن الحزب كان سلبيا يقبل أعضاءه

وفقا لأفكارهم وانتماءاتهم فعلي سبيل المثال عندما وافق الحزب على قبول الهويات المختلفة كان يتصرف كواسطة بين هذه الهويات .

ومما هو جدير بالاهتمام مقارنة أداء حزب الرفاه الانتخابي مع دور سلفه حزب السلامة الوطني في السبعينيات فقد كانت قاعدة حزب السلامة متمركزة في المحافظات ذات المستوى المتوسط من ناحية التنمية في حين استقطب حزب الشعب الجمهوري أصوات سكان المدن , أما في الثمانينيات والتسعينيات فقد وعي حزب الرفاه ذلك وأفاد من جملة المتغيرات السياسية في تركيا فتوجه صوب المدن مقدما بديلا قويا للديمقراطيين الاشتراكيين من جهة وللديمقراطيين من جهة أخرى , فبالنسبة للفئة الأولي نجح الرفاه في مخاطبة الفقراء والمحتاجين والدفاع عنهم وجمع بين العمال ورجال الأعمال تحت سقف واحد وحاول أن يوحدهم في هوية إسلامية واحدة , ونجح في مخاطبة الفقراء بلغة تعبرّ عن العدالة والمساواة الاجتماعية ويملأ الفراغ الذي نشأ عن انهيار سلطة الدولة والأيديولوجية الاشتراكية , وفي الوقت نفسه نجح الرفاه في مخاطبة أحزاب اليمين واستمالتها لجانبه بسبب نجاحه في بلورة مفهوم جديد للإسلامية التركية التي تستطيع أن تصمد في مواجهة تحديات ما بعد القومية وما بعد الاشتراكية فقد لعب حزب الرفاه دورا أساسيا في إعادة التنشئة الاجتماعية .

كان حزب الرفاه قادرا على ضخ أو تغذية شكل هوية إسلامية فوق القومية بطرائق عدة فقد لعب دور الناقل لأصوات الجماعات الإسلامية إلى عامة الناس , ويمثل مصالح الإسلاميين في البرلمان التركي وأصبح وسيلة للإسلاميين للانتقال إلى إدارة البلديات المحلية والبيروقراطية وأكثر من ذلك استمر في توظيف الإسلاميين في دوائر الدولة .

لعب حزب الرفاه دورا أساسيا في عملية التنشئة الاجتماعية السياسية للجماعات الإسلامية من خلال تعبئتهم للمشاركة في النظام السياسي وخلافا لبقية الأحزاب التركية فإن حزب الرفاه هو تعبير مؤسساتي عن الحركة الاجتماعية الحديثة التي تجاهد من أجل إعادة تعريف العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق الوسائل السياسية .

كما جاء نجاح الرفاه لدفاعه عن مصالح الفئات الاجتماعية المهمشة والمؤلفة من ثلاث فئات: الفئة الأولي قاعدة المحيط التي تمثل أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة وهم في الأغلب من الولايات وكانت مصالحها ضد مصالح أصحاب رؤوس الأموال الكبار المتمركزين أساسا في استنبول .

أما الفئة الثانية فتمثل الطبقة الوسطي المهنية والمؤلفة من خريجي الجامعات من ذوى خلفيات محافظة غالبا من الولايات وهؤلاء بدأوا يجابهون النخبة المهنية في المراكز التي كانت في الأساس داعمة لبقاء الكمالية في تركيا إلا أن هذه الفئة الجديدة ( خريجو الجامعات من المحافظين ) استغلت التوجه نحو تأكيد الهوية الخاصة فجعلت نفسها معيارا شرعيا للمثقف.

أما الفئة الثالثة الأخيرة المتمثلة بالطبقة العاملة التي كانت هويتها الهامشية قد تشكلت من المهاجرين المتمركزين في أطراف المدن ممن كانوا عاجزين في الحصول على عمل ثابت وكانت أدوارهم هامشية خلافا للطبقة العاملة والراسخة الجذور والمتمركزة من خلال صلاتها الرسمية مع الدولة فهذه الفئة كانت متأرجحة تتجذب نحو هذه الحركة أو تلك من الحركات السياسية فجاءت جهود حزب الرفاه في تعبئة حركة تقوم على الجماهير وشعاراتها في الدرجة الأساس كانت موجهة إلى هذه الفئة الاجتماعية دون أن ينسي الحزب أن يكسب أيضا الطبقة العمالية الأصلية .

كما عرّف حزب الرفاه الشعب بأنهم المسلمون بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والطبقية فهو يؤكد على التضامن الإسلامي أكثر من تأكيده على التضامن العرقي أو الطبقي بعبارة أخرى فإن المجتمع بالنسبة للحزب مؤلف من المسلمين الذين يوحدهم الإيمان وتوحدّهم ممارسة الصلاة والصوم ولقد دأب أربكان على ( تكرار ) مقولة جلال الدين الرومي الذي يقول : - " تعال بغض النظر عن الأصل الذي جئت منه ومن تكون ؟ تعال وذوب هويتك في الوقت المناسب , بناء على ذلك بذل الرفاه قصارى جهده بين أوساط العمال والفلاحين وأبناء الأحياء الفقيرة في الوقت الذي كانت الأحزاب العلمانية مشغولة بصراعاتها وانشغال رجال السياسة بصراعاتهم في إقرار الميزانية العامة كان الرفاه يسعى إلى معالجة ما يمكن إصلاحه وتقديم المساعدة في محاربة الفساد والرشاوى وتقديم الخدمات .

ولتحسين الوضع الاجتماعي لتلك الطبقات قام حزب الرفاه بفعاليات اجتماعية محلية مثل جمع الزكاة وبناء المدارس والعيادات الطبية إلى بناء مساكن شعبية وتوزيعها على قاطني الأكواخ في المدن فضلا عن ذلك قيام عضوات الرفاه بزيارات لبيوت الفقراء ومشاركتهم مناسباتهم لكي يشعر الناس بوجودهم فضلا عن ذلك تقديم المساعدات المالية للمحتاجين فقد تمثل نشاط حزب الرفاه في البلديات التي كان يترأسها بتوزيع الخبز والمحروقات والماء والمواد الغذائية ولوازم التدفئة وتقديم الرعاية الصحية في المستشفيات بالمجان أيضا إلى جانب مساعدة العمال المحتاجين , إن سياسة الرفاه لا تكتفي بتقديم الخدمات للناس المحتاجين فقط وإنما أسهمت في تفسير رموز التاريخ التركي وصاغت مخيلة المسلم عن الحياة السياسية والاجتماعية بمعني أنها قدمتا أو فرضت تفسيراتها الخاصة بالإسلام والتاريخ التركي فمن خلال ذلك سعي الرفاه لكي يصبح قوة سياسية وفكرية ومهيمنة لأن الإسلام قد تجسد اجتماعيا في مختلف أشكال الحياة وأنه أكثر تأثيرا في تعبئة الجموع من القومية والاشتراكية بسبب مرونة نظامه وأنماطه وبسبب القيم الرموزية له .

لذا , فإن حزب الرفاه ليس مجرد حزب وإنما حركة اجتماعية إسلامية تهدف لإعادة التقاليد الإسلامية للمجتمع فقد سجلت البلديات التي يترأسها الإسلاميون منذ الانتخابات المحلية عام 1994 بأنها حققت علامات عالية لا سيما فيما يتعلق بالحد من الفساد في دوائر الدولة وتقديم الخدمات البلدية لإحياء الطبقة العاملة فشاع عن الرفاهيين ( أصحاب الأيدي النظيفة ) فمثلا تمكنوا في بلدية أنقرة خلال خمسة أشهر من ضبط حالات التسيب والاختلاسات التي حدثت في عام 1993 في شركة الباصات إذ بلغت الخسائر بحدود تريليون ليرة تركية , كما تم غرس أكثر من مليون شجرة بأنحاء مدينة استنبول , فضلا عن ذلك تم تقديم منح دراسية لـ ( 200) ألف طالب طوال مدة الدراسة وفي المراحل التعليمية كافة وغير قابلة للرد , كذلك قيام رئيس بلدية استنبول رجب طيب أردوغان - بتقديم مساعدات مالية لكل العاملين بالبلدية تراوحت بين ( 100 – 320) دولارا وعددهم ما يقرب من (12) ألف مواطن مع الأخذ بنظر الاعتبار استقلال البلديات ماليا عن مؤسسات الدولة , وفسّر رجب طيب أردوغان فوز الرفاه بأصوات الناخبين في عام 1994 إلى الخدمات التي قام بها الرفاهيون فعلي سبيل المثال كسب الحزب أصوات حي بيلوغلو والمعروف بنواديه الليلية والعبث والدعارة في الوقت الذي تصور البعض أن وجود رقابة بلدية تتسم بطابع ديني أمر غير وارد , وهذا غير صحيح فيذكر أحد مساعدي أردوغان قائلا : - " إن حزب الرفاه هو حزب هؤلاء الناس الذين يريدون السلام أهم شئ في حياتهم , وأن الرفاه ليس حزبا دينيا فهو يمثل رسالة وهي أننا نريد نظام ونسعي لتحقيق السعادة للناس , وفسر أربكان في معرض رده حول أسباب تصاعد نجم حزب الرفاه في تركيا قائلا :" الأمر يرجع في حقيقته للإهمال الإنساني الذي تعرض له المواطن والمستوى الاجتماعي الذي يعيش فيه داخل تركيا .

  • د- المجال الثقافي .

إن التوجه الإسلامي لحزب الرفاه ليس إسلاما سياسيا فحسب وإنما إسلاما شعبيا وثقافيا يكرس نفسه للتطور التدريجي وللتحول الثقافي الطويل الأمد لتحويل الهيكل الشرعي للنظام السياسي فعندما مرّت الأحزاب السياسية والأيديولوجيات القائمة بالأزمات استفاد الرفاه من كونه لم يكن في السلطة فضلا عن ذلك إن ظروف المعارضة السياسية التي عمل من خلالها جعلت من رؤاه الثقافية الرمزية تبدو كأنها سياسة حقيقية بمعني ( اتبع الرفاه سياسة إعادة تثقيف المجتمع بثقافة إسلامية ولم يكن متهالكا للدخول في اللعبة السياسية لا سيما في النصف الأول من التسعينيات التي تجلت فيها عناصر العجز لدى الأحزاب الموجودة في السلطة وبرز فيها دور أربكان والرفاه ناقدا لهذا العجز فقد نمت طبقة من المثقفين دعمت الإسلام السياسي وميزت نفسها بغزارة المؤلفات الإسلامية في الثمانينيات والتسعينيات , فضلا عن تأسيس دور نشر إسلامية استوعبت هذه المؤلفات كما أن ظهور شريحة من طلاب الجامعات ومن طبقة الحرفيين الشباب تدعم الإسلام السياسي كان أمرا جديدا لأن المثقفين المستغربين كانوا أصحاب هوية واحدة وإن التحديث في تركيا قد خلق نخبة مستنيرة بيروقراطية كان التحديث بالنسبة لهم مرادفا لعملية التغريب .

تبنّى المثقفون الإسلاميون من خريجي الجامعات مواقف جديدة من التقدم من بينها معارضتهم لسيطرة النخبة الكمالية العلمانية التقليدية التي كانت تنظر إلى التراث الإسلامي والنظم الإسلامية بأنها تعيق التطور , في الوقت الذي استند الرفاه على صيغة جديدة من التوعية تقوم على تعليم العامة ( المجتمع ) وعمل على توسيع أثر الصحافة المطبوعة وتحويل صورة الإسلاميين من رجال الدين التقليديين إلى خريجي الجامعات المتحضرين وتأسيس ( تحول إلى مؤسسات ) هذه الحركة الاجتماعية تحت قيادته لذلك فإن أغلب الجماعات الإسلامية البارزة والطرق الصوفية كانت على تواصل مع حزب الرفاه , من خلال عوامل مساعدة مثل دورات القرآن الكريم التي تكتسب صفة قانونية رسمية إذ شهدت زيادة في أعدادها مرتين للأعوام 19791990 كان عددها في عام 1979 (2610) دورة أما في عام 1990 وصل إلى (5197) وبطبيعة الحال فإنها شهدت زيادة بأعداد طلابها بصورة مضاعفة بلغت أربع مرات إذ كانت عام 1979 تضم ( 68486) طالب .

أما في عام 1990 وصل إلى ( 290) ألف طالب , ومن المعروف عن هذه الدورات أنها تعادل المرحلة المتوسطة ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات , كما شهدت تركيا في حقبة الثمانينيات زيادة هائلة في بناء عدد من الجوامع بلغت نسبة (1500 – 2000) فضلا عن معاهد إمام خطيب التي تخرج أئمة مساجد . إن غالبية الجماعات الإسلامية الجديدة أرادت لها مجالات حرة خارج سلطة الدولة تستطيع من خلالها التعبير عن آرائها , وأن تخلق لها هويات جديدة لفضاءات جديدة ( بني شفق ) Sefek Yeni وصحيفة يومية ( الجمعة ) وقناة ( سبعة ) Yedi Kanal الخاصة ومجلة ( الإسلام ) .


المبحث الرابع : الرفاه والانتخابات البرلمانية 1987 -1995

أولا : الرفاه وانتخابات 1987 -1991

مع استمرار الحظر المفروض على القادة السياسيين ومنهم أربكان منذ الانقلاب العسكري الثالث في 12 أيلول 1980 ومنعه من مزاولة نشاطه الحزبي مثله مثل ديميريل وأجاويد وألب أرسلان , خلال تلك المدة ظل حزب الرفاه تحت قيادة أحمد تكدال إلى أن تمّ إلغاء ذلك الحظر بتعديل دستوري أقرّ عودة النخب السياسية القديمة مما أتاح الفرصة لتسلم أربكان قيادة الحزب .

ومع عودة أربكان إلى الحياة السياسية برز التيار الإسلامي متمثلا بحزب الرفاه وضمن الصيغ الديمقراطية فاستطاع الإسلاميون من خلال مشاركتهم في الانتخابات البرلمانية من طرح بعض القضايا الحرجة التي تجاهلتها الأحزاب السياسية الأخرى لمدة طويلة مثل الفساد ومحنة فقراء المدن وتزايد انعدام القانون وزيادة العنف في المدن التركية الكبيرة على جدول أعمال البرلمان , فضلا عن ذلك حاول أربكان وجماعته في مرحلة حزب السلامة والرفاه أن يساهموا في صنع مفاهيم جديدة في العمل السياسي , لا بل للفكر السياسي الإسلامي من خلال تطوير المنظور التقليدي للإسلام الذي يحصره في الجوامع والتكايا لإعطائه دورا فاعلا في صياغة مفاهيم المجتمع في شتى مجالات الحياة فحدثت حركة بدأت مع حزب السلامة الوطني وتواصلت معه من أجل خلق مواءمة بين عملية التحديث غير الإسلامية وبين الإسلام على أسسه الصحيحة بهدف الاستجابة للتطلعات التحديثية لقاعدتها , وتم ذلك من خلال تبني عناصر متنوعة ومختلفة داخل القنوات الانتخابية وخارجها ويبدو أن البرنامج الشامل المتصاعد الذي تبنّاه حزب الرفاه قد جني ثماره في انتخابات 1991 -1994 فمستويات التنظيم داخل الإسلام السياسي قد ميزت قالبها الجديد عن الإسلام الشعبي الذي كان سائدا في الماضي , فالطرق الصوفية مثلا احتلت دورا مهما لتعزيز الحظوظ الانتخابية للأحزاب السياسية كما هو الحال مع حزب الوطن الأم بين 1983 -1991 , وحزب الرفاه بعد ذلك , فقد حصل حزب الوطن الأم على دعم ( الطرق الصوفية – النقشبندية – السليمانية – النورسية ) فزادت فعاليته السياسية .

لذا لم يكن حزب الرفاه حزبا أصوليا أو سلفيا وإلا لحظر من مزاولة السياسة فالمطالبة بقيام دولة إسلامية تعد جريمة يحاسب عليها القانون لذا تعامل الرفاه مع القضايا القومية من منظور إسلامي وبصياغة مفردات إسلامية وهذا ما عكسه استطلاعا للرأي جرى في تركيا حنيذاك إذ تبين أن (41 % ) من الذين صوّتوا لصالح حزب الرفاه من العلمانيين .

إن تركيا قدمت مثلا على إمكانية دمج الحركات الإسلامية ضمن النظام الإسلامي الديمقراطي وذلك من خلال أصوات الناخبين وتوسيع حدود المشاركة السياسية فهي بذلك حفظت وحمت وقوت ديمقراطيتها ومجتمعها المدني .

خاض حزب الرفاه مع الأحزاب السياسية التركية وهي : حزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال وحزب الطريق الصحيح بزعامة سليمان ديميريل ,والحزب الديمقراطي الشعبي بزعامة أردال إينونو , وحزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد , وحزب الديمقراطية الإصلاحي بزعامة إيكون أده بالي , الانتخابات العامة يوم الأحد الموافق 29 تشرين الثاني 1987 في جو سياسي مستقر , فنال حزب الرفاه 1.717.425 صوتا أى بنسبة 7,2% لكنه مع هذا لم يتمكن من تحقيق نسبة 10% التي تضمن له الحصول على مقعد في البرلمان التركي .

جدول رقم (6) يوضح نتائج الانتخابات البرلمانية العامة في تركيا عام 1987


مقاعد المجلس الوطني5.jpg


ومما تجدر الإشارة إليه أن لحزب الرفاه وزعيمه موقفا معارضا إلى جانب أحزاب المعارضة لحكومة أوزال في أدائها ومعالجتها للقضايا الاقتصادية والاجتماعية , بدأ في نقد الأزمة الاقتصادية التي بدأت تغرق فيها تركيا أواخر الثمانينيات ( محدودية سياسة التحرير الاقتصادي ) التي طبقها حزب الوطن الأم , فقد أشار إلى ذلك بالقول :" إن أوزال حصل على القروض الكبيرة من الخارج مما أدّى إلى ارتفاع حجم ديون تركيا الخارجية من 13,5 مليار دولار إلى 50 مليار دولار خلال سنوات حكمه الست (1983 -1989 ) " ورأى أربكان في ذلك أثرا سلبيا على اقتصاد تركيا إذ يقول : - " إن على تركيا أن تسدد الفائدة على هذه الديون بمعدل 8.5 مليار دولار سنويا , الأمر الذي انعكس سلبا على الحياة المعيشية للمواطن التركي وأدي إلى حصول الغلاء الفاحش في تركيا " . واتهم الحكومة بأنها تسعي لتنفيذ المخططات الصهيونية العالمية في تركيا .

وفي معرض حديثة عن تلك القروض انتقد أربكان أوزال قائلا :" إن تلك القروض التي منحت لتركيا في عهد أوزال لم تستثمر في خدمة البلد " وعلى حد قول أربكان " إن هذه القروض كانت تستثمر في فتح الفنادق السياحية على سواحل البحار كما قام أوزال ببيع المعامل الثقيلة التي أنشئت من قبلنا مما أدّى إلى انخفاض شعبيته " فضلا عن موقف حزب الرفاه واحتجاجه على بعض الممارسات التي عدّها مخالفة للأخلاق والذوق العام مثل انتشار ظاهرة البغاء والإباحية في نشر الإعلانات وصالات لعب القمار وتناول المشروبات الكحولية متهما الحكومة بالانحلال والتراخي , وعلى الرغم من أن النسبة التي حصل عليها حزب الرفاه كانت ليست ذات أهمية كبيرة قياسا بالأرقام الكلية إلا أنها بينت طاقاته التنظيمية بشكل غير متوقع ونظرا لسوء الأوضاع الداخلية في الساحة التركية نتيجة سياسات أوزال خلال رئاسته للحكومة الأولي التي كانت تؤكد على النشاط الاقتصادي بالدرجة الأساس وإهماله لأية محاولة للقيام بتغيير أو تعديل القوانين غير الديمقراطية والمعتمدة على جميع مناحي الحياة كالتعليم والقضاء والإعلام والأحزاب السياسية منطلقا من فلسفته التي تؤكد على عبارة الاقتصاد أولا ثم الديمقراطية فضلا عن ذلك شهدت تركيا المزيد من التوترات مثل ظاهرة العنف السياسي وظهور نشاطات الحركات المسلحة والمتمثلة بالمنظمات الإسلامية المتشددة وزيادة فعاليات حزب العمال الكردستاني PKK فضلا عن ذلك عودة ظاهرة الاغتيالات السياسية إذ تعرّض أوزال نفسه في 18 حزيران 1988 لواحدة من تلك العمليات.

وأمام تلك الأحداث طرح أوزال فكرة تقديم موعد انتخابات البلدية والمزمع قيامها في آذار 1989 إلى تشرين الثاني 1988 للحفاظ على شعبية حزبه لإحساسه بتراجعه بسبب تلك التطورات , ولتمرير هذا الطرح تمّ عرض الأمر على الشعب لإجراء تعديل للمادة (127) – ومن الدستور فكانت نتيجة الاستفتاء الشعبي مفاجأة كبيرة لأن الغالبية صوتوا بـ " لا " وتأسيسا على ذلك تمّ إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 26 آذار 1989 . فشارك فيها سبعة أحزاب سياسية رئيسية إلى جانب مرشحين مستقلين للمنافسة وبدأ حزب الرفاه بنشر حملته الانتخابية ابتداء من 19 آذار 1989 ولكونه حصل في الانتخابات السابقة على أكثر من 7 % من الأصوات منح فرصة الاستفادة من أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة لغرض بث برنامجه الانتخابي .

جدول رقم ( 7) يوضح نتائج الانتخابات المحلية ( البلدية ) في تركيا 1989


مقاعد المجلس الوطني6.jpg


وقد حقق حزب الرفاه في هذه الانتخابات نتيجة جديدة بلغت 9.8% لارتفاع نسبة أصوات الناخبين وقد فسر أربكان ذلك بقوله : - " تعتبر انتخابات البلديات التي جرت بتاريخ 19 آذار 1989 مهمة جدا بالنسبة لتركيا "

وفي سؤال موجّه لأربكان حول الدور الذي يسعي حزبه القيام به على الساحة التركية بشكل عام ؟ أجاب أربكان :-" إن حزب الرفاه انطلاقا من مبادئه الوطنية يريد أن يخلص تركيا من مخططات الإمبريالية الغربية والصهيونية العالمية , وعندما أرادت الصهيونية إنشاء دولة إسرائيل جعلت سقوط الدولة العثمانية شرطا أساسيا لذلك وأدخلت تركيا في حروب البلقان ضد الايطاليين وفي حرب الاستقلال في عام (1919 -1992 ) بعد إسقاط الدولة العثمانية وقيام دولة إسرائيل وتريد الآن جعل تركيا مع إسرائيل في السوق الأوروبية المشتركة والحزب الوحيد الذي يعارض ذلك هو حزب الرفاه الذي يبذل طاقته من أجل الاستقلال الفكري والاقتصادي والوقوف بوجه المخططات الإمبريالية والصهيونية لذا فدوره الآن عبارة عن حرب استقلال جديدة في تركيا , كما جاءت الانتخابات العامة في 20 تشرين الأول 1991 كنتيجة حتمية للتطورات السياسية والاقتصادي التي شهدتها تركيا , وما رافقها من أحداث داخلية وأخرى خارجية أسهمت بشكل ما في تصاعد حدة الخلافات بين الرئيس التركي تورغوث أوزال والمؤسسة العسكرية من ناحية وأحزاب المعارضة السياسية من ناحية أخرى , فقد أثر تفاقم الأزمة الاقتصادية التي عاشتها تركيا جراء أزمة الخليج الثانية ( 1990 -1991 ) وتداعياتها على الصعيد الداخلي فطالبت أحزاب المعارضة القيام بإجراء انتخابات عامة وذلك بالضغط على الحكومة من خلال قيامها بحملة واسعة النطاق في عموم تركيا , ومما زاد في حجم المعارضة اندلاع حرب الخليج الثانية في 17 كانون الثاني 1991 ومساندة الحكومة العمل العسكري ضد العراق الأمر الذي انعكس سلبا على شعبية الحزب الحاكم , ولمناقشة مشروع قانون تقديم إجراء الانتخابات المزمع عقدها في 2 تشرين الأول 1992 , تمّ عقد اجتماع طارئ للمجلس الوطني التركي الكبير في 24 آب 1991 وحصلت موافقة المجلس على تقديم موعد الانتخابات سنة واحدة وأصبح القرار ساري المفعول في 26 آب 1991 بمصادقة رئيس الجمهورية أوزال وضمن الحملة الانتخابية بدأ حزب الرفاه بطرح برنامجه .

السياسي مؤكدا على مشروعه الأساس والمتضمن رفع شأن الأمة إلى مصاف المدنية المعاصرة وبالعمل الدؤوب لتحقيق أهدافه في تطوير المجال السياسي والثقافي والمعنوي لتركيا مع التمسك بالأخلاق والمبادئ الدينية والوطنية , فجرت انتخابات عامة في 20 تشرين الأول 1991 وأسفرت عن فوز حزب الرفاه محققا نسبة 16.9% من الأصوات ومن المفيد أن نشير إلى أن عودة أربكان لرئاسة الحزب وتزعمه التيار الإسلامي أعطت سببا إضافيا لفوز حزب الرفاه لكونه زعيمة صاحب أقدم وأطول تجربة برلمانية إسلامية في تركيا في ظل التعددية الحزبية , والديمقراطية إذا أخذنا بالاعتبار تراجع شعبية حزب الوطن الأم الذي ضمّ حناحا إسلاميا كبيرا واحتكاره أصوات ناخبين إسلاميين طيلة حقبة الثمانينيات لا سيما بعد ترك أوزال لزعامة حزب الوطن الأم , عدّ أربكان تلك الانتخابات بأنها نقطة تحول في تاريخ تركيا قائلا :-" فقد حزب الوطن الأم 12 % من أصوات الناخبين في انتخابات 20 تشرين الأول 1991 فيما فقد حزب الشعب الديمقرطي الاجتماعي 8% من أصوات ناخبيه , وأن 3 % من هذه الأصوات ذهبت لحزب الطريق الصحيح , بينما القسم الأكبر منها قد سجل لصالح حزب الرفاه " وأكد أربكان أن أصوات حزبه قد زادت نسبة 25% .

ولأن حزب الرفاه لم يتمكن من تجاوز نسبة 10% في انتخابات البلدية فقد قام بعقد تحالف براغماتي خالص مع حزب العمل القومي والحزب الديمقراطي الإصلاحي وتصورّ عدد من السياسيين الإسلاميين إمكانية تحوّل هذا التحالف إلى اتحاد وحصل في الانتخابات العامة التي جرت في 20 تشرين الأول عام 1991 على 16,9% من الأصوات , 62 مقعدا في البرلمان لكن فوجئ بانسحاب 22 نائبا وعودتهم إلى أحزابهم .

جدول رقم (8)

يوضح نتائج الانتخابات العامة في تركيا 20 تشرين الأول 1991


مقاعد المجلس الوطني7.jpg


يتبين مما تقدم أن انتخابات تشرين الأول 1991 أفرزت عددا من النتائج كان في مقدمتها عدم تأهل أى حزب من الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات للحصول على الأغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة من ناحية وإحراز أحزاب يمين الوسط ( الطريق الصحيح – الوطن الأم – الرفاه ) نسبة 68% من مجموع مقاعد البرلمان مقابل خسارة أحزاب يسار الوسط ( الحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي - حزب اليسار الديمقراطي ) نسبة 32% مقارنة بالنسبة التي حققها في انتخابات 1997 البالغة 37% من مجموع المقاعد من ناحية أخرى , وفي انتخابات المجالس البلدية التي جرت في 1 تشرين الثاني 1992 أسفرت عن فوز حزب الرفاه في دوائر استنبول من أصل ست بلديات وأوضح أربكان أسباب فوز حزبه معلقا على ذلك بالقول : -" إن الرفاه حزب مؤمن وإنه العلاج لألم تركيا ( الفساد ) وإن الرفاه هو حزب متكامل , إضافة إلى تحقيق الرفاهيين إنجازات كبيرة في البلديات ضمن إداراتهم التي اتسمت بالعمل الدؤوب والإيمان العميق .

وقد أحدث فوز حزب الرفاه ردود أفعال متباينة فمثلا دعا حزب الوطن الأم الذي أسسه أوزال ويتزعمه مسعود يلماز الأحزاب جميعا إلى الوحدة للوقوف معا في وجه الرفاه الذي يمثل في رأيه انقلابا على النظام وليس مجرد سعي لتغيير الحكومة أما عن موقف الأحزاب اليسارية فقد صرّح أحد أقطاب اليسار بزعامة أجاويد على أنه الوحيد القادر على التصدي لهذه الهجمة الرفاهية التي تحاول الانقضاض على مكتسبات البلاد والخروج على تعاليم مؤسس الجمهورية المعلم الأول مصطفي كمال أتاتورك .

أما حسن جلال كورال أحد أقطاب حزب الشروق الجديد قال :-" إن ظاهرة بروز حزب الرفاه على الساحة تشير إلى إفلاس الحكومة والمعارضة معا فحزب الوطن الأم بقي في الحكم عشر سنوات وأهم ما قام به هو تنمية ثروات زعمائه والسيطرة على المزيد من أموال الدولة أما الحكومة والمتمثلة بتانسو تشيلر Ciller Tanukal زعيمه حزب الطريق الصحيح ودنيز بيكال Deniz Beukal فلم تخرج عن هذا الإطار الجشع والسرقة وإغفال مصالح الشعب واستغلال النفوذ من هذا المنطق وقف الشعب مع الرفض أولا ومع تجربة الرفاه الجديدة ثانيا .

أما موقف الجيش من حزب الرفاه فيبرر بعض القادة العسكريين بقولهم :-" إن حزب السلامة وهو مشابه لحزب الرفاه , كان شريكا في الحكم لعدة سنوات مع ذلك فقد حافظ النظام علي قواعده الأساسية لأن الجيش حساس جدا بالنسبة لموضوع العلمانية كما إن العلاقة مع أمريكا تعد أساسية بالنسبة لنا " وقد علقت مؤسسة ( راندا ) الأمريكية قائلة : - " إن الإسلام السياسي الذي يثبت وجوده في الجزائر ومصر وفي تركيا وفي غيرها من بلدان الشرق الأوسط هو في الحقيقة تهديد للديمقراطية الغربية وللمصالح الغربية " والحل الذي تقترحه مؤسسة (راندا ) هو " مزيد من الديمقراطية الغربية وللمصالح الغربية " ... والحل الذي تقترحه مؤسسة ( راندا ) هو " مزيد من الديمقراطية والانفتاح على الشعوب والاهتمام بمصالحها "... وبذلك تفوت الحكومات العلمانية صديقة الغرب الفرصة على الأصولية الإسلامية من أمثال جبهة الإنقاذ في الجزائر وجماعة الإخوان في مصر وحزب الرفاه في تركيا .

ثانيا : الرفاه والانتخابات البلدية لعام 1994

كانت لانتخابات 27 آذار 1994 مدلولات دينية إذ إنها وسعت من مكانة الحزب فقد حاز على نسبة 19.7 % من أصوات الناخبين , فشهد حزب الرفاه تطورا كبيرا إذ ارتفعت نسبة الأصوات التي حصل عليها من 9,8% عام 1989 , 16,8% إلى 19,7% عام 1994 .

جدول رقم (9)

يوضح نتائج انتخابات 1994


مقاعد المجلس الوطني8.jpg

تجسد هذا التطور بسيطرة الرفاه على بلديات أكبر المدن ( أنقرة واستنبول ) وبأربع من المدن الكبرى الاثنتي عشر المتبقية وبمجموع قدره 28 من أصل 76 ولاية , في الوقت الذي لم يفز حزب الوطن الأم سوى بإحدي عشرة ولاية فأصبح حزب الرفاه بارزة في الساحة السياسية التركية , أما على الصعيد الشعبي فقد أظهر فوز حزب الرفاه في تلك الانتخابات أنه حزب مستقيم وتمكّن من تقديم الخدمات اليومية للبلديات التي فاز بها دون تفرقة بين أحد , لذا كان الكثير من غير المسلمين يصوتون لصالحه وهكذا انتقل الحزب من المسجد إلى المجتمع بهدوء وقوة محتفظا بشعبية كبيرة على الرغم من تشكيك الكثيرين بهذا الأمر , وفي إطار الإستعدادات التي قام بها أعضاء حزب الرفاه لخوض الانتخابات تحدث أحد قياديي الحزب وهو بيرم على كاوا ( المسؤول والمشرف على المساجد التركية في النمسا وعلى مؤسسات الإغاثة التركية قائلا بأن زعيم الحزب أربكان قد صرّح في جديدة ( مللي كازيته ) قائلا :- " بأن الحزب يأمل الفوز بألف بلدية في البلديات البالغ عددها 2000" وقد استبعد كانوا حتمالية تزييف الانتخابات أو عرقلة مساعي الحزب من قبل أطراف حكومية وفئات علمانية قائلا :" أنا لا أظن إمكانية حدوث ذلك لقد وليّ ذلك الزمن في تركيا كما كانت للمرأة المسلمة مساهمة فاعلة في فعاليات حزب الرفاه في الانتخابات البلدية فبعد تحقيق حزب الرفاه تلك النتائج شكر رجب طيب أردوغان النساء المسلمات المخلصات والمنضبطات واللائي قمن بدور كبير خلال حملة الانتخابات .

ويفسر المراقبون والمهتمون بالشؤون الداخلية لتركيا بأن فوز الرفاه بالانتخابات يعود إلى انقسامات أحزاب اليمين واليسار , وإلى آليات عمل الانتخابات التي تميزت بها الحملة الانتخابية لحزب الرفاه فضلا عن ازدياد المشاعر الدينية لا سيما بعد حرب الخليج الثانية وأحداث البوسنة وتخلي السلطات العلمانية عن اتخاذ أى إجراء عملي لدعم الشعب المسلم الذي تعرض لأساليب قمع وتصفية عرقية ودينية ( كما أسلفنا )

استغل حزب الرفاه الأوضاع الاقتصادية الصعبة في تركيا بسبب استنزاف نفقات الأمن والدفاع نحو 40% من الإنفاق المتصاعد على أثر الاقتتال مع حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق البلاد والإجراءات الاقتصادية الليبرالية مما أدّى إلى ارتفاع معدل البطالة إلى 16 , 16 % ومعدل التضخم إلى ما يزيد عن 100% واختلال نحو ربع الثروة إذ أصبح أغني 20% من الأتراك يملكون نسبة 60% في حين يملك أفقر نحو 4% من الدخل القومي حسب الإحصائيات الرسمية لعام 1994 .

وبمناسبة فوز حزب الرفاه علق أربكان على نتائج الانتخابات قائلا :-" إن فوز مرشحي الرفاه في البلديات الكبيرة يبطل ادعاء البعض بأن المشاعر الدينية وقف على المناطق الدينية المتخلفة , وأكبر دليل على ذلك هو فوز الرفاه برئاسة العديد من بلديات مراكز البحر الأسود مثل ( ريزة – طرابرون) وهذه المناطق تضم شريحة واسعة من ذوى الثقافة الرفيعة , كما إن فوز حزب الرفاه في مناطق جنوب شرق الأناضول ذات الأغلبية الكردية يدل على أن سكان تلك المنطقة يعلقون أمالا كبيرة على الحزب في إيقاف الإرهاب والظلم الواقع عليهم من خلال النظام العادل أى الإسلامي الذي يحقق للجميع الإخوة والسلامة في ظل الحرية والديمقراطية لذا نجد أن حزب الرفاه يشهد صعودا سياسيا منطلقا من الدعم الجماهيري لسلطته في البلديات في شرق الأناضول وفي دعمه للفئات الأكثر حرمانا وتهمشا في المجتمع والدفاع عنه , وبمناسبة فوز حزب الرفاه ترجم أعضاء الحزب فوزهم بتولي مدينة إستنبول بإقامة الاحتفالات بمناسبة مرور ( 543 ) سنة على فتح القسطنطينية وكانت الاحتفالات ( عثمانية ) وعد فوزهم بالانتخابات فتحا جديدا للمدينة حتى الموسيقي كانت عثمانية وارتدت الفرقة ملابس الإنكشارية .

