نظرية الحركة الاجتماعية والإخوان المسلمون في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٨:٢٣، ١ يناير ٢٠١٣ للمستخدم Ahmed s (نقاش | مساهمات) (خلفية تاريخية)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحشد الإسلامي:نظرية الحركة الاجتماعية والإخوان المسلمون في مصر

بقلم:زياد مونسون

قسم الاجتماع جامعة هارفارد

مقدمة

روابط1642011.jpg

هذا المقال يفحص ظهور ونمو جماعة الإخوان المسلمين في مصر من الثلاثينيات إلى الخمسينيات.

فالمقال يبدأ بإظهار التقييم المحتمل لنمو الجماعة والمعتمد على

  1. نظريات الإسلام السياسي
  2. مفهوم بناء الفرصة السياسية في نظرية الحركة الاجتماعية.

ومعظم هذه المواقف من المقترح أنها تعتمد على بيانات من الوثائق التنظيمية وملفات سرية كانت لدى الولايات المتحدة في هذه الفترة.

فالحشد الناجح للإخوان المسلمين كان ممكنا بسبب الطابع الإسلامي لرسالتها والتي ارتبطت تماما بالبناء التنظيمي والنشاطات والإستراتيجيات وكل مناحي الحياة اليومية للمصريين. فالتحليل يوسع فهمنا لكيفية ظهور التنظيم في بيئة قمعية.

ومنذ تأسيسها عام 1928 انتشرت جماعة الإخوان المسلمين لتعم جميع أنحاء العالم الإسلامي تدعوا الملايين من جميع طبقات المجتمع لموالاتها.

وفي قمة فترات شعبيتها كان لديها نصف مليون عضو ناشط داخل الشعب المصري، كما خرج من جماعة الإخوان المسلمين العديد من الجماعات الإسلامية المسلحة الموجودة في يومنا هذا؛ مثل منظمة حماس والجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية. وبالرغم من أهميتها، فما زال الباحثون لا يدركون سوى القليل عن ظهورها المتميز في مصر.

أما التحليل التالي فيحاول معرفة كيف أن التنظيم استطاع أن يجذب هذا العدد الذي لم يسبق له مثيل من الأعضاء ومن الدعم العام في الفترة بين العام 1932 و1954 وهي أكثر الفترات التي قامت فيها الجماعة بالحشد.

في البداية أريد أن أطرح وجهة نظر عن تاريخ وأيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ومن ثم أقوم بتقييم النموذجين الموجودين لفهم هذا الحشد السريع للتنظيم ومن أين أتي

  1. أدبيات الإسلام السياسي والتي كتبها علماء السياسة ومتخصصون في هذا المجال.
  2. براهين بناء الفرصة السياسية في أدبيات الحركة الاجتماعية.

ثم إنني بعد ذلك أقوم بفحص بيانات جديدة قامت بكشفها وزارة الخارجية الأمريكية عن هذه الفترة في مصر والقول بأن نظرية الحركة الاجتماعية يجب أن توسع فهمها للأيديولوجية في الوقوع على سبب هذا الحشد السريع للإخوان المسلمين في هذه الفترة ووضعها تحت الدراسة.

هذه الوثائق تضم تقارير عملاء ومذكرات داخلية وترجمات لصحف وبلاغات رسمية صنفتها وزارة الخارجية الأمريكية كوثائق سرية أو غاية في السرية ولكنها الآن متاحة لدى الجميع.

يركز تحليلي على اثنين من البراهين النظرية المهمة، أما الأول فيركز على التداخل بين المفهوم الفكري للإخوان من ناحية وبين تنظيم الجماعة ونشاطاتها وحياة الشعب المصري من ناحية أخرى.

فهذه الدراسة تقترح أن فهمنا القائم لدور أفكار الجماعات الاجتماعية يجب أن يكون عميقا لإدراك الطرق التي اعتمد عليها الحشد من خلال التداخل بين الأفكار.

ثانيا، الفكرة التي يقترحها الإخوان المسلمون هي أن فهمنا للعلاقة بين الحشد والقمع يجب أن تتوسع في تركيزها لتشتمل على عمليات داخل التنظيمات والتي تمكنهم من مقاومة جهود القمع التي تبذلها الدولة.

الإخوان المسلمين: بعض الخلفيات

خلفية تاريخية

الإمام البنا في حديث الثلاثاء

تأسست جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا وقد كان مدرسا في مدرسة وكان إلى جانبه ستة من العمال المصريين في قناة السويس في مدينة الإسماعيلية في مارس 1928.

وقد كانت الجماعة واحدة من الجماعات الإسلامية التي قادها البنا ولا تختلف أصولها عن العديد من الجماعات التي كانت موجودة في هذا الوقت.

وقد ظلت الجماعة صغيرة في أول ثلاث سنوات، ولكن العبقري حسن البنا قد ركز على نشاطات بناء العضوية بشكل كبير في الإسماعيلية وحولها.

وبحلول العام 1932 قرر البنا أن الجماعة لن تمتد أكثر من هذا إلا بنقل مركزها إلى القاهرة، وقد أنجزت الجماعة هذا الانتقال من خلال عمل جمعية إسلامية مقرها القاهرة يترأسها أخو حسن البنا.

وبعد عام من التواجد في القاهرة بدأت الجماعة في نشر خطاباتها الإخبارية الأسبوعية وقامت بعقد أول مؤتمر عام لأعضائها.

وفي غضون ذلك، بدأت العضوية داخل الجماعة تتزايد بشكل دراماتيكي، وبحلول العام 1930 كان لديها خمسة مكاتب فرعية ثم وصل العدد إلى خمسة عشر عام 1932 ثم إلى ثلاثمائة عام 1938.

وبينما كانت الأعداد الحقيقية للأعضاء غير معروفة، فإن الثلاثمائة فرع قد أعلنت ما بين 50.000 و 150.000 عضوا (ميتشيل 1969).

وخلال هذه السنوات الأولى كانت جماعة الإخوان المسلمين جماعة إصلاح سياسية ودينية وجمعية مساعدة تعاونية وقد كرست كل ما بوسعها لتوظيف العضوية والمناقشات الخاصة للإصلاح الأخلاقي والديني وبناء منظمة خدمات اجتماعية.

وقد بدأت نشاطاتها تتخذ شكلا سياسيا في أواخر الثلاثينيات، وقد كان من أهم أسباب هذا التغيير هو الثورة العربية العامة في فلسطين، فقد قدمت الجمعية دعما كبيرا للثورة وعملت على إيجاد تعاطف مصري وقامت بجمع الأموال لدعم جهود الثورة وفي الوقت نفسه أصبحت خطاباتها الإخبارية أكثر انتقادا للنظام السياسي القائم في مصر وللسيطرة البريطانية الاستعمارية على البلاد بشكل خاص.

وبشكل رسمي دخلت الجماعة إلى الميدان السياسي عندما قامت بالإعلان عن مرشحيها للانتخابات البرلمانية عام 1941 ثم قامت الجماعة بعد ذلك بعمل مسيرات شعبية حاشدة ومظاهرات بشكل أكبر مطالبة بالإصلاح الاجتماعي والانسحاب الفوري للقوات البريطانية من مصر لذلك أمرت السلطات العسكرية البريطانية البنا بمغادرة مصر عام 1941.

وفي أكتوبر سجن البنا مع عدد من قادة الإخوان المسلمين ومنعت اجتماعات الجمعية بعد مسيرة عامة حاشدة نبذت جهود الحرب البريطانية.

غير أن هذه الإجراءات الرسمية لم تستمر طويلا؛ فقد انشغلت الحكومة بأحداث الحرب العالمية الثانية وليس بحركات الإصلاح الديني ومن ثم تواصلت اجتماعات الجماعة؛ حيث تم الإفراج عن قادتها وإخراجهم من السجون وتواصل تسجيل العضوية بشكل سريع.

وقد قدمت الجمعية العديد من النشرات خلال السنتين التاليتين وزادت من مسيراتها الشعبية المتواصلة. وقامت الجماعة بإنشاء ما عرف بعد ذلك باسم "الجهاز السري" وهو جناح سري شبه مسلح للجماعة ومن أهم مبادئه الأساسية حماية قادة الجماعة وأهداف الجمعية من خلال العنف السياسي.

وبحلول العام 1949، كان لدى الجماعة أكثر من 2000 فرع في مصر وما بين 300.000 إلى 600.000 عضو وبذلك أصبحت أكبر القوى تنظيما داخل الدولة.

زاد الاضطراب الشعبي في مصر بعد أحداث الحرب العالمية الثانية وكانت جماعة الإخوان المسلمين في مركز هذه الأحداث.

وفي العام 1947 اكتشفت الشرطة المصرية محزن كبيرا للسلاح تابعا للجماعة في ضواحي العاصمة وقاموا بإحباط تفجير عربة مفخخة ونتيجة لذلك تم حل الجماعة عام 1948 وتم سجن العديد من أعضائها لذلك قامت الجماعة باغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي – الرجل المسئول عن حل جماعة الإخوان المسلمين – انتقاما لهذه الاعتقالات.

وردا على ذلك قامت الشرطة المصرية بقتل حسن البنا مؤسس الجماعة وقائدها بعد شهرين من مقتل النقراشي.

ثم جاء من بعد حسن البنا المستشار حسن الهضيبي وقد كان عضوا من النخبة المصرية.

وبالرغم من أنه لم يكن في براعة من سبقه إلا أنه كان قائدا بارعا وأبقي الجماعة موحدة تقوم بوظيفتها بالرغم من النضال حول القيادة الداخلية وسَجن أكثر من أربعة آلاف من أعضائها والحل الرسمي لها من قبل الدولة.

وعلى كل حال فقد تحطم النظام القائم، وفي 23 يوليو 1952 قامت مجموعة صغيرة من الجيش المصري تعرف باسم "الضباط الأحرار" بإسقاط النظام.

وقد كان لهؤلاء الضباط الأحرار علاقة وثيقة بالإخوان المسلمين ولفترة قصيرة تمتعت الجمعية بعلاقات ودية مع القادة المصريين الجدد فقد قام النظام الجديد بالإفراج عن العديد من أعضاء التنظيم وأخرجهم من السجون وسمح لهم بالاستمرار في اجتذاب أعضاء جدد والقيام بنشاطاتهم الإعلامية، ثم ما لبث أن تزايد التوتر بين الجماعة والنظام الجديد بمجرد أن أحكم النظام قبضته على الدولة.

وفي 27 أكتوبر 1954 حاول عضو من جماعة الإخوان المسلمين اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر خلال إلقائه خطابا عاما فكان رد جمال عبد الناصر أن أعاد حل الجماعة واعتقل الآلاف من أعضائها وحكم على ستة من قادة الجماعة بالإعدام بينما عذب المئات وسجن آخرون خلال العقد التالي.

أيديولوجية الإخوان المسلمين

إن الرؤية الأساسية للإخوان المسلمين تمتد جذورها للمدرسة الحنبلية وهي واحدة من المدارس الأربعة لفهم الشريعة الإسلامية وتفسيرها وهي المدرسة الأكثر محافظة من خلال الإصرار على قراءة القرآن والنصوص الأخرى.

كما أن الاعتبارات الأولى لدى الإخوان المسلمين تركزت على سيطرة القوى الأجنبية على مصر والفقر الذي أصاب الشعب المصري والانحدار الأخلاقي الذي تطبعت به الحياة في مصر وحياة أفرادها.

وقد كان الحل لهذه المشكلات وغيرها متمثلا في اعتناق تعاليم الإسلام وفهم أن جميع المسلمين يتألفون من مجتمع واحد وعليهم أن يعملوا معا لمقاومة التدخلات الفاسدة من قبل القوى الغربية.

وبهذا الصدد فإن أيديولوجية الجماعة هي تراث العالم الإسلامي المشهور جمال الدين الأفغاني والذي كان مؤيدا لفكرة الاتحاد الإسلامي (هاريس 1964، ص 161)

كما أن الحاجة للتخلص من السيطرة الاستعمارية غير الأخلاقية من قبل الغرب من خلال تبني طريقا إسلامية شكلت قاعدة أساسية للإخوان المسلمين وقد كانت الجماعة غامضة بقدر المستطاع خلال تطبيقها هذه الرؤية لتحديد قضايا أو ترجمتها إلى اقتراحات سياسة متماسكة.

وقد طالبوا بدولة إسلامية وقالوا أن الإسلام الحقيقي ديمقراطي في حقيقته وقادر على حل مشكلات العالم الحديث.

ومن خلال خطابات شعبية طالبت الجماعة ببعض الأشياء من ضمنها تقوية الجيش وزيادة الروابط المصرية بباقي الدول العربية وزيادة المستشفيات والعيادات وتحريم الربا وتحسين ظروف العمل لكل من العاملين في الزراعة والصناعة ووضع جد أدني للأجور والتدخل الحكومي للتخلص من البطالة.

ولم تكن أفكار الجماعة محصورة في تحديد لمشكلات السياسية والاجتماعية الممتدة ومعالجتها.

وقد كان التيار القوى لأيديولوجية الإخوان المسلمين خلال هذه الفترة متمثلا في العلاقة بين مثل هذه المشكلات الكبيرة وبين الطريقة التي يعيشها المسلم العادي في حياته اليومية، فهم يرجحون أن الناس قد ابتعدوا عن الإسلام وأن تزايد النهج العلماني لحياتهم قادهم إلى الفسق والفقر وسيطرة الغرب عليهم.

ولإحراز تغير ملموس قامت الجماعة بتأييد تدخل الدولة كمراقب أخلاقي على ما ينشر في التليفزيون والراديو وما يتم طبعه وكذلك المناهج التعليمية الدينية في المدارس وتشجيع دراسة التاريخ الإسلامي واستخدام اللغة العربية وحفظ القرآن وزيادة المراقبة على موظفي الحكومة والتشجيع على الزواج الرسمي.

كما أنهم يؤمنون بمعايير صارمة للسلوك الفردي ومن ذلك الممارسة المتزمتة والابتعاد عن الخمر والميسر والرقص وحضور المسارح والأفلام وكذلك منع الأزياء الأجنبية والدعارة والزنا.

ولذلك فإن أيديولوجية الإخوان المسلمين تنبع من أفكار دينية إسلامية وتتعرض لعدد كبير من المشكلات في مصر خلال هذه الفترة التي يتم فيها عملية علمنة مصر والفرد المصري.

عمل الإخوان المسلمين

الإسلام السياسي

ليس هناك دراسة قائمة للإخوان المسلمين تقوم بشكل مباشر بمخاطبة السؤال المستتر خلف التحليل القائم: كيف استطاع الإخوان المسلمون حشد العديد من المصريين خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات؟ فعلماء السياسية وباحثوا الشرق الأوسط قد كانوا واعيين بشكل متحمس للنمو العام والمتزايد للجماعات الإسلامية في مصر وفي أي مكان آخر في المنطقة، على الأقل منذ بداية السبعينيات.

ويقدم بعض هذا العمل تفسيرات حساسة جدا من الناحية التاريخية لجماعات وسياقات محددة (علي سبيل المثال إيكلمان وبيسكاتوري 1996) ولم تقم مثل هذه الأعمال بتقديم أدوات أكثر شمولية لفهم هذه القضية المحددة.

ومعظم هذه الأدبيات قد كرست لفهم الإسلام السياسي وقدمت عددا من التفسيرات المحتملة لظهور الجماعة كإخوان مسلمين.

وواحدة من أكثر هذه القيم المقبولة تعتمد على تحليل إيميل دوركايم للتغيير الاجتماعي والشذوذ.

فجماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين ترى على أنها تقدم تأكيدا للمعتقدات المتعارف عليها ومخرجا لهذا الإحباط من قبل شذوذ الظروف الاجتماعية الذي حل بالتزايد السريع لأعداد السكان والتمدن والتصنيع (كيبيل 1993 وأرجمند 1948 وجيلنر 1964 إلى 1985).

وهناك تفسيرات مشابهة تركز على التنوع في التوترات التي أصابت المجتمع خلال هذه الفترة وقامت بتحويل التركيز الإيضاحي من الشذوذ الذي أوجد بسبب مثل هذا التغيير إلى التوتر الذي ظهر بين العالم الحديث والمعتقدات المتعارف عليها (سملسر 1963).

أما في حالة الإخوان المسلمين فإن المناقشات حول قيود الحداثة وخاصة ما يسمي التفرنج (تقليد الغرب) قد قاد إلى مشكلات يعتقد البعض بأن حلها في الرجوع إلى تعاليم الإسلام فضلا عن الوسائل التأسيسية العادية (كاظمي 1984 ودسوقي 1982).

ويرى ماركسي مختلف أن الطبقات المعتادة تطرح جانبا من قبل عملية الحداثة كما تقول مصادر الجماعات الإسلامية (سيفان 1990) بينما لا يزال البعض يرى السيطرة والقوة الغربية هي مصدر هذا التوتر (أيوبي 1980 ووردينبيرج 1985).

وفي النهاية فإن بعض الباحثين يفهمون الإسلام السياسي من خلال مفهوم الحرمان النسبي (جور 1970).

وقد كان هذا النموذج بمثابة نقطة بداية للوشن فاندن بروكي (1983) في هذا التفسير للجماعات المتطرفة في مصر ولكن هناك أعمال تم مواصلتها مؤخرا لاستخدام مفهوم الحرمان النسبي (كاساندرا 1995 وإدجار1987).

وهناك بالطبع بعض الأدلة على هذه الأنواع من التفسيرات.

وخلال فترة الدراسة شهد المجتمع المصري حداثة سريعة وتمدنا.

والأكثر أهمية لنظريات الشذوذ فإن الجماعة قامت بسحب قوتها من المناطق المدنية وخاصة سكان القاهرة ومدن الدلتا.

فالمعلومات المبعثرة عن أعضاء الإخوان المسلمين تقول بأن آخر المهاجرين وأبناء المهاجرين يشكلون الدعم للجمعية (إبراهيم 1982 وأيوبي 1980).

ثم إن فحصا دقيقا للجماعة حول الأدلة التجريبية تعارض هذه التفسيرات.

وباعتبار معدل التمدن في مصر في هذه الفترة، فلو أن نظريات الشذوذ أو التوتر كانت ملائمة لدراسة الإخوان المسلمين، فإننا يمكن أن نتوقع أن فترة الشعبية القصوى للجماعة تتوافق مع أسرع معدل للتمدن في البلاد بينما يمكننا أيضا أن نتحسس التوتر والتفكك الاجتماعي.

جدول 1: زيادة معدل التمدن في مصر

19071927

9.7%

19271947

5.3%

19471966

6.5%

19661986

4.0 %

المصدر: CAPMS 1991.

كما أن البحث القائم حول الشبكات الاجتماعية المدنية في مصر خلال الفترة بين 1932 و 1954 قد رسمت نفس الصورة.

ومن خلال نظرية الشذوذ فإنه يمكننا توقع أن جماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين يمكنها أن تكتسب عضوية من هؤلاء من خلال العلاقات الشخصية والمؤسساتية.

وبينما كانت الجماعة تقوم باجتذاب أعضاء من المهاجرين المتمدنين الجدد، فإن معظم هؤلاء المتمدنين الجدد كانوا جزءا من القرى المتمدنة داخل المدينة والتي كان لديها شبكة قوية من العلاقات الاجتماعية (فاندن بروكي 1983).

وبالنظر إلى الجماعات الإسلامية على وجه الخصوص فإن سعيد أمير أرجمند (1984) قد وجد أن الأعضاء هم من بين أكثر الأشخاص اتصالا بالمجتمع.

أما تحليل Guilain Denoeux (1993) للشبكة الاجتماعية المدنية في مصر فإنه يظهر أن عملية الحداثة قامت بتحويل الشبكات القائمة وأوجدت شبكات جديدة في المنطقة.

ولا يخفي أن الشبكات الاجتماعية كانت عنصرا أساسيا في الاستقرار السياسي للشرق الأوسط، على الأقل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهناك ضمان مهم لنموذج التوتر وهو بالتحديد أن الطبقات الاجتماعية القديمة والتقليدية يجب أن تشكل الدعم الأولي لجماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين فهذه الطبقات قد عانت من التفرنج وواجهت أعظم تهديد من قبل الحداثة.

وهناك دليل متاح حول سمات العضوية للجماعة والتي توضح الأمثلة المتعارضة. ويبين الجدول رقم (2) توزيع المناصب بين أعضاء الإخوان المسلمين الذين حوكموا لجرائم أو كانوا مطلوبين من قبل الشرطة في عام 1954، كما قمت بحصرهم من تقارير وزارة الخارجية الأمريكية.

كان الدعم يأتي من أكثر الطبقات التي أصابها التفرنج والحداثة من السكان والطلاب والمهندسين والأطباء وبيروقراطيو الحكومة.

جدول 2: مناصب المعروفين من أعضاء الإخوان المسلمين عام 1954

الطلاب

61

موظفو الحكومة

30

المدرسين

18

مدراء القطاع الخاص

15

رجال أعمال صغيرين

12

مهنيين

10

عمال

9

ضباط الجيش والشرطة

4

التجار والحرفيين

3

الفلاحين

2

رجال الدين

1

وآخرون (أغلبهم ليس له وظيفة)

14

المصدر: ميتشيل 1969، USDS 1959، #35 و #140.