  • ردود الأفعال على فوز الرفاه في انتخابات 1994 .

أحدث فوز الرفاه في انتخابات البلدية في آذار 1994 صدمة كبيرة داخل تركيا فقد طلب كنعان إيفرين ( رئيس الجمهورية السابق ) من الأحزاب السياسية الإتفاق فيما بينها وتوحيد الصفوف محذرا من أن حالة الانقسام بينها ستؤدي إلى وصول الرفاه إلى السلطة وحذر من أن تصبح تركيا جزائر أخرى .. ويتصور بعض المحللين السياسيين أن نجاح حزب الرفاه في انتخابات 1994 كانت انعكاسا لعدم الرضي على الأحزاب السياسية الأخرى أكثر منه تأثيرا لأفكار أربكان ضد العلمانية .

ورأى أجاويد أن انهيار اليسار ساعد في صعود الرفاه إذ قال : -" إن الأصوات التي حصدها الإسلاميون هي أصوات خيبة الأمل بالأحزاب الأخرى في السلطة والمعارضة وفي هذه الحال يتجه الناخبون إلى الأحزاب الأصولية كما حدث في الجزائر ولبنان وبنسبة ما في الأردن " كذلك ذكر أحد أعضاء حزب الطريق الصحيح قائلا : -" عندما انهارت أيديولوجية اليسار في تركيا أبدا الرفاه يولي اهتمامه بصورة أكبر إلى الجماهير وقام بالدفاع عن الاشتراكية الإسلامية وسوف ترون في المستقبل القريب أن قسما كبيرا جدا ممن كانوا يساريين متطرفين في تركيا سيقترعون للرفاه " أما أربكان فقد ذكر بمناسبة تحقيق حزب الرفاه هذه النتيجة قائلا :" بأن حزب الرفاه هو حزب القرن 21 واستبعد أن تتحول تركيا إلى جزائر أخرى أو حدوث انقلاب عسكري ضد الرفاه مبررا ذلك بحصول الرفاه على أعلي نسبة من الأصوات في مناطق سكن العسكريين مثل القاعدة الجوية في قونية Konya ودائرة توزلا Tuzla التي تتواجد فيها معسكرات الجيش كما أعلن أربكان أن حزبه سيكون " اتحادا عالميا للإسلام " عندما يتولي السلطة في تركيا وقد أدلي أربكان بهذا التصريح أمام حوالي عشرة آلاف من أنصار حزبه اجتمعوا بعد صلاة الجمعة في ساحة مسجد أيوب سلطان , وأكد أربكان قائلا :-" لقد تولينا السلطة في ثلثي تركيا والآن نسير نحو تولي السلطة المركزية وهذا سيحدث في القريب العاجل " واستطرد قائلا " –" إذا لم يصل حزب الرفاه إلى السلطة فإن السلام والاستقرار سيستحيل تحقيقيهما في تركيا " . وقال : - " إن تركيا في سبيلها للعثور على نفسها .

ثالثا : الرفاه وانتخابات 1995

أدّى انهيار التحالف الحكومي بين حزبي الطريق الصحيح بزعامة تانسو تشيلر وحزب الشعب الجمهوري بزعامة دنيز بيكال إلى تقديم موعد الانتخابات البرلمانية في 24 كانون الأول عام 1995 , وحصلت موافقة المجلس الوطني في 27 تشرين الأول عام 1995 على تقديم الانتخابات وتولت تشيلر زعيمه حزب الطريق الصحيح شؤون الحكومة لحين إجراء الانتخابات , وكانت الأنظار موجهة صوب حزب الرفاه إذ جاءت معظم استطلاعات الرأي لتضع حزب الرفاه في مقدمة اثنين من أحزاب يمين الوسط ( حزب الطريق الصحيح وحزب الوطن الأم ) فقد مثل نجاح حزب الرفاه في انتخابات 1994 مفاجأة كبيرة فما لبث أن حقق فوزا مماثلا من حيث القوة في الانتخابات البرلمانية , التي جرت في 24 كانون الأول عام 1995 إذ حصل حزب الرفاه على نسبة 21 ,32 % من أصوات الناخبين و158 مقعدا من أصل 550 عضوا في البرلمان .

جدول رقم (10)

يوضح نتائج انتخابات 1995


مقاعد المجلس الوطني9.jpg


ويمكن تفسير هذا الفوز بأنه يعود إلى السياسات التي اتبعتها الحكومات السابقة التي أسهمت في خلق قوة لا يمكن الاستهانة بها فقد عبّر ذلك الفوز عن إحداث تحول نفسي في التاريخ التركي وخلق صدمة في الداخل والخارج بدأ بالمؤسسة العسكرية وكبار موظفي الدولة انتهاء بالصحف الرئيسة , فهم لم يتقبلوا هذا التحول , وهذا ما عبّرت عنه الصحف المحلية تحت عناوين بارزة " الأتراك السود في مواجهة الأتراك البيض " ," وتركيا الأخرى تفوز في الانتخابات " و" الفاتح يفوز على الحربية .

توقع المراقبون في تركيا أن حزب الرفاه ربما يتصدر الأحزاب السياسية أو يحصل على المرتبة الثانية , وقد دفع ذلك على ما يبدو زعماء الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها زعيمة حزب الطريق الصحيح إلى مهاجمة حزب الرفاه في حملاتها الانتخابية وذلك بعد أن شعرت هذه الأحزاب بأن الشعب التركي يفضل وبصورة أكبر وصول حزب الرفاه إلى السلطة , فقد اتهمت تشيلر أربكان في أثناء حملتها الانتخابية بأن لديه نزعة انفصالية عبر تقسيمه الأتراك إلى مسلمين وغير مسلمين وصرحت قائلة : - " بعضهم يقول إن الذين يصوتون للرفاه مسلمون وإن الذين لا يصوتون لهذا الحزب غير مسلمين " وتنتقد تشيلر تلك التصريحات بقولها : - " إن الأمة التركية كانت مسلمة قبل أربكان وستبقي كذلك بعده ولا يمكن لأحد أن يطرح نفسه بين الله والعبد , إنه أكبر ظلم تجاه ديننا يجب أن نواجه ذلك معا لكي لا تترك البلاد بين أيدي الانفصاليين كما تخللت الحملات الانتخابية سلسلة من الدعاوى القضائية الفاشلة وحملات التشهير لا سيما بين حزبي الطريق الصحيح والرفاه إذ ذكرت تشيلر في إحدى خطبها الانتخابية : -" إن قرار الناخبين هو اختيار بين الحضارة والظلام , وتتهم تشيلر حزب الرفاه بمناسبة فوزه بالمناطق الكردية قائلا –" إنه اتفاق بين الانفصاليين وأنصار الشريعة لتدمير جمهورية تركيا العلمانية , بناء على ذلك رفضت تشيلر إقامة ائتلاف مع حزب الرفاه الإسلامي في حال فوزه في الانتخابات مبررة ذلك بأن حزب الرفاه بزعامة أربكان , الذي يعدّ من الأحزاب الأوفر حظا , يعارض بشدة اتفاق الاتحاد الكمر كي بين تركيا والاتحاد الأوروبي في الوقت الذي ينتظر الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر من البرلمان الأوروبي لوضع الاتفاق حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني 1996 وذكرت تشيلر :-" أن الاتحاد الكمركي خطوة تاريخية بالنسبة لتركيا ولكنه ليس سوى البداية ويتعين أن نواصل كفاحنا بعزم لثلاث أو أربع سنوات " ورأت تشيلر في حال تسلم حزب الرفاه مقاليد السلطة فإنه قد يوقف هذه العملية التي تتيح انضمام تركيا إلى أوروبا .

بالمقابل صرّح أربكان زعيم حزب الرفاه بدعوته لقيام وحدة إسلامية من كازاخستان حتى المغرب إذ يوحد هناك عالم إسلامي يضم 1.5 مليار نسمة وأن وحدة إسلامية ستتحقق من كازاخستان حتى المغرب وأن عالما جديدا سيخلق " وذكر أربكان بأن " علم الدولة العثمانية كان يرفرف في الماضي فوق آسيا وأوروبا .

وبالرغم من فوز حزب الرفاه في الانتخابات التشريعية بالمركز الأول إلا أنه لم يحصل على أى تفويض للحكم . لكنه حقق فوزا مؤكدا لأنها المرة الأولي التي يصل فيها حزب إسلامي في مقدمة الأحزاب في الانتخابات البرلمانية منذ تأسيس تركيا العلمانية على يد مصطفي أتاتورك قبل 72 عام , وبدا واضحا أن تلك الانتخابات أحدثت حالة انقسام حادة بين فئات المجتمع الأمر الذي استدعي إيجاد عملية بحث متواصل للعمل على بناء صلات جديدة بين الدولة والمجتمع , إن انتصار الرفاه في انتخابات 1995 هو حصيلة جملة معقدة من العوامل منها تقديم حزب الرفاه خدمات أفضل من أسلافهم , وأثبتوا بأنهم يتبعون سياسات محلية فقللوا من الفساد الإداري والرشوة في البلديات , وتصرّف حزب الرفاه باحترافية أكثر من بقية الأحزاب سواء من اليمين أم اليسار , باستخدامهم آليات عديدة لإنجاح العملية الانتخابية إذ أخذت قيادات الحزب على عاتقها التخطيط لمعركة الانتخابات البرلمانية والاستعداد لها قبل موعدها بسنة , وذلك من خلال خلق وسائل جديدة للدعاية مثل محطات الإذاعة المحلية واختيار عناصر حزبية مقبولة شعبيا للترشيح ضمن قوائم الحزب كان أغلبهم من حملة الشهادات العليا .

ولغرض تسهيل عملية تسجيل أسماء الناخبين وفّر الحزب وسائل للنقل مستخدما تكتيك الأحزاب الديمقراطية الأوروبية عن طريق الذهاب إلى الجماعات المهملة من بقية الأحزاب فبدأوا بالاتصال بتلك الجماعات المعزولة عن النظام السياسي , وقاموا بتهيئة شبابا متخصص أمامهم أجهزة كمبيوتر كانوا على صلة بالمناطق كافة بهدف استطلاع الأخبار ومتابعتها وتسجيل النتائج ورفعها إلى مكتب القيادة بالمقابل كانت هناك أسباب التوسع في الدعم الإنتخابي للرفاه في وسط وشرق الأناضول حيث أظهر مرشحو حزب الرفاه أهلية وأداء أكثر مما هو متوقع في بلديات قونية وجيروم وباى بروت وازنجان وقيصري وأنقرة وأخيرا سيواس , فضلا عن ذلك قدم أربكان في أثناء الحملة الانتخابية تعهدات كثيرة عندما كان يتجول في تركيا واعدا بأنه سينظم مع بقية الدول الإسلامية تحالفا عسكريا واقتصاديا وإنشاء سوق حرة إسلامية , وفي إحدى خطبه في جامع استنبول وعد بأنه سوف يعمل على تطبيق ( النظام العادل ) وأن يحرر البوسنة وأذربيجان والشيشان وفلسطين ,ولعل ذلك من قبيل الدعاية الانتخابية , وبمناسبة فوز الرفاه في الانتخابات وجهّ سؤالا إلى اربكان حول رغبته في الدخول في تحالف سياسي مع أحد الأحزاب الأخرى ؟

أجاب قائلا : - " صحيح أن الأحزاب لا تستطيع تشكيل حكومة على انفراد إلا عن طريق تشكيل حكومة تحالف بين حزبين , ونحن سوف نتخذ قرارا بما يناسب تلك الظروف وما يناسب مصالح الشعب التركي على أننا حزب قيم ولنا تجربة طويلة مع حكومات التحالف لأننا تحالفنا سابقا مع اليمين واليسار , ونعرف جيدا صعوبات ومشاكل وفوائد التحالف أكثر من غيرنا من باقي الأحزاب " وأضاف قائلا : - لذا سيكون قرارنا في الوقت الذي تتم فيه الانتخابات على الوجه الأمثل والأنفع للشعب التركي إلا أنني أحب أن أضيف هنا أن الانتخابات القادمة سيكون لحزب الرفاه فيها القوة والمقدرة على إدارة الحكومة بمفرده هذا ما نتوقعه إن شاء الله " لقد فسرّت بعض الجماعات العلمانية فوز الرفاه بأنه ثورة ضد الكمالية ووجهت اتهاماتها للإسلاميين بأنهم يحاولون تشويه صورة العلمانية في تركيا بأنها تضطهد المسلمين ويصورون الجيش عدوا للدين , في الوقت نفسه حذر رئيس الأركان التركي الجنرال إسماعيل قرة داى الإسلاميين من أية محاولة لضرب الكمالية في البلاد معلنا أن قوات الجيش ستضمن أمن وسلامة الجمهورية التركية العلمانية وأضاف قائلا :- " إن القوات المسلحة التركية تبنت مبادئ معاصرة علمانية وديمقراطية وهي تمثل قوة لا تقهر ذات طابع تقدمي ضد أية عملية رجعية أو محافظة .

بينما فسّر بعض الإعلاميين الإسلاميين بأنها عملية ديمقراطية وفي الواقع إن هذه الانتخابات كانت نقطة تحوّل من خلال جمع الأصوات الهامشية مع مركز الخطاب السياسي وبعد الفوز الكاسح لحزب الرفاه أخذ أربكان يشدّد من اللهجة التي يقدم فيها نفسه وحزبه لناخبيه في تركيا والعالم فقد صرّح قائلا :-" نحن لسنا حراس تلفونات ولسنا أطفالا لبوش وكلينتون إن تركيا دولة تامة الاستقلال ... وسوف يحلّ النظام العادل الذي سيحمل السعادة للجميع وستؤسس تركيا جديدة ناهضة ماديا ومعنويا وسوف يتأسس الاتحاد الإسلامي في كل العالم والعالم الجديد أيضا وستكون تركيا قطبه وليس أمريكا , إن الأحزاب الأخرى ورئيس الجمهورية يحاولون إظهار الرفاه على أنه حزب الممنوعات إننا لسنا حزب الممنوعات إننا نريد سعادة 60 مليون تركي نحن في الأصل نريد سعادة 6 مليارات إنسان .

كما صرّح أربكان في أعقاب فوز حزبه قائلا : " إن كوادر مؤمنة ستتولي الحكم بعد الانتخابات التشريعية وتحلّ محل كوادر الديسكو من الغرب " في إشارة إلى السياسيين الذين يهتمون بالتحول إلى غربيين وأكد بأنه " سيقضي على سلطة الذين يخوضون الحرب ضد الشعب ودينه وتاريخه .

رابعا : تصاعد شعبية حزب الرفاه

شهدت حزب الرفاه صعودا منذ تأسيسه عام 1983 على عكس الأحزاب السياسية الأخرى , فمن خلال مسيرته نلاحظ صعودا مطردا له مع كل انتخابات جرت فقد حقق في الانتخابات المحلية لعام 1984 نسبة 4.4% من مجموع الأصوات إلى 7.1% في الانتخابات البرلمانية عام 1987 أما في الانتخابات البلدية لعام 1989 فقد حقق 9.8% وحصل على نسبة 16.9% في الانتخابات البرلمانية عام 1991 أما في الانتخابات البلدية التي جرت في 27 آذار 1994 فحقق نسبة 19% وفاز في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 24 كانون الأول 1995 المركز الأول بنسبة 21.4. ويعزى هذا الارتفاع المطرد في التأييد الشعبي لحزب الرفاه وتوسّع قاعدته الجماهيرية إلى عوامل عدة داخلية وخارجية , إلا أن أكثرها أهمية هي العوامل الداخلية المتمثلة بثلاثة اتجاهات , أولها ازدياد نفور الشعب من الأحزاب العلمانية ونجاح الإسلاميين في كسب الناخبين من خلال تنظيم حزبي كفوء , ومنضبط ثانيا , وزيادة وضوح دور الدين في تركيا ثالثا .

  • أ‌- نفور الشعب من الأحزاب العلمانية .

انخفاض قوة الأحزاب الرئيسة لا سيما أحزاب يمين الوسط ( مثل حزب الوطن الأم والطريق الصحيح ) يمثل أحد المؤشرات لاستياء الناخبين من تلك الأحزاب وتحملها مسؤولية الفشل في حل المشكلات الإجتماعية والاقتصادية في البلاد .

وتضاعفت أعداد الناخبين الأتراك الذين هجروهم واتجهوا إلى حزب الرفاه فقد فضلوا الرفاه لأنه لا سابقة له في الحكم ولأنه عرض معالجات مختلفة تماما لمشكلات تركيا الاجتماعية والاقتصادية تقوم على أيديولوجية لها حصة كبيرة من الشعبية وتتكون من مفاهيم الأصولية الإسلامية والحنين القومي لأيام مجد الإمبراطورية العثمانية ومعاداة الغرب , وفسر البعض أن المواقف العلمانية للنخب الجمهورية التي احتكرت النشاط السياسي في ظروف ما قبل السبعينيات كانت عاملا أساسيا في دفع العناصر المحافظة المتدينة إلى السعي لأخذ دورها في المجتمع من خلال تأييد التيارات الإسلامية وفي مقدمتها حزب الرفاه , من جانب آخر أفاد حزب الرفاه من الأخطاء المهلكة التي ارتكبها السياسيون العلمانيون بضمنها سوء التخطيط الاقتصادي والانشقاقات السياسية والفضائح التي لا تنتهي من الرشوة والاختلاس والعلاقات الداخلية بين السياسيين والقوى العسكرية والمافيا , فضمن هذا الإطار يبدو للكثيرين أن أعضاء حزب الرفاه أناس ناكرين للذات متفانين وشاع عنهم تسمية ( الأيدي النظيفة ) فضلا عن ذلك هناك من يلقي على الأحزاب العلمانية في تركيا اللوم لتنامي التيار الإسلامي لكن بمنظار آخر إذ أن البعض من هذه الأحزاب ولأسباب تنافسية لكسب أصوات الناخبين عملت على فتح معاهد لتدريب أئمة المساجد ومعاهد ودورات لتدريس القرآن وعلومه وأفسحت المجال أمام هؤلاء الخريجين للتسلل إلى وظائف الدولة من خلال الشهادات التي تمنح لهم والانخراط في دوائر الدولة بوصفهم منتسبين في الشرطة والقضاء والتدريس .

  • ب‌- التنظيم الحزبي.

إن أحد الأسباب الرئيسية لنجاح حزب الرفاه هو الإدارة الذاتية المتماسكة التي تميزت بها منظماته المحلية واستغلال مصادرها وابتكار استراتيجيتها وتبني لغة محلية لكسب الناخبية فقد أعطي حزب الرفاه صورة معاكسة لحزب السلامة الوطني في قدرته على تطوير مؤسساته وخبراته التنظيمية والتعبوية في إدارة العمل السياسي , فلن يتوقف عن كسب المزيد من النفوذ شيئا فشيئا فقد تميز حزب الرفاه بالعمل مع الكوادر المتخصصة من الذكور والإناث الذين يعملون بالحماس الديني والاستفادة من التكنولوجيا المتطورة مثل أجهزة الكمبيوتر عند تسجيل بيانات الناخبين وتنظيم محكم يقوم على ما يشبه الخلايا في كل حي كما فضلّ أعضاء حزب الرفاه اللقاءات اليومية مع الناخبين وجها لوجه معتمدين بشكل أقل على وسائل الإعلام وبفضل تلك الكفاءات التنظيمية لهذه الشبكة كان الإسلاميون أكثر الأطراف نجاحا في كسب المؤيدين ودفعهم للخروج للتصويت , خاصة في إحياء الاستيطان العشوائي حول المدن الرئيسة حيث بيوت الملايين من فقراء المدن الذين هاجروا من الريف عن طريق توفير الحاجات الأساسية والسلع الغذائية والمساعدات الصحية وإيجاد الوظائف للعاطلين عن العمل وتوفير الخدمات البلدية في المدن التي كانت تحت نفوذهم , وإدارتهم الكفوءة للمدارس والمستشفيات وتقديم الخدمات العامة وقد آثار حزب الرفاه في الأذهان ذكريات العصر الذهبي للعثمانيين بتذكير الناخبين بأمجاد الماضي بالإشارة إلى إعادة استنبول إلى أيام القرن الذهبي .

وبطبيعة الحال إن تلك الجهود المكثفة كانت تتطلب الموارد المالية التي على ما يبدو كان الرفاه يمتلك منها ما يمكنه من تحقيق ذلك إذ يعدّ من أغني الأحزاب في تركيا ومن الطبيعي أن يثار تساؤل عن مصادر التمويل الرئيسية للحزب ؟ في الواقع إن لحزب الرفاه مصادر دخل رئيسية إما عن طريق الفئة الناشئة حديثا من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع العامة في الحركات الإسلامية أو من الأعداد الكثيرة من المهاجرين الأتراك في أوروبا الغربية لا سيما ألمانيا , وأخيرا إن الرفاه أكثر الأحزاب تنظيما وانضباطا وتمويلا , وهو تقريبا ما تفتقره كل الأحزاب الأخرى من أعضاء مخلصين ونظام حزبي كفوء وأجهزة وأدوات سمعية وبصرية فضلا عن القيام بزيارات ميدانية .

إن أكبر الأسباب للسيطرة السياسية لحزب الرفاه هو المرونة التنظيمية والاستخدام الاستراتيجي للوسائل الحديثة لتعبئة الشبكات التقليدية , إن التركيب التنظيمي للحزب الذي أتخذ ( نمط التسبيح ) وهو لجنة تنظيمية محلية لديها ثلاثة وثلاثين عضوا على أساس المسبحة القائمة على ثلاثة وثلاثين خرزة , لكل منطقة هناك منظم يقوم بدوره بتعيين ممثلين في الشارع لجمع المعلومات عن العمر والجنس والتوجه الديني لسكانه , وبالنسبة لمستوى مفتشي الناحية يقوم باستعراض أعمال المنظمين في كل أسبوع , وكل منطقة لديها ديوان الحزب أو لجنة للحزب تتألف من ثلاثة وثلاثين عضوا , ولا يوجد أى حزب سياسي تركي آخر نظم نفسه للإتصال مع الأقاليم بهذه الطريقة في حين أن الأقاليم هي أهم وحدات المجتمع التركي , فضلا عن ذلك إن للرفاه كادرا له سمعة طيبة وكان يتحرك في بيئة صحية في المدارس الدينية التي يتولي خريجوها تقديم القسم الأكبر من أبناء الجيل الجديد من زعماء وناشطي الرفاه , فضلا عن الزيارات التي كان ممثلو الرفاه يقومون بها فمثلا زياراتهم للعوائل للتعزية أو للتهنئة تترك أثرا إنسانيا يجعل الحزب ذا صورة مختلفة تماما عن الصورة المتجهمة لبقية الأحزاب السياسي , وبالنتيجة ربح الرفاه الانتخابات العامة والبلدية في أرضروم وقيصري وطرابزون وديار بكر وباى تورن وملاطية فضلا عن أنقرة واستنبول لكن هناك أسبابا مختلفة لفوزه في كل إقليم لا سيما في أنقرة وإستنبول فأنصار الرفاه في أنقرة واستنبول هم من سكان الأحياء الفقيرة والقاطنين في مدن الصفيح وأطرافها , أما بالنسبة لمدن وسط الأناضول مثل أرضرون ويوزغات وقيرون وسيواس كان أغلب أنصاره من العمال من الطبقة الوسطي ومن التجار الصغار والفلاحين .

  • ج- العامل الديني :

إن نمو القوة السياسية للرفاه يعكس زيادة أهمية وتأثير النشاط الديني في تركيا , ففي السابق كان دور الحركة الإسلامية هامشيا أما الآن فهي قوة رئيسة تضم أحزابا سياسيا ونقابات حرفية وجماعات ومصالح ومؤسسات تعليمية ودينية ومؤسسات مالية واستثمارية فضلا عن دور النشر والصحف والمحطات التلفزيونية والإذاعة مع وجود جيل جديد من المثقفين المسلمين .

وضمن هذا السياق يذكر أربكان :-" كما تعلمون أن الشعب التركي شعب مسلم , إلا أن هذا الشعب حرم من التعليم الديني ولكن حزب السلامة الوطني خدم هذا الشعب فخلال أربع سنوات (1974 -1978 ) تم فتح ( 350) مدرسة لتخريج الأئمة والخطباء وعشرة مؤسسات يدرس فيها حوالي (30000) طالب في مدارس الأئمة والخطباء وخلال العشر سنوات الأخيرة ( يقصد أربكان نهاية الثمانينيات عقد التسعينيات ) تخرج من معاهد الأئمة والخطباء حوالي نصف مليون ويعد هذا الجيل واعيا ومثقفا ثقافة إسلامية وإنشاء الله على أكتاف هذا النسل سوف تصبح تركيا بلدا من أجل حياة إسلامية . فضلا عن ازدهار بناء المساجد الجديدة وكذلك مدارس الأئمة والخطباء التي أصبحت تمنح شهادة الثانوية المعادلة منذ عام 1983 التي مكنت الآلاف من الشباب من ذوى الخلفيات الدينية من الرجال والنساء من الانخراط في الجامعات وصولا إلى إيجاد وظائف في الدوائر المدنية وقد دعمت النهضة الدينية في تركيا الحزب وهناك مؤشرات عديدة متمثلة بزيادة الاهتمام بأداء الشعائر الدينية مثل صلاة الجمعة والصوم في رمضان وقراءة القرآن وتجنب السلوكيات المؤذية والتشديد على الروابط الدينية المشتركة بين الأتراك , فتحوّل التيار الديني إلى قوة كبيرة , فقبل ذلك لم يكن الطلاب المتدينون في الجامعات إلا قلة قليلة , أما في التسعينيات فقد فاق عددهم أية فئة أخرى بضمنهم الاشتراكيين , ومما يعرف عن أنصار التيار أنهم من الفئات الفقيرة مع هذا هناك دعم قوى لذلك التيار بين صفوف الطبقات الأكثر ثقافة وغني في المجتمع التركي العامل الإضافي والمثير هو أن الصيغة المبالغ فيها من العلمانية قد أسهمت في إحياء الدين ومن ثم نمو حزب الرفاه , فتركيا لم تتخذ موقفا محايدا من الدين أو باتجاه التفسيرات المختلفة للدين نفسه كما هو الحال مع الولايات المتحدة أو اتخذت موقفا مخالفا للدين كما هو الحال مع فرنسا والمكسيك , فالنخبة الحاكمة سعت لمنع الدين من النفاذ إلى الحياة الاجتماعية وتمّ ذلك عن طريق القمع مما أدّى إلى انتهاكات لحقوق العناصر الدينية .

كما أن عدم تدريس الدين في المدارس العلمانية وطّد اقتناعا بأن العلمانية هي الإلحاد , فضلا عن تعرّض الموظفات والطالبات ممن يرتدين الحجاب إلى النقد والتنكيل ومنع المسلمين من ذبح الأضاحي في العيد الكبير واستبعاد من يشتبه بميوله الدينية من الضباط العسكريين عن الخدمة فخلقت تلك الإجراءات استياء عميقا وأدّت إلى انفصال المواطنين عن الدولة التي تقمعهم والبحث عن ملاذ آخر فكان أن أعطوا أصواتهم لحزب الرفاه .

  • د- الرفاه والعوامل الخارجية :

مما لا شك فيه أن العوامل الداخلية السالفة الذكر لعبت دورا كبيرا في نمو شعبية الرفاه إلا أن هناك عوامل خارجية أيضا ساعدت في الصعود التدريجي في قوة حزب الرفاه واستمراره في المسيرة المضطردة التي مكنته من التوغل المتزن في أعماق الشعب التركي , ففي حقبة الثمانينيات وأوائل التسعينيات ظهرت هناك تحولات فكرية أضعفت من الأيديولوجيات السائدة مثل القومية والاشتراكية لا سيما أثر انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 , والفراغ الأيديولوجي الذي نتج عنه إذ كان للإسلاميين فرصة كبيرة لملء هذا الفراغ , من جانب آخر أدي استئثار الولايات المتحدة بالقرار السياسي الدولي وما تعرّض له العراق في حرب الخليج الثانية وما جرى من مذابح دينية وعرقية ضد المسلمين في مناطق عديدة في العالم في مقدمتها البوسنة والهرسك التي كانت ولاية عثمانية سابقا ( الإفلاق والبغدان ) والشيشان وقرباغ , كل ذلك خلق قناعه لدى المسلم التركي بأنها سلسلة من الحروب الصليبية الموجهة ضد الإسلام وإن استكانة تركيا العلمانية دفعت هؤلاء إلى الإمعان في اضطهادهم للمسلمين لذلك وظف الرفاهيون هذه الأحداث بالربط بين مجد تركيا في زمن العثمانيين وإمكانية إحياء هذا المجد على أيديهم لا سيما وإن الإسلام هو المحرك لهم فكان حزب الرفاه ناجحا في استغلال حوادث البوسنة وعجز تركيا عن التدخل فيها من خلال استخدام اسم ( ماتلد مانوكيان ) وهو رمز أرمني يعبّر عن تجار البغاء التركية بوصفه نتاجا لعملية التغريب التركية فضلا عن ذلك فإن الرفاه فسّر موقف تركيا من المذابح البوسنية بأنه فشل النخبة الكمالية بدمج تركيا بوصفه بلدا أوروبيا .


الفصل الخامس أربكان رئيسا للوزراء (حزيران 1996 – 18 حزيران 1997 )

المبحث الأول : أربكان وتشكيل الائتلاف الحكومي

أولا : تشكيل ائتلاف يلماز – تشيرل

واجهت تركيا مع فوز الرفاه أزمة برلمانية أخرى فقد خلق ذلك حالة من التوتر والقلق للعلمانيين من إمكانية أولا : تشكيل ائتلاف يلماز – تشيرل

واجهت تركيا مع فوز الرفاه أزمة برلمانية أخرى فقد خلق ذلك حالة من التوتر والقلق للعلمانيين من إمكانية ارتقائه إلى السلطة في حال دخوله في حكومة ائتلافية , وتحوله إلى عنصر خطير في توجيه السياسية التركية واغتنام التيار الإسلامي تلك الفرصة لزيادة دوره في المجتمع والسياسة , لا سيما وإن حزبي ( الوطن الأم – الطريق الصحيح ) لم يتمكنا من تحقيق الأغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة ومن ثم سيؤثر ذلك في معالجة الفجوة داخل يمين الوسط الذي قدمّ معظم الحكومات التركية منذ الخمسينيات .

من جانب آخر صرّح أربكان للقناة التلفزيونية الرسمية تي آر تي T.R.T قائلا :" إن الأمة قد اختارت الرفاه وطبقا للقواعد والأصول الديمقراطية وإن على رئيس الجمهورية سليمان ديميريل أن يكلّف الرفاه بتشكيل الحكومة " إلا أن أربكان وحزبه واجها ضغوطا كبيرة من معارضيه لا سيما وأنه عاجز عن تشكيل حكومة بمفرده لافتقاره إلى الأغلبية ولمنع قيام حكومة بزعامته وجرى الحديث عن تحالف بين أربكان ومسعود يلماز ودارت مباحثات مطولة استغرقت أسبوعين إلا أنها باءت بالفشل لإشتراط يلماز على أربكان مقابل موافقته على التحالف دخول الرفاه فترة تجريبية للبرهنة على أن سياسات الحكومة لديه لم تكن ثورية والانتقادات الشديدة التي تعرض لها الزعيمان من أعضاء حزبيهما بسبب ما قدماه من تنازلات .

كما أكدت بقية الأحزاب رفضها لأى عرض محتمل لتشكيل الائتلاف مع الرفاه وتصور كل من مسعود يلماز وبولنت أجاويد ودينيز بيكال بأن وصول حزب الرفاه إلى السلطة سيقضي على جميع الأفكار الكمالية ومظاهر الديمقراطية لعدم الثقة بمدى التزام اربكان بالديمقراطية والتخوف من أن يسعي إلى إقامة نظام " نيوقراطي ديني " على غرار النظام القائم في إيران , وتأسيسا على ذلك ستكون الحكومة المشكلة كارثة لتركيا داخليا وخارجيا حسب رأيهم , ورأى المراقبون " أنه إذا ما راودت أى حزب الرغبة في دخول ائتلاف مع الرفاه فإن الجيش الذي يعد الحارس التقليدي للنظام العلماني سيمارس ضغوطا لردعة عن ذلك الائتلاف , وقد أشارت صحيفة ملليت إلى تدخّل الجنرالات ودعمهم لتشكيل ائتلاف بين حزبي الوطن الأم والطريق الصحيح وإصدار المذكرات على أهمية الحفاظ على أسس الدولة العلمانية آخذين بنظر الاعتبار خطر تولي حزب إسلامي السلطة والخوف من أن يقوم هذا الحزب بإصدار قوانين دينية , لأجل ذلك صوّت المجلس الوطني لمنح الثقة للحكومة الجديدة بأقل من النسبة المطلوبة وهي ( 276 ) صوتا من مجموع (550).

كما شهدت الساحة السياسية التركية طوال شهرين ونصف على الانتخابات مفاوضات مطولة بين الأحزاب الخمسة المتمثلة في البرلمان الجديد , وطرحت سيناريوهات عدة كان آخرها تشكيل تحالف بين حزبي الوطن الأم والطريق الصحيح على الرغم من العداء الشخصي الكبير بين زعيمهما . يلماز وتشيلر واكتفاء حزب الرفاه بدور المعارض , وعلى الرغم من إصرار رئيسة الوزراء السابقة تشيلر على بقائها في منصبها صرحت قائلة :-" إنها تفضل تداول رئاسة الوزراء لمدة ستة أشهر " فأبدي يلماز موافقته على هذا الشرط وتم التوصل إلى تسوية سياسية والاتفاق على تشكيل التحالف , ووضعت صيغة لتشكيل الحكومة يتولي يلماز رئاستها أولا حتى عام 1997 لتكون تشيلر رئيسة وزراء لعامين تاليين , في خطوة لإبعاد الإسلاميين عن تسلم السلطة ووضع العراقيل أمامهم .

وقد وصفت تشيلر ائتلافها مع يلماز قائلة :-" بأنه تضحية من أجل منع وصول حزب الرفاه للسلطة كما دعمت المؤسسة العسكرية تحالف يلماز وتشيلر مدعية أن هذا الائتلاف سوف يجنّب البلاد انقلابا رابعا , هذا إلى جانب تعرّض يلماز وتشيلر لضغوط قوية من بعض الأوساط العلمانية تدعوهما إلى الوحدة حتى يتمكنا من التصدي لحزب الرفاه الإسلامي ومنعه من تسلم السلطة لا سيما وأنه يمتلك أكبر كتلة برلمانية , كان شعار الحكومة الجديدة هو الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي الذي طالب به الاتحاد الأوروبي ,إذ صرحت تشيلر بالقول : -" أنها تسعى لتشكيل حكومة قادرة على حل مشاكل تركيا الداخلية والخارجية " لكن هذا الائتلاف سرعان ما وجهته العقبات في مقدمتها الوضع الاقتصادي والتضخم .

تدهور قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي خلال الأعوام 1993 -1996 وعدم الاتفاق على سياسة التعيينات الوظيفية من بين قضايا أخرى خلافية , وصرح عدد من المسؤولين في حزب الوطن الأم بالقول : - " من الصعب استمرار الحكومة في حال عدم الاتفاق بين طرفي الائتلاف على قضية التعيينات الحكومية , وإن الوزراء من حزب الوطن الأم يواجهون صعوبات في وزارتهم بسبب رفض تشيلر تلك التعيينات , فضلا عن عجز الحكومة عن إيجاد حلول لمعالجة المشكلات الاقتصادية إذ اعترفت تشيلر بضعف الاقتصاد في تصريح لها قائلة : - " هناك بعض العلامات على ضعف الاقتصاد وهناك حاجة إلى معالجتها على وجه السرعة , وحثت حلفاءها في الحكومة على ضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لاحتواء تلك المشكلة إذ يعاني الاقتصاد التركي من التضخم بلغ نسبة من الزيادات وصلت إلى 100% الأمر الذي حدا بالحكومة إلى زيادة الضرائب والرسوم أهمها رسوم الدراسة لطلاب الجامعات والتي تسببت في زيادة نقمة الشارع التركي مما يعني هزيمة كبيرة ليمين الوسط وفشل الائتلاف الأمر الذي سيخلق أزمة في النظام السياسي التركي .