وقد تم إثبات هذا النموذج بدليل من قبل المجلس الاستشاري لجماعة الإخوان المسلمين. ومن بين 1.950 عضوا عام 1953 كان هناك 22 عضوا فقط لم يكونوا من طبقة الأفندية أو من الطبقة الأوروبية الحديثة (أيوبي 1980).

وبينما لا توجد البيانات السكانية النهائية للعضوية، ويمكننا فقط أن نظهر أسئلة عن صفة هؤلاء الأعضاء فإن الدليل المتاح لا يمكن أن يدعم نموذج التوتر.

وتعد براهين الحرمان النسبي غير وافية، فتفسير الحرمان النسبي هو أمر رائج لأنه يتطرق إلى المعتقدات العامة حول مشكلات التنمية في مجتمعات العالم الثالث.

أما الدليل الذي يتعلق بحالة كحالة مصر خلال هذه الفترة فإنه لا يقدم دعما تجريبيا قويا لهذا النموذج.

فالجدول الثالث يبين أن الإنتاج الاقتصادي ينموا بمعدل أكبر من معدل النمو السكاني في هذه الفترة، ولذلك لم يكن هناك فجوة ضرورية بين آمال الشعب والمجتمع أو قدرة الدولة لتحقيقها.

ومن الصعب أيضا إدراك الاختلاف بين الإحصاءات بين عامي 1939 و1955، وهي الفترة التي بلغت فيها شعبية الإخوان الذروة، وإحصائيات الفترات التي سبقتها وتبعتها.

جدول 3: النمو الاقتصادي والسكان في مصر، 19291973

عناصر الجدول 19291939 19391955 19591964 19641973
نمو السكان 1.2% 2.1% 2.6% 2.4%
نمو الناتج القومي 1.5% 2.5% 6.1% 3.5%
زيادة الدخل القومي 1.0% 3.5% 6.7% 3.5%

المصدر: حسن، 1991.

أما الجدول الرابع فيقدم سجلات (Kuznet K) لمصر خلال فترات مختلفة. أما (Kuznet K) فهو مؤشر حاسم لتقسيم الدخل؛ فالمعدل الأقل يمثل إنصافا أكثر في توزيع الأموال.

وباستخدام أطروحة الحرمان النسبي يمكن أن نتوقع أن الفترة بين عامي 1930 و1950 كان بها أعلى معدلات عن غيرها من الفترات.

وتشير البيانات إلى أن التفاوت بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء في المجتمع لم تتغير في هذه الفترة، كما أنها لم تقدم أي أساس لتغييرات افتراضية في الشعور بالحرمان النسبي.

وهي الفترة التي تشكلت فيها الجماعة من مهندسين وأطباء وآخرين وقد كانوا من أعلى الطبقات المطلوبة في مصر (تدريب المزيد من الأطباء كان هدفا لجماعة الإخوان المسلمين)، ولذلك فمن غير المحتمل أنهم كانوا يشعرون بالحرمان النسبي.

جدول 4: توزيع الدخل في مصر (Kuznet K Scores)

1927

غير متاح

1935

2.37

1950

2.59

1960

3.07

1970

3%

المصدر: حسين، 1991.

ووفقا للدليل التجريبي فإن هذه النماذج المختلفة لتفسير جماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين ليست مرضية، لأن هذه النماذج تعاني من نقطتين ضعف نظريتين.

أولا، لا يمكنهم شرح ظهور تنظيم الحركة الاجتماعية علي وجه الخصوص. فنظرية التغيير الاجتماعي السريع أو الإخفاق يمكن الاعتبار بها في فترة من فترات التاريخ، ولكنها لا تعلمنا بشكل فعال كيف يمكن لجماعة بعينها أن تكتسب شعبية كبيرة بينما لا تستطيع بقية الجماعات أن تفعل ذلك.

فعلى سبيل المثال، لماذا استطاع الإخوان المسلمون أن يجذبوا العديد من الأعضاء بنجاح بينما لم يستطع الشيوعيون فعل ذلك؟ لماذا ظهرت جماعة برسالة إسلامية بشكل أفضل من تنظيم له أيديولوجية قومية عربية؟ لماذا نجح الإخوان المسلمون بالخصوص فضلا عن وجود عشرات من الجمعيات الدينية الإصلاحية الموجودة في مصر في الفترة بين العشرينيات والثلاثينيات؟

ثانيا، أن هذه المواقف لا تخضع لاختبار أو برهان جاد. وبسبب التوتر والشذوذ والحرمان النسبي ترتبط في النهاية بالتغيير الاجتماعي للحالات النفسية الداخلية للأفراد فهناك عدد غير محصور من قصص يمكنها أن تشرح التغييرات في هذه الحالات النفسية.

وبطريقة أخرى فإن هذه المواقف من المستحيل دحضها من الداخل وبينما لا يدعم الدليل أكثر المقتضيات وضوحا لهذه الرؤى فإن عدد البدائل المتاحة يحدد الاستغلال التحليلي للنماذج.

بناء الفرصة السياسية

وبينما كان العمل حول الإسلام السياسي له صعوبات حيال الإجابة عن كيفية مقدرة الإخوان المسلمين على الحشد مع بداية الثلاثينيات، فإن مفهوم بناء الفرصة السياسية في جهود نظرية الحركة الاجتماعية يمثل تفسيرا بديلا محتملا.فقد كانت الأدبيات هي نقطة البداية لتحول كبير في دراسات الحركة الاجتماعية خلال العقدين الماضيين.

وبينما كانت تفسيرات دورکیم عن الإسلام السياسي تمثل الفهم القوي للمتخصصين حول الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط فإن الفرصة السياسية هي المفهوم المسيطر لفهم الحركات الاجتماعية في علم الاجتماع الحالي. فالحجة الأساسية لبناء الفرصة السياسية تركز على العلاقة بين الحركة الاجتماعية وبيئتها وخاصة بيئتها السياسية.

فهذا النموذج يقترح أن الحشد يتم في ظل ظروف سياسية جيدة (جينكينز و بيرو 1977، ماك آدم 1982) كما تركز على العلاقة بين الحركات الاجتماعية والمؤسسات السياسية لفهم حشد الحركة.

هل يمكن لنموذج بناء الفرصة السياسية أن يجيب على السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة؟ نظريا، لدي بعض الأسباب تقول بأن هذا ممكن ويقول هانس بيتر كريسي وزملاؤه (1995) بأن المفهوم الأساسي يتناسب مع العديد من الأنواع المختلفة من الأحداث الجماعية قائلا أن أشكال نشاط الحركة الاجتماعية تعتمد تباعا على الميدان السياسي.

ويوضحGrzorgorz Ekiert (1996) كيف يمكن أن يكون هذا مفيدا لفهم حركات الدمقرطة في شرق أوروبا في الثمانينيات وهي حركات نشأت في ظروف مشابهة في بعض الأحيان لهذه التي واجهها الإخوان المسلمون في مصر بين عامي 1932 و1954.

وفي سبيل تقييم وجهة النظر التجريبية في حالة الجماعة فمن الضروري أن نظهر قليل من العناية بالوضع السياسي والاجتماعي الذي قامت الجماعة بالحشد في ظله.

وقد ركزت براهين بناء الفرصة السياسية القائمة على أربعة أبعاد لبناء الفرصة السياسية: نبذ عنف الدولة وزيادة القدرة السياسية والاقتسام بين النخب والتحالفات المسيطرة (ماك آدم وماك كارثي وزالد 1996 وتارو 1998).

أما في قضية الإخوان المسلمين فإنه يمكن إزالة هذه الأبعاد بسرعة فقد زاد قمع الدولة لها في الفترة التي كانت تنمو فيها بشكل سريع كما أنه لم يسمح لها بالدخول لأي نظام سياسي خلال هذه الفترة إلا في أشهر قليلة بعد ثورة الضباط الأحرار.

وقد كانت جماعة الإخوان المسلمين جماعة شعبية لم تستجلب دعما قليلا أو صريحا من أي من النخب وليس هناك دليل على أنه تم دعمها من قبل تحالفات قوية من خارج مصر أو داخلها.

ولأن حالة الإخوان المسلمين مختلفة تماما عن تلك التي تناولها أغلب باحثو الحركات الاجتماعية، فأنه ليس من العدل رفض نموذج بناء الفرصة السياسية على أساس هذه الاعتبارات التي تم تعريفها بوضوح فقط.

وفي المقابل، فإنني أقول بأن الأبعاد الجوهرية لبناء الفرصة السياسية تتناسب في هذه الحالة على وجه الخصوص. وهناك ثلاث نقاط مهمة في التاريخ السياسي المصري تثير التساؤل خلال هذه الفترة:

  1. دور بريطانيا في الحياة السياسية في مصر،
  2. سقوط شعبية حزب الوفد،
  3. الصراع الأيديولوجي حول وجود إسرائيل.

أولا: دور بريطانيا في الحياة السياسية في مصر.

في البداية قامت بريطانيا باحتلال مصر عام 1928 وقامت بإرسال جنودها إلى مصر بانتظام منذ هذا الوقت وحتى خروجها من مصر عام 1954.

وبينما استمر الملك المستقل بشكل اسمي والبرلمان والحكومة والجيش كانت مصر تحكم بشكل كلي من قبل بريطانيا من خلال مندوبها السامي إلى مصر ومستشاريها في المناصب الحساسة داخل الحكومة المصرية وسلطتها داخل الجيش المصري.

وقد كان الصراع مع بريطانيا نقطة محورية للسياسات المصرية بين الحربين العالميتين وازداد الاستياء المصري من الوجود البريطاني خلال هذه الفترة (ياب 1991).

وقد كانت هذه هي القضية المركزية التي دارت حولها المناقشات السياسية المصرية ومناقشات البرلمان وبرامج الأحزاب السياسية خلال هذه الفترة.

ثانيا: سقوط شعبية حزب الوفد.

وقد كان حزب الوفد يرد بشكل مباشر على السيطرة البريطانية على مصر ويزيد من محاولة إرسال وفد مصري إلى مفاوضات السلام التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

وقد تم إنشاء الحزب من قبل أعضاء من النخبة السياسية الذين استطاعوا أن يجمعوا أبناء الريف ويشكلوا منهم قوة تدعمهم.

وكممثل لصوت القومية في مصر أصبح حزب الوفد من أكبر القوى السياسية الشعبية في مصر وبشكل سريع استطاع أن يحصد 90% من مقاعد البرلمان في انتخابات عام 1924.

وبالرغم من هذا الدعم الكبير لهم فإن القمع والتزوير قد أخرجوهما من السلطة خلال العقدين التاليين.

وخلال الحرب العالمية الثانية قاموا بتشكيل حكومة تحت وصاية بريطانيا وتعاونت معها حتى نهاية الحرب. وقد قامت هذه الإمدادات لبريطانيا بإنهاء الدعم الشعبي لحزب الوفد (فاتيكيوتس 1991) تاركة السياسات المصرية بدون حزب أو قائد سياسي شرعي.

ثالثا: الصراع حول إقامة دولة إسرائيل.

وقد تسبب شراء الأراضي الفلسطينية من قبل الصهاينة والهجرة إليها خلال هذه الفترة التي تجري حولها الدراسة في إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، والعديد من العرب في مصر والشرق الأوسط قالوا أن إسرائيل بمثابة كيان غربي في المنطقة (هوبوود 1985).

وقد قوي هذا التفسير بتنمية أيديولوجية القومية العربية وبروز قادة القومية العربية خلال هذه الفترة: ارتبطت القومية العربية بأزمة الفلسطينيين من خلال العرب الموجودين في مصر وفي كل مكان آخر في المنطقة.

وقام المصريون بالتنظيم لدعم الثورة العربية العامة في فلسطين عام 1936 وصاحبت كتائب المتطوعين قوات الجيش المصري للمنطقة في حرب 1948.

فهزيمة العرب في حرب 1948 قامت بإيجاد معارضة قوية لإسرائيل إلى جانب معارضة الأنظمة العربية التي فشلت في سحق إسرائيل.

وبينما لم تلمس الحياة اليومية لأغلب المصريين حتى حرب 1967، إلا أن قضية فلسطين كانت مهمة خلال هذه الفترة.

فهناك العديد من الطرق التي من خلالها تقوم التطورات السياسية بدعم فهم بناء الفرصة السياسية لصعود الإخوان المسلمين.

وهناك تساؤل بسيط أن هذه الأحداث السياسية الرئيسية خلال هذه الفترة قد أوجدت نافذة لفرصة الحشد للجماعة. وبطريقة أيديولوجية، فقد أوجد استمرار الاحتلال البريطاني لمصر بعد نهاية الحرب العالمية الأولي هدفا ممكنا يمكن من خلاله التركيز على استياء الشعب.

وعندما أصبحت الجماعة سياسية في أواخر الثلاثينيات كان معظم ذمها، من خلال خطاباتها الإخبارية وخطابات قادتها، موجها إلى بريطانيا (كيبيل 1993 ووينديل 1978) لذلك كانت بريطانيا هي أول من يحاول قمع الجماعة.

وعندما قدمت بريطانيا هدفا أوليا، كان فشل الوفد والنضال المكثف في فلسطين مما دعم الانفتاح في البيئة السياسية والتي ساعدت الجماعة على مؤازرة تعبئتها السريعة.

وقد أدى سقوط حزب الوفد إلى إحداث فراغ أيديولوجي قامت جماعة الإخوان المسلمين بالمسارعة إلى سده.

أما من الناحية السياسية فقد أدي سقوط الوفد إلى إحداث حالة من الفوضى وفتح الباب أمام منافسين جدد، فبيع الأراضي الفلسطينية للصهاينة ثم إقامة دولة إسرائيل كان بمثابة موضوع عملي حول من يمكنه تجميع برامج ملموسة مثل تجميع الأموال لمساعدة ثورة الفلسطينيين وجمع الأطعمة لجهود الحرب وكذلك المد بالمتطوعين للقتال في فلسطين.

ومثل هذه الجهود قد ساعدت في التركيز على نشاطات الجماعة وأضفت كذلك موافقة سياسية على شرعية عملها.

وهذه الأبعاد لبناء الفرصة السياسية في مصر تعد جزءا مهما من قصة الحشد لدى الإخوان المسلمين.

وليس من الواضح أنهم يستطيعون شرح حشد الجماعة حيث أن هناك عناصر أخرى في الإطار السياسي المصري العريض تعمل ضد الإخوان المسلمين.

وعلى سبيل المثال، فالنظام السياسي المصري الذي حشد الناس في الماضي كان معتمدا على نظام حكومة مؤيدة ونخبة تمتلك الأرض، وبنهاية الحرب العالمية الأولى كانت جميع الأراضي الصالحة للزراعة في مصر مملوكة لما يقرب من 20.000 مالك فقط (مارسوت 1985).

أما بالنسبة للإخوان المسلمين فقد أنشأها رجل ليس له اتصالات بالنخبة إلى جانبه حفنة من العمال غير المتعلمين.

وقد كان الحشد لدى الجماعة في المدن ولم تهتم بالمناطق الريفية حيث كانت سيطرة القوى السياسية الأخرى المنافسة أكبر منها هناك.

وكما سبق أن شرحت بشيء من التفصيل، فقد انتشرت الجماعة في بادئ الأمر في منطقة الدلتا وهي المنطقة الأكثر سكانا في مصر ثم بعد ذلك انتقلت إلى القاهرة ومراكز أخرى مدنية في صعيد مصر.

وقد كان للإخوان المسلمين عدد قليل من المتحالفين معها من خارج مصر؛ فالقومية العربية بمشاعرها التي لا تعول على الدين كانت القوى الأيديولوجية السياسية الأكثر نموا في كل مكان في الشرق الأوسط لذلك فلم تجد جماعة الإخوان المسلمين، المعتمدة علي الدين، سوى القليل من المساعدة من الدول العربية المجاورة.

وتوضح رسائل وزارة الخارجية الأمريكية أن الأنظمة المحافظة في دول الخليج العربي بدأت بعمل علاقات مع الجماعة بعد عام 1954.

وبينما قام الإخوان بجعل معارضة الصهيونية أولوية أيديولوجية فقد وجهت معظم جهودهم التنظيمية والتعبوية لتتجه أكثر إلى المشكلات المحلية والعملية التي تواجه الأفراد في مدن مصر.

وقد ركزت الجماعة مواردها بشكل كبير على بناء المساجد والمدارس والعيادات وبرامج الشباب وأنواعا أخرى من الأساسيات الاجتماعية ولم تركز على محاربة إنشاء دولة إسرائيل.

وعلاوة على ذلك فإننا نحتاج أن نضيف إلى موقف بناء الفرصة السياسية لأن مثل هذه الأدبيات حول الإسلام السياسي تقول بأن المفهوم غير قادر على تفسير، لماذا جماعة الإخوان المسلمين بالتحديد التي استطاعت أن تجمع هذا الحشد بشكل سريع وليس أي جماعة أخري خلال الفترة التي تجري حولها الدراسة.

إن فهم البيئة السياسية في مصر يساعدنا في معرفة كيف كان عامل الوقت مهما في نشاط الحركة الاجتماعية في هذه الفترة. ولكن لماذا تطورت جمعية الإصلاح الديني أكثر من الحزب الاشتراكي؟

في الحقيقة، قدم الاشتراكيون شيئا مختلفا. وبطريقة ما، أصبح وضع الحركة الاشتراكية مشابها لوضع الإخوان المسلمين:

فكلاهما قد مضي في أوجه التعاون والصراع مع النظام الحاكم وكلاهما روج لأيديولوجية تقدم رؤية جديدة للمجتمع المصري وسياساته وكلاهما قام بجذب أغلبية أعضائه من نفس طبقات المجتمع (الطبقة الوسطي والمهنيين والمفكرين والطلاب ومسئولو الحكومة) وبالرغم من ذلك فقد جربت كلا من الجماعتين مستويات مختلفة من النجاح.

وبينما وصل عدد أعضاء الإخوان المسلمين إلى مئات الآلاف لم يكن عدد أعضاء الجماعات الشيوعية قد وصل إلى عدة مئات.

وفي الحقيقة لم تحصل الحركة الشيوعية على أكثر من ألفين أو ثلاثة آلاف مؤيد لها وهذا العدد هو تقريبا عدد مكاتب الإخوان في مصر في العام 1949. وهذه النتائج المختلفة كانت ترجع بشكل كبير إلى العلاقة بين الأفكار وبين الجماعتين المختلفتين.

الأفكار التي يتم العمل بها في جماعة الإخوان المسلمين

إن فهم الحشد لدى الإخوان المسلمين يتطلب التركيز على الفرص السياسية الفريدة في مصر خلال هذه الفترة ولكنه يتطلب التركيز علي المزيد أيضا.

إنني أقترح أن سر الحشد للجماعة، إضافة إلى وجود بعض الفرص السياسية الملائمة، كان يتمثل في العلاقة بين الأفكار والأيديولوجية من ناحية وبين بناء التنظيم ونشاطاته وعلاقته بالحياة اليومية للشعب المصري من ناحية أخرى.

موارد التنظيم

هناك دراسات تاريخية كشفت عنها وزارة الخارجية الأمريكية تقدم صورة واضحة لبناء الإخوان المسلمين خلال هذه الفترة.

كما أن واحدة من أهم المظاهر التنظيمية الأساسية للجمعية كان بناؤها المتحد؛ حيث تعمل المكاتب الفرعية في المدن والقرى المصرية متحدة مع مراكز القيادة المركزية في القاهرة.

فنظام الشعب قد شكل بناء أساسيا لجماعة الإخوان المسلمين من أول يوم أسست فيه وقد أبدى الأعضاء طاعة عمياء لشعبتهم بالإضافة إلى التنظيم ككل، كما يلعب قائد الشعبة دورا حرجا حيث يعمل كحلقة وصل بين العامة من الأعضاء والقيادة المركزية.

وفي حالة القمع من قبل الدولة يكون هناك تعاونا واتصالا داخل الجماعة بين المكاتب الفرعية.

وزيادة على هذا النظام الاتحادي فإن هناك ثلاثة مراحل للعضوية. وبعد المؤتمر العام الثالث للجماعة عام 1935 قاموا بتقسيم العضوية إلى ثلاثة أقسام وفقا لالتزام العضو.

فالصف الأول يتألف من أولئك الذين يسمون "مساعدون" وهم مطالبون بتوقيع بطاقة عضوية وملتزمون بدفع اشتراك أما الصف الثاني فهؤلاء الذين يسمون "منتسبون" وهم أعضاء مطالبون بتوضيح مبادئ الجماعة ويقومون بعقد اجتماعات بشكل منتظم ويقسمون بالطاعة أما الصف الثالث فهم "العاملون" وهم من يوهبون حياتهم للتنظيم ممن برعوا في التعاليم القرآنية وإقامة جميع الالتزامات الإسلامية ويقومون بالرياضة البدنية بشكل منتظم (ميتشيل 1969).

ويقدم التواصل الكبير للعمل الواضح للحركات الاجتماعية الأدوات الأساسية للتفكير في كيفية مساهمة هذه التراكيب التنظيمية في النمو المذهل للإخوان المسلمين.

وقد ناقش كل من جون ماك كارثي وماير زالد (1977) مزايا البناء التنظيمي الاتحادي في صياغتهم الأصلية لمورد وجهة نظر الحشد، مركزين بشكل كبير على جماعات حقوق الإنسان الأمريكية في الستينيات.

وقد ضم مارك ليكباتش (1994) البناء التنظيمي الاتحادي وجعله واحدا من الأساليب العديدة للتغلب على المشكلات المالية التي تواجه جماعات المعارضة.