وهنا جاءت توقعات أربكان فيما يخص الائتلاف الحكومي مطابقة لما حدث إذ أشار قائلا : -" أن الحكومة الائتلافية ستولد ميتة , وأن حزبه هو الأقدر على مواجهة المشكلات التي تعاني منها تركيا وأهمها الإرهاب والتضخم والصعوبات الاقتصادية الأخرى , إنها حكومة ضعيفة تهدد الديمقراطية لأنها لا تعكس النتائج الحقيقية للإنتخابات , إذ أن الشعب أعطي أصواته للرفاه وليس لحزب الوطن الأم والطريق الصحيح .

ثانيا : انهيار ائتلاف يلماز – تشيلر

على الرغم من كل الدوافع السابقة وراء انهيار الائتلاف يبقي الدافع الشخصي هو العامل الأكبر فبعد أقل من ثلاثة أشهر على حكومة يلماز – تشيلر لفظ الائتلاف أنفاسه الأخيرة بعد إعلان تشيلر سحب تأييد حزبها للحكومة وفض شراكتها بالائتلاف إذ صرحت قائلة : - " أن السبب في ذلك يعود للطعن الدستوري في حقها والذي أنهي شراكتها مع يلماز قانونيا ودستوريا .

ورأى بعض المراقبين أن فقدان الثقة بين حزبي الائتلاف الحكومي أسهم في فشله وعدم قدراته على إنجاز برنامجه . فضلا عن ذلك إن الائتلاف تعرض إلى هزة جديدة عندما انضم بعض أعضاء حزب الوطن الأم إلى جانب المعارضة ( أربكان ) في التصويت على التحقيق في الاتهامات الموجهة ضد تشيلر إبان تسلمها منصب رئاسة الوزراء التي تؤدي بها للمثول أمام المحكمة العليا الأمر الذي يقضي من الناحية الفعلية على محاولاتها لاستعادة رئاسة الحكومة , فقد لعب حزب الرفاه دورا كبيرا في توجيه ضربه للحكومة اليمينية من خلال صحفه ووسائل إعلامه إلى شن حرب إعلامية ضدها عن طريق تقديم ملفات تدين تشيلر بالفساد كما حصل الرفاه على موافقة البرلمان التركي بشأن إجراء تحقيق حول ممتلكاتها الشخصية واتساقا مع ذلك قام حزب الرفاه بإجراء قانوني باللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن في مشروعية اقتراع الثقة على الحكومة الذي لم يحصل على النسب القانونية ( كما أسلفنا ) وأن حزب الرفاه سيحصل على الأغلبية المطلقة للموافقة بفعل وجود ( 158) عضوا من حزب الرفاه في البرلمان و ( 132 ) عضوا للطريق الصحيح و(126) لحزب الوطن الأم .

وبناء على ذلك قدّم حزب الرفاه طلبا آخر إلى المحكمة الدستورية التركية أشار فيه إلى عدم شرعية القرارات المتعلقة بما يسمي ( قوات المطرقة ) – وحالة الطوارئ في عشر ولايات جنوب وجنوب شرق البلاد لعدم الحصول على الأغلبية البرلمانية عليها .

وكان الاتفاق العسكري الذي عقد في شباط 1996 بين تركيا وإسرائيل مبررا إضافيا لأربكان لمهاجمة الحكومة فقد صرّح :-" ألم يقصف اليهود إخواننا في لبنان ثم يذهب ويبرمون تحالفا مع اليهود ويفتحون سماء تركيا أمام طائراتهم في ظل هذه الحقائق إذا أدليتم بصوتكم لصالح أى شخص خارج حزب الرفاه فإنكم تمنحون بذلك صوتكم لليهود وسيعلن الشهداء والقديسون من يفعل ذلك "

ورأي البعض أن تصدى أربكان لممارسات الحكومة زاد من شعبيته وحظوظه في مقابل خصومه السياسيين , فقد ذكرت صحيفة ملليت " أن طرح قضية الانتهاكات المالية والقانونية ستزيد من شعبية الرفاه وتجعل منه في نظر الشعب المدافع الأقوى عن الديمقراطية والحريات العامة بعكس الأحزاب التقليدية التي تتسر على هذه الانتهاكات حماية لنفسها وأعوانها " مع ذلك رفضت تشيلر الانسحاب من الائتلاف على الرغم من الضغوط التي تعرضت لها من جانب أعضاء حزبها وأصرت على البقاء مبررة ذلك بأن الانسحاب سوف يخدم حزب الرفاه .

وجاء قرار المحكمة الدستورية وفقا لما أراد أربكان بعدم شرعية الحكومة , تأسيسا على ذلك طالب رئيس حزب الرفاه زعيم حزب الوطن الأم بإعادة مهام الحكومة إلى الرئيس التركي سليمان ديميريل , وصرح أربكان قائلا : -" أن حزبه سوف يتسلم مهمة تشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة بعد نشر قرار المحكمة الدستورية في الجريدة في الوقت نفسه صرحت تشيلر قائلة : -" إن الائتلاف انتهي بحكم القانون والواقع "

وقد اتهمت تشيلر شريكها في الائتلاف بالخيانة كإشارة واضحة للدعم الذي منحه العديد من أعضاء حزبه لإجراء تحقيق في اتهامات الفساد الموجهة ضدها .

وتوصل طرفا الائتلاف إلى قناعة تامة باستحالة الاستمرار وبدأ بتهيئة مرحلة ما بعد انهيار التحالف الذي يبدو أنه يسير في عملية الانحلال على أثر أزمة الثقة التي بدأت بينهما عقب تصويت أعضاء من حزب الوطن الأم إلى جانب مشروع قرار آخر قدّمه حزب الرفاه للتحقيق مع تشيلر بشأن قضية إعلان مناقصة بيع شركة الكهرباء الوطنية .

في غضون ذلك توجه يلماز إلى القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس التركي ديميريل لغرض تقديم استقالة حكومته لعدم شرعيتها من قبل المحكمة الدستورية ولتحاشي تصويت البرلمان بحجب الثقة عنها إلا أن الرئيس التركي كان له رأي آخر بخصوص استقالة يلماز إذ ذكر قائلا :" إن حكومة الائتلاف ستبقي في الحكم ما لم يسقطها الإقتراع على الثقة أو استقالة يلماز . وأضاف مؤكدا : " إنه من غير المعقول التشكيك بشرعية حكومة حصلت على ثقة البرلمان قبل شهرين , فأعلن يلماز : - بأنه سيستمر بعمل الحكومة لحين تشكيل حكومة جديدة .

وعلى أثر ذلك بدأ ديميريل محادثات مع قادة الأحزاب السياسية لتشكيل حكومة جديدة بقيادة يلماز فأكد يلماز أن الأحزاب التركية ستعمل ما في وسعها لتشكيل حكومة خلال مدة 45 يوما وإذا ما فشلت في ذلك ستكون هناك انتخابات عامة في تركيا , وقد أكد الرئيس ديميريل أنه في حال فشل الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة ائتلافية جديدة فإن ذلك سيقود لإجراء انتخابات جديدة في تركيا لانتخاب برلمان جديد. ودعا ديميريل في حديث نشر عبر وسائل الإعلام جاء فيه :-" ضرورة تشكيل حكومة دون اللجوء إلى القوة " مطمئنا بهذا الصدد أن قوانين بلاده لا تبعث على القلق .

وعلى أثر ذلك بدأ يلماز في 7 حزيران 1996 بإجراء مشاورات مع زعيمي اليسار الديمقراطي أجاويد وحزب الشعب الجمهوري بيكيال لتشكيل ائتلاف جديد إلا أن امتناع تشيلر وحزبها عن منحه التأييد أدى إلى إخفاق محاولاته , من جانب آخر سعت تشيلر إلى تشكيل ائتلاف رباعي يضم أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط بهدف التصدي لمنع الرفاه من تسلم السلطة إذ أعلنت في 9 حزيران بشكل قاطع رفضها لفكرة التحالف مع الرفاه صرحت قائلة " لا تحالف مع الأصوليين "

كما ذكرت تشيلر في مؤتمر صحفي :-" بأنه من الضروري العمل بشأن إمكانية هؤلاء الزعماء الأربعة لمعرفة هل يمكن تشكيل حكومة ائتلاف من الأحزاب الأربعة أم لا .

ومع فشل هذه الأحزاب للوصول إلى اتفاق بدأت بعض مراكز القوى العلمانية المدعومة من الجيش في تركيا تحركاتها المكثفة سعيا وراء تشكيل حكومة غير حزبية على غرار ما حدث عقب الانقلاب العسكري آذار 1971 , ومن المعروف أن تلك القوى كانت وراء فشل التفاهم السابق بين حزبي الرفاه والوطن الأم , وفي غضون ذلك قامت تلك القوى بالاتصال مع عدد من أعضاء البرلمان من حزبي الطريق الصحيح والوطن الأم لإطلاعهم على الخطط المستقبلية والتأكيد على ضرورة عدم دعوة رئيس الجمهورية لانتخابات عامة مبكرة بل تسمية رئيس وزراء يحظي بدعم جميع الأحزاب , فقد صرحت تشيلر : -" أن حزبها سيعمل سريعا لتشكيل أغلبية حاكمة مؤكدة أن لديها السلطة الكاملة لأى محادثات لتشكيل ائتلاف جديد" وأوضحت تشيلر أن وزراءها باقون في مناصبهم إلى حين تشكيل حكومة جديدة إذ قالت : - أنها لا تعقد أملا يذكر على تشكيل ائتلاف متعدد الأحزاب لإنهاء فراغ مطول في السلطة " وذكرت " نرى حتى هذه اللحظة على الأقل أن تشكيل ائتلاف يضم ثلاثة أو أربعة أحزاب أمرا غير محتمل "

ونتيجة لذلك فسرت بعض الأوساط السياسية الغربية تصريحات تشيلر بأنها تتضمن تلميحات لاحتمال عزمها إقامة ائتلاف بديل مع حزب الرفاه .

ثالثا : اربكان ومباحثاته لتشكيل الائتلاف

كان أربكان قد صرّح بعد فوز حزبه في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 24 كانون الأول عام 1995 في مؤتمر صحفي مطمئنا خصومه " بأنه مستعد لأى اتفاق وأنه سيبدأ محادثات رسمية لتشكيل حكومة ائتلاف " وأوضح في ذلك المؤتمر قائلا :- نحن لا نسعى أن ننفذ برنامجا فبروتوكول التحالف هو الذي سيسري وهو الذي سينفذ " مؤكدا للصحفيين بالقول :-" ليس لدينا شروط مسبقة وسوف نبدأ صفحة جديدة بيضاء العقل وطريقة التفكير والتجربة سوف تكون مبادئنا للعمل " بالمقابل شدد على أنه " غير مستعد لمناقشة المشاريع والاقتراحات التي لا تجعله رئيسا للحكومة " وقال :-" بأنه لن ينتظر فترة طويل "

وعلى أثر فشل حكومة يلماز وتشيلر ( كما مر معنا ) أعلن أربكان في 25 1996 " أن حزبه سيشكل حكومة جديدة قبل الثاني من حزيران من العام نفسه وأن على يلماز أن يقدم استقالته " فقدم حزب الرفاه مذكرة للبرلمان لحجب الثقة عن الحكومة الائتلافية التي يترأسها يلماز , وصرح أربكان قائلا : -" إن حزبه طلب رسميا عقد جلسة غير عادية في البرلمان لمناقشة هذه المذكرة " في غضون ذلك واصل يلماز تحدى خصومه وقال :-" بأنه سيؤيد إجراء انتخابات عامة مبكرة إذ اتخذت مبادرة في هذا الشأن في البرلمان , وعلى أثر ذلك طالب عبد الله غول نائب رئيس حزب الرفاه يلماز بإعادة المهمة فورا إلى الرئيس ديميريل لكي يتسني له تكليف رئيس حزب الرفاه نجم الدين بتشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة .

وأشارت بعض الدلائل إلى أن أى مشروع ويتقدم به حزب الرفاه في ظل تلك الظروف لحجب الثقة عن الحكومة فإنه سيحصل على الأغلبية المطلقة وفي أعقاب ذلك لم يجد الرئيس التركي بدا من دعوة زعيم حزب الرفاه نجم الدين أربكان لتشكيل حكومة جديدة , وجاء هذا الإعلان بعد اجتماع الرئيس ديميريل بقادة الأحزاب الكبرى في تركيا , فبدأ رئيس حزب الرفاه أربكان المكلف بتشكيل حكومة ائتلافية بمشاورات مع الأحزاب السياسية وتوقع البعض أن أربكان سيحاول مرة أخرى إجراء محادثات مركزا على حزبي الوطن الأم والطريق الصحيح الرئيسين لوجود أصوات إسلامية داخل الحزبين محاولا كسب تأييدهم فيما ستكون اجتماعاته مع أحزاب ( الشعب الجمهوري – واليسار الديمقراطي ) بصورة شكلية , ومما يذكر في هذا السياق أن أربكان دعا زعيم حزب الوطن الأم مسعود يلماز إلى عدم تكرار الأخطاء مرة ثانية , موضحا أن معظم أعضاء وقادة حزب الوطن الأم إلى جانب التحالف مع الرفاه منوّها بالقيادات الإسلامية في هذا الحزب التي عملت جنبا إلى جنب مع أوزال , وعلى ما يبدو أن أربكان واجه صعوبات كبيرة في إقناع الأحزاب للتحالف معه مما يعني أن تركيا ستستمر في مواجهة أزمة تشكيل حكومة وبخلاف ذلك ستواجه انتخابات عامة مبكرة .

بالمقابل منحت تشيلر الصلاحيات لعدد من مساعديها لإجراء محادثات مع رئيس حزب الرفاه حول إمكانية تشكيل ائتلاف حكومي إلا أن تلك المشاورات لم تؤت ثمارها فأعلن أربكان بأنه " سيعقد اجتماعا ثالثا لإنجاح تلك المباحثات " وفي الوقت نفسه كانت تشيلر تسعي جاهدة لإقامة لائتلاف مع الأحزاب العلمانية فبدأت بعقد اجتماع مع زعيم حزب اليسار بولنت أجاويد بحثا عن بديل آخر قبل إعطاء قرارها النهائي لإقامة التحالف مع أربكان , فقد ذكر أجاويد " أن تشيلر تعارض تماما تجديد الائتلاف مع يلماز " وعلى ما يبدو أنها كانت تتعرض لضغوط من بعض الأوساط السياسية لإبداء موافقتها من إقامة تحالف حكومي مع الرفاه .

رابعا : الدوافع وراء ائتلاف تشيلر – أربكان

لا يخفي على أحد موقف تشيلر من الإسلاميين ومعارضتها لهم , فسبق القول عن مساعيها المبذولة لمنع وصول أربكان وحزبه إلى السلطة , إلا أن إعلان موافقتها في 28 حزيران 1996 على التحالف مع أربكان وقبولها بتشكيل حكومة كان لظروف مرحلية مصلحية وكان مفاجأة لجميع الأوساط السياسية وطرحت تفسيرات عدة لموقفها هذا لعل أهمها الصعوبات التي كانت تواجهها مثل قضايا الفساد والاتهامات بحقها بخصوص تبديد أموال الدولة حيث اتهمت تشيلر بتبديد حوالي 6,5 مليون دولار وللتخلص من المساءلة القانونية أمام المحكمة الدستورية مما سيعني نهاية حياتها السياسية لذلك اشترطت على أربكان إسقاط طلبة للتحقيق معها وبالفعل تم ذلك .

أما التفسير الثاني هو أن تشيلر قد أحست بوجود اتفاق ضمني بين سليمان ديميريل وأجاويد ويلماز للتخلص منها وإزاحتها عن الساحة السياسية فقررت الدخول في تحالف مع أربكان للتصدي لذلك , والتفسير الأخير هو أن السبب تعرض تشيلر لضغوط كبيرة من المؤسسة العسكرية والغرب والولايات المتحدة لدفعها للائتلاف مع أربكان في مقابل الاحتفاظ بالوزارات المهمة فضلا عن منصب نائب رئيس الوزراء , فقد وجدت هذه القوى أن الوقوف في وجه أربكان سيعود عليها بعواقب وخيمة نظرا للشعبية الكبيرة التي حصدها من قبل الناخبين , فبدا أنه من الأسلم زج أربكان في السلطة ولكن مع تجريده من أبرز نقاط قوته من خلال تسلم رمز من رموز العلمانية والتغريب لمناصب مهمة في حكومته ولا سيما وزارتي الداخلية والخارجية , ومهما يكن من أمر تلك التفسيرات فإن تشيلر تعرضت للانتقادات والاتهامات اللاذعة منها الانتهازية وعدم التزامها بأدنى الأخلاقيات السياسية من قبل الأوساط العلمانية فجاء ردها على تلك الاتهامات " لم آت به إلى الحكم وإنما الشعب هو الذي أتي بأربكان " أما بالنسبة لأربكان فرأى البعض من المراقبين أنه قد أغراه مشروع تولي السلطة بعد سنوات من الضياع السياسي , في الوقت الذي سوغ أربكان ائتلافه مع تشيلر بالقول : - " إننا منفتحون على جميع الأحزاب السياسية لأنهم جميعا إخواننا ونسعى جميعنا لخدمة البلاد , من جانب آخر رأي ياسين خطيب أوغلو وهو أحد قياديي حزب الرفاه أن ذلك الائتلاف يصب في المصلحة الوطنية بالقول : - " المصلحة الوطنية فوق كل شئ وساد تصور بأن هدف أربكان من ائتلافه مع تشيلر للتأكيد على أن تركيا تبحث عن تراثها الحضاري وهويتها الإسلامية , بالمقابل ادعي خصومه السياسيون أن الرجل المسن أربكان كان متلهفا لتولي وظيفة رئيس وزراء بعد أن عمل في السابق نائبا لرئيس الوزراء ثلاث حكومات ائتلافية في السبعينيات , ففي ضوء ذلك التلهف فإنه وأعضاء حزبه تجاهلوا دعواتهم الخاصة بشأن النظام العادل واختاروا بالمقابل أن يكونوا لاعبين براغماتيين في اللعبة السياسية أكثر مما هم رجال إصلاح نظيفي اليد هدفهم إصلاح النظام الفساد , ويمكن الاحتجاج بأنه كان من الأفضل للرفاه ولتركيا بقاؤه في المعارضة ليمارس الضغط للقضاء على النظام الفاسد .

وفسر البعض أن موافقة قادة الرفاه على تشكيل الحكومة بغض النظر عن تسلمهم المناصب الوزارية فيها هو إثبات قدراتهم أمام فئات كبيرة من المجتمع التركي وإقناعهم لا سيما المعارضين لهم على إدارة البلاد كسلطة تنفيذية بعد نجاحهم بإدارتها كسلطات بلدية , ويكون حلمهم حقيقة ماثلة ليس أمام أنفسهم فحسب بل أمام المجتمع التركي ككل .

ورجح المراقبون أن تشكيل حكومة الرفاه لا يعود لفوز الحزب في الانتخابات البلدية الجزئية والتي جرت في 2 حزيران 1996 وبنسبة 32.5% التي زادت من شعبيته ولا التنازلات التي قدمها أربكان وإنما لجعل حزب الطريق الصحيح رقيبا علمانيا قويا على تحركات أربكان ومنعه من تنفيذ برنامجه إلا بعد حصول موافقة تشيلر أولا قبل أن ينفذ أى قرار ولعل تسلّم حزب تشيلر الوزارات الأساسية يوضح ذلك .

ومما سبق يتضح بأن أربكان قد قبل بمنصب رئيس الوزراء بالمشاركة كخطوة لتحقيق رئاسة وزراء منفردة في المستقبل , كما إن ارتقاءه سدة الحكم سيتيح له دفع عملية التشريعات والقوانين التي نادى بها طويلا إلى حيزّ التنفيذ فضلا عن أن كل الاعتبارات السابقة هي جديرة بالأهمية ولها حيّز كبير من المصداقية .

خامسا : تشكيل الحكومة الائتلافية

يعد مجئ أربكان للسلطة في 29 حزيران 1996 في أول بلد مسلم يعتمد النظام العلماني حدثا تاريخيا بل عدت تجربة جديدة وفريدة وكان أمرا مثيرا أن يترأس إسلامي السلطة عن طريق الديمقراطية بعيدا عن الأساليب الأخرى ويدعم وتأييد شعبي كبيرين .

لقد أظهر هذا التحالف بين نجم الدين أربكان صاحب الميول الإسلامية وبين تانسو تشيلر إزدواجية الهوية التركية وشكل نقطة تحوّل في تاريخ الجمهورية التركية الحديثية , ومثل تولّي رئيس وزراء تركي تقوم فلسفته السياسية على الإسلام انشقاقا سيكولوجيا في التاريخ التركي , وقد جاء هذا الحدث ثمرة البحث عن علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع إلا أن المشاركة في حكومته من قبل حزب علماني تمثل بقايا قوى العلمانية التي لم ترضح وتسلم كليا بتولي الإسلاميين السلطة , تولّي أربكان السلطة بعد مرور ستة أشهر من القلق السياسي في تركيا وقد بدا أن الإسلام سيمثل فرصة للخروج من ذلك لا سيما وأنه قد جاء إلى السلطة بالطرق الديمقراطية .

ورأي بعض المحللين أن نجاح حزب الرفاه ووصوله إلى السلطة يعود جزئيا إلى حالة الاغتراب السياسي التي فرضتها الكمالية بمعني النهج الذي أرسي كمال أتاتورك دعائمه ولأول مرة كسرت القاعدة القائمة عل القيادة العلمانية منذ قيام الجمهورية عام 1923 .

وفسر البروفسور إحسان داغي ( أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط في أنقرة ) ذلك قائلا : -" إن صعود الرفاه الإسلامي للسلطة جاء نتيجة فراغ السلطة الذي أحدثه تشرذم أحزاب اليمين واليسار في وقت أصبح تغريب تركيا ثقافيا وسياسيا محل مراجعة في المجتمع مع رفض الغرب لدخول تركيا نادية مما مهد الأرض لصعود التوجه الإسلامي التقليدي الشعبي " فقد صرّح أربكان بمناسبة فوز حزبه في الانتخابات الفرعية في 4 حزيران 1996 بحصوله على نسبة 33.6% من الأصوات في 41 بلدية قائلا :-" إن اكتساح حزب الرفاه للأصوات في أية انتخابات عامة مقبلة لن يكون له حدود ما لم يصل للسلطة الآن " وعدّت القناة التلفزيونية الرسمية تي آرتي تلك النتائج بأنها بالغة الأهمية إذ جاءت عشية مناقشة اقتراع توبيخ تقدم به الرفاه في البرلمان لحمل رئيس الوزراء يلماز على الاستقالة وعدت الصحافة التركية تلك الانتخابات بمثابة اختيار وطني حصل بموجبة حزب الوطن الأم على 20% بينما منى حزب الطريق الصحيح بهزيمة كبيرة بحصوله على أقل من 12 % من الأصوات .

وعندما لم يعد بالإمكان أن تبقي حكومة يلماز بعد إنهاء مهلة لـ 45 يوما لم يعد أمام ديميريل سوى خيار واحد هو استدعاء أربكان وتشيلر لتشكيل الحكومة عوضا عن الدعوة لقيام انتخابات جديدة التي ربما ستزيد من سطوة الرفاه وتضاعف من عدد مقاعده في البرلمان أو فسح المجال لتدخل جديد للعسكر في السلطة سيؤدى إلى انتكاسة في الديمقراطية التركية .

على أثر ذلك عقد الرئيس التركي سليمان ديميريل في 28 حزيران 1996 اجتماعا مع أربكان واتخذ قرارا بتعينه رئيسا للحكومة الجديدة وتكليفه بمهمة تشكيل الوزارة المقبلة وفي نهاية اللقاء صرّح أربكان للصحفيين قائلا :-" لدى خبر سار لكم , تم تشكيل حكومة جديدة ".

وعلى الرغم من معارضة بعض نواب حزب الطريق الصحيح حيث صرحوا " بأنهم لن يؤيدوا الحكومة التي يتزعمها الرفاه لأنهم لا يستطيعون مساعدة حكومة إسلامية للمجئ إلى السلطة " إلا أن زعيمة الحزب أعلنت عن عزمها بالتعاون معه قائلة : -" إن التعاون مع أربكان لن يضر بمصالح القومية التركية " , مؤكدة على أن المناقشات التي أجرتها كانت ناجحة وبناءة .

سادسا : منح الثقة لحكومته

كان أمام أربكان عقبة كسب ثقة البرلمان لتشكيل حكومته لأن تكليفه برئاسة الحكومة لن يستكمل شرطه القانوني ما لم يصوّت عليها البرلمان بالموافقة بأغلبية ( 276) من مجموع (550) ومن أجل تحقيق ذلك كان عليه التوجه إلى مجلس النواب لإزالة المخاوف من الحكومة الجديدة , فعقد مؤتمرا صحفيا في 29 حزيران 1996 لم يأت فيه على ذكر التعهدات التي أطلقها في أثناء حملاته الانتخابية والمتمثلة بانسحاب تركيا من الناتو N.A.T.O وقطع علاقات تركيا مع إسرائيل وإلغاء الفائدة وإصدار عملة إسلامية موحدة عوضا عن ذلك صرح قائلا : - بأنه يؤيد كل شروط الاقتصاد الحر وإن تركيا دولة ديمقراطية اجتماعية تقوم على القانون ومبادئ أتاتورك , وفيما يخص الدعم التركي لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة في شمال العراق , أجاب : -" سوف نستشير قادة الجيش المحترمين المعززين , ونسمع اقتراحاتهم عن مستقبل هذه المهمة وصرح قائلا :" نحن نأمل الحصول على الأغلبية لمواجهة المشاكل والقيام بواجباتنا بثبات وبدون تعب "

كانت هناك أمام أربكان مشكلة نواب حزب الطريق الصحيح ممن هددوا بالانسحاب من الحزب ورفض التصويت على الحكومة لكن هذه المشكلة تمت معالجتها بتصويتهم لصالح الحكومة وتخليهم عن تهديداتهم السابقة بوصف ذلك مناورة سياسية تقليدية وحصلت على ( 278) صوتا للفوز بالثقة في البرلمان مقابل (265) صوتا معارضا وبذلك منحت حكومة أربكان الثقة في 4 تموز 1996 .

  • سابعا : توزيع الحقائب الوزارية

انتقل أربكان بعد التصويت بالثقة للحكومة إلى قضية جديدة ألا وهي توزيع حقائب الحكومة بينه وبين تشيلر , فبعد مناقشات مطولة بين طرفي الائتلاف تم التوقيع على بروتوكول لتوزيع الحقائب الوزارية فتسلم أربكان منصب رئاسة الحكومة بينما تسلمت تشيلر منصب نائبه رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية , وحصل أعضاء حزبها على الوزارات التنفيذية الآتية ( الخارجية , الدفاع , الداخلية , التعليم , الصناعة والتجارة ) في حين تولي الرفاه (19) حقيبة من أصل (36) وتم الاتفاق على نقل صلاحيات رئيس الحكومة إلى تشيلر في بداية النصف الثاني من عمر الحكومة البالغ أربع سنوات , وكان ضمن شروط بروتوكول الائتلاف أيضا أنه لا يتم إصدار أى قرار من الائتلاف إلا بالاتفاق مع رئيس الوزراء ونائبته ووضع توقيعهما المشترك , مما لا شك فيه أن تسلم تشيلر مهام وزارة الخارجية سيعمل على الحد من قلق العسكر , لأن تركيا عضو في حلف الناتو ولها صلات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل مما يسمح لها , أى تشيلر بالسيطرة على السياسة الخارجية التركية , ومن جانب آخر إن تسلم الرفاه الوزارات الخدماتية مثل ( العمل , الزراعة , الشؤون العامة ) سيوفر له فرصة كبيرة لبناء قاعدة سياسية شعبية قوية , فضلا عن تسلمه وزارة الثقافة التي سيتمكن من خلالها التحكم بمدارك الناس .

إن قرار نجم الدين أربكان بالتخلي عن المناصب الأساسية لشريكته تشيلر يخفي وراءه أكثر من هدف لعل في مقدمة ذلك تفادي المواجهة مع الجنرالات والأحزاب العلمانية ذات الميول الغربية الداعمة للعلاقات الثابتة مع الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل . لا سيما وإن تشيلر تحظى منعا لإحراج أربكان , أما الهدف الثاني فيمكن في رغبة أربكان بتوسيع قاعدته الشعبية وتقديم الخدمات للشعب من خلال وجود الرفاهيين على رأس الوزارات الخدماتية إذ ظل يكرر " أنها حكومة فقراء " إما الخدمات أو الرحيل " هذا من ناحية وإتاحة الفرصة للتغلغل في الدوائر المهمة والمؤسسات الحساسة من ناحية أخرى .

المبحث الثاني : مظاهر سياسته الداخلية

حرص أربكان على خلق حالة من التوازن بين التزامه بشروط بروتوكول الحكومة التي شكلها في 29 حزيران 1996 , وبين تنفيذ وعود حزبه ( الإسلامية القومية ) من ناحية وانسجام سياسته مع اتجاهات شريكته بالائتلاف والمؤسسة العسكرية من ناحية أخرى , فقد أبدى استعداده لتقديم تنازلات كثيرة , وعلى ما يبدو أن اقتراب الرفاه من السلطة جعل قيادته أكثر اهتماما بدخول الحكومة من عرض سياسة ثابتة من خلال تلك المشاركة .

ولعل أربكان أراد أن يحقق المزيد من الشرعية لحزبه ودحض فكرة استبعاد الإسلامين عن الحكومة إذ بدأ أربكان في 3 تموز 1996 بطرح برنامج حكومته أمام البرلمان المتضمن هيكلة اقتصاد الدولة وخصخصة الشركات العامة كافة وتنظيم البنوك وفق القوانين والتشريعات وتطوير سوق البورصة وتشجيع الاستثمار في البلاد , كذلك إيجاد حلول لمعالجة مشكلات جنوب شرق تركيا والاهتمام بحقوق الإنسان والحريات العامة وحرية العقيدة والوجدان وتقوية الممارسات والفعاليات وفقا لمصالح لتركيا مؤكدا على الالتزام بتطبيق برنامج حزب الرفاه قائلا :-" إنه مع النظام العادل حسب القاموس الرفاهي – إلغاء الفوائد في توزيع الضرائب في تركيا , ورفع الضائقة الاقتصادية عن الناس وإنهاء الظلم " قاصدا من ذلك نظاما يفتح الطريق أمام الإنسان ليصبح سعيدا ولا يعود هناك ظلم ليصبح في ظلم , وبإمكان كل واحد منا أن يظهر كفاءته " وأكد أن حكومته ليست ضد السوق الحرة واقتصادها .

كما شخّص أربكان هوية حكومته بأنها حكومة الفقراء , وأن الثقل الأساس سيكون للاهتمام بهم وتوفير الخدمات لهم , فقد دأب على التصريح " نحن حكومة الفقراء إمام الخدمات وإما الرحيل " وقد فسّر ذلك بقوله إن هذه الطبقة التي يتبرأ منها الجميع نحن أصحابها .

أولا : مشكلات الاقتصاد التركي

شكّل الاقتصاد دوما أهمية استثنائية في فكر أربكان وقد مر معنا ما صاغه من أفكار ضمن برنامج حزب الرفاه الذي حمل تسمية النظام العادل , وعندما تولي رئاسة الوزراء كانت المشكلة الاقتصادية أهم التحديات التي واجهت حكومته أسوة بكل الحكومات السابقة إذ كان الفشل في معالجة هذه المشكلة وراء سقوط هذه الحكومات .

كان أربكان خلال السنوات السابقة ناقدا القصور في الاقتصاد التركي ففي التسعينيات وعندما شهدت تركيا ارتفاع معدلات التضخم والبطالة كثف حزب انتقاداته للسياسات الاقتصادية والتحالفات التي شكلت الحكومات الائتلافية من أنصار الأحزاب العلمانية إن حكومة الرفاه – الطريق الصحيح واجهت مشكلتين اقتصاديتين أساسيتين تحتاجان إلى حل ضروري , وهما سد العجز في تمويل القطاع العام والقروض الداخلية كذلك تخفيض حجم القروض الخارجية تدريجيا والتخلي عن سياسة الاستقراض من أجل الإنتاج , كما كان يتعين على الحكومة حل مشكلة التضخم التي تعد حصيلة المشاكل المرتبطة ببعضها, وقد أوضح أربكان في مقابلة شخصية , حقيقة الأوضاع الاقتصادية بعد أيام من تسلمه المنصب قائلا : -" لقد كنا نعارض الخطط الاقتصادية الحكومية التي تعتمد على القروض والضرائب وكنا نتصور أن دولة غنية مثل تركيا لا يمكن أن تكون منهارة اقتصاديا ما لم تكن هناك أيدي عابثة تنهب ثروات البلاد " وأضاف أربكان قائلا :- " وعندما أصبحنا في الحكومة وأطلعنا عن كثب على الأمور وجدناها أسوأ بكثير مما كنا نظن وجدنا فئة محدودة العدد من أرباب الشركات الكبرى ( القابضة ) تسلطت على الدولة كل ينهب بأقصى قدرته , ورجالات الدولة مجرد شركاء لهؤلاء في التسلط والنهب " وقد سبق لأربكان أن لخص مشكلات تركيا الاقتصادية بتدني مستوى الليرة التركية والتضخم الكبير الذي أفقر المواطن الترك وسيطرة الدولة وكبار الاقتصاديين على مقدرات الاقتصاد التركي .

وفي الحقيقة إن حكومة أربكان ورثت تركة مثقلة بالأزمات الاقتصادية كالبطالة والديون الداخلية والخارجية والمتمثلة في عجز الموازنة الذي بلغ ( 6,47) مليار دولار خلال الأشهر الأربع الأولي في عام 1996 وهي نسبة تزيد بحوالي (50% ) عن المدة نفسها من عام 1995 فضلا عن نسبة التضخم التي قدرت بـ ( 77,5% ) سنويا , فضلا عن نسبة البطالة التي بلغت (17% ) ناهيك عن قيمة الديون الخارجية والبالغة (73 مليار دولار ) وبدأ بخطوة عاجلة لتحسين أوضاع الفئات الدنيا من المجتمع فاتخذ أربكان قرارا برفع رواتب موظفي الدولة والمتقاعدين للنهوض بالواقع المعيشي للفرد التركي والتخفيف عن كاهله واستفاد من هذا القرار حوالي (7,5% مليون ) موظف متقاعد كذلك رفع رواتب العسكريين والشرطة بنسبة أعلي , فضلا عن رفع الأجور الشهرية للعمال إلى (17 مليون ليرة تركية ) أى ما يعادل ( 201 دولار ) وكان متوسط الزيادة في رواتب الموظفين (32,1% ) لذلك كانت نسبة التضخم 165 % مما يعني أن الزيادة قد تجاوزت 65 % عند التطبيق فضلا عن ذلك طالب بزيادة الحوافز المالية في الدوائر الحكومية .

وفي خطوة أخرى لمعالجة الوضع المعاشي للفرد التركي بادر أربكان في أعقاب توليه منصب رئاسة الحكومة إلى تعيين وزير الدولة ساجد جونياى مسؤولا عن إعادة إحياء مؤسسة الرعاية الاجتماعية , ولم تمض مدة طويلة على توليه المنصب حتى بدأ الإعلان عن فتح باب تسجيل أسماء كل المحتاجين والفقراء في قوائم لدى عمد البلديات لغرض توصيل المساعدات الاجتماعية والإنسانية ( المادية والعينية ) والسعي قدما نحو محاولة القضاء على الفقر والحاجة , إذ تشير بعض التقارير إلى أن هناك ما يقرب من 4,5 مليون شخص مسجلين تحت خط الفقر بتركيا .