وكذلك أكد ماك آدم وزملائه (1996) على أهمية "تركيبات التعبئة" المختلفة في نجاح الحركة الاجتماعية.

أما بالنسبة لمصر فإن دور البناء الاتحادي كان أكثر أهمية بسبب الطريقة التي كان يرتبط بها هذا البناء بأفكار التنظيم.

فالتحولات القطاعية السريعة والتي ترافقت مع الحداثة والاندماج في الاقتصاد العالمي قد أوجدت ظروفا مختلفة تماما واهتمامات بين المصريين في العقود الأولي من القرن العشرين.

فعلي سبيل المثال عمال الصناعة في شبرا الخيمة بالقاهرة كانوا ما بين قرويين مصريين عاديين أو حتى من سكان مدن وسط الدلتا وقد سمح لهم البناء الاتحادي للإخوان المسلمين بمناشدة التوجهات الضيقة للجماعات المختلفة والمناطق المختلفة في مصر.

وقد استغلت هذه النداءات للوصول إلى أقصي المزايا كما هو موجود في التقارير السرية لمعلومات وزارة الخارجية الأمريكية: أن الجزء الأكثر أهمية في محادثتنا يتصل بالأسلوب الذي تتبعه جماعة الإخوان في دعايتها في المناطق الريفية.

وسواء كان من خلال وثيقة مكتوبة أو من خلال كلام شفوي فإن طريق الإخوان في القضايا الحالية قد تم إرساله إلى جميع المراكز الريفية حيث تم شرحه لأربعة أو خمسة من القادة المتعلمين القادرين علي شرح القضية للآخرين والدفاع عنها عند الضرورة.

وهؤلاء القادة يتواصلون مع ما يقارب المائة من الإخوان ويقومون بإبلاغهم بالمعلومات. ثم تنتشر المعلومات بعد ذلك بشكل عشوائي بين الناس عن طريق كل من الإخوان وغير الإخوان.

ويقول أن هذه الآلية لنشر المعلومات هي طريقة فعالة جدا لأن المسافرين يمكنهم أن يجدوا من يسافرون إلي المحافظات. ولذلك فإن انتقال المعلومات لم يكن ليمثل مشكلة. (وزارة الخارجية الأمريكية 1954، 564).

وقد استغل الإخوان المسلمون هذا التنوع الموجود في أيديولوجيتها لجذب الناس بأشكال مختلفة. وفي بعض الأحيان كان هناك طرقا مختلفة لأناس مختلفين فقد كانوا بمثابة المكافحين للفقر في المناطق الريفية أو بمثابة صوت الديمقراطية داخل المناطق المدنية المتعلمة المجاورة.

وقد سهل بناؤها الاتحادي هذا النوع من الحنكة الأيديولوجية (إلى جانب استراتيجياتها التي تعمل من خلالها) وحتى ضواحي القاهرة كان لها مكاتبها المستقلة وبذلك استطاع الموالين من الأعضاء أن يقوموا بتقوية علاقاتهم بجيرانهم وبالاهتمامات المحلية للسكان، فالشبكات الاجتماعية التقليدية قد واصلت واندمجت في الأفرع الفردية للجماعة وبذلك تسمح للإخوان المسلمين بالحصول على تمرير خطوط اتصالاتها والتزامها والتي تطورت خارج التنظيم وهذا ما أوضحه تقرير وزارة الخارجية.

كما أن التنظيم احتاج لأن يتداول الكثير من العلاقات المختلفة داخل الدولة أكثر من تلك التي تركز عليها بقية التنظيمات والتي تقتصر على إيجاد الحركة الاجتماعية.وقد ساعد نظام الأفرع الإخوان المسلمين على مواصلة قوتها التنظيمية خلال فترات اضطهاد الدولة.

وقد أبقت الجمعية على بعض خطوط الاتصال والسيطرة مفتوحة للأفرع المختلفة في سبيل حماية التنظيم الأكبر من حملات القمع الحكومية الدورية ومداهمات الشرطة والاعتقالات الواسعة وتسلل بعض عناصر أمن الدولة وهي الأحداث التي تسببت في إزالة العديد من جماعات المعارضة في البلاد.

وهناك تقرير سري آخر لوزارة الخارجية الأمريكية يذكر براعة هذه الأفرع: "كوسيلة لمواصلة الترابط الوطني... فإن قائد مقاطعة بعينها يتم تثبيته من قبل القيادة العريضة لتنظيم الجماعة ككل...

وفي حال تم اقتلاع تنظيم المحافظة بالكامل في المحافظة القائدة من قبل الشرطة فإن القيادة القومية تنتقل إلى مقاطعة أخرى وفقا لنموذج مخطط. وبهذه الوسائل يأمل الإخوان المسلمون أن يقدروا على المواصلة بالرغم من قمع الحكومة (وزارة الخارجية الأمريكية، 261)

وهذا النظام يضمن للتنظيم بقاء هيكله ونشاطاته حتى وإن تم حله رسميا من قبل الدولة أو إن خضع لمراقبة متواصلة من قبل الشرطة أو جهود لتدميره.

وبينما يقول بعض الباحثين بأن العديد من التنظيمات قد دمرت من قبل المداهمات والاعتقالات في هذه الفترة فإن معطياتي تحمل دليلا على أن الإخوان المسلمين بقوا صامدين بنجاح بالرغم من الجهود القمعية من قبل السلطة.

قامت الحكومة بحل الجماعة في عام 1948، ولكن وزارة الخارجية الأمريكية تلقت تقارير عن اجتماعات كبيرة سرية تنظيمية للجماعة في المساجد وتوزيع المنشورات في هذا الوقت.

وبعد مرور ثلاث سنوات من حلها بشكل رسمي حافظت الجماعة على شكلها التنظيمي وقامت بعمل مظاهرة تضم أكثر من 3000 عضو في بداية العام 1951 وكذلك قامت بعمل مسيرات حاشدة منظمة بشكل جيد في جميع المكاتب الفرعية في مصر بعد يوم من حظر الجماعة في 1 مايو 1951 (وزارة الخارجية الأمريكية 1954، 2439).

وفي عام 1954 قامت الجماعة بالعمل مرة أخرى خلال عشرة أيام من موجة الاعتقالات الرئيسية التي تبعت حل جمال عبد الناصر لها وسجنه لقادتها وآلاف من أعضائها. وبحلول شهر يونيو كانت هناك تقارير تشير إلى انبعاث النشاطات العامة للجماعة من جديد.

ومن الواضح أن جماعة الإخوان المسلمين لم يتم تفكيكها من قبل جهود الحكومة فبنائها التنظيمي هو سر قدرتها على مقاومة محاولات الدولة لإزالتها وتعد هذه نقطة مهمة؛ لأنه بالنسبة لهم فإن تفسيرات الإسلام السياسي وبناء الفرصة السياسية لصعود الإخوان المسلمين تعتمد بشكل ما على الاعتقاد بأن التنظيم سريع الزوال يصعد ويهبط إثر التغيرات السكانية أو السياسية في مصر.

إن ضغوط الحداثة أو التغيير في الفرص السياسية تقدم جماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين ولكن المحن والبناء التنظيمي يختفي عندما تبذل الدولة قوة كافية من القمع وبمعني آخر فإن القوة العملية في كل الحالات تتمثل خارج الجماعة نفسها.

ويقترح دليلي أن التنظيم قد تحمل بشكل لا يصدق؛ فبنائها التنظيمي قدم وسائل للبقاء في حين وجود هجمات من قبل النظام.

لا يقدم بناء الإخوان المسلمين مزايا للجماعة بالطرق التقليدية من خلال نموذج حشد الموارد الأساسية فقط، ولكنه يقدم طريقا مهما يمكن من خلاله أن تساهم أفكار [الجماعة وأيديولوجيتها في نجاح الجماعة أيضا، ونحن نرى هذا واضحا في الرابط بين رسالة الجماعة وبنائها الاتحادي.

وكغيرها من تنظيمات الحركات الاجتماعية واجه الإخوان المسلمون مهمة حشد الدعم والموارد الفردية بمعتقدات مختلفة ومتنوعة ومستويات من المحفزات للعمل الجماعي.

وسوف يشارك القليل من الناس في مجتمع ما مثل هذا النظام الأيديولوجي لتنظيم محدد وبقي القليل يأتون إلى جمعيات تطوعية آملين في تغيير ظروفهم المعيشية من أجل الجماعة.

أما عن القضية المحددة التي تقع تحت الدراسة، فالإخوان المسلمين قد أنشئت على نحو فريد لتتألف من معتقدات اجتماعية متنوعة والتزامات وبذلك يمكنهم التغلب على هذه المشكلة.

كما أن واحدة من أهم الطرق التي يتناولها الإخوان المسلمين تتمثل في الأفكار الصعبة من خلال الصف الثالث من صفوف عضويتها وقد سمح هذا النظام للتنظيم أن يضم وبشكل سريع أعضاء جددا بمعتقدات مختلفة ومتنوعة ودرجات من الالتزام. كما أن الأعضاء الجدد لا يطلب منهم في الحال أن يبذلوا حياتهم في سبيل الأيديولوجية ونشاطات التنظيم ففي المستوى الأول لا يطلب من الأعضاء سوى أسمائهم واشتراك مادي بسيط للتنظيم.

وقد أوجد هذا المستوى عضوية قدمت موارد للجماعة وجماهير يميلون لأفكارها.أما كل من المستويين التاليين فيضاف إليهما مسئوليات أخرى – أيديولوجية ومادية – للعضوية.

كما قدم هذا عملية لربط المسافة بين حياة العضو الجديد المنتظمة وبين حياة التنظيم وعمل أيضا كحاجز؛ فالأعضاء المرشحين لمستويات رفيعة كانوا يعزلون عن هؤلاء الذين يفتقرون لنفس الالتزام للجماعة وكانوا كذلك أكثر رغبة في إثارة الشكوك حول أيديولوجيتها أو مناهجها.

وبذلك حافظت الصفوف على الاشتباه في معتقداتها وسط مجموعة من أعضائها مقوية العلاقة فيما بينهم وعلاقتهم بالتنظيم.وقد أتاحوا كذلك للتنظيم الانتفاع من دعم الأعضاء بسلسلة من الالتزام للجماعة.

وبشكل أكثر نظرية فإن الدرس هنا هو أن البناء التنظيمي وأيديولوجية الحركة متشابكة بطرق مهمة فدور الأفكار في الحركات الاجتماعية قد تلقى مؤخرا اهتماما بالغا من خلال مفهوم الهيكل (سنو 1986، جمسون 1992، تارو 1992 وماك آدم 1996).

وبشكل عملي فإن المفهوم يشير إلى تفسيرات أحداث مقدمة من قبل تنظيمات الحركات الاجتماعية والتي تعني بالرد على معتقدات المؤيدين (بينفورد 1993).

وبينما كانت محاولة أخذ أفكار بشكل أكثر جدية في دراسة الحركات الاجتماعية هو أمر قيم فإن موضوع الهيكل قد حدد من قبل مضمون الأيديولوجية كمجموعة من الأفكار الإستراتيجية المختارة (بينفورد 1997).

وتعد هذه رؤية مساهمة بشكل كبير تخفي وراءها الأبعاد المتداخلة من الأفكار ومدى الوسائل المنهمرة على تنظيم الجماعة نفسها.

كما أن هيكلة الحجج بشكل غير صحيح يقول بأن مهمة تنظيمات الحركة الاجتماعية هي إيجاد الأيديولوجية أو وضع معتقدات تقوم بعمل قاعدة أفضل من التعاطف الشعبي. ومثل هذا الموقف يتجاهل تنوع الأفكار والمعتقدات في الجماعة.

وفي المقابل فإن حالة الإخوان المسلمين تظهر أهمية العلاقة بين الأفكار وهيكل الجماعة وأنها بمثابة وسيلة أساسية للتغلب على مشكلة تفاوت درجات الالتزام والمعتقدات.

وليس من السهل أن تكون أفكار الإخوان المسلمين شعبية أو أن يتيح لها هيكلها استغلال الفرص السياسية المتاحة، بالرغم من أن كل من هذين العاملين يلعب دورا.

وبشكل أكثر حزما، فالحقيقة أن الصف الثالث والبناء الاتحادي للجماعة يجعل الأفراد في تواصل جزئي ومتزايد مع أيديولوجية التنظيم.

وهكذا يحدث التداخل بين الأفكار والبناء التنظيمي: ويقدم الأخير أساسا لمقدمة وتعليما حول الإصلاح بطريقة تطابق التجارب اليومية واحتياجات الشعب المصري.

في هذا الصدد فإنه من المهم مقارنة الإخوان المسلمين بالشيوعيين المصريين فالجماعات الشيوعية قد نظمت بشكل تدريجي بدون جناح مستقل أو مكاتب اتحادية وقد قاد هذا البناء إلى تحزب ثابت وانحصار التواجد الوطني للشيوعيين.

وتقترح العديد من دراسات الشيوعية في مصر أن الحركة تم القضاء عليها من قبل هجمات الحكومة في مناسبات مختلفة (جولدبرج 1986، بوتمان 1988، إسماعيل والسعيد 1990).

وقد كانت المنظمات الشيوعية مركزة وذات بعد واحد كما أنه تم اختراقها حيث أنه كان لديها وسائل دفاع بسيطة ضد وكالات الدولة الأمنية.

وعلى العكس من الإخوان المسلمين فقد تم الإطاحة بالوجود الشيوعي في مصر في العشرينيات والثلاثينيات كنتيجة للأعمال القمعية من قبل الحكومة (بينين ولوكمان 1987).

وعلى العكس من الصفوف الثلاثة لعضوية الإخوان المسلمين، فنادرا ما قامت المنظمات الشيوعية بالتقسيم المؤسسي بين الأعضاء ومستوياتهم من ناحية الالتزام.

وقد كان تاشت واحدا من أكثر الجماعات الشيوعية سيطرة في مصر خلال فترة الأربعينيات وكان لديها عملية سيطرة على المنضمين الجدد وقد استمرت مدة عامين وخلال هذه الفترة كانوا يقومون بالتحري المستمر عن الأفراد واختبارهم.

فالقائد الشيوعي في هذا النظام يشبه من دخل في التكهن (إسماعيل والسعيد 1990، ص 45). وقد كان هناك العديد من الحواجز الأيديولوجية للحصول على العضوية الشيوعية ولم يقم البناء التنظيمي بعمل تقسيم للأعضاء من حيث مستويات التزامهم وقد وافقت الحركة على أكثر الأفراد التزاما فقط.

وعلى العكس من الطريقة التي يقدم بها بناء الإخوان المسلمين الأفكار لأعضائه فإن معتقدات الشيوعيين الجدد يجب أن تتحول بشكل كلي قبل السماح لهم بالانضمام إلى الحركة.

وهكذا فإن الجماعات الشيوعية قد جعلت من الصعب للغاية للمنضمين الجدد أن يتركوا حياتهم الطبيعية للمشاركة الفعالة في الحركة.

النشاطات التنظيمية

روابط202011.jpg

إن نشاطات جماعة الإخوان المسلمين هي من بين أفضل أوجه التنظيم الموثقة حيث تم مراقبتها بكل سهولة من داخل الجماعة وخارجها.

وحتى الآن فإن هذه النشاطات معلومة للباحثين الذين يبتغون فهم جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى غير أنهم نادرا ما يندمجون في نماذج نظرية.

ولذلك فإنه من المهم أن نذكر العناصر الرئيسية لنشاطات توظيف الإخوان المسلمين وكيف ترتبط هذه النشاطات بمعتقداتهم وكيف تسهم هذه العلاقة في زيادة قوة الجماعة.

ومن أهم علامات توسع الجماعة هو طريقتها في إنشاء أفرع جديدة، فبعد تأسيسها في الإسماعيلية بدأ الإخوان المسلمون في بناء مسجد واستخدام تمويلات الأعضاء واشتراكاتهم ومنحهم من الأعمال المحلية فقاموا ببناء مدارس للبنين والبنات ونوادي اجتماعية وتزايدت هذه المشاريع بنمو الجماعة.

كما تبع كل فرع من فروع الجماعة نموذجا مشابها من النمو فالتنظيم يضع رؤساء على الأفرع ومن ثم يبدأ في مشاريع الخدمات العامة ومنها بناء المساجد والمدارس والعيادات ودعم الصناعات اليدوية المحلية أو تنظيم البرامج الرياضية.

وقد نمت هذه البنية التحتية من الخدمات الاجتماعية الخاصة بشكل سريع وأصبحت جزءا مهما من المشهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المصري.

وتشير بيانات وزارة الخارجية الأمريكية أن هذا النظام الذي أنشأه الإخوان كان واسعا جدا بحيث اضطرت الحكومة إلى تمويله والإبقاء على موظفي هذه الشبكة من المؤسسات الواسعة للجماعة بعد حل الجماعة عام 1954 من قبل عبد الناصر خوفا من أن يؤدي انهيارها إلى انتشار القلاقل (وزارة الخارجية الأمريكية 1954 1129).

وقد لعبت هذه النشاطات دورا مهما في جذب أعضاء جدد فقد ضمت أعمال الإخوان المسلمين العامة الملايين من المصريين للاتصال مع التنظيم وأيديولوجيته.

كما ساعدت في التغلب على مشكلات ذوي الأعمال الحرة داخل التنظيم حيث خدمت موارد كل من المدارس والعيادات كمحفزات لأعضاء الإخوان المسلمين والمنضمين الجدد.

وقد قاموا بعمل بنية تحية مؤسساتية يمكن للجماعة من خلالها عرض قدرة الجماعة ونمكنها من أحداث ما وعدت به من تغير اجتماعي واقتصادي للشعب المصري.

وقد أضفوا شرعية مادية على رسالة الجماعة بقولهم أن الإسلام هو الطريق الوحيد للتنمية. وبذلك لم تكن الأيديولوجية مجموعة من الأفكار المختصرة التي نوقشت من قبل المثقفين وقادة الجماعة فقد ارتبطت الرسالة الإسلامية بالنشاطات العملية والواقعية للجماعة وبذلك أصبحت نشاطات التنظيم وأيديولوجيته وجهان لعملة واحدة. فالناس قد أتوا ليرو التعاون وأن يعمل البعض على تقوية شرعية الآخر وتفعيلها.

وقد كان هذا ما عنيت عندما تحدثت عن أهمية تداخل العلاقات بين الأفكار من ناحية ومفاهيم أخرى عن الجماعة من ناحية أخرى كما أنه يكفي أن يكون هناك رسالة تسمع المنضمين الجدد.

وكما نلاحظ بكل وضوح فإن هناك العديد من المنظمات العاملة في مصر في هذه الفترة ولكن واحدة منهم لم تحقق الظهور الذي حققه الإخوان المسلمون فسبب النجاح الرئيسي لأي تنظيم يرجع إلى الطريقة التي ترتبط فيها أفكارها بممارساتها.

فالأفكار ترتبط بشكل متماسك مع الأفعال (على سبيل المثال، "الإسلام هو الجواب، لذلك نقوم ببناء المساجد،" أو "يجب دعم الفقراء لذلك فإننا ندعم المعاشات").

وبينما انتشرت الجماعة بشكل طبيعي من خلال توسعها المستمر في البنية التحتية للخدمات الاجتماعية قامت بنشر رسالتها من خلال المساجد؛ فالمسجد هو المكان الأساسي الذي يمكن أن يوظفه التنظيم.

وإلى جانب الأحداث الرياضية فقد كان المسجد هو المنتدى الوحيد الذي سمحت الحكومة فيه بتجمعات كبيرة من الناس خلال هذه الفترة.

وقد كان المسجد آمنا من مداهمات الشرطة أو التدخلات الحكومية الواضحة في إدارة هذه الخدمات التي تقدمها الجماعة.

وحتى الدولة فقد اضطرت للتلاعب بالأحكام في الساجد، كما وصفت مذاكرة وزارة الخارجية بوضوح جهود الحكومة لمكافحة هذا التنظيم:

قام الجيش بشن حملة إعلامية شاملة ومضادة وقام بإرسال ضباط من الجيش في المساجد في كل أنحاء مصر، ويقوم الضابط بالتنكر في ملابس مدنية ويجلس في البداية مستمعا إلى الشيخ وما إذا كان يهاجم النظام أو الدستور الجديد أو ثورة الضابط أو يناقش تصريحاته ويقوم بشكل تدريجي بدحض اتهاماته وخاصة من خلال الإشارة إلى مشاريع النظام التي أقامها من أجل مصلحة الشعب. (وزارة الخارجية الأمريكية1954، 2291)

وبالرغم من سيطرة الحكومة على المساجد ودعاتها إلا أن المساجد قامت بحماية قدرة الإخوان المسلمين على تجنيد أعضاء جدد والترويج لوجهات نظرهم، حتى في حالة حظرها التقني من قبل السلطات الحكومية.

وكذلك كان للمساجد مزايا أخرى فقد أعطت دعاة الجماعة الوقار والأخلاق التي لم يكونوا ليحصلوا عليها إذا ما كانت حشودهم تقتصر على الشوارع والمكاتب الفرعية؛ فقد ربطوا التنظيم بالإسلام وبذلك أضفوا الشرعية على رسالة الجماعة المعارضة (بيلينجز وسكوت 1994).

وعلاوة على ذلك فقد قامت المساجد بحماية المتحدثين من النقد اللاذع والهجوم الفعلي من الجماهير وقد خدمت المساجد كذلك كآلية لانتقاء المنضمين الجدد؛ فهؤلاء الذين يحضرون كانوا يميلون بشكل ما للرسالة الدينية للجماعة.