فضمن المعالجات التي قامت بها حكومة أربكان لتحسين الأوضاع المعاشية إعادة تشكيل صندوق الفقراء , إذ ذكر السيد محمد دورلي ( سكرتير عام مؤسسة الرعاية الاجتماعية للفقراء ) تفاصيل عن هذا الصندوق قائلا :-" إن السيدة تشيلر ( في أثناء وزارتها السابقة ) أنفقت الأموال الخاصة بالمؤسسة جهة اليمين واليسار واستخدمتها في أعمال وشؤون أخرى ". وإن السيدة تشيلر مع تحويلها لمصادر أموال الرعاية الاجتماعية إلى بنود الميزانية العامة ابتداء من عام 1993 لم تستطع مؤسسة ( وقف الرعاية الاجتماعية ) أن تصرف سوى 10% من المبالغ المخصصة للفقراء ويصف السيد دورلي " أن عضو البرلمان ممتاز سويسال Soysal من حزب اليسار الديمقراطي قد حاول رفع يد تشلير عن المصدر المالي المخصص للمساعدات الإنسانية في البرلمان السابق , وفعلا صدر قرار في المحكمة الدستورية بذلك , إلا أن حكومة تشيلر لم تنشر القرار في الجريدة الرسمية ولم يتم تطبيق هذا القرار إلا على يد نجم الدين أربكان عندما تولي الحكومة إذ ( تمكن من تقييم الموقف المأساوى فتحرك على الفور للسيطرة على مبلغ يعادل 40 تريليون ليرة تركية (400 مليون دولار ) وتوجيهها نحو هدفها المنشود في حماية الفقراء من العوز والحاجة ) وتم تحصيل جميع الدخل اللازم للمساعدات الاجتماعية وصرفها للفقراء بشكل مناسب مع الاحتياجات العامة للمجتمع .

وفي محاولة من حكومة أربكان للحد من البطالة الواسعة بين العمال والبالغة (17%) والتي تنعكس على أوضاع الفقراء أعلن في أثناء زيارته إلى ماليزيا في 16 أب 1996 بأنها ستطلب أعدادا كبيرة من العمالة التركية , كما تم توقيع اتفاقية تركية – ليبية في أثناء زيارته إلى ليبيا تتعلق بمشاركة العمال الأتراك في مشاريع التنمية التي تقام في الجمهورية الليبية .

كما قامت حكومة الرفاه بإجراءات أخرى لدعم الاقتصاد التركي مثل زيادة أسعار تذاكر الطيران الداخلي وفرض الضريبة على المتعاملين بالأوراق المالية وسندات الخزينة ووفر مبلغ (300 مليون دولار ) من تخفيض تخصيصات البنزين .

أما بالنسبة للبنوك فقد بدأ باستيفاء الضرائب منها وذكر عبد الله غول في تصريح له قائلا :- إن البنوك ربحت في هذا العالم , وإن على الدولة أن تأخذ ثلثا من هذه الأرباح .

وعلى قدر تعلّق الأمر بخصخصة القطاع العام كان من ضمن برنامج حكومة الرفاه خصخصة عدد من البنوك والشركات للقطاع الخاص أولها الهاتف التركي وهو ما وفر سيولة مالية كبيرة للدولة وباعت الحكومة أيضا ما يقارب من خمسين ألف دار حكومية يسكنها موظفون بأجور رمزية , وتم تقليص النفقات والمصاريف في دوائر الدولة للتخلص من الهدر الحكومي وتشير المعلومات إلى أن مستوى الخصخصة عندما تولي الرفاه السلطة لم يحدث مثلها في العشر سنوات السابقة .

وفيما يخص الديون الداخلية فقد فسرّ أربكان هذه الظاهرة ومسبباتها قائلا : -" إن الديون الداخلية تفترضها الخزينة من أرباب الشركات الكبرى فيتقاضي , هؤلاء على ديونهم فائدة بنسبة (140%) أى بمعدل (37%) على حساب الدولار . فالبنك المركزي يفترض الأموال لمدة يوم أو يومين بفائدة (80%) يقترضها أيضا من هؤلاء , هذه الأمور زادت نسبة التضخم ورفعت الأسعار وأفقرت الشعب وأفلست الدولة ... لحساب فئة محدودة متحكمة في السياسة والاقتصاد وفي الأمة كلها .. وضبط هذا التسيب يوفر على الدولة خمسة مليارات دولار في السنة على الأقل .

أما على مستوى الديون الخارجية فقد وضعت حكومة الرفاه ضمن خططها الاقتصادية الامتناع عن الاستدانة من الخارج وهو ما قلل الفوائد التي كانت تصل نسبها (15% ) وبينما كان مقدرا أن تدفع تركيا (240مليون دولار ) فوائد فإنها احتفظت على (10 مليار ) من هذه القيمة , فضلا عن سداد حصة كبيرة من المديونات الخارجية تقدر بـ ( 6 مليار دولار ) من مجموع (80 مليون دولار )

أما فيما يتعلق بالعمل الصعبة فقد طرأ تغيير إذ قال أربكان : -" رصيدنا من العملات الصعبة يبلغ حاليا ( 21 مليار دولار ) منها ( 18 مليار دولار ) مودعة لدى الغرب . بناء على تعليمات البنك الدولي تتقاضي تركيا عليه ( 1.2% ) بينما تدفع أكثر من (10% ) فائدة عن كل قرض فيه من هؤلاء ... أليس هذا أمر عجيب ؟!... وأردف قائلا :-" عندما نظرنا في الخزينة وجدنا للدولة (100 ألف ) حساب بنكي متناثر يعبث فيه العابثون , وعندما جمعنا هذه الحسابات في حساب مركزي واحد وجدنا ما يعادل (15 عشر مليار دولار ) وبينما كانت مصادر العمل (11.78 مليار ) في كانون الثاني 1997 إلا أنها في العام نفسه قد أمنت دخلا وصل إلى (13.33 مليار من الدولارات ) وتم تسجيل زيارة في الاحتياطي من العملات الصعبة بما يقارب من ( مليار دولار ) فأدت سياسة الرفاه الاقتصادية إلى توفير (10 مليار دولار ) خلال مدة زمنية قصيرة وذلك عن طريق جملة إجراءات هي :-

1- تشجيع استثمار أموال العاملين في الخارج من خلال إقامة المشاريع الاقتصادية الداخلية .
2- تشريع عمليات الخصخصة .
3- وضع اليد على المؤسسات والأبنية التابعة للدولة وبيعها في المزادات العلنية .
4- جمع حسابات الدولة في حساب واحد لغرض السيطرة عليه .
5- جمع الضرائب وتخفيف قيمتها لمن يدفع أسرع .
6- استقطاع نسبة 6% من قيمة الواردات لغرض تشجيع الصادرات .
7- تحصيل رسوم استخراج المعادن ومن الأبنية التي بنيت بدون رخصة رسمية ترخص وتباع , من جانب آخر دعمت حكومة الرفاه القطاع الزراعي ودفعت مبلغ ( 136 تريليون ليرة ) للفلاحين وبلغ نسبة هذا الدعم (312 %) خلال سنة واحدة واعتبرت ذلك طفرة عظيمة في تأمين الدعم للفلاحة كما اتخذت قرارا بدفع (50% ) من قيمة الأسمدة للفلاحين .

وعلى الرغم من ذلك واجهت إصلاحات أربكان الاقتصادية اعتراضات من داخل الائتلاف الحكومي , فقد أعرب عدد من زعماء حزب الطريق الصحيح عن قلقهم ومخاوفهم من مبادرات أربكان الاقتصادية ومحاولاته التي تهدف إلى إصلاح الوضع الاقتصادي والاجتماعي , ولعل تفسير ذلك يرجع إلى أن تؤدي ذلك إلى ازدياد شعبية الرفاه وتوسيع قاعدته تمهيدا للفوز في انتخابات قادمة بمفرده فحاول أعضاء حزب الطريق الصحيح كبح جماح برنامج أربكان الاقتصادي , وهذا ما أكده تصريح أحد الوزراء من حزب تشيلر في صحيفة حريت Hurriyet الواسعة الانتشار قائلا :- " الاقتصاد بأيدينا ولا أهمية لما يقوله أربكان بالمقابل هناك من رأي أن أربكان من خلال برنامج النظام العادل امتلك فلسفة اقتصادية مستندة على مبدأ الحق لا على مبدأ القوى السائد في النظامين الاقتصاديين القائمين في العالم المعاصر كله , كما رأي ماكوفسكي أن أربكان سعي إلى تغيير المجتمع من الداخل بطريقة لا يتمكن المراقب الخارجي من رؤيتها وإنه إذا نجح في ذلك سوف يتمكن من إقامة حكومة منفصلة دون تحالف , وعلي المستوى الرسمي اتخذ وزراء حكومة الرفاه عددا من الخطوات منها استبدال أكثر من ( 400) موظف كبير بوازاراتهم وجاءوا بأناس متعاطفين مع الحزب , من جانب آخر بذل أعضاء الحزب جهدهم للحصول على موافقة وزارة الخارجية لقبول عدد من خريجي المدارس الدينية في السلك الدبلوماسي , بالمقابل دعا برلمونيو الرفاه الجيش إلى فتح الكليات العسكرية أمام خريجي معاهد الأئمة والخطباء , وفي محاولة لبسط نفوذ حزب الرفاه أقدمت وزارة العدل عل خطوة وهي نقل عدد من القضاء إلى الوزارات إلا أن الجمعية العدلية التركية أجبرت الوزارة على التوقف عن ذلك , ويمكن القول إن كثيرا من الأهداف التي سعي أربكان إلى تحقيقها لم يكتب لها النجاح ربما بسبب قصر عمر الحكومة والتحديات الكبيرة التي واجهها خلالها .

ثانيا : الصحافة

كان من بين المهام التي قامت بها حكومة الرفاه – الطريق الصحيح وضع مشروع لتنظيم العمل الصحفي الهدف منه القضاء على ظاهرة الاحتكار الإعلامي من قبل بعض القوى من ناحية ورفض تشكيل ما يسمى ( الكارتلات الإعلامية ) لأكثر من مؤسسة إعلامية واحدة من ناحية أخرى , وذلك بوضع شروط منها أن تكون المؤسسة شركة مساهمة غير عائلية وليس لديها ارتباطات مع مؤسسات الدولة وأن يكون مؤسسها حاصلا على الشهادة الدراسية الثانوية على الأقل , ومما تجدر الإشارة إليه أن لنجم الدين أربكان موقفا من الصحافة من خلال تأكيده على دورها في خدمة الوطن إذ قال : - " إن دور الصحافة الحرة كبير في حياة المجتمع والدولة في تحقيق التطور المادي والمعنوي وفي التيار الثقافي الدولي ... وواحد من أهم مبادئنا "

ويستمر قائلا : -" يجب أن تكون الصحافة حرة بمعناها التام والكامل وبشرط ارتباطها بالمفاخر الوطنية واحترامها للقيم المعنوية والأخلاقية فالصحف تلعب دورا بارزا في نقد وتحليل التطور الفكري وإعداد الأجواء للنهضة المادية والمعنوية في بلدنا وفي توفير الاستقرار الداخلي والسلام والأمن ... وفي تطبيق الحريات والحقوق الأساسية بشكل تام وعادل وفي إتمام العملية الديمقراطية .

وضمن هذا السياق أكد أربكان على أن عمل القطاع الإعلامي يعد ممثلا للشرق الإعلامي التركي إذ قال : -" لقد أنفقت المؤسسات الصحفية العام الماضي على ميثاق إرشادي للصحافة وقامت بإعلانه , ونحن الآن أخذنا هذا الميثاق وحوّلناه إلى قانون ولم نضف عليه شيئا بل اعتمدناه كاملا , وأوضح أربكان أن مشروع القانون الجديد يكفل الحقوق والحريات الشخصية ولا يستطيع أحد أن يسب الناس ويهرب سالما , من جانب آخر أكد نائب حزب الرفاه أورهان أصيل تورك في 28 تشرين الثاني 1996 على " أن الحكومة ستمضي في تشريع قانون " تنظيم الصحافة " وأننا سوف لن نتركه لأن ثلاثة محتكرين للإعلام لا يريدون ذلك لأن الجماهير عند ذلك لن نقف معنا " إلا أن هذا المشروع ولد ردة فعل من قبل الصحف الرئيسة الثلاث ( صباح – حريت – ملليت ) وقامت بتنظيم المظاهرات الاجتماعية , من جانب آخر أيد معظم نواب البرلمان وبعضهم من المعارضة تشريع مثل هكذا قانون للحد من أفلام الرعب والعنف والجنس في التلفزيونات ونقل الأخبار الكاذبة والمثيرة والمسيئة إلى خصوصيات الأفراد من جهة ويلغي الاحتكار الإعلامي من جهة أخرى

ثالثا : الموقف من الأكراد العلوييّن

  • أ‌- الأكراد :
  • ب‌- ظلت المشكلة الكردية أو مشكلة جنوب شرق الأناضول كما تسمي من قبل الأوساط السياسية القضية الأولي التي شغلت بال الحكومات التركية , وتعود جذور هذه القضية إلى عشرينيات القرن الماضي أى منذ تأسيس الجمهورية العلمانية عام 1923 , وفرض مصطفي كمال تصوره وجود " وحدة عرقية " للأمة التركية منطلقا من عدم اعتراف اتفاقية لوزان بوجود أقليات عرقية غير تركية كما مر معنا , وعد كل الأقوام المتواجدين على الأراضي التركية أتراكا دما ولغة وثقافة وتراثا , ورفع أتاتورك شعار ( هنيئا لمن يقول أنا تركي ) .

وأدى هذا التجاهل إلى قيام القلاقل والاضطرابات وذلك عن طريق حركات كردية مسلحة منذ عام 1925 وفي مقدمتها انتفاضة الشيخ سعيد بيران ( كما أسلفنا ) التي تصدت لها القوات العسكرية مستخدمة أساليب قمعية كالقتل والتهجير القسري .

مما أدي إلى خلق المشكلات بين الأكراد وبين النظام السياسي , لا سيما وإن جميع الحكومات التركية المتعاقبة رفضت الاعتراف بحقوقهم , وإن كانت بعض الأحزاب تعلن في شعاراتها حلولا لهذه القضية لأسباب ( انتخابية ) إلا أنها ظلت مجرد شعارات مما أدى إلى ظهور العنف السياسي في هذه المنطقة بقيادة حزب العمال الكردستاني منذ عام 1974 وتصاعدت نشاطاته عام 1984 ومنذ ذلك الوقت وتركيا تعاني من نشاطات هذا الحزب الذي زاد من عملياته العسكرية بعد حرب الخليج الثانية 1990 -1991 لتمركز الأكراد في شمال العراق وبضمنهم أعضاء حزب العمال الكردستاني , مما استدعي تدخل الجيش والقيام بعمليات عسكرية تستنزف طاقات الدولة , إذ أصبحت المشكلة الكردية تكلف الخزانة التركية نحو (8) مليار دولار سنويا ثم أطلق قادة الحزب المذكور مبادرات لوقف إطلاق النار منذ التسعينيات مقابل شروط أهمها دراسة إمكانية منح الأكراد حكما فدراليا دون الانفصال عن الدولة فضلا عن إصدار عفو عن السجناء السياسيين من أنصار الحزب والاعتراف بهوية الأكراد ولغتهم وحقوقهم الثقافية والتعليمية .

ولم يحقق أوزال في حكوماته المتعاقبة نجاحا ملموسا في هذه القضية على الرغم من دعواته لذلك أما بالنسبة لأربكان وحزب الرفاه فقد كانت القضية الكردية أحد محاور شعارات حملاته الانتخابية وتناوله لها كان ضمن إطار الهوية الإسلامية المشتركة , فيتصور أربكان أن المسألة الكردية هي نتاج سياسات الدولة ( النظام ) كون الهوية التركية القومية الوحيدة للدولة الجديدة , فمن وجهة نظر حزب الرفاه أن العرقية هي مشكلة مصطنعة وإذا ما تشكلت مؤسسات على نظام إسلامي فلن يتم تهميش أحد بالعودة إلى الهوية الإسلامية , ومن خلال ذلك سيكون من السهل دمج الأقليات في دولة واحدة ويتصور أحد المراقبين أن أربكان كان يتعمد دائما عدم الإشارة إلى الشعب التركي بالاسم باستخدامه جملا مثل " شعبي العظيم " ويلقي أربكان اللوم على النظام السياسي ومن وجهة نظره أن للمسألة الكردية جذورا عميقة ويعزو ذلك إلى طبيعة النظام إذ يشير إلى ذلك بالقول :-

" النظام القائم هو من يتحمل مسؤولية ظهور المشكلة الكردية إذ أنه تأسس على أساس عرقي ( تركي ) بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لذلك لابد أن تظهر لاحقا نزاعات على أسس عرقية تطالب بالانفصال وتعرض وحدة الأراضي التركية بالتجزئة " ويواصل أربكان حديثه قائلا :-" إن المفهوم العرقي في تأسيس الدولة مصدره الغرب الذي يعمل على دعم وتحريك الاضطرابات الداخلية في أماكن كثيرة من العالم وتحويل هذه المناطق إلى حالة من الاستعمار .

ورفض حزب الرفاه وزعيمه أربكان بشدة النظر إلى المسألة الكردية من زاوية عرقية ويرى أن الفوارق العرقية ليست للنزاع للتعاون , أما الفوارق اللغوية فشئ طبيعي , ويتفق الحزب مع وحدة تركيا ويرفض أى شكل من أشكال التجزئة , ولحل المشكلة الكردية طرح حزب الرفاه برنامج تنمية وتصنيع مع إقرار الحقوق الثقافية وحرية المعتقد للأكراد ويدعو إلى رفع حالة الطوارئ المفروضة على الإقليم ولا يشذ الحزب بصراحة عن ذلك من خلال استخدام مصطلح النظام العادل الذي وحده يضمن الفرح والسعادة والثقة والرحمة والأخوة بين الجميع من وجهة النظر ( الرفاهية )

ساهم أربكان وحزبه في عرض حل لواحدة من أكبر مشكلات تركيا من خلال استيعابه الأكراد ذوى الاتجاه الإسلامي , لأن المفاهيم الإسلامية لا تتطلب إعادة توزيع الهويات السياسية , إن الاندماج التدريجي لم يؤد إلى تحطم النظام القائم لأن الاندماج يتفق مع إستراتيجية الدولة بتوسيع القاعدة الاجتماعية من خلال إدماج الأصول الإسلامية الانتخابية في هذا النظام أيضا إن عملية الإضافة هذه لم تؤد إلى تجاوز المؤسسات السياسية , وبذلك كان حزب الرفاه أكثر قبولا لدى الأكراد لمرونته النسبية معهم بطرحه مبدأ الوحدة الإسلامية فهو مع تغيرّ النظرة السياسية الحاكمة بشرط عدم إحداث تغيرّات في الخارطة الجغرافية والمحافظة على وحدة الدولة , وعلى الرغم من محاولته إيجاد حل للمشكلة الكردية فإنه ضد أية خطوة تعمل على إنفصال الأكراد عن تركيا مبررا ذلك بالقول : - " واضح جدا أن فدرالية أو دولة مستقلة لن يجلب الحل للمسألة الكردية والسعادة ولا يحقق أية فائدة " وأن الحل من وجهة نظره دولة موحدة خارج العرقية .. ومن خلال مبدأ الإخوة الإسلامية التي توحّد بين الأكراد والأتراك وتحدّث عن ضرورة رفع نظام الوصاية والسيطرة من جانب الطرف الحكومي , ويدين حزب الرفاه إرهاب السلطة التركية التي تؤكد في أدبياتها أنه لا يوجد في تركيا غير الأتراك ولا يحق لأحد أن يتكلم بغير التركية , كما أدان بالمقابل حزب العمال الكردستاني ومن وجهة نظر حزب الرفاه إنه المؤهل الوحيد لحل المشكلة الكردية على أساس إيماني فحسب , وقد حاول أربكان بعد توليه السلطة أن يحقق بعض التقدم في هذه المسألة الشائكة , والبحث في إيجاد حل بالطرق السلمية لها فأخذ الكاتب الإسلامي إسماعيل ناجار – على عاتقه بناء على توجيهات أربكان القيام بوساطة بينه وبين زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان – وتم ذلك بالفعل عن طريق أحد قياديي حزب الرفاه وهو فتح الله أرباش نائب ولاية وان وهو كردي وتخصص بالشؤون الكردية لبحث إمكانية حل القضية الكردية , وهبر الاتصالات غير المباشرة التي تمت بين ناجار وأوجلان أبدي الأخير استعداده للحل السلمي ,

وقال :- " إنني مع الحل السلمي حتى من خلال الضوء الأخضر الضعيف الذي يبدو من خرم إبرة " فضلا عن ذلك فقد قام أرباش بعد حصوله على موافقة وزير العدل الرفاهي شوكت قازان بزيارة ( مراد بوزلاق ) زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار الكردي في سجنه , وتم التفاوض معه بشكل سري على الأسس العامة للحل السلمي , على أثر ذلك صرّح أرباش بضرورة قيام الدولة بإعلان العفو العام وبإطلاق سراح نواب الحزب الديمقراطي الأكراد والمسجونين بأحكام مختلفة فضلا عن حوالي ثلاثة آلاف كردي محكوم عليهم بتهمة الاتصال أو تأييد " الحركة الكردية المسلمة " وقد أثني رئيس تحرير صحيفة صباح الواسعة الانتشار في مقال افتتاحي على خطوة أربكان الشجاعة ومحاولات الحل السلمي لوقف نزيف الدم والإخوة التركية الكردية , كما حظي أربكان بمساندة 126 شخصا من رجال أعمال من ضمنهم عماد الاقتصاد التركي قوج وصابانجي وذلك بتأسيس شركات استثمار كبرى باسم شركة ( جنوب شرق تركيا ) لتنمية تلك المنطقة لا سيما بعد أن أوقفت حكومة أربكان التهجير وأبدت تعاطفا مع الأكراد وبدأت بإعادتهم إلى قراهم ومزارعهم ,وصرح أربكان قائلا :-" سنوقف هذه الهجرات ونشجع الصناعات المحلية وتربية الحيوانات في المنطقة مرتزقا لكم وتبدأون العيش في قراكم .

وهذا يعني أن القيادة في أنقرة أصبحت قريبة من القادة في ذلك الإقليم وأنها لاقت الاستحسان فحزب الرفاه عرض إلى جانب التحركات السياسية إمكانية إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية من جانب آخر قدم أرباش تقريرا إلى أربكان متضمنا أهمية قيام حكومة أربكان بإصدار العفو العام عن السجناء الأكراد المتهمين بتهم الاتصال أو المساندة أو الدعم لحزب العمال الكردستاني , وقيام وزارة المعارف بوضع مفردات اللغة الكردية بوصفها منهجا للمدارس الكردية , وتخصيص قناة تلفزيونية باللغة الكردية على أن يتم بعد ذلك إعلان أوجلان إلقاء السلاح .

إلا أن تلك الإجراءات واجهت معارضة شديدة من قبل الأوساط السياسية المعارضة إذ أكد بولنت أجاويد عدم تأييده للتفاوض مع ppk لأنه لا يتصور أن المنظمات الشعبية الكردية يمكن لها أن تضغط على الـ pkk من أجل إلقاء السلاح وتصور أن محاولة أربكان في هذا المجال هو نوع من المساومة التي لا يرتاح لها , كما صرّح الرئيس التركي سليمان ديميريل في 4 آب 1996 بأن " الدولة التركية لا يمكن لها أن تجلس على مائدة المفاوضات مع القتلة وقطاع الطرق والإرهابيين وأكدت تشيلر موقفها أيضا من خلال تصريح لها في 5 آب 1996 الذي جاء فيه " بأنه لا يمكن إجراء حوار مع الذين لا يزالون يريقون الدماء "

بينما دعا بعض نواب البرلمان إلى دعم موقف أربكان , إذ أيد محمد جولاهان نائب حزب الطريق الصحيح ذلك بالتصريح " بأن الحزب يؤيد توجهات أربكان بشرط أن يلقي المتمردون أسلحتهم " وذكر النائب نعيم جيلان عن حزب الوطن الأم المعارض بأنه " مستعد للتعاون مع الشيطان من أجل إيقاف نزيف الدم في المنطقة " ودعا حسام الدين قورقوت من حزب الرفاه إلى " تجاوز القوات المسلحة من أجل حل المشكلة الكردية .

لم يكتف أربكان وحزبه بالحلول الداخلية فإتجه إلى تهيئة الأجواء على الصعيد الخارجي لحل القضية الكردية ولغرض التنسيق مع دول الجوار, بعث بعضا من وزرائه إلى دمشق وبغداد في 11 /8/1996 كما أن جزءا رئيسا من زيارة أربكان إلى إيران لتعزيز الأمن على الحدود بين البلدين وسنتطرق إلى ذلك لاحقا .

إلا أن الجيش وجد تحركات الحكومة تجاوزا على مسؤولياته ولعل تدخّل العسكر المتكرر في شمال العراق في ظل حكومة أربكان وبشكل واسع النطاق كان أشبه ما يكون بمثابة إجهاض لمبادرته لمعالجة المسألة الكردية .

  • ت‌- العلويون :

توجد في تركيا أقلية أخرى إلى جانب الأقلية الكردية وهي الأقلية العلوية التي يقدر عددها بين 10 -15 مليون نسمة متمركزة في عدد من مدن الأناضول ( كما أسلفنا ) وقد تحمست تلك الأقلية لإجراءات كمال أتاتورك العلمانية وارتبطت بعلاقات وثيقة مع نظامه فأبدي هؤلاء نزعة علمانية صريحة , لذا كان العلويون في حالة ترقب وحذر من الحكومات السياسية ذات الميل الإسلامي كحكومة عدنان مندريس في الخمسينيات ,ووجود حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان في الحكومات الائتلافية , وإقرار حكومة الانقلاب عام 1980 تدريس الدين مادة إلزامية في جميع المدارس وتشجيع بناء الجوامع , فأصدر هؤلاء بيانا خاصا بهم أطلق عليه اسم " البيان العلوى " كان من أبرز بنوده المطالبة بتمثيلهم المستقل ضمن رئاسة الشؤون الدينية غير أن مطالبهم لم تلق آذان صاغية .

وحاول كبار الساسة من أمثال أوزال وديميريل استغلال القوة الانتخابية لهذه الجماعة عن طريق الوعود بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في مناطقهم لكن هذه الوعود لم تتجاوز الدافع الانتخابي ويبدو أن العلويين في التسعينيات أخذوا يتحركون أكثر نحو أحزاب الوسط وبعيدا عن السياسة اليسارية التقليدية لا سيما بعد أن فقدوا الثقة بالحكومة على أثر أحداث الشغب التي يتعرضون لها .

أما بالنسبة لأربكان فكان مدركا لحساسية هذه الفئة وأراد أن يضمها إلى التيار الإسلامي الذي يتزعمه بدمجهم مع حزب الرفاه فبدأ بمحاولة الاتصال ببعض الشخصيات العلوية مثل الدكتور عز الدين دوغمان ( زعيم مجموعة جيم أكبر المجموعات العلوية في تركيا ) الذي طلب بدوره إدخال مرشحين علويين في قوائم حزب الرفاه لإبعاد الصفة الطائفية عن الرفاه وأكد دوغمان وجهة نظر أربكان , إذ صرّح أربكان في أثناء افتتاح مقر جديد للرفاه في منطقة حسن غازي دادا , التي تعد المنطقة الروحية للعلوية , قائلا :-" إننا لا نفرق بين مواطن وآخر بسبب دينه وقومه , ونحن نشد أزر الجميع ونقف مع الجميع .

المبحث الثالث : مظاهر سياسته الخارجية

على الرغم من أن الثقل الأساس للنقد الذي وجهه أربكان للحكومات السابقة قد تمحور حول سياساتها الخارجية وولائها المطلق للغرب وعلاقاتها المميزة مع إسرائيل , إلا أنه عندما تولي السلطة لم يسع إلى إحداث انقلاب جذري في السياسة الخارجية التركية وذلك لخضوعه لمحددات عدة أولها كون حكومته حكومة ائتلافية ليس له فيها السلطة المطلقة , فترك المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية , تقوم على ثوابت النخبة السياسية الكمالية التي تحظى بدعم العسكر وإن كان قد سعي لتعديل هذه السياسة بطريقة أو أخرى , لذلك كانت استراتيجية أربكان أن يبقي في الحكم أطول مدة ممكنة يستطيع معها فرض مفاهيمه تدريجيا دون أن يثير عليه القوى المعارضة القوية لا سيما وأن الجيش دأب على الترصد للحكومات والتدخل إذا اقتضي الأمر وقد قوبلت هذه السياسة بالارتياح من قبل أصدقاء تركيا الغربيين وأعضاء وزارة الخارجية , لكنها بالمقابل أثارت انتقاد قاعدة حزب الرفه وبعض قيادته ممن اتهموا أربكان بالجمود والرضوخ للواقع القائم , لأجل ذلك قام أربكان بخطوات عدة في مقدمتها رحلته الآسيوية والأفريقية لمحاولة دفع أفكاره إلى حيز التنفيذ فقد سعي أربكان للإنفتاح على العالم الإسلامي والعربي وتحقيق أهداف حزبه في إقامة روابط التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية مع بعض الدول الإسلامية والعربية من خلال تحالف إقتصادي على غرار مجموعة الدول السبع التي تضم الولايات المتحدة وإنكلترا وألمانيا وإيطاليا واليابان وفرنسا وكندا , وقد ذكر قائلا :-" إن الدول الإسلامية ودول الشرق الأوسط ومنطقة آسيا تمتلك الكثير من المواهب والقدرات لتوفير احتياجاتها التكنولوجية والصناعية ويجب أن تمهد الطريق لاحتمال تخليها عن الاعتماد على الدول الأجنبية .

أولا : أربكان ورحلته الآسيوية

بدأ أربكان رحلته الآسيوية في 10 آب 1996 التي تضمنت كل من ( إيران , باكستان سنغافورة , ماليزيا , أندويسيا ) وخص إيران أول بلد يقوم بزيارة له في إشارة واضحة لأهمية توجه السياسة الخارجية التركية إلى الشرق إذ رأي أربكان أن " إنشاء دولة ومجتمع إسلامي يعد إنجازا كبيرا ويعارض جهود واشنطن لعزل طهران وبصفة عامة إن الرفاه يحمل موقفا أكثر إيجابية تجاه النظام الإيراني من الأحزاب المؤيدة للعلمانية التركية .

ويعد تحسين العلاقات بين تركيا وإيران ضرورة أمنية واقتصادية وإستراتيجية والتنسيق بينهما في آسيا الوسطي يحقق للبلدين المزيد من المكاسب من وجهة نظره , مما لا شك فيه إن ارتقاء أربكان رئاسة الوزراء كان مبعث ارتياح لدي إيران , صحيح أن التزامه ببر وتوكول حكومي مع حزب الطريق الصحيح سيمنعه من تنفيذ خططه المعلنة إلا أن مجرد تبني حكومة تركية الدعوة " للعودة إلى الإسلام " بوصفه منهج حياة يمثل إنجازا كبيرا إذ سيتيح إمكانية نشوء قوة إقليمية إسلامية لها ثقلها تقف إلى جانب طهران أمام الضغوط التي تمارس عليها , كما أن زوال العلمانية التركية أو أفولها سيحد مما كانت تمثله تركيا من خطر على إيران بسبب انصياعها للمخططات الغربية ,وهذا ما يفسر الحفاوة الكبيرة التي لقيها أربكان في أثناء زيارته لطهران إذ حظي باستقبال حافل من لدن رئيس الجمهورية هاشمي رفسنجاني ونائبه الأول حبيبي , فضلا عن ذلك مقابلته لمرشد الثورة الإيراني على خامنئي استثناء على ما يبدو في العرف البروتوكولي الذي ينص على أن تقتصر مقابلة المرشد لرؤساء الدول إلا من تخصه إيران بالاحترامفضلا عن أن أربكان نفسه كان له موقف من إيران

إذ صرّح قائلا :-" إن دولة إيران دولة مجاورة لتركيا ولنا علاقة طيبة مع الجيران فمنذ أول أيام الثورة الإيرانية ازدادت علاقتنا الطيبة معها وخاصة من الناحية التجارية فالثورة الإيرانية ما هي إلا تحرر من الإمبريالية , وكان رد طهران هو الترحيب الكبير لهذه الزيارة وذلك بوصفها خطوة مهمة لكسر العزلة عنها على أثر العقوبات الأمريكية من جهة ورفع معنويات الشعب الإيراني بحكم كون تركيا هي الجارة الإسلامية الكبرى لإيران من جهة أخرى فقد صرّح نائب وزير الخارجية الإيراني علاء الدين بروجردي قائلا :-" إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حكومة وشعبا ترحب بزيارة زعيم حزب الرفاه ورئيس الحكومة التركية الجديدة نجم الدين أربكان إلى طهران وتعدها نقطة تحول كبرى في تاريخ العلاقات الإيرانية التركية , وأكد المراقبون بأن أربكان حمل معه إلى طهران ثلاثة ملفات مهمة هي ملف ما يعرف " الإرهاب وأمن الحدود والاقتصاد " وكانت القضية الأهم في أجندة أربكان هي القضية الاقتصادية لذلك فقد ضم أربكان إلى الوفد المرافق له في هذه الزيارة 150 شخصا من رجال الأعمال والتجار والخبراء الاقتصاديين وخلال زيارة أربكان لإيران تم التوقيع على عقد صفقة لتجهيز تركيا من الغاز الطبيعي الإيراني بمبلغ 23 مليار دولار لمدة 22 عاما ,

أما فيما يخص ملف الإرهاب وأمن الحدود فقد نفي أربكان خلال زيارته وجود أى دعم من قبل إيران وسوريا لحزب العمال الكردستاني معتبرا أن تلك التهم محاولة من وكالة المخابرات الأمريكية المركزية C.I.A لمنع إقامة علاقات ودية مع البلدان الإسلامية , قدم أربكان اقتراحين , الأول كان قيام تركيا بقصف المواقع التي يتواجد فيها الإرهابيون كما تفعل في شمال العراق إذ تتصور وجود معسكرات خاصة لحزب العمال هناك , أما الخيار الثاني أن تقوم قوة مشتركة إيرانية - تركية بهذه العملية لإثبات حسن النية , وبحث أربكان مع الإيرانيين إمكانية تحقيق اجتماع وزراء الخارجية والدفاع في إيران وسوريا والعراق وتركيا لبحث شؤون أمن الحدود في بلادهم للقضاء على الفلتان الأمني بينهم من جهة وعلى أمور التهريب من جهة أخرى , وربط المراقبون بينها وبين زيارة شوكت قازان وزير العدل التركي إلى العراق على رأس وفد مؤلف من 12 عضوا لبحث احتياجاته الغذائية والدوائية يوم 11 آب 1996 , أى بعد يوم واحد من زيارة أربكان لإيران أنها لم تقتصر على بحث شؤون خط أنابيب كركوك يومورتاليك Yumurtalik وإنما لبحث ترتيب هذا الاجتماع الرباعي وخلال اللقاء بين أربكان والرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني تم الاتفاق على حماية حدود كلا البلدين ومنع تسلل مقاتلي حزب العمال الكردستاني , كما اتفقا على التنسيق الثلاث ( التركي – الإيراني – السوري )

أما فيما يخص شمال العراق فقد اتفقا على ضرورة الحفاظ على أمن العراق واستقراره وحماية وحدة أراضية والتصدي للعدوى الكردية من الانتقال إلى البلدان المجاورة واتفقا كذلك على تقديم المساعدات للدول الإسلامية في آسيا الوسطي والقوقاز بعيدا عن التدخلات الأجنبية تلك القادمة من وراء البحار البعيدة ويقصد بها التدخلات الأمريكية العلنية والسرية , وقد تضمنت بنود الاتفاقية إلى جانب ذلك زيادة حجم التبادل التجاري ليصل إلى ( 2,5 مليار دولار سنويا ) على وفق شروط منها زيادة مبيعات إيران من النفط والطاقة الكهربائية إلى تركيا مقابل موافقة تركيا على قيام إيران بتفريغ السلع والبضائع التي تشتريها من الخارج في ميناء طرابزون وبذلك تكون تركيا جسرا تجاريا رئيسا بين أوروبا وإيران .

كان لأربكان هدف من زيارته لإيران إذ أراد أن يبّين لهذه الدول والعالم وجهة نظرة التي لخصها في كلمة ألقاها أمام الصحفيين بعد عودته فقال :-" أردنا أن يعرف العالم أن تركيا التي أعرضت عن الدول الإسلامية ردحا من الزمن عادت إليهم لتتعاون وتتكامل معها سياسيا واقتصاديا " لافتا أنظار الجميع إلى أهميتها وقال : -" إن لهذه الزيارات أهمية إستراتيجية فضلا عن الأهمية الاقتصادية والتي تعد من أهم مشكلات تركيا ( العجز في ميزان تجارتها الخارجية ) وهذه الزيارات ستزيد من حجم صادرات تركيا لهذه الدول لا سيما وأن لدول آسيا موقع مهم في الاقتصاد العالمي فهي تنتج حاليا 20,8% من الانتاج العالمي وسيزيد هذا الرقم في سنه 2019م إلى 50,7% بينما سيتناقص إنتاج أوروبا وأمريكا واليابان إلى 39,1 % وهذا يؤكد أهمية العلاقات مع هذه الدول الصاعدة , ورأت إيران أن زيارة أربكان حملت طابع المواجهة الدائمة والمستمرة مع واشنطن , وعدت تلك الزيارة صفعة قوية موجهة للإدارة الأمريكية التي كانت قد أقرت قانون " داماتو " الذي فرض بموجبه الحصار على الصناعات النفطية وصناعة الطاقة الإيرانية قبل وقت قصير من موعد الزيارة .

  • أربكان وردود الأفعال تجاه زيارته لإيران :

أثارت زيارة أربكان لإيران ردود فعل خارجية وداخلية فعلي الصعيد الخارجي سبتت تلك الزيارة المزيد من القلق لدى الحكومة الأمريكية لا سيما وأنها جاءت بعد مضي نحو شهر واحد على تولي أربكان الوزارة , فلا يخفي بالتأكيد مدى خطورة التعامل التركي مع الزعماء الإيرانيين , فقد عبرّت واشنطن عن استيائها وصدر عن المسؤولين الأمريكان تصريحات عدة حملت في طياتها صيغة التهديد فجاء على لسان المتحدث الرسمي باسم وزير الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز قائلا :-" لقد قلنا بوضوح شديد للحكومة التركية إن إيران دولة يجب عزلها " وأضاف " نتصور أن مواصلة العلاقات مع إيران وكأن شيئا لم يكن ليس أمرا مقبولا ,وإننا سنبحث بعناية تطوّر هذه العلاقة مشيرا إلى أن واشنطن لن تنتظر خيرا .

وانتقدت الولايات المتحدة اتفاقية الغاز التي وقعها أربكان وعّدتها خرقا لقانون داماتو كما مرّ معنا فردّ أربكان على ذلك بطريقة غير مباشرة قائلا :-" إن حقبة جديدة بدأت بين البلدين الجارين المسلمين وإن هذه الأمور لا تعني السياسية الأمريكية ولا أهدافها , ولن تسمح تركيا لأى طرف ثالث بالتدخل بالاتجاه المتنامي للتعاون بين تركيا مع هذه الدولة أو تلك .

وقد عقب أربكان على ذلك قائلا :-" إن إقامة العلاقات مع العالم الإسلامي والعربي سيحقق قوة سياسية واستقرار أمنيا للجميع ,وإن كلنتون Cliton عندما يعاقب الذين يتعاملون مع إيران وليبيا والعراق فهو إنما يفعل ذلك استكبارا لا حق له فيه واستهتار بمصالح الشعوب الأخرى فهل على الشعوب بعد ذلك أن تستسلم لهذه الهيمنة أم تدافع عن حقوقها , ثم هل يحق لتركيا أن تضحي بعشرين مليار دولار قيمة خسارتها عندما تقطع علاقتها الخارجية من أجل مصالحه وذيّل وزير العدل شوكت قازان أيضا بالقول :-" إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تتدخلان في شؤون الشرق الأوسط فلماذا لا تناقش الدول الأربع ( تركياإيرانالعراقسوريا ) بين بعضها هذه الشؤون .

ولم ينظر البرلمان الأوروبي بعين الارتياح لهذه الخطوة فقرر تمرير قرار وقف المعونات المادية حتى عام 2000 بذريعة اتخاذ مشاكل حقوق الإنسان والديمقراطية والأكراد وتهريب المخدرات وغسيل الأموال ذريعة لتحقيق ذلك الغرض .

أما الموقف الألماني جاء عكس التوقعات فقد حذر الخارجية الألماني كلاوس كينكل من عزل تركيا قائلا : إن اتفاق النفط والغاز الذي أبرمته تركيا مع إيران في الآونة الأخيرة لا يجب أن يفسر على أنه دليل على اقتراب أنقرة من التيار الإسلامي المتشدد , وحث كنيكل الغرب على تجنب أى انقسام خطير في المستقبل من خلال الدعوة إلى المزيد من التفاهم المتبادل واستمر بالقول أنه " يجب أن تبذل أوروبا كل ما في وسعها لكي تبيّن لتركيا أنها تنتمي لأوروبا فتركيا حليف قريب وبعد سقوط الستار الحديدي أصبحت جسرا مهما بين أوروبا والعالم الإسلامي والعالم الآسيوى وأضاف كينكل قائلا :-" لا يجب تحميل اتفاق الغاز والنفط الذي توصل إليه رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان أكثر مما يحتمل , الاتفاق يتعلق بالعلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين دولتين متجاورتين ويجب أن لا نتدخل " واستطرد قائلا : - " إن الاتفاق كان مزمعا عقده منذ وقت طويل " .

أما على الصعيد الداخلي فعد التقارب مع إيران الذي أبداه رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان واقتراحه عقد قمة لبحث الشؤون الأمنية في شمال العراق بمثابة عهد جديد في السياسة التركية وطرحت وجهات نظر متباينة تجاهها , فقبل كل شئ كان هناك عدم ارتياح من الانتقادات الأمريكية , فالأوساط التركية وبجميع فصائلها أكدت على ضرورة تحقيق زيارة أربكان إلي طهران وعدم قطعها بسبب الضغوط الأمريكية لأن تركيا دولة مستقلة ولها مصالحها وسياستها لحماية تلك المصالح كما أنها ليست مقاطعة أمريكية حسب تعبير أحد النواب في حزب الوطن الأم لذلك فإن الأوساط السياسية التركية تبدو غير معنية بالتحذيرات الأمريكية لا سيما وأن تلك المباحثات تناولت موضوع حزب العمال وأمن الحدود الشرقية التركية وهي مسألة تعني الأتراك جميعا وهي ليست مرتبطة بحزب الرفاه وحده , لكن من جهة أخرى أبدت قلقا ظاهرا حول احتمالات تردي العلاقات مع الولايات المتحدة لا سيما وأنها تعد تركيا من أقوى القلاع في الحفاظ على مصالحها وإستراتيجيتها في الشرق الأوسط .

كما ظل بعض المراقبين يشككون حيال تلك الخيارات إذ ذكر محلل الشؤون الدبلوماسية محمد على بيراند قائلا : - " إن إقامة علاقات مع دول الجوار والتعاون مع بلدان المنطقة ليس أمرا سيئا لكن السئ اللحظة التي اختيرت لذلك والأسلوب المتسرع لهذه المبادرة التي قام بها أربكان " وأضاف قائلا :-" إن ذلك سيعرّض علاقات أنقرة مع الآخرين ( الولايات المتحدة ) لمخاطر كبيرة .

وبررت شريكته تشيلر زيارة أربكان إلى إيران وتوقيعه اتفاقية الغاز قائلة :-" بأن تركيا تعاني من نقص جدى في الطاقة وقالت إن الاتفاق يهدف إلى سد هذا النقص خاصة وأن واردات تركيا من الغاز الروسي لا تلبي كل احتياجاتها " , من جانب آخر رحبّ رجال الأعمال والمستثمرين الذين أصيبوا بأزمة مالية بسبب حالة الركود التي خيمت على الاقتصاد التركي بإقامة علاقات اقتصادية مع حكومة إيران الأمر الذي من شأنه أن يعمل على زيادة تأييد الرأي العام المحلي , في مقابل ذلك زادت المخاوف في الساحة السياسية التركية من أن تؤدي خطوات أربكان إلى إثارة غضب الولايات المتحدة وقد تعرّض تركيا إلى عقوبات من قبل واشنطن .

وردا على زيارة أربكان إلى طهران قام الرئيس الإيراني رافسنجاني بزيارة إلى تركيا في تشرين الأول 1996 وتم التوقيع على اتفاقية بين الطرفين ضمت سبع فقرات كان أولها تسهيل طرق المواصلات والنقل التي تم توقيعها من قبل الوزير الإيراني ووزير الدولة التركي , أما بقية فقرات الاتفاقية فقد تضمنت الحفاظ على البيئة للبلدين و الاستثمارات والتجارة وتضمن بروتوكول الاتفاقية التنسيق بين غرف التجارة التركية الإيرانية ومناقشة الخطوط التي تربط البلدين لتسهيل سفر الإيرانيين إلى تركيا , هذا فضلا عن عقد اتفاق يخص نقل الطاقة من إيران إلى تركيا وإنشاء مشاريع لتجهيز وتطوير الاتصالات بين منظمة الاقتصاد التعاوني ( إيكيو) وفي مؤتمر صحفي ذكر رافسنجاني قائلا :-" إن الاتفاق لن يكون ضد الولايات المتحدة " وصرّح في كلمة مختصرة مع الرئيس ديميريل " أنهم وجدوا أرضية مشتركة للقضايا المتنوعة , فوصف أربكان تلك الاتفاقية التي تمت بينه وبين رافسجاني في إطار الزيارة التي قام بها الأخير بأنها حجر الزاوية في بناء الاتحاد الإسلامي وذكر أربكان في مؤتمر صحفي قائلا :-" أنها تحتل ( إيران ) مكانة خاصة على المستويين الإقليمي والعالمي وتحظي بأهمية متميزة بالنسبة للعالم الإسلامي .

وقد اقترح أربكان توقيع اتفاقية صناعية وجرى الحديث على ترتيب زيارة رافسنجاني إلى مصانع (F16 ) طائرات حربية متطورة الموجودة في تركيا . وقد أثيرت مخاوف الغرب من إمكانية توقيع أربكان اتفاقية عسكرية مشتركة مع طهران مما سيؤدي إلى توجيه تركيا باتجاه الشرق , كما دعا أربكان خلال حملاته الانتخابية إلى توسيع قاعدة التعاون الاقتصادي مع الدول العربية والإسلامية وتعزيز العلاقات معها على المستويات كافة , لمواجهة ضغوطات الغرب والولايات المتحدة الأمريكية مؤكدا على ضرورة قيام تكتل اقتصادي إسلامي يلعب دورا مؤثرا حتى في المجال السياسي في مطلع القرن القادم ( القرن الحادي والعشرين ) بفعل ما تمتلكه الدول الإسلامية من إمكانات بشرية ومادية وطبيعية وقدرات فنية تجعلها مؤهلة للقيام بهذا الدور , لأجل ذلك كله كانت زيارة أربكان الآسيوية في عداد أوليات جدول أعماله عندما تسلم منصب رئاسة الوزراء في خطوة لتحقيق رغبته في جعل تركيا " يابانا إسلامية " وحفاظا منه على الهوية الإسلامية , وتشجيعه على التحديث والتقدم والدخول في علاقات تجارية أقوى مع النمور الآسيوية ولم تكن إيران وحدها هدف أربكان بل واصل رحلته فبدأ في 16 آب 1996 زيارة إلى كل من ( باكستان , ماليزيا , سنغافورة , اندونيسيا ) رافقه وفد كبير ضم عددا من الوزراء والمسئولين البرلمانيين ومائة وخمسين من رجال الأعمال فضلا عن عدد من الصحفيين .

وقد أثمرت تلك الزيارة عن توقيع اتفاقيات للتعاون مع تلك الدول في مجال الصناعة مثل ( صناعة طائرات النقل الجوى وطائرات مروحية وبعض الصناعات الإلكترونية والدبابات والسيارات ) وخفض الجمارك , فضلا عن توقيع محضر تعاون عسكري بين تركيا وكل من باكستان وأندونيسيا لإنتاج طائرات نقل حربية بجهود مشترك فضلا عن ذلك تعهدت الدول الثلاث بالسعي إلى إنتاج غواصات وفرقاطات وتوقيع اتفاقية تبيع تركيا بموجبها 700 عربة مدرعة إلى باكستان و400 أخرى إلى ماليزيا , من جانب آخر اتفق أربكان مع المسئولين الماليزيين على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين وتوظيف رؤوس الأموال في إنشاء مشاريع في كلا البلدين في مجالات الصناعة والتعليم والثقافة فضلا عن تبادل الخبرات .

كان في استقبال أربكان في أثناء زيارته الرئيس الباكستاني فاروق ليغاري ورئيسه الوزراء بنظير بوتو , وتم التباحث بشأن وصول حزب إسلامي الميول إلى السلطة في تركيا وتخوفت بوتو من إمكانية عرقلة العسكر لأمر كهذا , أو بمعني آخر لماذا لم يعرقل العسكر ارتقاء حزب الرفاه إلى السلطة ؟ فكان رد أربكان أن ذلك دليل على متانة الديمقراطية التي تتيح لمن يقنع الشعب بأفكاره وبرامجه أن يصل إلى السلطة حتى لو كان إسلاميا وفسر المراقبون أن أربكان في هذه الزيارة قد تصرّف بوصفه زعيما تركيا يدافع عن المصالح العليا لتركيا مبتعدا عن خطابه الديني التقليدي أو شعاراته المعادية للغرب .

ثانيا : اربكان والدول العربية

تعد سوريا البلد المجاور المسلم الثاني في الأهمية بالنسبة للسياسة الخارجية التركية خلال حقبة التسعينيات وذلك لاعتبارات عدة أهمها وجود قضايا شائكة في العلاقة بين البلدين في مقدمتها مطالبة سوريا المتواصلة بلواء الإسكندروية الذي ضمته تركيا إليها وأصبح يعرف بولاية هاتاى ورفض سوريا الاعتراف بذلك في حين صمّت تركيا آذانها عن آية مناقشة للموضوع وحسبنا قول ممتاز سويسال وزير الخارجية التركي في حكومة تشيلر السابقة : -" إن على دمشق أن تنسي موضوع لواء الإسكندروية ".

أما القضية الشائكة الثانية فهي احتجاج تركيا على ما نسبته من إيواء سوريا لعناصر حزب العمال الكردستاني لديها ودعمهم , فقد صرّح ديميريل في مؤتمر صحفي عقده مع الرئيس المصري حسنى مبارك في أثناء زيارة الأخير إلى تركيا في 11 تموز 1996 قائلا :" نحن نعاني من الإرهاب من حين لآخر وإننا ننقل قلقنا وحزننا وشعورنا بالألم قتل الأبرياء وتقول ذلك في الاجتماعات وأن ما يحدث من قتل للأبرياء يجب أن يتوقف إذ أن زعيم هذه المنظمة الإرهابية ( عبد الله أوجلان ) يجد المساندة والعون من جانب الدولة التي نعدها الصديقة والشقيقة وهي سوريا " وكانت هناك مشكلة مياه الفرات من بين العقد التي عصفت بالعلاقات التركية السورية إذ بدأ للسوريين أن تركيا منذ مطلع التسعينيات بدأت باستخدام المياه عند الضرورة لتهديد سوريا , إذ كانت مشاريع السدود التركية ومن بينها مشروع ( الغاب ) تترك آثارها السلبية على تدفق المياه إلى سوريا والعراق , أما بالنسبة لسوريا فقد كانت تتخوف من التهديد الذي يمثله التقارب التركي – الإسرائيلي .

لأجل ذلك كله قوبل ارتقاء أربكان السلطة بالترحيب عسي أن يكون ذلك بداية صفحة جديدة في العلاقات التركية السورية لذا نجد سوريا أول الدول العربية التي رحبت بمجئ حكومة أربكان وتسلّمه السلطة تأسيسا على ما طرحه في أثناء الحملات الانتخابية وفي أثناء وجوده في المعارضة فقد كان يؤكد على الدوام على أهمية العلاقات مع الدول الإسلامية عامة ومع الدول المجاورة خاصة إذ قال :- هدفنا تأسيس وحدة إسلامية أو اتحاد الدول الإسلامية , لا نجد أى موانع حقيقية للعمل المشترك بين الدول الإسلامية " وفي معرض حديثه عن العراق وسوريا حول إمكانية فتح باب للتعاون أجاب قائلا :-" إننا لن نفتح بابا ؟ لأنه لم يكن هناك باب , ونحن سنلغي الحدود بين البلدين ولن نكتفي بفتح باب واحد .

وفي يوم 29 حزيران 1996 أى بعد واحد من تشكيل الحكومة أرسل رئيس الوزراء السوري محمود الزعبي برقية تهنئة لأربكان بمناسبة توليه منصبه معربا فيها عن " ثقته باستمرار تطور وترسيخ علاقات الصداقة التاريخية العريقة القائمة بين سوريا وتركيا لما فيه خير الشعبين " كما أعرب وزير الخارجية السوري فاروق الشرع عن تفاؤله بترأس أربكان للحكومة قائلا : " إنني أعتقد أن الحكومة الجديدة التي يترأسها أربكان بما تبني من مواقف إيجابية خلال الحملة الانتخابية وخلال مرحلة تشكيل الحكومة تدعونا إلى التفاؤل بأن العلاقات السورية – التركية بشكل خاص والعلاقات التركية – العربية بشكل عام ستعود إلى طبيعتها لوجود مصالح , وروابط مشتركة بين تركيا والبلدان العربية وأضاف الشرع " إننا نعتقد أنه لن يكون للحكومة التركية خلاف مع أى من الدول العربية والإسلامية عندما تأخذ بالاعتبار في سياستها الخارجية المصالح الحقيقية للشعب التركي ,ونحن في سوريا نرغب في علاقات جديدة ومتينة مع الجارة التركية تقوم على أساس المصالح المشتركة والروابط التاريخية والإسلامية , وإبان زيارة أربكان لإيران أعلن عن رغبته بتلبية دعوة وجهها له الرئيس حافظ الأسد لزيارة سوريا مؤكدا على رغبة بلاده بتوثيق العلاقة بين البلدين لكنه اشترط في الرسالة الجوابية التي بعثها للرئيس الأسد عن طريق السفير السوري عبد العزيز الرفاعي تسليم زعيم حزب العمال عبد الله أوجلان .

وقد صرّح أربكان في حديث له إلى شبكة شو التركية التلفزيونية " عن أمله في تعاون دمشق مع أنقرة لمكافحة الإرهاب مشيرا إلى أن سوريا ستكسب علاقة صداقة مع بلاده بدلا من العداء ومتأملا أن تقطع سوريا صلاتها بحزب العمال الكردستاني "

وأشادت سوريا بتصريحات أربكان برغبته لإقامة علاقة طيبة معها وذكرت عبر صحفها الرسمية " بعد تشكيل الحكومة برئاسة السيد أربكان فإن دمشق تأمل حقا أن تبادر هذه الحكومة إلى إزالة كل العوامل التي أدت إلى ظهور الجفاء الحالي في العلاقات بين البلدين , وتأمل كذلك أن تترجم إلى الواقع التصريحات الإيجابية التي أطلقها السيد أربكان قبل ترأسه الحكومة التي أبدى خلالها رغبته في فتح صفحة جديدة مع سوريا .

وقد أظهرت سوريا حسن نواياها عبر صحفها الرسمية إذ قالت :-" إن أى خطوة تأخذها الحكومة التركية الجديدة في الانفراج نحو دمشق ستقابل بإرادة طيبة وبخطوة مماثلة " مشيرة إلى أن سوريا ليست طرفا في الصراع العرقي داخل تركيا وإن زج اسم سوريا في هذا الصراع كان بهدف ( تحميل الأطراف الخارجية مسئولية الأزمات التركية الداخلية ) ولفتت صحيفة تشرين الرسمية الأنظار نحو " الدور الإسرائيلي في ضرب العلاقات بين الدول العربية مؤكدة أن تركيا ليست خارج دائرة الاستفهام الذي يطال العرب والمسلمين جميعا , إلا أن قيود البروتوكول الموقع بين أربكان وتشيلر حالت دون تطلعاته لتحقيق أهدافه بالتعاون مع سوريا وعملت على تحجيم تحركاته فلا المساحة الزمنية المسموحة لأربكان ولا طريقة تشكيل الحكومة سمحا له بذلك , بل على العكس عمل العلمانيون الأتراك على تكبيل أربكان وإجباره على توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل وإصرار المسئولين الأتراك بضمنهم رئيس الجمهورية سليمان ديميريل على اتهام سوريا بدعمها حزب العمال الكردستاني , فضلا عن ذلك مواصلة شن الحملات الإعلامية وتهديد القادة العسكريين الأتراك والتلويح في 6 حزيران 1997 باستخدام القوة ضد سوريا فقد أعلن أمين عام رئاسة الأركان التركية قائلا :-" إن ست دول تتصدرها سوريا ثم إيران ثم اليونان وصربيا وقبرص اليونانية وأرمينيا قامت بتزويد متمردي ( حزب العمل الكردستاني ) pkk بصواريخ ( سام 7) وتدريبهم على استخدامها .

برزت مواقف نجم الدين أربكان تجاه العراق إبان أزمة الخليج الثانية , إذ انتقد بقسوة موقف توركت أوزال رئيس وزراء تركيا الذي سعى لتنسيق المواقف مع قوات التحالف وتقديم المساعدات اللوجستية لها , فقد صرّح أربكان حينها بأن أوزال يحاول استغلال الفرص متخطيا الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية في حين يجدر أن تضطلع بمعالجة هذه المسألة الحكومة أو مجلس النواب , ومن وجهة نظر أربكان إن على تركيا أن تتدخل لحل المشكلة ولا تنحاز لهذا الطرف أو ذاك أو تصبح كما أراد لها أوزال تحت معية الرئيس الأمريكي جورج بوش .

ولم يكتف أربكان بتوجيه الانتقادات لموقف أوزال من أزمة الخليج فقط , وإنما قام بمساع وجهود كثيفة للتوسط بين الأطراف المتنازعة لحل الأزمة , وذلك عن طريق اتحاد الجماعات الإسلامية ففي المؤتمر الذي عقد في عمان أيلول 1996 بدأ أربكان بالتوسط من خلال عقده اللقاءات مع الملك السعودي فهد ابن عبد العزيز , والرئيس العراقي صدام حسين ووفد الحكومة الكويتية في المنفي وطرابلس الغرب ومكة وكوتاهية لإيجاد السبل لحل الأزمة بنهج عربي إسلامي منطلقا من مبدأ أن أزمة الخليج هي شأن يخص الدول الإسلامية وعدم السماح للجهات الإمبريالية والصهونية بالتدخل وإن المشكلات بين الدول الإسلامية تحل من خلال الصلح والمحادثات ولا يجب أن تتحول أزمة الخليج حربا بين الدول الإسلامية , وقد صرّح أربكان في المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة بتاريخ 10أيلول 1990 قائلا :-" إن الهدف الذي تبنيناه وطرحناه في المؤتمر الإسلامي العالمي لمناقشة أوضاع الخليج هو أن علينا أن نمنع الحرب وطرحنا خطة لحل هذا المأزق الخطير عن طريق التفاوض والصلح .

وقد صرّح أربكان لجريدة الجمهورية العراقية بتاريخ 25أيلول 1990 قائلا :-" إن ما يجري في المنطقة حاليا محاولة لإضعاف قدرة العراق والمسلمين وإبعادهم عن قضية فلسطين .. من المهم جدا أن نفصل ونفرّق بين موقف الحكومة التركية المؤيد للوجود الأجنبي وموقف الشعب التركي المسلم المعارض لهذا الوجود , وأردف أربكان قائلا : -" إننا نشعر أن المسئولين الأتراك يسعون من أجل الوقوف ضد العراق لإرضاء الرئيس الأمريكي وإسرائيل لكن الشعب التركي يخالف هذه السياسة ويقف ضدها " إلا أن اندلاع حرب الخليج الثانية ولد انعكاسات كبيرة وخطيرة على الساحة الإقليمية نظرا لأهمية العراق الاقتصادية ومما لا شك فيه إن العقوبات الاقتصادية التي فرضت على العراق في 2 آب 1990 كان لها آثار سلبية على تركيا التي كانت معتمدة في تجارتها على العراق , إذ أدى الحصار الاقتصادي إلى توقف النشاط التجاري وتوقف ضخ النفط العراقي في الأنبوب المتجه نحو البحر المتوسط عبر أراضيها لنحو ست سنوات مما ألحق الضرر بالاقتصاد التركي .

وعندما تولي أربكان الحكم أعربت بغداد عن ارتياحها لمواقفه الإيجابية لا سيما في قضية العرب القضية المركزية فلسطين , وتفهم حزبه للخلافات القائمة بين بلده والعراق وسوريا فيما يخص مسألة المياه ومشكلة حزب العمال الكردستاني ورغبته في حلها , بالمقابل انتقد نائب المجموعة البرلمانية من حزب الرفاه تاميل كرم الله أوغلو موقف الولايات المتحدة من العراق قائلا :- " وأضاف " إن سياسة الولايات المتحدة تقلقنا لا سيما وأنها تؤكد أنها تسعي لمخططات ضد المنطقة بأجمعها مشيرا إلى أن الولايات المتحدة " تحاول خلق مشاكل لتركيا وإساءة علاقاتها مع الدول المجاورة " مؤكدا على أن " تركيا دولة مستقلة ولا تحاول الحصول من أى جهة على أمر تخطيط علاقاتها الخارجية , كما أكد شوكت قازان وزير العدل في حكومة أربكان قائلا : " إن بلاده ستقف إلى جانب العراق في الأمم المتحدة وتدعم موقفه في مجلس الأمن الدولي من أجل رفع الحصار عن شعبه , وأضاف قائلا  :( إن تركيا ستكون إحدى الدول التي ستدافع عن حقوق العراق ضد الظلم والذي تتعرض له تركيا أيضا .

من جانب آخر أكد قازان في أثناء زيارته للعراق في 14 آب 1996 أن تركيا قامت بتقديم طلب في الخامس من شهر آب إلى مجلس الأمن الدولي لتطبيق البند الخامس من ميثاق الأمم المتحدة لغرض تعويض تركيا عن الإضرار التي لحقت بها جراء الحصار الاقتصادي المفروض على العراق , ومن الجدير بالذكر أن مضمون البند ينص على أن من حق الدولة المتضررة بسبب جوارها لدولة أخرى مفروض عليها حصار بفتح التجارة الحدودية مع تلك الدولة المحاصرة وأن يقوم مجلس الأمن الدولي بتعويض هذه الدولة لرفع الضرر عنها .

أما فيما يخص قوات المطرقة الغربية العاملة في شمال العراق ضمن مشروع توفير الراحة كان أربكان من أشد المعارضين لتلك القوات , إلا أنه بعد أقل من شهر على تشكيل حكومته أجبر على التجديد لهذه القوات لستة أشهر أخرى فقد لعبت وزارة الخارجية الأمريكية دورا ضاغطا من أجل التجديد تدعمها المؤسسة العسكرية التركية فأجبر نواب الرفاه في البرلمان على التصويت لصالح التجديد وذلك في تموز 1996.

وردا على المعارضة التي انتقدت موقف أربكان من ذلك , أعطى تبريرا لموقف حزبه قائلا : -" لقد مددتم لهذه القوات لمدة خمس سنوات ... فهل تريدون أن نسحبها في اليوم الأول لوجودنا في السلطة ؟ إن هذا بعيد عن الإنصاف . كما عبّر شوكت قازان عن موقف بلاده من تلك القوات قائلا :- " نحن مرتبطون بالبروتوكول الموقع في الائتلاف والموقف من تجديد بقاء القوات بتركيا ليس برأينا الصرف بل هو رأي مشترك بين حزبي الائتلاف , أما فيما يخص تغيّر موقف أربكان من تلك القوات التي طالما وقف ضدها في حملاته الانتخابية قائلا :- إن الصورة لم تكن واضحة لنا من جوانب عدة وإن ترحيل قوات المطرقة بصورة فورية كان سيؤدي إلى نتائج سلبية "

وعندما نوقشت عملية التمديد التالية التي ستكون في 6 كانون الثاني 1997 , بناء على هويته الإسلامية المستقلة لم يقبل أربكان التمديد لقوات المطرقة المرابطة في الأراضي التركية فدخل أربكان في مباحثات رباعية مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للوصول إلى صيغة جديدة للاتفاق فيما يتعلق بتلك القوات أسفرت عن الاكتفاء بالقوة الجوية المتواجدة في قاعدة انجرليك وأطلق عليها تسمية ( قوة المراقبة الشمالية ) بدلا من قوات المطرقة وحصلت حكومة أربكان على موافقة البرلمان التركي بعد أن وضع أربكان شروطا على قوات التحالف مقابل موافقته على تمديد مدة بقاء تلك القوات إذ قال :-" إننا في التمديد الأخير وضعنا شروطا على الولايات المتحدة ومنها رفع الحظر المفروض على العراق فيما يتعلق بالتجارة مع تركيا أسوة بالأردن , وزيادة طاقة أنبوب النفط المار بتركيا وحماية وحدة التراب العراقي وأن تلتزم والولايات المتحدة بقرارات الأمم المتحدة بعيدا عن مصالحها الخاصة وتوحيد الجهود لمحاربة الإرهاب وتقليل طلعات الطيران المنطلقة من بأمرني ( في دهوك ) إلى النصف والعمل على نقل هذا المركز إلى سيلوب في تركيا .

من جانب آخر سعت حكومة أربكان عند وصولها إلى الحكم إلى رفع الحصار الاقتصادي عن العراق على الأقل من الناحية التجارية , وفي ضوء ذلك أعلن أربكان قائلا : -" إن حكومته ستعلن في كل يوم عن فتح أبواب جديدة للتجارة الحدودية بين العراق وتركيا وزيادة حجم التبادل بين البلدين " وأضاف قائلا :-" إن الشاحنات التي تدخل العراق بالمواد الغذائية مقابل تزويدنا بالوقود سيزداد عددها وستصل إلى أربعة أضعاف مما هي عليه الآن في حالة زيادة التجارة الحدودية مع العراق وفتح أبواب جديدة معه .

خلافا للعلاقة مع سوريا كانت علاقات تركيا مع مصر تتسم بالإيجابية وكان هناك تبادل متواصل للزيارات على مستوى رؤساء الجمهوريات ورؤساء الحكومات كان آخرها مشاركة الرئيس التركي ديميريل في قمة شرم الشيخ في آذار من عام 1996 أى قبل ثلاثة أشهر من تولي أربكان الحكم ومما هو جدير بالذكر أن الرئيس مبارك كان أول رئيس عربي ومسلم يزور تركيا بعد تولي أربكان الحكم فقد قام في 11 تموز 1996 بزيارة تركيا وقابل رئيس الدولة ونجم الدين أربكان وأشاد بالحفاوة التي تلقاها منهم , وجرى التصديق على عدد من الاتفاقيات في هذه الزيارة والترتيب لتعاون متواصل في المستقبل .

استنادا إلى ذلك كانت مصر محطة ضمن خطة زيارة أربكان الخارجية واستغرقت رحلته إليها يومين إذ استقبل أربكان في مطار القاهرة منق بل نظيره رئيس الوزراء المصري كمال الجنزورى وتم خلال الزيارة الاتفاق على توقيع بروتوكول بخصوص القضايا الاقتصادية منها توقيع ثلاث اتفاقيات بشأن التجارة وتوسيع الاستثمارات التركية المصرية والتعاون بين البلدين وقد لمس أربكان لدى زيارته للرئيس المصري حسني مبارك رغبة في تطوير العلاقات الثنائية بما يخدم مصلحة الشعبين والسلام في المنطقة .

وقد تمحورت زيارة أربكان الذي وصل القاهرة يوم الأربعاء 2 تشرين الأول 1996 برفقة وفد ضم 240 شخصا معظمهم رجال أعمال , وكان من بين المقترحات التي طرحها أربكان خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء المصري إقامة معرض دائم للمنتجات المصرية التركية في ميناء الإسكندرية لتصدير هذه المنتجات إلى دول آسيا الوسطي وقد أكد البيان الختامي للزيارة على ضرورة تشجيع القطاع الخاص في البلدين للدخول في بحث مشترك أكثر من فاعلية لفرض التعاون بين البلدين للمشاريع المشتركة , وعزز هذا التطور الأخير سعى تركيا لإقناع مصر وغيرها من البلدان العربية بإمكان الاعتماد عليها أو التعاون معها في خطوة مهمة للتعامل مع جمهوريات آسيا الوسطي والقوقاز الإسلامية , وفي أثناء استقبال الرئيس المصري لأربكان انتقد الأخير الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وعدها استفزازية ودعا المسلمين إلى الوقوف في وجهها محاولا في الوقت نفسه التقليل من أهمية الاتفاق العسكري التركي الإسرائيلي الذي مثله بشراء كيلو غرام تفاح من السوق ,وأكد في ختام زيارته لمصر " أن إعادة فتح النفق المحاذي للمسجد الأقصى مرفوض وأن الاستفزازات الإسرائيلية من شأنها إجهاض المسيرة السلمية لذلك نجدد الدعوة إلى العالم الإسلامي والقوى المحبة للسلام إلى الوقوف في وجه السياسات الإسرائيلية .

إذا كانت الأجواء الإيجابية هي السمة المميزة لزيارة أربكان إلى مصر فإن محطته التالية وهي ليبيا قد عادت على أربكان بنقد قاس لم يكن قد أعد له عدته ففي سعيه لتوثيق علاقته مع الدول العربية متجاهلا الانتقادات , قام بزيارة ليبيا على الرغم من تحذيرات واشنطن فقد صرّح نيكولاس بيرنز المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية " الشكوك والمخاوف تساور أمريكا من كل دولة تقوم بتحسين علاقاتها مع هذا البلد " وأضاف إنه " لا يعلم إذا كانت واشنطن أبلغت أنقرة رسميا بتحفظاتها بشأن تعاملات أربكان مع طرابلس والخرطوم , وذكر أن " خطوة رئيس الوزراء أربكان أمر خطير وجدير بالالتفات من وجهة نظر الحكومة الأمريكية" وقد شاطر بعض أعضاء حكومة أربكان ومنهم نائبه عبد الله غول وشريكته في الحكم تشيلر هذا الرأي وألحوا عليه بعدم القيام بهذه الزيارة لا سيما وأن غول قد تلمس إشارات غير إيجابية من الرئيس الليبي معمر القذافي تجاه تركيا عند حضوره احتفالات ( الفاتح من سبتمبر ) قبل نحو شهر ونصف من الزيارة : إلا أن أربكان أظهر اندفاعا غير محسوب عندما قرر القيام بهذه الزيارة في 25 تشرين الأول 1996 , وحافزه لذلك هو اقتصادي إذ أخذ على عاتقه استئناف العلاقات الاقتصادية مع ليبيا التي توقفت منذ سنوات وكذلك إثارة مشكلة الديون التي في ذمة ليبيا وعدم دفعها مستحقات الشركات التركية , إذ ذكر أربكان خلال اجتماعه مع رؤساء ومؤسسات لها مصالح مع ليبيا قائلا :-" سنبذل كل ما في وسعنا لإحياء العلاقات الاقتصادية التي أوقفت مع ليبيا , وأضاف قائلا :-" إن استئناف إعادة العلاقات لاستعادة أموال لها أهمية بالنسبة لاقتصادنا " ومما يذكر أن الحكومة الليبية التي فرضت عليها الأمم المتحدة حظرا صارما لم تسدد ديونها لتركيا التي تبلغ (500 مليون دولار ) في السنوات الأخيرة مما أدي إلى توقف النشاطات التركية في ليبيا , ومن المعروف أن الشركات التركية كانت قد نفذت في السبعينيات مشاريع في ليبيا قدرت كلفتها بأكثر من ملياري دولار .