وبذلك فقد كانت المساجد أمرا مهما في الظهور الناجح لجماعة الإخوان المسلمين فقد أوجدت وحافظت على مساحة عامة للتنظيم ليس فقط من الناحية المادي (حيث يتجنبون الشرطة ويجمعون أكبر قدر من الجماهير) ولكن من الناحية الأيديولوجية أيضا (فقد أضافت للجماعة جانبا من التحصين الديني بينما قامت أيضا بعزل المناقشات من المعتقدات البديلة).

وبينما استخدم قادة الجماعة مظاهرات الشوارع والمسيرات لعرض قوة الجماعة إلا أن المسجد بقي الموقع الأساسي للمنضمين الجدد في الفترة بين 1932 و1954. ومن خلال رسالة إسلامية محددة فقط تمكن التنظيم من الحصول على مزايا فعالة من المساجد.

وفي نفس الوقت، فمن خلال المساجد فقط تمكن التنظيم من نشر أيديولوجية تنتقد بقوة النظام القائم والعلاقات الاجتماعية في مصر.

ومرة أخرى فإن التداخل بين نشاطات التنظيم وبين أيديولوجيته هو أمر مهم فقد ارتبط المسجد بالرسالة الإسلامية؛ وباتحادهما تم تقديم مزايا للحشد للجماعة.

وقد أوجد هذا نتائج مشابهة حول أهمية المسجد في دراسات الثورة الإيرانية (بارسا 1989، راسلر 1996).

كما يرجح هذا مرة أخرى ضرورة التحرك وفقا لأساليب أكثر بساطة لأيديولوجية مقترحة من قبل تحليل الهيكل. كما أن هناك حاجة للتركيز على العلاقات بين الأفكار والنشاطات التنظيمية.

ولا يمكن أن تحلل هذه الأفكار بشكل منعزل كشيء منفصل في القائمة الواضحة لقضايا الحشد فما هي إلا تداخل جيد بين مزايا التنظيم ومزايا أيديولوجيته التي تؤدي إلى الحشد الناجح.

وبينما كان هيكلها للأعمال العامة واستخدامها الكثيف للمسجد من أكثر نشاطات التنظيم المتاحة، شكل توظيف الإخوان المسلمين وتدريبات القيادة روابط مهمة مع معتقدات أعضائها والمجتمع المصري. وقد التزمت الجماعة بتجنيد الرجال من جميع الطبقات الاجتماعية.

وعندما بدأت الجماعة في تدريب دعاتها عام 1983 قامت بمنح أفضلية قوية لؤلئك الذين لديهم اتصالات بمحافظات مصر.

وقد تبني البنا هذه السياسة في سبيل بناء طاقم من الدعاة الذين هم على توافق مع احتياجات ومشاعر وخصوصيات الحشود الضخمة من العمال وظروفهم المحلية (ميتشيل 1969، 190).

وقدم التنظيم سلسلة من المحاضرات المتواصلة والمناقشات التي تهدف إلى دمج حياة الأعضاء بالجماعة.

وبحلول العام 1939 كان التنظيم يعقد اجتماعات كبيرة في مراكز القيادة إضافة إلى المقابلات المنتظمة داخل المساجد والتي كانت تحتوى على محاضرات تستهدف تجمعات الجماعة الثانوية من العضوية. وهكذا كانت الجماعة تعقد مقابلات خاصة مع العمال والطلاب والمهنيين وغيرهم.

وقد كانت إستراتيجية التجنيد والإعلان هذه مهمة للتنظيم لأنها ترتبط بالتجمعات الثانوية لأفراد الإخوان المسلمين وبذلك تعمل على إحضار أعضاء إلى التنظيم بشكل كامل.

ولم ينضم الأعضاء إلى الجماعة في سبيل السعي إلى الإصلاح السياسي والأخلاقي فقط ولكن في سبيل الإصلاح الديني والوظائف والحالة الاجتماعية أيضا.

كما أن الفرق الواضح بين الحياة الاجتماعية العامة والدعم الفعال للتنظيم كان يشوبه الضباب وهو ما سهل التحول داخل الجماعة وأعطي فرصة لجماعة الإخوان المسلمين أن تستغل دخول الجماعة ومواردها واتصالاتها.

ماك آدم (1983؛ 1982) وقد لاحظ البعض أهمية مناهج قدرة تنظيمات الحركة الاجتماعية لخلق الموارد.

وبينما أدت استراتيجيات الإخوان المسلمين إلى موارد مادية مهمة،فإن العديد من تأثيراتهم المهمة لا تتركز في مقدرتهم على الجذب المباشر للمزايا المادية وإنما في الاتصالات التي أوجدوها بين التنظيم وبين معتقدات الأفراد.

كما أن السماح بالدخول إلى اندماجات الجماعة الثانوية والهويات الإقليمية وغير ذلك قد ساعد الإخوان المسلمين في تقوية ولاء أعضائها من خلال وصل نفسها بأنظمة اعتقاد قائمة وهياكل للولاء في المجتمع.

فالأمر الآن لا يتمثل في أن الإخوان المسلمين قد وجدوا طريقا فعالة لتجسيد رسالتهم في سبيل الوصول للرأي العام.

وقد ساعدت في صياغة هذا الرأي من خلال استراتيجيات تسهل التفريق بين العضوية واللاعضوية ومتطلبات الجماعة والحياة اليومية لأعضائها ولذلك كانت قادرة على حشد عددا كبيرا متنوعا من جميع طبقات المجتمع المصري.

أما نشاطات الشيوعيين فلم تتمتع بنفس التواصل مع المعتقدات. وبينما اعتبر هنري كوريل من قبل العديدين كمؤسس للشيوعية في مصر، إلا أن نشاطات الشيوعيين لم تقم بتوصيل رسالته للشعب المصري.

وفضلا عن مناشدة الناس داخل مصر من خلال استراتيجيات مختلفة قام هنري بإنشاء مكتبة الميدان في سبيل "نشر الأدب السياسي وخلق توعية بين المثقفين المصريين" (إسماعيل والسعيد 1990، ص 52).

وقد انفصلت نشاطات الجماعة ومعتقداتها بشكل كلي عن بعضها داخل الحركة الشيوعية حتى وإن كان لديهم رسالة قد شكلت بشكل جيد من أجل أزمة الشعب.

محتوى الأفكار

هناك حكمة تقليدية يدعمها الأدب الأكاديمي الكبير وتتحدث عن الشخصية الديكتاتورية غير الديمقراطية لهذه الأيديولوجية الإسلامية المؤقتة إلى جانب إصرارها على العودة إلى الماضي ولنموذج مجتمع إسلامي أكثر بدائية (على سبيل المثال، طيبي 1998 وهينتينجتون 1996 وكرامير 1993 وكيدوري 1992)، فقد لعبت الأيديولوجية دورا مهما في نجاح الإخوان المسلمين وليس من أجل الأسباب التي صاحبت الأصولية الإسلامية (مارتي وأبيلبي 1993).

وقد قمت بالفعل بإيضاح بعضا من طرق عديدة تداخلت فيها الأيديولوجية مع كل من الهيكل التنظيمي واستراتيجيات الجماعة.

أما فيما يتعلق بالرسالة الأيديولوجية نفسها فإن معتقدات الإخوان المسلمين كانت مهمة بسبب الطريق التي كانت تعرض بها من خلال تعبيرات إسلامية مألوفة والرؤى المنتشرة في مصر.

فالإسلام كغيره من الديانات الرئيسية يقدم إطارا أيديولوجيا يحتوى رسالة شاملة غنية متعلقة بجميع مناحي حياة الأفراد، وهكذا قدم الإسلام هيكلا لرسالة الجماعة وهو الأمر الذي كان مهما لقبولها من قبل جميع طبقات الشعب المصري.

وقد كانت مفاجئة للعديدين إذ كانت أفكار الإخوان المسلمين غير متعصبة أو متطرفة. وفي الحقيقة فقد كان المظهر الرئيسي لأيديولوجية التنظيم هو النقص في الأفكار المتباعدة أو المتناقضة وقد أشرف على هذا الأمر الباحثين المهتمين بالإسلام السياسي.

وعلى خلاف العديد من الجماعات الإسلامية المسلحة اليوم فإن الإخوان المسلمين لم يعتنقوا أيديولوجية متطرفة محددة، كما أنها لم تتبني العودة إلى العصر الزاهر للإسلام أو الإصرار على التطبيق الحرفي لنص القرآن الكريم (زبيده 1982)، كما أنها لم لتقر الأفكار المعادية للحداثة أو المعادية للغرب (دسوقي 1982).

وإجمالا لما سبق فإن رسالة التنظيم أكدت على الفهم الشعبي للدين وتعاليمه من خلال علماء دين يعملون تحت سلطة الدولة (جانسين 1981).

وذكرت مذكرة سرية لوزارة الخارجية الأمريكية: "إن الرؤى التي عبر عنها الهضيبي (المرشد العام للإخوان المسلمين) حول القضايا التي تواجه مصر في الوقت الحالي كانت هي التي اقترحها الإخوان قبل أن يتم حل الجماعة في يناير 1954.

وهذه القضايا باختصار هي أن جماعة الإخوان المسلمين لن تكون حزبا سياسيا وأنها تعارض هذه الجماعات السياسية المنغمسة في الفساد ولن تقبل أبدا بالمفاوضات كوسائل لتسوية الخلافات. (وزارة الخارجية الأمريكية 1954، #2305)

وكل هذه المواقف كانت مترابطة مع أهداف العديد من الأفراد والجماعات في مصر في نفس الوقت، ولم يذكر الإسلام قط.

وقد كان الإخوان المسلمون يمثلون بشكل أساسي تهديدا سياسيا وشعبيا وليس أيديولوجيا. ثم إن الجماعة لم تقدم رؤية جديدة لمجتمع إسلامي أو العودة المتطرفة للمعتقدات القديمة ولكن تقدم اقتصادا جيدا مثل الذي قام بتحليله إدوارد بالمر تومبسون (1972) في دراسته للطبقة العاملة الانجليزية.

وتظهر هذه النقطة أن طريقة الحشد لدي الإخوان المسلمين لم تكن تحولا أيديولوجيا أو سمات يقوم بتخفيض المشاركة الفردية.

فسمات الرسالة الشيوعية لم تشارك نفس العلاقة مع حياة المسلم المصري. وقد كانت الماركسية نموذجا جديدا في مصر وقد كان أول تقديم لها في مصر في عام 1890.

فالمنضمين الجدد للتنظيمات الشيوعية قد اضطروا يتشبع بأفكار ومبادئ جديدة إضافة إلى مسئوليات وأعباء التنظيم.