وقد أثمرت اللقاءات الأولي للزيارة عن نتائج إيجابية في المجالات كافة بين البلدين وتم الاتفاق على تشكيل ثلاث لجان فرعية ( الاقتصاد والتجارة للتعاون الصناعي والمصرفي والتعاون التقني ) لكن الرئيس معمر القذافي وضع أربكان في موقف حرج عندما انتقد سياسة أنقرة مع ( إسرائيل ) واصفا الاتفاق بينهما بأنه " خطر على الأمة العربية وأمنها " فضلا عن انتقاده لموقف الحكومة التركية من قضية الأكراد إذ قال : - " يجب أن يأخذ الأكراد مكانهم كدولة ضمن منطقة الشرق الأوسط وإن على تركيا أن لا تقاتل أناسا يسعون وراء استقلالهم " فرد أربكان على مطالبة القذافي بمنح الأكراد استقلالهم قائلا :-" إن تركيا ليست لديها مشكلة كردية وإنما مشكلة إرهاب "

وقد أثارت زيارة أربكان إلى ليبيا ردود أفعال داخلية وخارجية فقد وجدت أحزاب المعارضة في الإحراج الذي تعرض له أربكان فرصة سانحة للنيل منه إذ قدمت أحزاب المعارضة مذكرات لحجب الثقة عن حكومته من بينها حزب اليسار الديمقراطي كما ذكر وزير الخارجية السابق ممتاز سويسال وهو أيضا من حزب اليسار الديمقراطي " أن الحكومة التي وضعت البلاد في وضع كهذا لا يمكن أن تستمر " وقدم حزب الشعب الجمهوري بدوره مذكرة لتوجيه اللوم فقال نائب الحزب نهاد مثقاب :-" إن المذكرة أعدت لاستقبال أربكان بعد عودته من جولته الأفريقية وعلى النواب مناقشة المذكرتين في غضون أسبوعين " كما شنت الصحافة العلمانية حملة قاسية على أربكان فكتبت صحيفة جمهوريت مقالا تحت عنوان " أربكان يدافع عن ليبيا " أما صحيفة صباح فقد نشرت تصريحات القذافي في مقال تحت عنوان " ليلة العار " جاء فيها " إن زعيم حزب الرفاه أفقد تركيا ماء الوجه لعدم خبرته " كما نشرت صحيفة حريت مقالا على صفحتها الأولي جاء فيه " الأمة ستطلب تقديم حسابات " وقالت :-" لم يصدر عن أربكان أى ردة فعل ضد تصريحات الزعيم الليبي المتعجرف مكتفيا بالنظر إلى السقف عندما كان يتكلم مما شكل إهانة وفضيحة لا سابقة لها في تاريخ تركيا "

كما صرّح مسعود يلماز قائلا :-" إذا حاول دكتاتور إرهابي أن يعطي العبر للدولة التركية , فإن المشكلة تكمن في خفة أربكان وأنه يستوجب على السيد أربكان أن يعود فورا إلى تركيا , عليه أن يعود مباشرة من المطار إلى " جينكايا " القصر الجمهوري ليقدم استقالته .

وأضاف قائلا :" قائلا :-" بأن زيارة ليبيا ستزيد بيننا وبين الغرب " . وعقب مسعود يلماز متهكما " لماذا لا يزور أفغانستان بعد ليبيا ؟"معلقا إن " حزبا لم يحصل إلا على 21 % من الأصوات لا يحق له أن يغيّر السياسية الخارجية التركية " وحتى رفيقته في الائتلاف لم تتقبّل ما جرى وحاولت فصل نفسها عنه من خلال توجيه اللوم إلى أربكان بقولها :-" إن حكومة أربكان سوف تدفع تركيا للظلام " . " وإن تصريحات القذافي تعتبر خطأ تاريخيا كبيرا وإنها كافية لتقف تركيا ضده " كما انتقد رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الطريق الصحيح صفوت بيروك قائلا : -" إن ليبيا تتخذ موقفا سلبيا من بلادنا وأنا ضد هذه الزيارة " وعقب على ذلك وزير الداخلية وهو من أعضاء حزبها ( الطريق الصحيح ) محمد أغار برفضه توقيع قرار الحكومة الذي يضفي الرسمية على الزيارة مما يجردها من هذه الصفة وتصبح زيارة خاصة .

ومن جانب آخر قلل مسئولون رافقوا أربكان من الانتقاد الذي وجّه لرحلته إلى ليبيا من جانب واشنطن وشركائه في الائتلاف الحاكم والمعارضة التركية وقال متحدث باسم الحكومة " إن الحكومة التركية هي التي تمتلك صلاحية تقرير السياسة الخارجية لتركيا , نحن لنا علاقات دبلوماسية مع ليبيا ومن الطبيعي أن تكون لنا علاقات تجارية معها " وحاول غول التخفيف من حدة ما جرى في ليبيا مؤكدا أن تصريح القذافي لا يختلف كثيرا عما يردده بعض رؤساء الدول الصديقة لتركيا ومن بينها الدول الأوروبية " وذكر غول مستغربا " لم نكن نتصور أن القذافي سيصدر هذا التصريح " ودافعت صحيفة مللي كازيت الناطقة بلسان حزب الرفاه بالقول " إن أولئك الذين يحاربون لوضع بلادنا تحت السيطرة الغربية دون مراعاة سياسة مستقلة ووطنية لوضعها في مسار سياساتها التاريخية لإنقاذ بلادنا جن جنونهم بسبب زيارة أربكان لليبيا الشقيقة فشكلوا رئيس وزرائهم إلى الغرب وأخذوا يستعدونه ضد بلادهم .... أى فليخسئوا .

أما بالنسبة لأربكان فقد صرّح لدي عودته من ليبيا بالقول " عدنا مظفرين كقادة الرومان , وإن هذه الزيارة أثمرت زيادة التبادل التجاري بمقدار ثلاثة أضعاف بين البلدين أما فيما يخص تصريحات القذافي فقد عبرّت عن منطق فلسفي نوعا ما " بدليل تصريح القذافي الذي جاء فيه : -" إن الاحتجاج الذي أثير حول زيارة أربكن ناتج عن الدفاع عن مصالح أمريكا وليس عن مصالح تركيا , أما على الصعيد الخارجي فقد سببّت زيارة أربكان انزعاجا للولايات المتحدة مما دفعها إلى توجيه تقريع شديد إلى تركيا على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز جاء فيه :-" إنه أمر مفاجئ بالتأكيد أن يدافع رئيس وزراء دولة حليفة عضو في حلف الشمال الأطلسي عن إرهابي " وعدّ موقف أربكان مثيرا للقلق بالقول :-" إنه يثير القلق الشديد " وأمام تلك الموجة الهجومية التي تعرّض لها أربكان من الداخل ( أحزاب المعارضة ) ومن الخارج ( أمريكا ) اضطر إلى تغيير أسلوبه بالتخفيف من لهجته وتغيير شعاراته وقال :-" رحلتنا الخارجية لم تكن ضد حلفائنا الغربيين ولا ضد الولايات المتحدة " مضيفا " إننا نعمل باتجاه تحسين الروابط الوثيقة بالفعل مع الاتحاد الأوروبي " وأشار إلى " أننا نريد علاقات جديدة مع كل الدول في الشرق وفي الغرب وفي أماكن أخرى , وقد أكدت نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية تشيلر في معرض تحليلها لسياسات أربكان الخارجية قائلة :-" إن تركيا تطلق سياسة ذات وجوه عدة بحكم موقعها كجسر بين الشرق والغرب " وإنها " تستعد لتعزيز علاقاتها مع جيرانها في الشرق " ولكن في " الوقت نفسه لا نتخلى عن علاقاتنا مع العالم – واستمرت بالقول " إن فحوى هذه السياسة هو مصلحة تركيا .

ثالثا : مشروع مجموعة الدول الثماني D-8) THE DEVELOPING)

قادت رحلتا أربكان الآسيوية والأفريقية إلى تبلور فكرة إقامة اتحاد اقتصادي إسلامي آسيوى – أفريقي فأعلن أربكان عن مشروع ضم مجموعة الدول الإسلامية النامية إلى جانب تركيا كل من ( إيران – باكستان – بنغلاديش – ماليزيا – مصر – نيجيريا – اندونيسيا ) وقد أظهر مشروع D-8 بأن حزب الرفاه يحمل رؤية للوحدة الإسلامية في المقام الأول , ولتصور أربكان بأن عضوية تركيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي لن تكون ممكنة في المستقبل إذا لم يكن لأى سبب آخر إلا لأن الأوروبيين لن يقبلوا الأتراك بوصفهم أعضاء فطالما أعلن أربكان أن الاتحاد الأوروبي ليس إلا ناد مسيحي , وهذا التشخيص أنهى المسألة في نظرة , فإذا لم تكن أوروبا من حيث المبدأ تقر بإعطاء تركيا العضوية الكاملة في المستقبل فإنه كان عبثا وإذلالا لتركيا من مطالبتها بالالتزام بمجموعة مطالب سياسية واقتصادية , وفي المقام الثاني إن أربكان رأي أنه ليس لتركيا خيار سوى تعزيز تعاونها مع العالم الإسلامي تحت تلك الظروف بل إن مثل هذا التعاون الذي ستكون D-8 أداة لتحقيقه خلافا لعضوية الاتحاد الأوروبي ممكنا وضروريا , كان إنشاء مجموعة D-8 وبمبادرة تركية أمرا ضروريا بالنسبة لأربكان لأنه يرمز إلى التحدي من جانب البلاد الإسلامية والعربية ضد النظام الدولي الجديد لما بعد الحرب الباردة المتسم بالاستغلال الغربي للدول النامية والكيل بمكيالين ( الإدانة والقهر ) وفقا لأربكان فإن البلاد النامية مستعدة لنظام دولي بديل عادل وإنها على استعداد للتعاون مع بعضها البعض لكي يتحقق ذلك مع قبول تركيا قائدة له .

يعد مشروع D-8 أحد أصداء مبادئ حزب الرفاه في السياسة الخارجية إذ يجمع عدد من الدول الإسلامية , ففي 9 تشرين الثاني 1996 استضافت أنقرة لجنة خبراء من تلك الدول للاجتماع والتحضير لنوع من التفاهم الاقتصادي بينها وذكر أربكان في الافتتاحية قائلا :-" إن كل دولة من هذه الدول متقدمة في مجال ما , فمصر دولة رائدة في أفريقيا والعالم العربي وتركيا في آسيا الوسطي , وكل دولة منها عضو في تنظيم إقليمي , ولا يعني إنشاء هذه المجموعة تخلي أية دولة منها عن التنظيم الذي تنتمي إليه ومن الضروري إنشاء مجلس لرجال الأعمال وكذلك للتعامل الاقتصادي والسياسي والعسكري بين هذه الدول . وقد صرّح المندوب التركي أوزمان تورك قائلا :-" إن هذا المشروع وجد من أجل التعاون المشترك وإن الدخول فيه لم يقتصر على الدول الإسلامية فقط الباب مفتوح أمام الأقطار غير الإسلامية , وقد استذكر أربكان بمناسبة مرور تسع سنوات على تأسيس مجموعة الـ D-8 قائلا :-" لقد تبلور أساس فكرة تكوين مجموعة الـ D-8 في شهر تشرين الأول 1996 وذلك في أثناء المحاضرة التي نظمت من طرفنا بخصوص " التضامن في التنمية " وأضاف أربكان قائلا : -" أكملت هذه الدول الأعضاء أعمالها بشكل دؤوب ومكثف إذ استطاع مندوبوها أن يصلوا إلى انعقاد قمتهم في 15 حزيران 1997 من خلال عمل اللجان ومشاركة أعضاء الدول في فترة قصيرة مدتها ثمانية أشهر .

  • شعار مجموعة الدول الثمانية D-8:

اتخذت مجموعة الدول الثمانية D-8 شعارا بشكل نجوم ست وهذه النجوم تشير إلى الأسس والمبادئ الرئيسة للمجموعة وهي ( لا للحرب بل السلام – لا للقتال بل الحوار – لا للثنائية وسياسة الوجهين بل العدالة – لا للتكبّر والطغيان بل المساواة – لا للاستعمار بل للتعاون – لا للتضييق والهيمنية بل حقوق الإنسان والديمقراطية ) وعلى الرغم من أن أربكان لم يستمر في الحكم إلا ثلاثة أيام بعد اجتماع القمة المذكور إلا أنه بقي على تلازم وثيق معه إذ واصل مشروع D- 8 تقدمه وكان حريصا بدوره على استضافة أربكان في اجتماعاته السنوية بوصفه أحد المؤسسين له .

رابعا : موقفه من الولايات المتحدة الأمريكية

كان أربكان وأحزابه لنحو ربع قرن من الزمن ناقدين متواصلين للإمبريالية الأمريكية ويتهمون منظمة حلف الأطلسي ( الناتو) باستغلال تركيا وينتقدون الأتراك الذين يريدون الارتباط معهم بأنهم مستغربين , وأن معاداة التغريب متجذرة عميقا في فكر أربكان وحزب الرفاه , فالإسلاميون يتصورون أن التغريب هو السبب في مشكلات تركيا في المجالات الاقتصادية السياسية والاجتماعية , وكثيرا ما وجّه حزب الرفاه انتقاداته للأحزاب السياسية الأخرى بأنها " تقليد للغرب "

فلم يكن حزب الرفاه كسابقه حزب السلامة الوطني عن نقد السياسة الخارجية الأمريكية طالما أن الولايات المتحدة تمثل العدو للحركة الإسلامية , وكثيرا ما صوّر واشنطن أداة بيد الصهيونية ( إسرائيل ) فقاد الإسلاميون المعارضة ضد سياسة واشنطن في حرب الخليج الثانية ومشاركة تركيا في التحالف والمساهمة بعملية توفير الراحة للأكراد في شمال العراق .

يرى أربكان أن ميزان القوى في العالم يتجه نحو أمريكا وإسرائيل مؤكدا هذا بقول :-" أنه لم يعد في العالم سوى قوة واحدة وهي الولايات المتحدة وبالنسبة لمنطقتنا فليس في العالم سوى ( إسرائيل ) واليهود هم الولايات المتحدة " إن حزب الرفاه كان كان يأمل في حال وصوله إلى السلطة إعادة تشكيل السياسة التركية الخارجية وذلك بالحد من العلاقات السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة والأوروبية الغربية والبحث عن علاقات أوثق مع الدول الإسلامية والعربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبالمقابل ذكر المتحدث الرسمي باسم الإدارة الأمريكية نيكولاس بيرنز تعقيبا على خبر تولي أربكان رئاسة الوزراء قائلا :( نحن نعلم أن لهم حق التصويت وهذا النوع من العلاقات ليس بلعبة , إنها حليف أطلسي نحن لدينا مصالح ونرغب بإجراء اتصال مبكر وصريح مع رئيس الوزراء الجديد زعيم الحزب الإسلامي لنتأكد أن مصالحنا مشتركة , هناك رهان كبير على مستقبل تركيا والرفاه جزء منه " , وأضاف " إن على أمريكا مراقبة الأقوال والأفعال على حد سواء " فتركيا تشكل بالنسبة للولايات المتحدة أهمية إستراتيجية فهي تعد من " الدول الأرتكازية " وتمثل الدرع لحلف الناتو لما يقرب من 50 عاما وخط دفاع أولي أمام ثلاث دول عدتها راعية للإرهاب ونافذة على ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي سابقا , فضلا عن علاقاتها مع ( إسرائيل ) والأهم من هذا كله أنها أنموذج لدولة علمانية راسخة العقيدة وديمقراطية لبيرالية , لبلد ذي أغلبية إسلامية , لكن الولايات المتحدة مع ذلك قد توقفت أمام هذه المسألة فقد أشار ماكوفسكي إلى هذه المسألة قائلا :-" ماذا عسانا أن نفعل عندما تسقط قيادة سياسي صديقة وحليف إقليمي بين يدي شخص يحمل رؤى معادية للمصالح الأمريكية " وكل هذا كان سببا مقنعا للنظر بقلق وذعر إلى حكومة يقودها أربكان فوجوده على رأس السلطة خلق صعوبة أمام مهمة مناصري تركيا التقليديين ضمن الإدارة الأمريكية لإزالة الشكوك لدى الكونغرس والاتحاد الأوروبي بأن تركيا ما تزال دولة علمانية وديمقراطية موالية للغرب فوقوع أربكان تحت تأثير نظرية المؤامرة وتصريحاته المعادية تثير غضب الكثيرين من يعدون أنفسهم أصدقاء تركيا من الولايات المتحدة أولا , وتعاطف أربكان مع الراديكاليين المسلمين ( إيرانليبياالسودانتونسمصرالجزائر ومن بينهم فلسطين ) يثير مسألة الأمن ثانيا , فطرحت آراء عدة داخل الحكومة الأمريكية في كيفية الرد على أربكان , فقد نصح البعض أن من مصلحة واشنطن الابتعاد عن أربكان منذ اللحظة الأولي لتوليه المنصب مع إبقاء الدعم الأمريكي ثابتا للعلمانيين ( داخل وخارج الجيش ) فيما حث البعض بعدم إعطاء أربكان فرصة لاستفزازه وإتباع سياسة " انتظر وترقب " في محاول للحكم على أربكان عن طريق أقواله وأفعاله الملموسة وهي في السلطة وليس الحكم عليه من مهنته بوصفه سياسيا إسلاميا , بينما شجع آخرون على زيادة القيود عن طريق تشديد الولايات المتحدة قبضتها على أربكان بمنعه من فعل أى شئ يضر بمصالح الولايات المتحدة بصورة مباشرة , ونصح البعض الآخر بحل آخر فملاحظة أن حصة الإسلاميين من التصويت قد ازدادت في الانتخابات البرلمانية التركية خلال عقد من الزمن , فلابد من احتضان أربكان كونه أول رئيس وزراء إسلامي تركي , فضلا عن ذلك يعد حزب الرفاه حزبا إسلاميا غير متطرف يفتقر لمثله في العالم الإسلامي , لذلك على واشنطن تقبل ذلك لتؤكد على مصداقية أمريكا باتباعها الإجراءات الديمقراطية حول العلم , إذ تعد هذه السياسة مفتاحا لسياسة الولايات المتحدة تجاه الإسلاميين , وانطلاقا من الرسائل التطينية التي أرسلها أربكان في إعلان برنامج حكومته انتهج حزب الرفاه مع وصوله للسلطة في أسابيعه الأولي في الحكم أسلوبا مغايرا لخلق انطباع بأنه يحتفظ بعلاقاته الطيبة مع الغرب .

واتجه إلى تركيا مبعوثان رسميا من الإدارة الأمريكية قبل حصوله حكومة أربكان على منح الثقة وهما بيتر تارنوف المستشار في وزارة الخارجية الأمريكية وجان لودال المستشار في وزارة الدفاع وأعلنا بأن " أمريكا تعطي دعمها لأربكان بعيدا عن حلفاء أمريكا العلمانيين " وأضاف تارنوزف :- " إن العلمانية ليست شرطا لعلاقات أمريكية – تركية قوية " وبهذا تكون أمريكا قد وضعت يدها بالاتجاه الصحيح فهي على يقين مثلها مثل الكثير من الإسلاميين والعلمانيين الأتراك بأن زمن الإسلاميين قد جاء , فأثار ذلك قلقا شديدا لدى العلمانيين الأتراك وتصوروا وجود تفاهم مسبق بين الولايات المتحدة والرفاه .

وفي 3- تموز- 1996 اجتمع أربكان مع المبعوث الأمريكي بيتر تارنوف , وبعد انتهاء الاجتماع صرّح تارنوف بالقول :-" أعتقد أننا وجدنا تفاهما جيدا وتناغما جيدا حيث تمت مناقشة كل ما يخص الأمن الأمريكي في هذه المنطقة " وفي تعليق له على ائتلاف الرفاه مع الطريق الصحيح قال :-" إنه أمر طبيعي في بلد ديمقراطي مثل تركيا " وأضاف :-" إن أمريكا مهتمة بتركيا جدا لأن تركيا العلمانية والديمقراطية بلد مهم لأمريكا وستساندها في كل المجالات وبالمقابل وجه أربكان رسالتين إلى أمريكا خلال اللقاء الأول قال " نحن أصدقاء أمريكا والغرب ولكننا سوف نسعى للدفاع عن مصالحنا الوطنية في علاقتنا مع البلدان الأخرى " في حين أكد تارنوف لأربكان " إننا نكتفي ونسعد بأن تكونوا أصدقاؤنا أما الباقي فإنه أمر يخصكم وحدكم " كما سلّم تارنوف أربكان رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية تتضمن شروطا لاستمرار تعاون أمريكا مع الحكومة التركية الجديدة منها :-" أن تتم حماية مصالح واشنطن في تركيا واستمرار مشاركة تركيا الكاملة والفاعلة في حلف شمال الأطلسي وربط تركيا بالمؤسسات الغربية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وأن تلعب تركيا دورا مهما تجاه الولايات المتحدة " وتعزيز الاستقرار والأمن في ذلك الجزء من العالم ".

بينما رد أربكان على المبعوث الأمريكي الرسمي قائلا :-" إن على إسرائيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة كخطوة أولي لضمان السلام في الشرق الأوسط " وقد صرّح أربكان بعد الاجتماع قائلا : -" إن استقرار المنطقة ضرورة لتركيا لتكوين علاقات متينة مع كل الأقطار الإسلامية الشقيقة في المنطقة .

كما أعلن أربكان :" أنه يرغب بعلاقات صداقة مع الولايات المتحدة " وأضاف :-" إن تركيا وأمريكا كانتا دائما صديقتين وستبقيان كذلك , وفي إشارة أخرى إلى العلاقات الحميمة بين البلدين حضر أربكان الاحتفال بيوم الاستقلال الأمريكي في الرابع من تموز الذي ترعاه السفارة الأمريكية في تركيا في اليوم ذاته الذي صادق فيه البرلمان على حكومته , وبعد ذلك بأسابيع قليلة استقبل أربكان مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في أنقرة ..

وقد صرحت أولبرايت بعد ذلك قائلة : -" بأنها وجهت لأربكان رسالة واضحة جاء فيها أنه رئيس وزراء منتخب بشكل دستوري وبطريقة ديمقراطية " وذكرت له المبادئ التي ترتكز عليها وسوف تركز عليها السياسة الأمريكية تجاه تركيا وهي ( استمرار الديمقراطية وأهمية السوق اقتصاديا والعلاقة مع حلف الناتو استراتيجيا والأسس العلمانية للجمهورية التركية الديمقراطية وإسرائيل والمسألة المتعلقة بالعراق ) وأضافت أولبرايت " إن أربكان فهم الرسالة إلا أن هذه العلاقة سرعان ما أصابها شرخ نتيجة زيارة أربكان إلى إيران وتوقيعه على الاتفاقية الاقتصادية إذ فسرت بأنها ضربة موجهة للإدارة الأمريكية والرئيس كلنتون الذي وقع على قانون دامانو قبل ذلك بأيام , فضلا عن ذلك جاءت دعوة أربكان للرئيس الإيراني رافسنجاني إلى أنقرة واقتراحه بإقامة تعاون صناعي عسكري مع إيران , كل ذلك بعث من جديد المخاوف الأمريكية منه ودفع الادارة الأمريكية للتفكير جديا بإسقاط حكومته إلا أن الخبراء أشاروا على كلنتون أن لا يدخل في مواجهة صريحة مع أربكان لكي لا يجعل منه بطلا إسلاميا في مواجهة الولايات المتحدة ومن ثمة يلتف حوله الشعب التركي أو كما قال بعض العلمانيين أن لا يدفع الأمريكيون الأتراك إلى أحضان أربكان , وللتعبير عن متانة العلاقة مع تركيا قام كلنتون بتمرير صفقة الأسلحة التي توقف توريدها في الأشهر الماضية على أثر قيام اللوبي اليوناني في الكونغرس الأمريكي بعرقلة شراء تركيا لفرقاطتين بحريتين مع عشر طائرات مروحية متطورة من نوع كوبرا Cobra لتفويت الفرصة على أربكان استغلال الموقف فالعديد من الأتراك رأي أن واشنطن إذا وضعت حظرا غير معلن على الأسلحة على غرار الحظر الذي وضعته عام 1975 بعد التدخل المسلح في قبرص فإن هذا العمل سوف يغذي شعور الكراهية تجاه الولايات المتحدة ويجعل حزب الرفاه أقدر على الاستفادة سياسيا من هذه المشاعر الغاضبة .

ثم جاءت زيارة أربكان إلى ليبيا لتمثل قطيعة حقيقية مع الولايات المتحدة الأمريكية ( كما أسلفنا ) وتهيأ الأذهان في الولايات المتحدة لاستبدال الحكومة التركية الحالية بحكومة جديدة .

خامسا: موقفه من السوق الأوروبية المشتركة

انطلق أربكان في معاداته للسوق الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي – من مبادئه الإسلامية السابقة الذكر في التكامل مع العالم الإسلامي كون تركيا بلد إسلامي . فقد وقف بشدة ضد المحاولات التركية المتواصلة للانضمام لتلك السوق , فظل أربكان ( يكرر ) تصريحاته في السبعينيات ضد الانضمام لتلك السوق ( كما أسلفنا ) ومن هذه التصريحات , " أن تركيا يجب أن تدخل ليس إلى السوق المشتركة الغربية بل إلى السوق المشتركة للدول الشرقية , وتركيا قياسا إلى الغربيين متخلفة وقياسا للشرقيين متقدمة , إذا دخلت تركيا في السوق المشتركة في ظل شروط اليوم ستتحول إلى مستعمرة , السوق المشتركة تشبه اليوم بناية من ثلاث طبقات في الطابق الأعلي اليهود والأمريكيون , في الطابق الأوسط المنفذون الأوروبيون , اليوم يبحثون عن خادم – حارس يجلس في الطابق السفلي , لهذه الغاية يراد أن تدخل تركيا إلى السوق المشتركة " وعندما كان أربكان زعيما لحزب السلامة الوطني كان يري أن أوروبا المسيحية تريد ابتلاع تركيا المسلمة :-" إن الذين يريدون إدخال تركيا في هذه المغامرة يبذلون جهدهم لكي يخفوا عن الأمة أن التكامل مع أوروبا هو أبعد بكثير من كونه سوقا اقتصاديا مشتركا , بل هو هدف اجتماعي وثقافي وسياسي وأيديولوجي . إن حكاية السوق المشتركة بدأت قبل اتفاقية روما ( مع تركيا عام 1963 ) ومرتبطة بقرار المؤتمر الكاثوليكي في روما , إن السوق المشتركة نظام متطور للاستعمار الجديد المتوافق مع شروط عصرنا قام به الغرب الإمبرالي , ورأي أربكان أن انضمام تركيا يفقدها عنصر السيادة فقد ذكر في عام 1991 بأن الدخول إلى المجموعة الأوروبية " يعني فقدان الاستقلال " وفي موقف آخر قال " إننا نعارض الانضمام إلى المجموعة الأوروبية لأن هدفها إقامة دولة واحدة وتفقد الدول بعد ذلك سيادتها

وقد وصف أربكان وحزبه في حملاته الانتخابية عام 199 الاتحاد الأوروبي قائلا : " بأنه ( اتحاد ) الدول المسيحية التي تشكلت بناء على توجيه البابا " وقال " إنه بدلا من السعي إلى عضوية السوق الأوروبية وتطوير علاقات اقتصادية أوثق مع الغرب يجب على تركيا أن تأخذ زمام المبادرة في إنشاء سوق إسلامية مشتركة وتوسيع علاقاتها التجارية مع الدول الإسلامية وشاطر البعض من الأتراك أربكان في اعتراضه على انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي لأن الانتماء إلى النادي الغربي آخر شئ يريده كل تركي ويذكر ضمن هذا الإطار أرسين كالايا سيوغلد أستاذ في جامعة اليوسفور قائلا :" الغرب لا يهتم بنا إلا عندما تكون له حاجة لذلك , لكن لا يكاد ينتهي التهديد حتى يعتبرنا من حضارة أخرى , في حين انتقد آخرون موقف حزب الرفاه وزعيمه أربكان إزاء العلاقات الاقتصادية الدولية بكونه يتحدى كل مساعي تركيا لتحقيق المزيد من التكامل مع الاقتصاد العالمي , وذلك لأن التجارة التركية مع الاتحاد الأوروبي تعادل ما يزيد عن نصف الصادرات والواردات التركية كما رأي هؤلاء أن أية محاولة من الحكومة الإسلامية في تركيا إلى إعادة تنظيم العلاقات التجارية بعيدا عن الغرب باتجاه الشرق الأوسط سيكون نكسة كبرى لتركيا في المجال الاقتصادي .

وقد اعتمد أربكان مع فوز حزبه في انتخابات 24 كانون الأول 1995 إستراتيجية جديدة لتبديد مخاوف العلمانيين ومن ثمة لزيادة فرص الاندماج في حكومة ائتلافية فمثلا أسقط أربكان معارضته لاتفاق الاتحاد الكمركي مع الإتحاد الأوروبي فقد صرّح قائلا :" إن الاتفاق مقبول مع بعض التعديلات وامتنع عن انتقاد الغرب وأوضح أن حزبه لن يطالب بسحب تركيا من حلف الأطلسي ".

فتخلي أربكان عن لغة العداء للإتحاد الأوروبي مع تشكيل حكومته الائتلافية في 29 حزيران 1996 من خلال إطلاقه تصريحات مثل " سننتهج سياسة متوازنة مع الشرق والغرب " , " وسنسعى إلى جعل فكرة علمانية الدولة في مستوى العلمانية الأوروبية " وقصده من ذلك تطمين الدول الغربية بأن تركيا ترغب بتقوية علاقاتها معها على الرغم من مجئ حزب الرفاه المعروف بميوله الإسلامية .

أما فيما يخص موقف الاتحاد الأوروبي من حكومة أربكان فقد أصيبت العواصم الغربية بصدمة كبيرة عندما تولي أربكان الحكم لأنها نظرت إليه بالخوف والشك وافترضت بأن الأحياء الإسلامي المسلح سوف يدفع تركيا إلى روح الحروب العثمانية الأوروبية , إلا أن أربكان حاول طمأنة الأوروبيين في الوقت الذي سعي فيه إلى تطبيق شعاراته السابقة التي تجلت بأوضح صورة بمشروع D-8 الذي تحدثنا عنه سابقا فكان لأربكان رغبة بتحقيق أحلامه وتوجيهها بزعامة نظام إسلامية عالمي إذ صرّح لإحدى الصحف الأجنبية قائلا :" نحن نشعر بأنه يجب إعادة صيغة العالم ".

لذا حذر كلاوس كنيكل وزير الخارجية الألماني بأن تركيا أربكان تبتعد عن الغرب وتتجه إلى علاقات أوثق مع العالم الإسلامي بسبب خيبة أمله من الاتحاد الأوروبي وفشله في مساعدة تركيا إذ يقول : -" إن تركيا تشعر بأنه قد أسئ معاملتها وأن أربكان وبقية السياسيين يتذمرون بمرارة من الاتحاد الأوروبي .

سادسا : أربكان والاتفاقيات التركية الإسرائيلية

برز أول دور لتركيا في القضية الفلسطينية عندما شاركت أمريكا وفرنسا في لجنة التوثيق الثلاثية التي انبثقت عن قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة للقيام بدور الوسيط بين المطالب الفلسطينية والدعاوى الصهيونية على أثر استيلاء الصهاينة على الأراضي الفلسطينية عام 1948 وإذا كانت قد ادعت باتخاذها موقف الوسيط المحايد لكنها انحازت ضمنيا لمصلحة الغرب ( وإسرائيل ) وكانت تلك المشاركة سببا في ابتعاد العرب عن تركيا.

من جانب آخر نجد أن تركيا اتبعت التدريج في تطبيع العلاقات مع إسرائيل حيث اعترفت بها في 28 آذار 1949 فبدأ التمثيل الدبلوماسي بين تركيا ,( إسرائيل ) في بادئ الأمر بفتح فتصلية وتعيين قنصل إسرائيلي في استنبول . وذهب عدنان مندريس رئيس الوزراء بعيدا في تصريحه في أثناء زيارته لواشنطن في حزيران 1954 قائلا :" إن الوقت قد حان للاعتراف بحق إسرائيل في الحياة , كذلك تسهيل هجرة أكثر من ( 41 ) ألف يهودي إلى فلسطين المحتلة في الخمسينيات , تم اتخذت العلاقة بعد ذلك طابعا جديدا بين الجانبين تمثلت بزيارة الوفود الثقافية والرياضية الإسرائيلية إلى تركيا واستمرت تلك العلاقات حتى السبعينيات .

بدأت العلاقات تتطور أكثر لا سيما في المجالات العسكرية فأخذت ( إسرائيل ) تزود تركيا بالأسلحة التي استخدم البعض منها كالمدافع والصواريخ والرشاشات عندما قام الأتراك بغزو قبرص في عام 1974 , وتم في تلك المدة تعيين مستشار عسكري تركي في ( إسرائيل ) بهدف توطيد علاقتهما العسكرية , كما شهدت المدة بين عامي ( 1980-1984) فتورا في العلاقات التي بينهما في المجالات كافة وكان ينظر إلى ( إسرائيل ) على أنها تشكل خطرا على تركيا إلا أن تلك النظرة تغيّرت بعد عام 1985 وأصبح ينظر إليها بشكل إيجابي وتعزز ذلك بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان عام 1985.

وعلى أثر ذلك أعيدت العلاقات العسكرية بين الطرفية وكان التمثيل الدبلوماسي على مستوى أقل هو وزير مفوض , وتم تشكيل لجان مشتركة لبحث ومناقشة القضايا العسكرية والأمنية بينهما وتم التوقيع في عام 1989 على اتفاقية عسكرية محدودة بين سلاحي الجو التركي والإسرائيلي بهدف التعاون في مجال التدريب وتبادل المعلومات الإسرائيلية .

وتميزت المدة بين عامي ( 19911996 ) بأنها مرحلة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين تركيا وإسرائيل , ففي المجال السياسي رفع مستوى التمثيل بين البلدين إلى مستوى السفراء كما قام وزير السياحة التركي آنذاك عبد القادر اتش بزيارة إلى إسرائيل عدت الأول من نوعها بوصفة أرفع مسئول تركي يزور إسرائيل , وأسفرت عن توقيع معاهدة في حزيران 1992 لغرض تسهيل الزيارات السياحية بينهما .

كما توالت الزيارات الرسمية من قبل المسئولين الأتراك والإسرائيليين للتأكيد على التعاون الاقتصادي والعلمي والتعاون الإقليمي وتنسيق الجهود المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية إذ قام الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان في 25 كانون الثاني 1994 بزيارة إلى تركيا استغرقت ثلاثة أيام تم فيها بحث سبل تطوير العلاقات وتعزيزها بينهما , وردا على ذلك قامت تانسو تشيلر رئيسة الوزراء بزيارة إلى ( إسرائيل ) في 31 آذار 1994 وتم خلالها التوقيع على العديد من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والأمنية .

أما في مجال العلاقات العسكرية فقد سمحت تركيا لإسرائيل عام1990 بإنشاء محطات للتجسس الأمني والاستخباري على الدول المجاورة ( العراق وسوريا وإيران ) كما سمحت تركيا في أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 للطائرات الإسرائيلية باستخدام مطاراتها العسكرية لأغراض التجسس على العراق , وضمن إطار الزيارات بين تركيا ( وإسرائيل ) كثف العسكريون من كلا الطرفين جهودهما لتوثيق لتوثيق العلاقة وتناول المباحثات العسكرية والتعاون في مجال ما عرف باسم مكافحة الإرهاب وأثمرت الجهود التركية ( الإسرائيلية ) خلال المدة (1990 -1995 ) عن توقيع اتفاقية التعاون العسكرية والأمني في 24 شباط 1996 .

فضلا عن ذلك كان لتركيا جملة أهداف من تعاونها مع ( إسرائيل ) لا سيما في المجال العسكري وضمن هذا الإطار ذكر ماكوفسكي " أن تركيا تعمل على تطوير العلاقات مع إسرائيل لكي تحصل على الأسلحة المتطورة والتقنيات الأمريكية من إسرائيل أو عبر إسرائيل من دون قيد أو شرط يمكن أن يفرضه الكونغرس الأمريكي إذا طلبتها تركيا من واشنطن مباشرة فضلا عن أنها ستعمل على تزويد تركيا بالخبرة العسكرية وتسهم في إحداث تحسن اقتصادي تركي من خلال التبادل التجاري مع إسرائيل .

ويرى خاكان ياووز أستاذ العلوم السياسية بجامعة ليسبوغ بفرجينيا " إن من شأن التعاون الاقتصادي ما بين إسرائيل وتركيا أن يؤدي إلى تشكيل كتلة إقليمية جامعة من دول متماثلة في الذهنيات وتتمتع برعاية الولايات المتحدة الأمريكية , وقد أثمرت الجهود التركية – الإسرائيلية خلال مدة ما بين (1990 -1995 ) إن إحداث تطورات جذرية في العلاقات السياسية الاقتصادية والعسكرية بين البلدين لمدة ما بين (1996 -1998) في مقدمتها توقيع الاتفاقيات العسكرية بينهما , في إطار عقد الاتفاقيات العسكرية بين تركيا و ( إسرائيل ) تم التوقيع في 24 شباط 1996 على مشروع اتفاقية للتعاون والتدريب العسكري المشترك بين تركيا وإسرائيل ثم تلاه اتفاق آخر في 26 آب 1996 واتفاقيات أخرى في عامي 1997 -1998 واتخذت المباحثات التي سبقت توقيع الاتفاقيات صيغة سرية , إلا أنه في نيسان 1996 سرب البعض منها في الصحف التركية والإسرائيلية في حين لم يكشف عن مضمون بنود أخرى تتعلق بطبيعة العلاقات العسكرية ومجالاتها وأهدافها , إلا أن ما توفر من معلومات حولها من خلال التصريحات والمقابلات وهي كالآتي :

  • - في مجال القوات الجوية :
  1. السماح للقوات الجوية لكلا البلدين بإجراء تدريبات في المجال الجوي للدولة الأخرى منفردة أو مشتركة ( تدريب الطيارين الحربيين 8 مرات في السنة في الأجواء التركية ) .
  2. تبادل المعلومات والخبرات في مجال التدريب العسكري للقوات الجوية .
  3. السماح للطائرات ( الإسرائيلية ) باستخدام القواعد الجوية التركية وعلى الأخص ( قونية وانجرليك ).
  4. تحديث إسرائيل 54 طائرة حربية تركية من طراز (F4) بتكلفة تبلغ حوالي ( 635) مليون دولار .
  5. تحديث 48 طائرة من نوع (F5C) من خلال تمويل مؤسسة إسرائيلية – ستقافورية بقيمة 75 مليون دولار .
  6. تزويد تركيا بأحداث منظومات الدفاعات المضادة للصواريخ بطاريات الصواريخ – آرو الإسرائيلية الصنع والقيام بالتصنيع المشترك لها مستقبلا في تركيا .
  7. القيام بالتصنيع المستقبلي المشترك للصاروخ " جو – جو " الإسرائيلي ( بوباى 1 بوباى 2) بصفقة تصل قيمتها 500 مليون دولار أمريكي .
  8. مشروع مستقبلي مشترك لتصنيع طائرة إنذار مبكر , على غرار " الأوكس " بتكلفة 800 مليون دولار .
  9. تزويد تركيا بـ 10 طائرات من دون طيار للاستطلاع .
  • - القوات البحرية .

تنفيذ مناورات بحرية مشتركة قد تشترك فيها وحدات بحرية أمريكية ( وستكون المناورات كما أعلن عنها في 1998 قبالة الشواطئ السورية )

  • -القوات البرية :
  1. تنفيذ مناورات برية مشتركة.
  2. مشروع صناعة دبابات قتالية حديثة بقيمة 2,5 مليار دولار أمريكي .
  3. مشروع تحديث دبابات ( M60) بقيمة 50 مليون دولار أمريكي .
  4. قيام إسرائيل بتزويد تركيا بأجهزة وأنظمة أمنية إلكترونية ونشرها على الحدود التركية لمنع التسلل إلى داخل تركيا , من سوريا والعراق .
  • - في مجال الاستخبارات :
  1. تبادل المعلومات والخبرات .
  2. تبادل الوفود العسكرية لمراقبة المناورات التي يجريها كل طرف على حدة .
  3. الاستخدام المتبادل للأفلام العسكرية الوثائقية لكل طرف والتعاون التام بين أستوديوهات الأفلام والصور والوثائق العسكرية .
  4. بناء شبكة إلكترونية تسمح بالتجسس ورصد التحركات والاستعدادات العسكرية على طول الحدود العسكرية مع كل من سوريا وإيران والعراق .
  5. وضع معلومات وصور الأقمار الصناعية الإسرائيلية وأجهزة التجسس الإلتكورنية تحت تصرف الجيش التركي في مواجهته مع ( حزب العمال الكردستاني )
  6. تبادل المعلومات في الميادين العسكرية والاجتماعية والثقافية والتعاون في مجالات التاريخ والمتاحف وحفظ الملفات العسكرية .

د- ردود أفعال الدول العربية والإسلامية تجاه العلاقات والاتفاقات التركية الإسرائيلية :

طرح الاتفاق العسكري التركي – الإسرائيلي العديد من التساؤلات من قبل المراقبين لا سيما وأن إسرائيل كانت على وشك تطبيع علاقاتها مع بعض الدول العربية لذا نجد أن ذلك التقارب التركي – الإسرائيلي ولد ردود خارجية وداخلية عديدة وعلى المستويات كافة , فقد أبدت الدول العربية والإسلامية ردود أفعالها بالمعارضة والتنديد والشجب منطلقة من كون تركيا دولة إسلامية لها ارتباط ديني وتاريخي مع العالمين العربي والإسلامي . أضف إلى ذلك أنها مجاورة لبلدان عربية وإسلامية مهمة عسكرية واقتصاديا وبشريا وهي ( إيرانسوريا والعراق ) فقد فسر ذلك الاتفاق بأنه إحياء لسياسة الأحلاف التي ظهرت في المنطقة في عقد الخمسينيات , فقد عدّت سوريا أن ذلك الاتفاق يشكل خطرا على أمنها لذا قامت بالعديد من الإجراءات لتوضيح خطر تلك العلاقة وتهديدها للمنطقة , وأبدت سوريا قلقها على لسان نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام إذ قال : -" إن التحالف العسكري يشكل تهديدا لأمن الدول في المنطقة " وحثت سوريا الدول العربية على التصدى لها كما إنها سعت إلى توطيد علاقاتها مع كل من إيران والعراق واليونان إذ وقعت مع الأخيرة اتفاقا عسكريا عام 1995 كان أحد بنوده السماح للطائرات العسكرية لدى الدولتين باستخدام مطارات الدولة الأخرى في حالة وقوع اعتداء عسكري على أى منهما , وعلى أثر تسريب بعض المعلومات السرية عن الاتفاقية العسكرية والأمنية التركية – الإسرائيلية في نيسان قامت 1996 وزارة الخارجية السورية باستدعاء السفير التركي في دمشق وأعربت عن احتجاجها على تلك الاتفاقية كما نشطت الدبلوماسية السورية في المجالين العربي والإسلامي لبناء جبهة موحدة لمواجهة التعاون العسكري التركي – الإسرائيلي , فعقدت مؤتمرا للقمة في العاصمة السورية دمشق في 21 حزيران 1996 شاركت فيه كل من مصر والسعودية وقد تمخض عن ذلك المؤتمر إصدار بيان أعربت فيه الدول المشاركة عن قلقها إزاء ذلك التحالف وطالبت من تركيا إعادة النظر في ذلك الاتفاق .

كما عبرّ وزير الخارجية السوري فاروق الشرع عن قلق بلاده قائلا :-" إن التحالف التركي الإسرائيلي من شأنه أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية مع سوريا بهدف الضغط عليها وعلى الدول المجاورة ( إيران والعراق ) وحتى الدول الخليجية في ظل تعاون عسكري وأمني يهدف إلى إضعاف الأمن القومي العربي وزيادة السيطرة الإسرائيلية والتركية على الأراضي العربية , والسعي لإحداث انقسام عربي وإسلامي .

أما بالنسبة لموقف مصر فقد صرّح الرئيس المصري حسني مبارك في 29 أيار 1996 بأنه أبدي عدم تفهمه لوجهتي النظر التركية - الإسرائيلية بشأن أهداف إجراء التدريبات الجوية المشتركة بمحاذاة السواحل السورية بدعوى محدودية المجال الإسرائيلي الجوى وقد حذر الرئيس مبارك من اعتداء تركي على سوريا , لأنه سيؤدي إلى مشكلات كبيرة في المنطقة , تواصل الاهتمام المصري بالعلاقات التركية – الإسرائيلية المتنامية إذ قامة الرئيس حسني مبارك بزيارة تركيا يوم 11 تموز 1996 للوقوف على حقيقة تلك الاتفاقية وقد قدمت تركيا تفسيرات لعلاقاتها العسكرية مع إسرائيل بأنها تقوم على المنفعة المشتركة وليست موجهة ضد طرف آخر. وفيما يتعلق بالموقف العراقي من تطور العلاقات العسكرية التركية الإسرائيلية فقد اتصف بالتنديد والشجب من خلال التصريحات الإعلامية التي أكدت على أن هذا الاتفاق يهدف من ورائه إلحاق الضرر بالأمن القومي العربي وغايته خدمة المصالح الأمريكية وتنسيق الجهود علنا بين حليفتيها تركيا وإسرائيل ضد مصالح المنطقة العربية , وبسبب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها جراء الحصار الاقتصادي المفروض عليه لم يكن له دور فاعل في هذا المجال , مع ذلك أكد مندوب العراق لدى الأمم المتحدة في 16 نيسان 1996 بأن " تركيا لم تراع الرفض العربي والإسلامي لتلك الاتفاقية ولم تراع حساسية جيرانها العرب والمسلمين ( إيرانسورياالعراق ) وإن من شأن ذلك أن لا يساعد على استقرار منطقة الشرق الأوسط .

أما لبنان فقد أعرب عن قلقه من التعاون العسكري التركي – الإسرائيلي وعده تهديدا للأمن القومي العربي والإسلامي عامة وسوريا بخاصة , كذلك أدانت ليبيا ذلك الاتفاق وعبرّت عن قلقها إزاء الحلف العسكري التركي الإسرائيلي الذي وصفته بـ " المشبوه " الذي ( يستهدف النفط والمصادر المائية ) بشدة ورأت فيه أنه موجه ضد الأمة العربية والمسلمين , كما أعلنت إيران شجبها لذلك التقارب وعدّته ضد مصالح تركيا لأنه سيثير غضب الشعب التركي المسلم عليها , وفي أثناء اجتماع رؤساء دول منظمة التعاون الاقتصادي الآسيوية ( ايكيو ) الذي عقد في شهر أيار 1996 في عشق أباد عاصمة تركمنستان حيث التقي الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني والتركي سيلمان ديميريل وتباحثا في موضوع الاتفاقية العسكرية والأمنية التركية – الإسرائيلية وقد نفي ديميريل عقد تركيا لاتفاقيات عسكرية سرية مع إسرائيل , وأن أنقرة تسعى لتطوير علاقاتها مع إيران فيما أكد رافسنجاني بأن الإسرائيليين سوف يستغلون تلك الاتفاقية لضرب إيران ,

من جانب آخر عبرّ وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني عن ارتياح بلاده تجاه الاتفاق إذ صرحّ قائلا :-" إن الولايات المتحدة تنظر بإيجابية شديدة إلى العلاقات بين إسرائيل وتركيا وإلى الإتفاق الاستراتيجي الذي تم التوقيع عليه بين البلدين , أما على الصعيد الداخلي الرسمي وعلى الرغم من الاعتراضات والتنديدات العربية والإسلامية بشكل عام فإن تركيا لم تأبه بها فقد صرّح ديميريل قائلا :-" إن مصالح الأمة التركية أهم بكثير من أى اعتراضات عربية على علاقات تركيا مع إسرائيل مؤكدا على أن تركيا دولة مستقلة لا يحق لأى كائن من كان أن يحدد لنا ما نفعله .

بالنسبة للأتراك المؤيدين للتعاون مع إسرائيل فقد نظروا للاتفاق التركي الإسرائيلي من زاوية المصالح الاقتصادية فمصلا الدكتور ( حسن قوني الخبير في العلاقات الدولية ) دعا إلى استفادة تركيا من موقع اليهود المهم في التجارة العالمية إذ قال :-" إن حزام الأمن الخارجي الذي ذكره بن غوريون هو أن العرب يمكن أن يكونوا أعداء لكن يجب عدم تحويل المسلمين من غير العرب إلى أعداء , وفي طليعة هؤلاء الأتراك – وأن تركيا كدولة غربية وديمقراطية وعلمانية من جهة ميدان عبور هام لإسرائيل ومجموعات الاستثمار اليهودية الأخرى من أجل الاستثمار في آسيا الوسطي وغيرها , ومن جهة أخرى يمكن لرؤوس الأموال أن تستثمر فيها بأمان وفي حال دخول تركيا في تعاون مع إسرائيل فإن ذلك سيكسب الثقة لأسواق المال الدولية "

أما الباحث التركي أرسين كالايسي أوغلو يرى أن عقد تلك المعاهدات لا تشكل تحالفا جديدا يزيد من مضايقة الدول العربية , كما إن إقامة مشاريع مشتركة في مشروعات دفاعية لا تضع شرطا أمام صفقات الأسلحة التي تحتاجها المؤسسة العسكرية بعمق في بيئة ترى أنها أكثر عدائية بازدياد لتركيا , لكن المعارضة التركية قد استغلت ذلك لانتقاد الحكومة , فقد ذكر بولنت أجاويد زعيم الحزب اليساري الديمقراطي أن مثل هذه المعاهدات يشكل عاملا استفزازيا لجيران تركيا وأن تكون السياسة الخارجية مبنية على أساس إقليمي ولا تسعي لتنفير أو استبعاد أى من جيران تركيا الشرق أوسطين , وكذلك علق محمد على بيراند قائلا :-" قد نسفت احتمالات إقامة علاقات تركية – سورية أفضل " وأظهر أسفه لاضطرار تركيا " للمشاركة في مواجهة إسرائيلية – سورية إيرانية " أما المحلل التركي جنكيز تشاندار فقد لخّص وجه نظر الكثير بقوله :- " قد تسهم دولة مسلمة تتبع سياسة خارجية ترتكز على إسرائيل في تحقيق الارتياح لإسرائيل غير أن هذه السياسة تسبب عزلة لتلك الدولة سواء على مستوى المنطقة أو على مستوى النظام الدولي " أما من وجهة النظر الإسرائيلية فرأى أحد المسئولين الإسرائيليين قائلا :-" نحن أهم بلدين في هذا الإقليم ولا نرغب أن يعبث معنا بعض حكام العرب الذين يريدون أن يحافظوا على الشرق الأوسط كما كان لكن القوانين تغيرت .

هـ - أربكان وموقفه من الاتفاقات والعلاقات التركية – الإسرائيلية :

إن أقسي من رد على هذا الاتفاق هو نجم الدين أربكان فقد كان , كما مر معنا ناقدا متواصلا للصهيونية طوال مشواره السياسي , وكما كان سابقا واصل انتقاداته المرة للتعاون التركي الإسرائيلي في أثناء حملاته الانتخابية فقد رفع في أثناء تلك الحملات شعارات تندد بالصهيونية وإسرائيل كان من بينها شعار " سنحرر القدس " فضلا عن ذلك أعلن خلال تلك الحملات بأنه سيعمل على إلغاء اتفاقية التعاون مع إسرائيل , هذا فضلا عن أنه أبدى معارضته للإتفاقية في البرلمان في 10 نيسان 1996 عندما كشف النقاب عن بنودها السرية في أثناء استجواب وزير الدفاع التركي من قبل أحد أعضاء حزب الرفاه , ووعد أربكان بإلغاء الاتفاقية واستبدالها بسياسة تركية خارجية تقليدية مع التأكيد على العلاقات مع الدول العربية والرغبة في تأسيس سوق إسلامي أطلق عليه اسم حلف إسلامي .

وتحدث عن موقف حزبه وأهدافه ودوره على الساحة السياسية بعد وصوله للسلطة قائلا :-" إن حزب الرفاه انطلاقا في مبادئه الوطنية يريد أن يخلص تركيا من مخططات الإمبريالية الغربية , وعندما أرادت الصهيونية إنشاء ( دولة إسرائيل ) جعلت سقوط الدولة العثمانية شرطا أساسيا لذلك , وأدخلت تركيا في حروب ( البلقان ) ضد الإيطاليين " وأضاف قائلا :-" في حرب الاستقلال من عام (1919 -1992 ) وبعد إسقاط الدولة العثمانية وقيام دولة إسرائيل تريد الآن جعل تركيا مع ( إسرائيل ) في السوق الأوروبية المشتركة " وأوضح أربكان دور حزب الرفاه قائلا :- الحزب الوحيد الذي يعارض ذلك هو حزب الرفاه الذي يبذل طاقته من أجل الاستقلال الفكري والاقتصادي والوقوف في وجه المخططات الإمبريالية والصهيونية لذا فدوره الآن عبارة عن حرب استقلال جديدة في تركيا , وبدا من غير المعقول أن يتم توقيع الاتفاقية الإسرائيلية في وقت كانت الانتخابات التركية التي جرت في 24 كانون الأول 1995 قد أسفرت عن فوز حزب الرفاه وكان أربكان قد وعد ناخبيه بقطع العلاقات مع إسرائيل وكانت إعلانات حزبه موجهة لإدانة الصهيونية وإسرائيل , وقد أثارت هذه التصريحات وآخر تعهّد أربكان في 22 أيار 1996 بالتصدي للأتفاق , مخاوف إسرائيل من إمكانية إقدام أربكان على ذلك , فجاءت زيارة الرئيس الإسرائيلي حاييم وإيزيمان إلى تركيا قبل انهيار حكومة يلماز وتشيلر لغرض الحصول على ضمانات تركية بهذا الصدد , إذا انتابها القلق الشديد والتوجس من تأثر علاقاتها فيما لو وصل أربكان إلى الحكم إذ كان الخطاب السياسي لحزب الرفاه يوجه الانتقادات ( لإسرائيل ) بشأن القضايا المتعلقة بتركيا وتخوفها من مجئ أربكان إلى السلطة كما انتقدت صحيفة مللي كازيت الناطقة باسم حزب الرفاه في مقال لها جاء فيه : -" كان العار الذي حملته تركيا كونها أول بلد إسلامي يعترف بـ ( إسرائيل ) وهي الآن تحمل عارا آخر كونها أول بلد إسلامي تتحالف مع إسرائيل في ظل ظروف العدوان الإسرائيلي على لبنان .

و- حكومة أربكان وموقفها من إسرائيل :

مثل مجئ نجم الدين أربكان إلى السلطة بوصفه أول رئيس وزراء إسلامي عاملا مثيرا لمخاوف الدوائر الغربية والإسرائيلية إذ أعربت الأوساط الصهيونية عن قلقها من نجاح أربكان في تجميد العلاقات التركية – الإسرائيلية بعد أن وصلت أوجها إبان عهد رئيسة الوزراء السابقة ووزيرة الخارجية الحالية التي سبق وأن وقعت الاتفاق المار ذكره في أثناء زيارتها لتل أبيب في شباط 1996. فقد ذكر السفير الإسرائيلي في أنقرة الو نبيل قائلا : -" إن لأربكان مواقف معادية سابقة لإسرائيل ففي السبعينيات طلب أربكان قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل "

" كما أعرب السفير عن قلقه من موقف أربكان من الاتفاق العسكرى الإسرائيلي قائلا :" إن حكومة تركيا الجديدة برئاسة حزب الرفاه الإسلامي ستعمل دون شك على إلغاء صفقة قيمتها 600 مليون دولار لتحديث طائرات فانتوم التركية في إسرائيل وتزويدها برارادات وأجهزة إلكترونية " من جانب آخر أصدرت وزارة خارجية إسرائيل بيانا في 9 تموز 1996 جاء فيه :-" إن المصالح المشتركة بين الدولتين لا تتغير بتغيّر الحكومة هنا أو في تركيا , وأعلنت أنها تعتقد أن تركيا ستكون شريكا كبيرا ومهما في بناء عملية السلام في المنطقة , وعندما تولي أربكان رئاسة الوزراء انتظر الكثيرون أن يضع تلك الشعارات وضع التنفيذ إلا أن الضغوطات الكبيرة التي تعرض لها وجهّت هذه العلاقات في غير الوجهة التي كان يخطط أو يدعوا لها , فقد صرّح في أثناء تشكيل الحكومة في 29 حزيران قائلا :-" بأن حكومته سوف تلتزم بكافة التعهدات والاتفاقيات الدولية ولكنها لن تلتزم بتطبيق البنود التي تتناقض مع الأمن القومي التركي " وبدا للمراقبين الأتراك أنه يرمي من وراء ذلك الاتفاق العسكري التركي – الإسرائيلي .

بينما أكد السفير الإسرائيلي للإذاعة الإسرائيلية :-

" بأن تسلم أربكان لرئاسة الوزارة في تركيا لا يشكل خطرا على العلاقات القائمة بين البلدين "

وعلى ما يبدو أن تصريح أربكان بأنه " سيعيد النظر في الاتفاقية العسكرية التركية الإسرائيلية وفقا للمصالح الوطنية " مثل رسالة تطمين لإسرائيل حول استمرار العلاقات بين البلدين , وذكر سيفي تاشان رئيس معهد السياسية الخارجية في أنقرة قائلا :-" سواء مع أربكان أو غيره فإن السياسة الخارجية التركية تمليها العوامل الجغرافية والتاريخ والاقتصاد والوضع الاجتماعي والسياسي والوضع الدولي .

ز- أربكان والتوقيع على الاتفاق التركي – الإسرائيلي :

واجه أربكان ضغوطا كبيرة من قبل القوى المتنفذة العلمانية والعسكرية بهدف إحراجه وإظهار ضعف موقفه أمام الجماهير التي انتخبته فأجبر على المصادقة على الاتفاقية مع إسرائيل , فمن الجدير بالذكر أن العلاقات الخارجية مع ( إسرائيل ) كانت تدار من قبل جنرالات الجيش التركي وكان على أربكان أن يتقبل حقيقة أن الجنرالات الأتراك هم أصحاب القوة وهم يخالفونه في سياسته , إذ قال وزير الدفاع تورهان تايان في أثناء زيارته إلى إسرائيل :" ليس لدينا مشاكل مع الدولة اليهودية على الإطلاق , نحن نثق ببعضنا ونحن الوحيدون الذين نمتلك الديمقراطية في هذا الجزء من العالم , وقد فرضت المؤسسة العسكرية على حكومة أربكان أمرا واقعا يصعب القيام بتغييره وتحديه سواء إن كان في السلطة أم المعارضة , مما أجبر أربكان على تغيير موقفه من التعاون العسكري بين تركيا و( إسرائيل ) مبررا بأنه في مصلحة تركيا , لذا قام أربكان في 28 آب 1996 بعقد اتفاقية الدفاع مع إسرائيل , وفي 5 كانون الأول 1996 وقّع أربكان معها على اتفاقية أخرى متعلقة بالصناعات العسكرية , تقوم إسرائيل بمقتضاها بتحديث 54 طائرة تركية من طراز F-4 على مدى خمس سنوات مقابل مبلغ (600 مليون دولار ) وعلى أثر تصاعد التوتر جراء توقيع أربكان على الاتفاقية التركية – الإسرائيلية صرّح من جانبه قائلا :-" أنه حين تولي رئاسة الحكومة وجد أن لدى تركيا نحو 600 طائرة أمريكية من طراز ( F4) تحتاج لقطع غيار فقامت الحكومة مطالبة واشنطن بتزويدنا بقطع الغيار فكان الرد الأمريكي " عليكم أن تطلبوا قطع الغيار من إسرائيل " فقامت تركيا بطلب قطع الغيار من إسرائيل فكان الرد الإسرائيلي هو المساومة على السماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق فوق شمال العراق , لكن الحكومة التركية رفضت هذه المساومة وقررت دفع ثمن قطع الغيار كاملا بدون شروط وتم الاتفاق , ومبررا ذلك بالقول : -" إن هناك مركزين في العالم لصيانة هذه الطائرات في الولايات المتحدة وإسرائيل وإن تركيا لجأت إلى إسرائيل بعد رفض الولايات المتحدة تأمين ذلك " وأضاف " إن الفنيين الأتراك سيكونون في المستقبل قادرين على تولي ذلك بأنفسهم "

المبحث الرابع : إسقاط حكومة أربكان

أولا : أربكان والمواجهة مع العسكر

لم يكن أربكان طوال حياته شخصية محبوبة من قبل الجنرالات الأتراك والسبب واضح هو علمانية الجيش , فقد سبق أن قبض عليه من قبلهم أكثر من مرة وحوكم محاكمات عسكرية متعددة , وعندما تولي أربكان السلطة ساور البعض القلق من إمكانية تدخل الجيش على غرار ما حدث في الجزائر , فصرح أربكان مطمئنا :-" لا أرى احتمالا لحدوث انقلاب عسكري يقطع الطريق على تسلم الرفاه السلطة , فتركيا ليست الجزائر لقد شهدنا انقلابات عسكرية كثيرة ورأينا كم أعادت تركيا إلى الوراء وتركيا تعرف حزب الرفاه , من لا يريد أن يكسب عشرة أضعاف ؟ إن حزب الرفاه سوف يضاعف المكاسب عشرة أضعاف لذا من غير الممكن أن يكون للانقلاب أى نصير لا داخل الجيش ولا داخل المجتمع المدني إن حزب الرفاه جاء عبر الديمقراطية برغبة الأمة ودعمها " من جانب آخر صرّح حسن مزارجي أحد أعضاء حزب الرفاه قائلا : -" لا أظن أن علاقات الرفاه مع الجيش ستكون سيئة الجيش هو جيشنا ونحن ضد الانقلابات ".

ورأى بعض المراقبين السياسيين أن هناك ما يشبه الاتفاق بين المؤسسة العسكرية وأربكان تمحور حول عدم معارضتها لتسلم أربكان السلطة شريطة استمرار روابط تركيا مع الغرب ,وعدم المساس بالنظام العلماني الأتاتوركي ولعل تصريحات أربكان وقيامه بزيارة السفارة الأمريكية لتهنئة السفير بعيد الاستقلال الأمريكي في 4 تموز ) وزيارته لضريح أتاتورك وتعهده بالعمل بمبادئ العلمانية وتدوينه في سجل الزوار " إن مبادئ أتاتورك ستكون الأسس التي تقود الحكومة الجديدة " يفسر وجهة نظر هؤلاء , فجاء رد العسكر بأنهم سوف يدعمون هذه المهمة وعارضوا أى إضعاف لعلاقات تركيا القوية مع أوروبا وإسرائيل والولايات المتحدة وصرحوا :-" بأنهم سوف يتساهلون مع ارتقاء حزب الرفاه السلطة طالما أنه لا يسعي لتغيير الوضع القائم والانقلاب على مبادئ السياسة الداخلية والخارجية , وحذر رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال إسماعيل قرة داى " من محاولة تغيير النظام الديمقراطي والعلماني وجر البلاد إلى ما سماه " ظلامية القرون الوسطي " مؤكدا على أن حرية المعتقد لا يمكن أن تكون مضمونة إلا في إطار النظام الديمقراطي لكن الأسلوب المعتدل الذي ظهر به أربكان قاده من جانب آخر إلى أن تواجه مع قادة حزبه الذين دعموه بسبب الشعارات التي أطلقها في أثناء الحملة الانتخابية ومع ذلك أبدى زعيم حزب الرفاه حسا عمليا براغماتيا كبيرا حيال هذه الأسئلة وغيرها , وعرف كيف يقود الائتلاف الحكومي بعيدا عن الفوضي الاقتصادية والسياسية التي توقعها العديد من المراقبين , ورأى بعض المراقبين أن المؤسسة العسكرية هدفت من وراء ذلك توريط حزب الرفاه والالتفاف عليه وافقاده المصداقية أمام ناخبيه لعدم قدرته على تنفيذ وعوده مع سلسلة المشكلات الداخلية المتراكمة التي تعاني منها الحياة السياسية .

كما توقع بعض الباحثين ومنهم الباحث المصري الأستاذ فهمي هويدى ذلك إذ قال :-" أتمنى أن لا تتورط قيادة الرفاه في تشكيل الحكومة التركية في الوقت الراهن فلدي قناعة قوية بأن ثمة أطراف عدة لن تتردد في العمل على إفشال تجربتهم بأى ثمن , ولو اقتضي ذلك تخريب الاقتصاد وترويع العمال وتمزيق البلاد ولعلي لا أبالغ إذ قلت أن توريط الرفاه في تشكيل الحكومة قد يكون تدبيرا خبيئا من شياطين الإنس للإيقاع بهم في كمين لا يراد لهم أن يخرجوا منه سالمين " ورأي البعض أن حكومة أربكان – تشيلر ستتعرض لضغوط داخلية وخارجية , فقد ذكر الدكتور حسن أبو طالب ( رئيس وحدة العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ) قائلا :-

" أتصور أن كثيرا من القوى سواء بالداخل أو الخارج سوف تظل متحفزة دائما للحكم على هذا الائتلاف في كل كبيرة وصغيرة سوف يقوم بها وسوف يكون الحكم على هذه التغيرات حكما قاسيا إلى أقصى درجة ولا يتوقع من هذه القوى إعطاء مساحة زمنية طويلة للحكم على هذا الائتلاف . ومما يعزز ما سبق ما ذكره تصريح رئيس الأركان العامة إسماعيل حقي قره داي إذ قال : - " إن القوات المسلحة تبنت مبادئ معاصرة وعلمانية وديمقراطية وهي تمثل قوة لا تقهر ذات طابع تقدمي ضد أى عملية رجعية أو محافظة , وجاء مطابقا للتوقعات فبعد مرور ستة أشهر على ترأس أربكان للحكومة وبعد استقرار سياسي داخلي على أثر الإجراءات التي قام بها مثل زيادة الرواتب التي كان لها انعكاس على الواقع الاقتصادي الاجتماعي محققا نوعا من الهدوء داخل علاقاته مع القادة العسكريين مرحلة جديدة فاتخذ أربكان خطوات غير مسبوقة في السياسية الداخلية والخارجية التي انتقدت لزعزعة المبادئ البيروقراطية فعلي صعيد السياسة الداخلية تبني الدعوة إلى حل غير عسكري للمشكلة الكردية التي اشتملت على مقترحات منها :- منح الحقوق الثقافية للأكراد مثل حق اللغة واتخاذ مبادرات لإقامة وسائل اتصال مع القادة الأكراد في تركيا مما أثار سخط الجناح المحافظ المتمثل بالقوات المسلحة التركية .

من جانب آخر محاولة أربكان للظهور بمظهر المعتدل إذ أراد أن يتوحد في الدولة ويخالف غيره من الحركات الإسلامية الأصولية التي تسعي إلى تقويض الدولة , كما سعي حزبه في الوقت نفسه إلى غرس المبادئ الإسلامية السياسية التركية , وهكذا ولأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية اغتنم أربكان شهر رمضان ليقوم بدعوة أصحاب الطرق الدينية إلى الإفطار في مقر رئاسة الوزراء وقال : -" إن هذا العمل يأتي من باب التوحد بين الشعب والدولة , كما أصدر أوامره الشخصية لوزير الدولة بتعديل وقت استراحة الغذاء في دوائر الدولة لتناسب أوقات الصلاة ,كما اقترح بناء مسجد في ساحة ( تقسيم ) في مركز استنبول وآخر في محيط القصر الجمهوري في أنقرة , والسماح للموظفات بإرتداء الحجاب في الجامعات والدوائر الرسمية , كذلك السماح للحجاج بالسفر إلىالسعودية برا , وجمع جلود الأضاحي التي كانت سابقا حكرا على شركة الطيران التركية , فضلا عن ذلك ذهب أربكان وحزبه بعيدا إلى حد لم يسبق له مثيل من تحدى لسلطة القوات المسلحة فظل غير مبال لطلب الأموال الذي قدمته القوات المسلحة لتغطية النفقات الناجمة عن العمليات العسكرية في شمال العراق , كما دعم بعض الخطط من قبيل ( إخضاع رئاسة الأركان لوزارة الدفاع , مما يعني وضع القوات العسكرية تحت السلطة المدنية , فضلا عن إخضاع رئاسة الأركان لوزارة الدفاع , مما يعني وضع القوات العسكرية تحت السلطة المدنية , فضلا عن إخضاع قرارات المحكمة العسكرية العليا تحت إشراف القضاء المدني والتأكيد على حصول العسكريين على الترقية ممن يرتدين زوجاتهن الحجاب , وقد فسرت بعض الأوساط الغربية تلك الخطوات بأنها تشير إلى قيام أربكان ( بعملية أسلمة ) وأن سياسة أربكان تمثل " عملية أسلمة عبر منهج متدرج وتصاعدي " الأمر الذي أثار قلق العسكر لا سيما وأن أربكان سعي إلى خلق أنماط جديدة سياسية وثقافية في المجتمع التركي , ومع أن تلك الخطوات , مثل إطلاق حرية ارتداء الحجاب والسماح للحج برا وبناء مساجد في ميادين عامة , لا ينبغي أن توثر في النظام العلماني إلا أن الجيش عد تلك الخطوات على أنها بداية التفويض التدريجي للنظام العلماني في البلاد .

أما على صعيد السياسة الخارجية ومع أن أربكان لم يتمكن من إحداث تغيير جذري حقيقي في السياسة التركية إزاء أوروبا وأمريكا وإسرائيل والعراق وإيران وسوريا إلا أنه أعطي لواشنطن ذريعة لوضع علاقاتها مع حكومته على المحك أثر زيارته لإيران في آب 1996 إذ ترجمت تلك الزيارة في حينها ضربة مباشرة للرئيس الأمريكي كلنتون ( كما مر معنا ) وعزز ذلك بزيارته لليبيا ودعوة الرئيس الإيراني رافسنجاني إلى أنقرة مما زاد موقف واشنطن تصلبا تجاه أربكان الأمر الذي دفع كلنتون لإطلاق إشارة واضحة إلى " أنه يرغب باستبعاد الحكومة ذات الأغلبية المحدودة , وهذا بحد ذاته مؤشر مهم للعسكر لكي يتحرك بهذا الاتجاه .

ثانيا : مجلس الأمن القومي وحكومة أربكان

على أثر التحولات السابق بدأ الجنرالات الأتراك يمتعضون ويقلقون من ثبات الحكومة على مبادئها الإسلامية مما دفعهم إلى اتخاذ إجراءات سريعة للحد من توجهات أربكان , فلم تمض سبعة أشهر على تولي الحكومة حتى وجّه الجنرال إسماعيل حقي قرة داي تحذيرية في 20 كانون الأول 1996 إلى رئيس الجمهورية ديميريل يطالب فيها التمسك بالمبادئ العلمانية والمحافظة على استقرار الأوضاع في البلاد .