وبينما كانت مناصرة الإخوان المسلمين جريمة سياسية في أواخر الأربعينيات فإن العضوية في التنظيم الشيوعي قد اعتبرت جريمة اجتماعية.

وعلى العكس من أيديولوجية الإخوان المسلمين فإن الرسالة الماركسية للتنظيمات الشيوعية – حتى في مصانع السكر وورش الغزل والنسيج – قد أظهرت العقبات أمام المشاركة الكاملة في الجماعات الجديدة.

ويمكن أن ترجع هذه المشكلة إلى الأصول الخارجية للقيادة الشيوعية في مصر. ومن أهم الشخصيات البارزة في التاريخ الشيوعي في مصر – هنري كوريل و مارسيل إسرائيل و هيليل شوراتز – كانوا غير مصريين، فالتنظيمات الشيوعية والخلايا الأولية في مصر كانت مقتصرة على المجتمعات الخارجية اليونانية والأمريكية، فقضية القيادة الأجنبية قد أثبتت فاجعة الحركة الشيوعية (بينين 1990).

وفي العديد من الحالات فإن الاتجاه والقيم والتعبيرات الثقافية لقيادات الحركة كانت مختلفة تماما عن عضوية عامة الشعب. ولم تقم أي قضية بإظهار هذا بوضوح أكثر من وضع الشيوعيين في فلسطين.

وبالرغم من وجود القضية الفلسطينية في مركز السياسات المصرية إلا أن الجماعات الشيوعية قد تبعت الوضع الشيوعي حول القضية وصدقت على وجود إسرائيل في فترة الأربعينيات والخمسينيات.

كما أن عدم قدرة الجماعات الشيوعية في التكيف مع الثقافة السياسية للبلاد حول واحدة من أكثر القضايا المثيرة للمشاعر هذه الأيام يعد دليلا قويا على أن الرسالة الشيوعية المصرية إنما هي رسالة بعيدة وغريبة.

ومن ناحية أخرى فإن أيديولوجية التنظيمات الشيوعية لم تقم أبدا بعمل علاقة قوية بين معتقدات الجماعة والأفراد في المجتمع المصري.

ولم تفقد الجماعات الشيوعية التعبيرات المألوفة التي يمكن أن توجد ترابطا بينها وبين الشعب المصري فقط بل إنها فقدت عمق وشمولية الرسالة الإسلامية للإخوان المسلمين.

وقد طرحت الشيوعية إطار عمل نظري لتفسير العالم والأهداف الشرعية التي من أجلها تكافح. وعلى أي حال فقد كان لديها القليل لتقوله لمن يحضر من أنصارها في اجتماعاتها ومسيراتها وإضراباتها.

وفضلا عن عرض رؤية نافذة حول جميع مناحي الحياة اليومية لأعضائها فإنها تتواصل على صعيد واحد فقط سياسي. وفضلا عن الاندماج مع النشاطات اليومية للأعضاء إلا أن الرسالة الشيوعية حافظت على جعل مسافة بينها وبين حياة أنصارها.

وقد أدرك مارسيل إسرائيل، منظم مهم وقائد لعدد من التنظيمات الشيوعية المصرية، هذه المشكلة وقال "إن دراساتنا تدور حول قضايا أيديولوجية معقدة لا ترتبط بشكل مباشر مع متطلبات الكفاح.

العمال... يبدؤون دراساتهم الماركسية من خلال دراسة مبادئ البراهين المادية" (مأخوذ من إسماعيل والساعيد 1990،32).

وعلى العكس من ذلك، فإن الطبيعة الشمولية لأيديولوجية الإخوان المسلمين الإسلامية قد جعلت من السهل عليها التواصل مع أعضائها الجدد حول أهداف الجماعة.

ويمكن تقديم الأفراد للتنظيم من خلال قضايا يومية للحياة الإسلامية، فقد كان هناك علاقة وطيدة بين أفكار الإخوان المسلمين والحياة اليومية للمصريين.

وقد زود التنظيم أعضاءه الجدد برسالة تقول بأنه يمكنهم تطبيقها في حياتهم اليومية، حيث يمكنهم اجتناب الخمور واقتراض الأموال بفائدة وغير ذلك. فقد تواصلت الأيديولوجية مع هذه التفاصيل البسيطة من أجل بناء مجتمع أفضل وحياة أفضل.

إن سعة الرسالة الإسلامية قد تواصلت مع العديد من نواحي حياة الفرد، مزودة كل فرد بما يقوي هويته والتزامه بالتنظيم.

فالرسالة الإسلامية للإخوان المسلمين مهمة كذلك بسبب ما تحدثه من صدى في معتقدات المصريين المعتادة.

وقد عرضت الجماعة كذلك برنامجا اجتماعيا كبيرا وخطة مفصلة من أجل الحياة اليومية وقد كانت هذه هي قوة المحتوى الأيديولوجي للرسالة. فالهياكل – مثل بناء الفرصة السياسية – تخبر بجزء من القصة وليس كل القصة.

ثم إن دور الأفكار والمعتقدات في الحركات الاجتماعية لا يمكن اختصاره في مفهوم واحد. وفي المقابل فإنهم جزء لا يتجزأ من مشروع الحركة الاجتماعية على عدد من الأصعدة المختلفة وهي الحقيقة التي لم يقم التحليل أو المواقف الأخرى الموجودة بمعرفة كنهها.

وفي حالة الإخوان المسلمين فإن الطريقة التي ترتبط فيها الرسالة الإسلامية مع تنظيمها ومع البنية التحتية لخدماتها الاجتماعية وأعمالها في المساجد ومتطلباتها حول المشاركات الفردية تعد العامل الأكثر أهمية في فهم نجاحها.

وكما اقترح سميث (1996) وآخرون أن الدين يقوم بعمل أصول مختلفة لنشاط الحركة الاجتماعية.

الخلاصة

إنني قد حاولت أن أبرهن أن العلاقة المحددة التي تربط أفكار الإخوان المسلمين بالبناء التنظيمي لهم ونشاطات الجماعة ومعتقدات وممارسات المصريين العاديين هي أساس فهم الدعم الشعبي الضخم لها في مصر بين عامي 1932 و1954.

وقد سمحت هذه العلاقات للجماعة بمناشدة الأقسام الخارجية للشعب المصري والتفاوض حول المظاهر السياسية الصعبة من قبل الدولة السلطوية.

كما أكدت ملفات وزارة الخارجية الأمريكية على العديد من الملاحظات التي قدمها آخرون من الإخوان المسلمين ولكنهم قدموا معلومات مهمة جديدة.

أولا، قاموا بتوضيح أن الإخوان المسلمين لم يتم تفكيكهم أبدا بسبب قمع الدولة في أكتوبر 1941 وديسمبر 1948 ويناير 1954.

حافظت الجماعة على بنائها التنظيمي خلال هذه الأحداث وواصلت نشاطاتها التنظيمية ونشر المعلومات حتى أنها قامت بدعم الرخاء الاجتماعي للمحتاجين.

كما أن الأبحاث الأخيرة حول العلاقة بين القمع والحشد قد ركزت بشكل كبير على سلوك الدولة (أندريوز 1997، صالحي 1996، راسلر 1996، أوب 1994).

وقد قام هذا العمل بإلقاء الضوء على أهمية البناء التنظيمي للجماعة والآليات التي قامت باستخدامها لمنع إجراءات قمع الدولة. لا نحتاج فقط لمعرفة قدر القمع ولكن تأثيره أيضا.

كما أن البيانات الجديدة تقوم كذلك بإظهار أن الإخوان المسلمين لم تكن جماعة إرهابية متعصبة أو حركة معارضة متطرفة خلال هذه الفترة.

وتعلقت تفسيرات السبل التنظيمية والمقتضيات التي تظهر الأيديولوجية بالقضايا السياسية المنتظمة في هذه الأيام مثل فساد الحكومة والحاجة على عيادات طبية.

وقد كشفت مقابلات وزارة الخارجية الأمريكية مع أعضاء الإخوان المسلمين معدل الأفراد ممن لهم نفس وجهات النظر حول السياسات المصرية ويطالبون بإصلاحات سياسية واجتماعية.

أما تحليلات وزارة الخارجية الأمريكية لخطابات الحزب وبرامجه فقد أوجدت تفاوتا مشابها في أيديولوجية التنظيم واقتراحاته القوية للتغيير.

وقد كان هذا الاستنتاج بمثابة تصحيح لوجهة النظر التي تقول بأن أعضاء الجماعة المنشقين أو الساخطين والمجتمع الذي يؤمنون بأنها تستطيع التحول ببعض الطرق السحرية إلى الماضي الأسطوري.

كان حشد الإخوان المسلمين ممكنا بسبب:

  1. هيكلها الداخلي الذي يتكيف مع منع جهود القمع من قبل الدولة ويجعل من السهل انضمام الأفراد بطريقة عملية وأيديولوجية،
  2. أن نشاطاتها كانت تتشارك مع معتقداتها بنفس الطريقة التي تعمل على منع القمع من الدولة وجذب مزيد من المؤيدين،
  3. أن هيكل رسالة الجماعة قد أنشئ من أفكار ورموز إسلامية غنية، ترتبط بالحياة اليومية لجميع المصريين ومن ثم يكون هناك قابلية للتجنيد.

كما أن التحليل الذي قمت بتقديمه يتصل بالتفسيرات الموجودة للتنظيم ونماذج الحركات الاجتماعية ولكنه أيضا يسير وفقا لهذه التفسيرات. أولا، وعلى خلاف نماذج الإسلام السياسي وبناء الفرص السياسية؛ فإن هذا التحليل يناقش السؤال حول كيفية أن الإخوان المسلمين بالتحديد قد أصبح لهم قوة بالغة أكثر من أي جماعة إسلامية أخرى كانت موجودة في هذه الفترة.

ثانيا، أن فحوى أيديولوجيتها والرابط بين التنظيم والمعتقدات يقدم طريقا للتفكير في الأفكار والأيديولوجية بشكل نظامي بدون اللجوء إلى خفض نماذج الهيكل.

ويجب أن يتم فحص الأيديولوجية بشكل أكثر تنظيما، فتأثيراتها وعلاقتها مع الحركات الاجتماعية أكثر نفاذا من النماذج الحالية التي يمكن أن تتبع.

ثالثا، فإن التركيز على الطرق التي من خلالها تسمح لمميزات الجماعة التنظيمية والتكتيكية والأيديولوجية بالتغلب على القمع من قبل الدولة تقدم رؤية حول التوسع في نموذج العملية السياسية لأنظمة غير ديمقراطية أو ليبرالية.

كما أن البحث المستقبلي للإخوان المسلمين والحركات الاجتماعية الأخرى خارج الإطار الغربي يمكن أن يواصل توسيع وتهذيب هذه الرؤى من خلال تحليل أكثر مقارنة والذي يتخطي هذه الحدود المفروضة من قبل دراسة الحالة الفردية.