وعلى اثر ذلك تحدث سليمان ديميريل إلى أربكان قائلا :-" تسود قناعة عامة أنكم انحرفتم عن طريق الجمهورية العلمانية والديمقراطية وإنني أشاطر أصحاب هذه القناعة رأيهم " وأضاف ديميريل قائلا :-" إذا تمسكتم كحكومة بموقفكم هذا فإنها ستكون في خطر " وتحت ضغط العسكر اضطر الرئيس سليمان ديميريل للموافقة على جعل ما وصف الخطر الأصولي بندا على جدول أعمال مجلس الأمن القومي المقرر عقده في 28 شباط 1997 , إلا أن الشرارة التي أشعلت نار المواجهة بين أربكان والعسكر هي حادثة سنجان , وفحوى هذه الحادثة قيام احتفال بمناسبة يوم القدس في 31 كانون الثاني – 3 شباط 1997 برعاية رئيس بلدية المدينة الذي ينتمي لحزب الرفاه , وكان من بين المدعوين السفير الإيراني محمد رضا باقري , وممثل منظمة التحرير الفلسطينية في تركيا , محمود ابن الشيخ أحمد ياسين , وقادة حزب الله وحركة حماس في لبنان وفلسطين وكانت أكثر الفقرات إحراجا في هذا الحفل خطاب السفير الإيراني الذي جاء فيه " إن الانكليز ولدوا ابن السفاح هذا ( أى إسرائيل ) والأمريكان ربوة وهم ما زالوا يساعدونه على النمو ويمدونه بالقوة وما كان ابن السفاح هذا ليبقي حيا في حربه مع العرب لولا حماية أمريكا

وأضاف قائلا :-" إن هؤلاء الذين يعقدون الاتفاقيات مع الولايات المتحدة وإسرائيل سوف يعاقبون من قبل الشباب الأتراك عاجلا أم آجلا " فاستشاط غضب العسكر الذي لجأ إلى إجراء حاسم وسريع دون الرجوع إلى أربكان فأرسلت ثلاثين دبابة مدرعة لاعتقال رئيس البلدية وحكم عليه بالسجن لمدة تسع عشرة سنة بتهمة السكوت على انتقاد العلمانية التركية , هذه الحادثة أحدثت شرخا حقيقيا بين أربكان والعسكر تجلت آثاره في اجتماع مجلس الأمن القومي فجاء تدخل الجيش ضد حكومة أربكان بعد مرور أيام على حادثة سنجان وتحدث القادة العسكريون على قلقهم حول التوجهات الأربكانية المضادة للعلمانية والكمالية والديمقراطية كما أثارتهم زيارة شوكت قازان لرئيس بلدية سنجان في السجن , وطلب من أربكان أن يعمل على القضاء على الرجعية التي ذرت بقرنها على البلاد التي تعمل للقضاء على العلمانية والمبادئ الأتاتوركية من خلال دعوة الجماعات الإسلامية إلى طعام الإفطار وغض الحكومة النظر على النشاط الرجعي في البلاد وسماحها بفتح مدارس الأئمة والخطباء ودورات تدريس القرآن في طول البلاد وعرضها وإلا فإن القوات المسلحة التركية حامية النظام العلماني والديمقراطية الكمالية التي ترفض الآخر غير العلماني التركي لجهة أصولية أو الانفصال الرجعي ستتحرك لوضع الأمور في نصابها و بعد حادثة سنجان أجبر أربكان على استقبال وزير خارجية ( إسرائيل ) ديفيد ليفي بعد ممارسة الضغوط عليه من المؤسسة العسكرية وتردد من طرفه فما كان منه إلا أن أبدلا غليظ الكلام له بلهجة كانت قاسية في حديثه مع ليفي إذ وجه الحديث إليه قائلا :-" على إسرائيل أن تنسحب من الأراضي التي احتلتها منذ سنوات ويجب عليها أن تتخلي عن خططها الجديدة في بناء المستوطنات " " وإن القدس مدينة مقدسة ليس بالنسبة لليهود والمسيحيين فحسب وإنما للمسلمين أيضا " , " وإن السيناريو وبعض الأفكار المطروحة الآن تزعج مليار مسلم " وما كان من ليفي الذي كان مشدوها إلا أن أجاب كما يجيب التلميذ المذنب معلمه " إن إسرائيل كانت مخلصة لكافة اتفاقيات السلام " وإن القدس لم تكن أبدا عاصمة لدولة أخرى " كما أن أربكان تجاهل الحديث عن العلاقات العسكرية بين تركيا و ( إسرائيل )

مع ذلك لم تكن الظروف مؤاتية لانقلاب عسكري جديد بسبب سعي تركيا للانضمام للإتحاد الأوروبي فضلا عن عدم رغبة الولايات المتحدة بذلك , كما جاء على لسان مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية وقتذاك قائلة : -" لقد أوضحنا وبشكل قاطع أن على تركيا الاستمرار في طريق الديمقراطية – الديمقراطية العلمانية , مهما زدات الأمور تعقيدا فعليهم أن يكونوا ضمن السياق الديمقراطي وليس باستخدام طرق غير دستورية نحن نقدّر الدستور الديمقراطي العلماني لتركيا .

قام العسكر بانقلاب عصري أو ما أطلق عليه " الانقلاب الهادي " أو ما يعرف " بانقلاب ما بعد الحداثة " إذ اجتمع مجلس الأمن القومي التركي في 28 شباط 1997 وقرر رفع مذكرة إلى رئاسة الوزراء تضمنت ثمانية عشر مطلبا على الحكومة تنفيذها وتمت الموافقة على التوصيات من جميع أعضاء المجلس ما عدا أربكان .

ومن أبرز هذه المطالب :

1- إن مبدأ العلمانية المنصوص عليه في المادة الرابعة من الدستور الذي يعد من المبادئ التي استقرت في دستور الجمهورية يجب أن يحمي بكل دقة وعناية وخصوصية ويجب أن يطبق دون أى تعديل , أو تمييز في القوانين الموضوعة لحمايته , وإذ ما تبين أن القوانين الموجودة غير كافية عند التطبيق فيجب أن تجرى تنظيمات جديدة بهذا الصدد .

2- إن بيوت الإسكان المرتبطة بالطرق الصوفية والأوقاف والمدارس يجب أن يتم انتقالها تحت إشراف وزارة التعليم القومي وفقا لقانون " توحيد التدريس " وأن توضع تحت رقابة التنظيمات المختصة في الدولة .

3- ومن أجل شحن أدمغة الأجيال الشابة مسبقا بحب الوطن و الأمة وأتاتورك والجمهورية ومن أجل تعليمهم الحقائق المجردة بهدف التعرف على وسائل النظم الحضارية المعاصرة للأمة التركية , ومن أجل حماية هذه الأجيال من تأثير شتى التيارات المتصارعة يجب اتخاذ التدابير الآتية .

أ‌- يجب أن يتم تطبيق نظام التعليم الموحد في ثماني سنوات في كل ربوع الوطن , وأن يكون هذا ملزما .
ب‌- يجب أن تتخذ التدابير التنظيمية والقانونية كافة ,والإدارية اللازمة لإظهار وإبداء السيطرة والمسئولية والفاعلية لوزارة التعليم القومي على دورات ومجموعات تحفيظ القرآن التي سيستمر فيها الصبيان الذين أتموا التعليم الأساسي وأن يكون ذلك رهنا برغبة أسرة الصبي .
ت‌- ذاتها , ولغرض مناقشة وبحث تلك المطالب والنظر في إمكانية تنفيذها قام أربكان بعقد اجتماع مع نائبته تشيلر استمر لمدة ساعتين في مقر رئاسة الوزراء وبعد ذلك صرحت تشيلر للصحفيين قائلة : - " إن الحكومة تتعرض منذ مدة للضغط من قبل الجيش وإن القوات التركية التي نظمت ثلاثة انقلابات منذ عام 1960 تستغل نفوذها السياسي لإخضاع التحالف الحالي , في الوقت نفسه

صرّح الجنرال إسماعيل حقي رئيس هيئة الأركان العامة قائلا :-" إنه من غير الممكن أن يظل الإنسان محايدا ويعزل مشاعره بوجه تطورات مخالفة للمبادئ الدستورية " وأضاف " إن حل هذه المشكلة هو في البرلمان وقصد من وراء ذلك إلقاء المسؤولية على أربكان وحزبه في تهديد الجمهورية العلمانية .

من جانب آخر صرّح الجنرال شفيق بيرا قائلا : -" إن الجيش لن يقوم بأى تنازلات بخصوص المحافظة على مبادئ الديمقراطية والنظام العلمانية للدولة وينتظر من الحكومة مراعاة كاملة لهذه المبادئ " وقد عد المراقبون ذلك التصريح تحذيرا مبطنا لحكومة أربكان , وردا على حملات التضخيم حول إمكانية حدوث انقلاب عسكري صرحت تشيلر قائلة :-" إن القوات المسلحة التركية هي حارسة الديمقراطية ونحن ضمان الديمقراطية في البلاد لأن الشعب يساندنا , أما هؤلاء الذين ينتظرون أخبار الانقلاب العسكري أو تقديم إنذار للحكومة من قبل مجلس الأمن القومي فعليهم أن يخجلوا من أنفسهم أمام هذه المطالب .

ثالثا : موقف الأحزاب العلمانية من حكومة أربكان

سعت الأحزاب العلمانية المعارضة ( الوطن الأم بزعامة مسعود يلماز وحزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد وحزب الشعب الجمهوري بزعامة دينيز بيكال ) بدعم الجيش للقيام بإفشال حكومة أربكان وإسقاطها وقد استخدمت تلك الأحزاب البرلمان والصحافة لتحقيق ذلك , فمثلا قامت عن طريق الديمقراطية بست محاولات لحجب الثقة عن الحكومة , والاعتراض على أدائها لا سيما على الصعيد الداخلي مستغلة فضيحة سوسورلك – التي طالت أعضاء من حزب شريكته في الائتلاف وإتهام الحكومة بالإهمال وإلقاء اللوم على رئيسها بتقسيم تركيا إلى علمانيين وإسلاميين وتقويض المبادئ الأتاتوركية والتراجع عن الاصلاحات الغربية الحديثة .

كما ذكر أجاويد أمام البرلمان قائلا :" إن الجيش لن يسمح لمجموعة من ذوى " العقول الرجعية بهدم النظام واستمر في حديثه متحاملا على حزب الرفاه واعتبره أكثر خطرا على النظام من حزب العمال الكردستاني " فرد عليه أربكان قائلا :-" أسكت أيها الكذاب واترك الخطاب , كما استغلت تلك الأحزاب الضجة الإعلامية التي صاحبت زيارة أربكان إلى ليبيا في فتح ملف قضية الهبة الليبية لتأجيج الرأي العام ضد أربكان فقد عد يلماز وبيكال وأجاويد إن هذا الإجراء غير ملائم قانونيا مؤكدين أن حزب الرفاه تلقي في عام 1989 هبة ليبية تقدر بقيمة (500) ألف دولار من جمعية الدعوة للإسلام الليبية , لدعم نشاطات حزب الرفاه إلا أن عبد الله غول وزير الدولة " نفي قطعيا أن يكون حزبه قد تلقي تلك المبالغ في تصريحات أدلي بها لوسائل الإعلام " قائلا :-" أنها مسألة قديمة في قالب جديد أما أربكان فقد صرّح من جهته للصحفيين :-" إنها عودة للأكاذيب السابقة ولجأت هذه الأحزاب كذلك للإعلام للنيل من حكومة أربكان والسعي لإسقاطها فقد صرّح أجاويد " أن الجمهورية التركية الديمقراطية والعلمانية أصبحت مهددة , وعقب أجاويد أيضا :-" إنه ليس في تركيا اليوم أزمة حكومة بل إن هناك أزمة نظام قد تكون أخطر من أزمة حكومية وهذا يثير قلقا عميقا في المجتمع .

ولم يقتصر الأمر على عناصر المعارضة للطعن في هذه الحكومة إذ برز دور بعض أعضاء حزب الطريق الصحيح في ضرب الحكومة من خلال إبداء تأكيداتهم للجيش بأن سياسة الرفاه تعمل ضد مبادئ أتاتورك العلمانية وأن وجود تشيلر في الائتلاف نابع من مصلحتها الشخصية باستغلال وجودها بالسلطة لتجنّب الدعاوى القضائية ضدها .

رابعا : دور الإعلام في إسقاط حكومة أربكان

شاءت الأوضاع التي تعيشها تركيا أن يصبح أربكان طرفا في حرب مستعرة مع مجموعات " كارتلات الإعلام الضخمة ) إذ انقسم الإعلام التركي بأنشطته المختلفة المسموعة والمرئية بين موالين لحزب الرفاه من أمثال ( صحيفة اكشم Aksam لصاحبها ايدن دوغان ومجموعة دينيك التي تصدر جريدة الصباح , فقد استاءت هذه الكارتلات الضخمة من النفوذ المتصاعد للصحافة الإسلامية برعاية حزب الرفاه وموظفيه في الحكومة فتحالفت معا من أجل إسقاط الحكومة , فحفلت افتتاحيتها وأعمدتها اليومية بنقد الحكومة وتحديا لرئيس وزرائها أربكان .

فعند توجّه الحكومة باتجاه الغرب تنتقد لأنها تخرج بذلك عن نهج حزب الرفاه , وإذا سارت باتجاه الدول الإسلامية تنتقد لأنها تخالف توجهات الدولة العلمانية , ثم جاءت فضيحة سوسورلك وموقف حكومة أربكان منها فرصة ثمينة للصحافة للنيل منه وقد عقب وزير الدولة عبد الله غول قائلا :-

" إن بعض الجهات التي لا يسرها مشاركة الرفاه في الحكم تسعى في انتقاد كل خطوة يخطوها وإن كانت تلك الخطوة ضمن دائرة مصالح تلك الجهات وكأنهم لا يريدون تفاهم وتفهم حزب الرفاه بروح العصر وسعيه بإجراء الحوار مع الاتجاهات كافة لتحقيق مصالح البلاد .

كما انتقد أربكان وسائل الإعلام المرئية والمقروءة ووصفها بأنها تمثل رأس حربة ضد حكومته وقال :-" إن هؤلاء قد اقترضوا منذ عام 1982 وحتى اليوم مبلغ 6,2 ترليون ليرة تركية (50 مليار دولار ) من الحكومات المتعاقبة ولم يسددوها لحد الآن وهؤلاء يريدون استمرار الأنظمة والحكومات الفاسدة كي تستجيب إلى مطالبهم .

خامسا : دور رجال الأعمال في إسقاط حكومة أربكان

انضم أصحاب رؤوس الأموال والمصالح التي تتمتع بمكانة كبيرة في الوسط التركي ولها صلات وثيقة مع الغرب إلى قائمة المطالبين بإسقاط الحكومة ,فقد وجدوا حكومة الرفاه تهديدا لمصالحهم لا سيما وإنها أظهرت مواطن الفساد والاستغلال والاحتكار بدعوتها لتطبيق النظام العادل , فقد تضررت من جراء سياسات أربكان الأوساط الاقتصادية المتحكمة بالاقتصاد التركي والمتمثلة باللوبي الاقتصادي المعتادة على استقراض الأموال الطائلة بوسائلها الخاصة من بنوك الدولة وبفوائد بسيطة تحت غطاء المشاركة بالمشاريع التنموية وهي في حقيقة الأمر تستخدم لإيداعها في خزينة الدولة كقرض داخلي يتقاضي هؤلاء من ورائه فوائد طائلة وكانت فئات كثيرة تربح من وراء ذلك , لذا قطعت سياسة أربكان الاقتصادية الطريق أمامهم , فلجأ هذا اللوبي عن طريق شراء ذمم عدد من نواب الطريق الصحيح للإنسحاب منها .

وقد صرحت تشيلر شريكة أربكان قائلة :-" إن القوى الخفية ( الصهيونية والعلمانية ) التي تضررت مصالحها من إجراءات حكومة أربكان قد رصدت 75 مليون دولار لشراء ذمم النواب من حزب الطريق الصحيح " كما هاجمت الاتحادات التجارية الكبيرة والجمعيات الحكومية أربكان بفعل المصالح الشخصية وقضايا خاصة تم المبالغة فيها بصورة مصطنعة وبدأ البعض منهم يسأل العسكر ماذا تنتظرون للقيام بالانقلاب , وقد أكد أربكان ذلك بنفسه إذ قال :- بعض رجال الأعمال وقفوا ضدنا لأننا عندما وضعنا ميزانيتنا للدولة أردنا ميزانية عادلة فرجال الأعمال كانوا يضعون أموالهم في البنوك ويحصلون على فائدة كبيرة جدا , وإعفاءات كثيرة من قبل الدولة تكلفنا عشرات مليارات الدولارات في الميزانية , أخذنا عشرة بالمائة من الأموال المخصصة لرجال الأعمال وخصصناها لاحتياجات الفقراء وهذا لم يرض الكثيرين .

سادسا : موقف الغرب من حكومة أربكان

مما لا شك فيه أن هناك أطرافا خارجية لعبت دورا في الإطاحة بحكومة أربكان مثل الولايات المتحدة وإسرائيل فقد أحدثت سياسة أربكان الخارجية تجاه العالم الإسلامي والعرب إنزعاجا لتلك الأوساط فمثلا كان لتشكيل المجموعة الاقتصادية من الدول الصناعية الإسلامية الثمانية (D-8) انعكاسات سلبية على تلك الأوساط لما سينتج عن هذا التعاون من خلق قوة اقتصادية صناعية منافسة لا يستهان بها , لا سيما وأنه سيعد الأضخم من نوعه من ناحية عدد السكان والإمكانيات المتاحة , وهذا يعني تحقيق أحلام وطموحات أربكان في جعل تركيا زعيمة للعالم الإسلامي وتلتف حولها البلاد الإسلامية , وهنا يمكن للمرء أن يتصور ما قد يحدث من تغيرّات جراء ذلك على مصالح تلك الدول الأجنبية , وقد بيّن أربكان في حديثه أن هناك جهات استاءت من حزبه بسبب السياسات التي اتبعها ومن هذه الجهات الدوائر الغربية والصهيونية إذ ذكر قائلا :" نحن في الأشهر التي قضيناها في الحكومة حققنا ثلاثة أشياء أولا : تركنا صندوق النقد الدولي وقلنا لهم إننا لا نريد تطبيق برامجهم الاقتصادية , ثانيا : وضعنا ميزانية تجعل مصاريف الدولة ومواردها متوازنة وهذا لم يتحقق قبلنا أبدا , ثالثا : أسسنا تحالف الدول الثمانية الإسلامية " واستطرد أربكان موضحا الهدف من إنشاء تلك المجموعة قائلا :-" كانت فكرة إنشاء تلك المجموعة التي تأسست وصدر ميثاقها خلال قمة عقدت في استنبول في تموز 1997 بعدما تبنتها حكومة أربكان خلال ( مدة حكم حزب الرفاه ) وكان هدفنا تغيير تركيبة النظام الدولي التي تسيطر عليها قوى ليست بينها قوى إسلامية , تحالف القوى الثمان كان نواة وبداية تأسيس صوت للعالم الإسلامي في شؤون العالم لخلق مجتمع دولي أكثر عدالة , لكن هذا لم يعجب الكثير من القوى العالمية واليهودية , دائما ما أقول للأتراك , لماذا لا تفهمومي مثل اليهود ؟ اليهود أدركوا التأثيرات المحتملة لتحالف الدول الثمان وتحركوا ضده لمنعه لكن في العالم الإسلامي لم يكن هناك إدراك للنتائج الهائلة التي يمكن أن تترتب على هذا التحالف "

وجاء تفسير الباحث فواز جرجس في كتابه ( أمريكا والإسلام السياسي – صراع الحضارات أم صراع المصالح ) مطابقا لما ذكره أربكان , فقد تسأل لماذا أيد الغرب وأمريكا بالذات إسقاط حكومة أربكان ؟ فأجاب " بأن أربكان بالرغم من مواصفاته الشخصية الممتازة إلا أن المجموعة الاقتصادية الإسلامية التي شكلها وأصوليته كانتا كافيتين لإسقاطه .

كما أوضح أربكان موقف الغرب من حزب الرفاه قائلا :-" إنه خلال جتماعات حلف شمال الأطلسي " الناتو " عام 1990 قالت مارغريت تاتشر :-" نحن أسسنا الناتو لمواجهة السوفيات , الآن السوفيات انتهو ا فهل نلغي الناتو ؟ ولأن الفكر الذي ليس له عدو لا يمكن أن يبقي حيا , كان لابد من إيجاد عدو جديد بدلا من الاتحاد السوفياتي قالت تاتشر أن العدو موجود وهو الإسلام " واستطرد أربكان قائلا :-" خلال هذه الأجواء ظهرت حكومة الرفاه في تركيا ماسأقوله الآن أنقله مما قاله بيرجنسكي فهو قال :- ما دام حزب الرفاه في السلطة في تركيا لن يمكننا تحقيق أهدافنا لابد من حل حزب الرفاه , وقد سبق ذكر تطور الموقف الأمريكي من حزب الرفاه فلا حاجة للعودة إلى هذه التفاصيل .

سابعا : الإطاحة بالحكومة في 18 حزيران 1997

تمكنت الأوساط العلمانية بما فيها المؤسسة العسكرية من الإطاحة بحكومة أربكان – تشيلر التي قادت حملة كبيرة ضدها من خلال التلويح بقيام انقلاب عسكري وممارسة الضغوط على بعض أعضاء حزب الطريق الصحيح بوسائل مختلفة لإنهاء التحالف مع أربكان , فضلا عن ذلك كان لرئيس الجمهورية سليمان ديميريل دور محوري إذ قام بتوجيه أربكان إلى ضرورة الالتزام بمبدأ العلمانية عن طريق إرسال مذكرة إليه في 24 شباط 1997 وتذكيره بالمادة 174 من الدستور التركي التي تنص على مراعاة القوانين الثورية التي وضعها مصطفي كمال إبان تأسيس الجمهورية , من جانب آخر صرّح ديميريل قائلا :- إن الدولة ليست عدوة للذين والأزمة التي تعيش فيها الآن تأتي من استغلال بعض السياسيين للدين " وبدا واضحا أن ديميريل قصد بتصريحه هذا أربكان , وكما قام ديميريل بتطمين بعض الجهات بأن مطالب العسكر لا تهدف إلى إعادة تطبيق المادة 163 الشهيرة , فضلا عن طرح ديميريل فكرة إجراء انتخابات مبكرة التي تزامنت مع تصعيد التوتر بين القيادة العسكرية وأربكان لعدم تنفيذه مطالب مجلس الأمن القومي التي سبق وأن أقرت في 28 شباط 1997 , وقد حظي هذا الطرح بتأييد بعض الأحزاب العلمانية , بالمقابل رأي الب أرسلان توركش أن فكرة إجراء انتخابات مبكرة سيعقد الأزمة بدلا من حلها والخوف من تحقيق فوز أكبر لحزب الرفاه لذا وجد توركش أن تشكيل حكومة انتقالية تحقق مطالب العسكر وتعمل على تعديل قانون الانتخابات من ثمة تحجيم حزب الرفاه والتقليل من نفوذه , إلا أن أربكان أعلن رفضه لتلك الفكرة وقال :-" لا داعي لإجراء انتخابات تشريعة جديدة مؤكدا على أن حكومته قوية وتعمل بشكل جيد .

فيما يخص مطالب مجلس الأمن القومي فقد احتج أربكان عليها قائلا : " بأن الحكومات التركية تشكل في البرلمان وليس في مجلس الأمن القومي " وظل أربكان رافضا التوقيع على تلك المطالب لمدة خمسة أيام فقام بعقد اجتماع مع رؤساء الأحزاب ليوضح أن تلك المطالب هي ضد الديمقراطية التركية لتقف معه ضد تدخل الجيش والضغط على الحكومة إلا أنه لم يحظ بتأييد تلك الأحزاب .

مما أدى بعد ذلك إلى تصعيد التوتر من جانب العسكر ضد أربكان ومطالبته بتنفيذ مطالب مجلس الأمن القومي التي أقرت في 28شباط 1997 لا سيما المتعلقة بالمدارس الدينية فصرح أحمد تكدال أحد أعضاء حزب الرفاه قائلا :-" إن الحزب يرفض إغلاق المدارس الدينية وإن الجهود التي تبذل لإغلاقها ستمنى بالفشل " وأضاف " إن الذين يريدون إغلاق المدارس الدينية سيصطدمون بإرادة الشعب التركي ولا تستطيع وزارة التربية ولا الحكومة إغلاقها " كما صرّح غول قائلا :-" إنه يفضل أن تسقط الحكومة الحالية على أن يشارك في جريمة إغلاق مدارس الأئمة والخطباء , كما ازدات حدة النزاعات والخلافات بين أعضاء حزبي الائتلاف حول كيفية تنفيذ تلك القرارات وذكر السكرتير العام لحزب الرفاه أورهان أصيلة تورك :-" أن رئيس الوزراء أربكان لم يوقع على مطالب مجلس الأمن القومي وأن الحكومة لم تكن ملزمة بذلك " بالمقابل صرّح يلدرم أكوتا وزير الصحة وأحد أعضاء حزب الطريق الصحيح قائلا :" إن تصريح السكرتير العام لحزب الرفاه هذا وإن كان يعكس وجهة نظر حزبه فيما يخص مطالب مجلس الأمن إلا أنه يعني أن الأيام الصعبة مقبلة أمام الائتلاف الحكومي .

وعلى الرغم من الضغوط التي تعرض لها أربكان لأكثر من جهة لإجباره على توقيع تلك المطالب , كما هو الحال مع الجيش ورئاسة الجمهورية والدور الذي قامت به أحزاب المعارضة والقوى المتنفذة جاءت أقسي الضربات من شريكته تشيلر في الائتلاف عندما دعت أربكان إلى الرضوخ لمطالب العسكر إذ هددت بين التوقيع أو الاستقالة وفسخ الائتلاف .

ومع إصرار أربكان بأن تلك المطالب منافية للديمقراطية إلا أنه رضخ بعد احتدام الأزمة وزيادة الضغوط عليه , فوقع على هذه المطالب لكنه أراد إدخال بعض التعديلات مع خلال تحويلها إلى صيغة توصيات منطلقا من حرصه على عدم تدخل الجيش في السياسة لا سيما وأن أحد الجنرالات قد صرّح :-" أنهم لن يعدلوا عن هذه المطالب إلا إذا تغيّر موقف هذه الحكومة أو تركت منصبها "

بالمقابل أوضح أربكان موقفه هذا لقاعدته الحزبية والقوى الاجتماعية المساندة له بأنه ملتزم بيروتوكول الائتلاف ومع أن سن القوانين والتشريع بيد البرلمان وإن الحكومة مسؤولة فقط أمام البرلمان إلا أن قوة الدولة التركية لا يمكن مقاومتها , ويعود ذلك إلى طبيعة الدولة وجوهر ذات التوجه الغربي وسماحها للديمقراطية بمساحة صغيرة وضمن دائرة مبادئ أتاتورك على الرغم من ذلك نجد أن أربكان فوّت الفرصة على الجيش للإطاحة بالحكم المدني والتصادم مع الإسلاميين من خلال الامتناع عن الإدلاء بأى تصريح يثير غضب الجيش وعقب عبد الله غول في 7 آذار 1997 بقوله :-" يظهر أن بعض الأطراف السياسية قد دخلت في علاقات سرية مع بعضها لتطوير الأحداث وتصعيدها إلى ما وصلت إليه " وأضاف قائلا :-" إن نظاما عسكريا قد أطل برأسه في السياسة التركية بعد الأحداث الأخيرة في البلاد وهذا يعني بأن الديمقراطية قد تم التضييق عليها فباتت لا تستطيع العمل لهذا من الأفضل لتركيا الاتجاه نحو الانتخابات المبكرة .

وعلى الرغم من حنكة أربكان السياسي المخضرم وواقعيته ومرونته إلا أن المؤسسة العسكرية في تركيا ظلت تضيّق الخناق عليه ففي 22 نيسان 1997 عبرّ ديميريل وتحت ضغط العسكر عن أسفه لأن الدستور لا يخوله الحق في الدعوة في إجراء انتخابات مبكرة بوصفها الحل الأفضل لتجاوز الأزمة الراهنة .

وفي 13 أيار صرّح أربكان أن المناورات البحرية التي تم الإعلان عنها بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة " أرجئت إلى السنوات المقبلة " وجاء رد فعل المؤسسة العسكرية على لسان كبار ممثليها " إن المناورات لن تؤجل " وأيدتهم بذلك تشيلر إذ صرحت في 14 أيار بأن " خطط إجراء مناورات بحرية مشتركة مع إسرائيل ستمضي قدما رغم تصريحات أربكان , وأن سلطته لا تعطيه الحق بإصدار هذا البيان مؤكدة أنه لم يصدر من العسكر " إلا أن غول أكد عكس ذلك إذ قال:-" إن اجتماعا ضم أربكان ورئيس الأركان الجنرال إسماعيل حقي وغول نفسه تناولت التدريبات البحرية المشتركة , وأنه جرى خلال الاجتماع الاتفاق على تأجيلها ,

وقد مثل تصريح أربكان بتأجيل المناورات التركية الإسرائيلية القشة التي قصمت ظهر البعير فقد صرّح أربكان قائلا :-" إن إجراء مناورات لاختيار التجهيزات التي ستشتريها تركيا من إسرائيل منصوص عليه في الاتفاق ولكن هذه المناورات أرجئت إلى السنوات المقبلة " فأدى ذلك التصريح لإعلان الهجوم على أربكان في وسائل الإعلام ورأي بعض المحللين أن تصريح أربكان هذا زاد من حدة المواجهة بينه وبين العسكر ... وفي خطوة إضافية لعزل أربكان وتحجيم سلطته قامت القوات المسلحة التركية بعمليات عسكرية في شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني دون إبلاغه عن الخطة مسبقا وتبرير ذلك " للحفاظ على سرية العملية منطلقة من مبدأ إذا علمت الحكومة فمن شأن ذلك إفساد العملية " على حد قول أحد الجنرالات في رئاسة الأركان العامة , وتم تكثيف زيارات الجنرالات إلى إسرائيل في هذه المدة بالذات والاتفاق على توقيع معاهدات وكان القصد من وراء ذلك هو المضي في إضعاف حكومة أربكان , ومنها زيارة الجنرال إسماعيل قرة داى في شباط 1997 برفقة وفد صحفي من (13 ) شخص دون إبلاغ أربكان مبررا ذلك بأنه " ليست هناك حاجة للحصول على موافقته , ومن الضغوط التي مورست على أربكان وحزبه تبني رئيس الادعاء العام فووال سافاش Savas رفع دعوى أمام المحكمة الدستورية ضد حزب الرفاه واتهامه بانتهاك المبادئ العلمانية

وقد اتهم سافاش حزب الرفاه بجر تركيا إلى حرب أهلية كما وجه اتهامه ضمنيا في مؤتمر صحفي عقده في 27 أيار 1997 لسياسيين ينتمون إلى حزب الرفاه بالخيانة " فرد عليه غول قائلا :-" سنجعله أى ( رئيس الادعاء العام ) يمثل أمام القضاء لقد قدّم وثائق غير قانونية ولا أساس لها ضدنا , في الوقت نفسه تعرّض بعض أعضاء حزب الطريق الصحيح للضغط والتهديد فقد ذكر أربكان أن " 50 نائبا من حزب الطريق الصحيح تعرضوا للتهديد بأنهم إذا ساندوا الحكومة الائتلافية بين الرفاه والطريق الصحيح فإنهم يعرضون تركيا لتدخل عسكري من قبل الجيش كما حدث عام 1980 في انقلاب كنعان إيفرين " واستمر أربكان بالقول إن " شريكتنا في الحكومة تشيلر جاءت وقالت لى إن 50 نائبا من حزبي لا يؤيدون الائتلاف معك , نحن في مأزق ولابد من انتخابات جديدة وبعد الانتخابات يمكن أن نسير في خطتنا للحكومة الائتلافية من جديد , بحسب اتفاقنا المبدئي مع تشيلر قلنا إذا اضطررنا بسبب أى أزمة إلى انتخابات مبكرة فسنغيّر رئيس الوزراء , بمعني أن أتنازل أنا لتصبح هي رئيسة للوزراء وصوّتنا في البرلمان بأغلبية 251 نائبا على قرار إجراء الانتخابات خلال ثلاثة أشهر لكن ما حدث بعد ذلك كان مخالفا لمبادئ الديمقراطية فنحن كانا معنا 291 نائبا في البرلمان ,

لكن خلال الأزمة أعطي حق تشكيل الحكومة إلى مسعود يلماز الذي كان حزبه الأقلية في البرلمان , وعلى أثر تواصل الحملات المستعرة التي شنتها رئاسة الأركان العامة ضد حكومة أربكان والمتمثلة بالشجب العلني لها وتواصل عقد الاجتماعات الدعائية للعلمانية مع مجموعة متنوعة من شرائح المجتمع بما فيها الأكاديميين وأعضاء السلطة القضائية والصحافة لتحفيز العمل الشعبي للدفاع عن العلمانية ونشر كتيبات عسكرية علنية حول ( الأصولية ) وأثرها على أجهزة الدولة لتأكيد عزم القوات المسلحة التركية بأنها ما زالت معنية بالسياسة ولو بقيت في الثكنات , وتعرض أربكان وتشيلر لمضايقات متزايدة من وسائل الإعلام ونقابات رجال الأعمال واتحاد غرف التجارة والتنظيمات المدنية الأخرى , ورأي العسكر ضرورة الحد من تغلغل الرفاه والأربكانية في الاقتصاد عبر اتحاد موسياد الذي يضم عشرة آلاف شركة إسلامية متنوعة النشاطات وذلك بإصدار قائمة ضمت ما يقرب المائة مؤسسة لعدم التعامل معها مستقبلا كونها تدعم الحركات الإسلامية ماديا وشملت تلك المؤسسات شركة أولكر uilker العملاقة في مجال تصنيع الأغذية ومؤسسة هاس القابضة وجمعية كومباسان التعاونية التي تضم ستا وثلاثين شركة واتهمت 19 جمعية و 55 محطة تلفزيونية و51 محطة إذاعية وعشر مجلات 1200 جمعية طلابية بأنشطة إسلامية تخريبية , وتواترت الإشاعات عن قرب قيام انقلاب عسكري على غرار ما حدث في الانقلابات السابقة مما دفع تشيلر إلى إقناع أربكان بتقديم استقالته قبل منتصف ليلة 18 حزيران مبررة ذلك بالقول –" من الصعب الحفاظ على أعضاء حزبها " لانسحابهم على أثر الضغوط والإغراءات التي يتعرضون لها وفي الحقيقة كان أربكان وتشيلر قد توصلا تدريجيا إلى قرار الاستقالة قبل 18 حزيران على أساس مبدأ التناوب وعندما سأل ديميريل أربكان عن سبب تلك الاستقالة أجابه قائلا :-" أصبح الحكم مستحيلا "

وأخيرا انتهت أشهر من التوتر السياسي والضغوط المتواصلة فما كان من أربكان إلا أن قدم استقالة حكومته , في ضوء الاتفاق المسبق بأن تتولي تشيلر شريكته في الائتلاف مهام الحكومة إلا أن محاولاتهما فشلت لتجاهل الرئيس ديميريل تحالف أربكان وتشيلر ودعم محسن يازغلو زعيم حزب الوحدة الكبرى , مع أن ديميريل كان قد أعطي وعدا لشيلر بخلافة أربكان في السلطة باعتبار أن الأحزاب الثلاثة ( الرفاه – الطريق – الوحدة الكبرى ) تحظي بأغلبية برلمانية وبدلا من ذلك تم تكليف مسعود يلماز زعيم حزب الوطن الأم بتشكيل الحكومة , وكانت حجة ديميريل بذلك أن حقه الدستوري يمنحه صلاحية تكليف زعيم الأغلبية البرلمانية بعد استقالة رئيس الوزراء السابق لكن في الواقع أن ديميريل وفي محاولة منه لإرضاء الأوساط العلمانية المتحاملة على أربكان نسي حقيقة مهمة أن أربكان لم يقدم استقالته جراء انفراط الائتلاف وإنما تنازل لشيلر حسب الاتفاق المبرم بينهما ,

وعلى آثر ذلك وجهت اتهامات من قبل الأطراف لديميريل بأنه يقوم بتحريض العسكر ضد الحكومة فقد انتقد يوسف توركت أوزال Turkut Ozal رئيس الحزب الديمقراطي هذا :" وقد بررت المؤسسة العسكرية هذا الدور بأنه ينسجم مع الدستور التركي وتحديدا البندين الثاني والرابع بدعوة حماية الأراضي التركية والجمهورية التركية من النشاطات التي تهددها وما يقوم به أنصار التيار الإسلامي هو أشد خطرا على الدولة من أعدائها وفي مقدمتهم حكومة أربكان , وقد علق كمال البياتي ( رئيس القسم العربي بوكالة جيهان Cihan للأخبار ) على دور العسكر قائلا :-" إنه على الرغم من أن النظام الديمقراطي التركي الذي أسسه كمال أتاتورك عام 1923 على مرتكزات علمانية وقومية إلا أن المؤسسة العسكرية لا زال دورها مؤثرا في توجهات تركيا , وفي الحقيقية إن المؤسسة العسكرية ضغطت على حزب الرفاه ولا يستطيع أن يذكر هذه الحقيقة وهي التي ساهمت بشكل رئيسي في تحطيم حزب الرفاه وإخراجه من السلطة عام 1997.