هيا نتقدم خطوة في رمضان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٠:٤٥، ٣١ يناير ٢٠١٩ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
خطوات فى رمضان


بقلم الأستاذ/ أحمد صلاح


محتويات

الخطوة الأولى: صل رحمك

( عندك حق . .هما ناس وحشين فعلا) ربما تكون هذه الجملة التي دائماً ما تقولها لنفسك كي تبرر لها تكاسلك عن زيارة أقاربك أو الاتصال بهم للاطمئنان على أحوالهم أو تقديم يد المساعدة و العون لهم، وربما تكون جمل أخرى مساعدة أو مسكنة أو مخدرة لتخفف ألم التقصير تجاه من وصفهم الله بوصف في غاية الحميمية و الصلة بك (الرحم).

قد تكون هذه الجملة: (أصل أنا مشغول في العمل) أو (إن المسافة بيني و بينهم بعيدة) أو (أصل كل ما نروح نزور حد، نيجى بمشكلة).ورغم أنها أقوال و تبريرات تفحم الكثيرين وتجعلهم يطأطئون الرؤوس و يدعون لك بصلاح الحال، إلا إنني أجد في كلمات الرسول صلى الله عليه و سلم ما يغنى عن عناء الرد، وما يجعلك تعيد حساباتك في هذه النقطة، و يدفعك لشحذ عزيمتك لتغير بوصلة أفكارك. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخـر فليـكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (رواه البخاري).

ربما تكون قد سمعت هذا الحديث أو قرأته كثيراً، لكنى ادعوك الآن أن تتدبر معانية، وتبحث فيه بعمق وبشغف المؤمن الذي ينصت لكلام رسوله الكريم، وهو يعلم أن كلامه كله يحمل فائدة و نعيماً له في الدنيا و الآخرة.

إن الحديث يشير إلى أن السلوك والخلق دلالة من دلالات الإيمان، بمعنى أن الصلاة و الصيام و القيام و الحج، كل هذا لا يكفى، بل لابد أن يتبع ذلك السلوك الحسن مع الناس، بالضبط كما تشير سورة الماعون في معنى صريح وواضح: "أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين". معنى ذلك أن الله يتهم الذين يؤمنون بالدين قولاً لا عملاً، و يحذرهم بأنه سيضعهم في زمرة المكذبين بالدين، لأنهم لا يعملون به.

إذن النقطة الأولى في الحديث: أن الإيمان كي يكون إيمانا حقا، يجب أن يتبعه سلوك وأخلاق حسنة. نأتي للنقطة الثانية: وهى أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدد أولويات الأخلاق التي يريدنا أن نقوم بها، ووضع صلة الرحم في المرتبة الثانية.

و لخطورة الأمر، أراد الرسول أن ينبهنا بشدة إليه في حديث أخر، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". رواه مسلم..........وصله الله: بمعنى أحسن إليه ورزقه.

أما من يقطع الرحم فأعتقد أن مجرد قراءته للحديث الآتي سيجعله يغير رأيه فى سلوكه مع أقاربه .. عن أبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" رواه ابو داود والترمذي وابن ماجه.

نريد أخي الحبيب أن نتقدم خطوة في شهر رمضان هذا العام تقرباً إلى الله وإثباتا له في رغبتنا في الهداية، وأن نجتهد قليلا كي يتفاعل الإيمان مع المجتمع، وننجح في ربط الدين بالحياة. الآن ...اعد قائمة بأسماء أقاربك وأرقام هواتفهم، واستعن بالله واضغط على أزرار هاتفك على من تختاره، واجعل أولهم اقرب الناس إليك، وابدأ بتحية الإسلام، وأولها السلام، وابدأ طرف الحديث بحب ومودة ببركة الشهر الكريم.

أخي الحبيب ..أسمعك الآن وأنت تقول:

حضرتك فاضي النهاردة بعد القيام ؟ كنا عايزين نعمللكوا زيارة سريعة. مبروك أخي الحبيب . .تقدمت خطوة.


الخطوة الثانية: تحكم في انفعالك

بعض الناس يغضب بهستيريا غريبة، يجعلك تشعر أن هذا الذي أمامك إنما هو إنسان أخر غير الذي عرفته وتعرفه، وإذا بهذا الإنسان الأخر يرتكب من الأفعال والحماقات ما يجعله يسأل نفسه بعد أن يهدأ: ماذا فعلت ؟؟!

والذي فعله كان كثيراً وكثيراً جدا، فمن الممكن أن يكون سب وتهزئ وتكسير وضرب وتطليق وأشياء أخرى. و للحقيقة.. فربما لا يستطيع الكثيرون أن يحسموا الأمر فدى علاقة الغضب بشهر رمضان الكريم، فالكثير من الناس يهدأون جداً في شهر رمضان، و يتحولون إلى ملائكة بجناحين تحت تأثير الروحانيات الهائلة والرحمات والسكينة التي يموج بها الشهر الفضيل، تعلوهم الابتسامة كثيرا، وشفاهم التي تتحرك بذكر الله وآيات القرآن الكريم، تتحرج أن تنطق بكلمة سخرية أو نميمة، وأحيانا تتحاشى مجرد رفع الصوت.

على الجانب الآخر تجد من يزداد غضبه بعنف في رمضان، و يصبح كثيراً ما يظهر عليه الضيق، ويمكن استثارته بأقل مجهود، وكلما حدثت مشكلة احمر وجهه وانفلت لسانه من شدة الغضب، العجيب أنه يبرر ما حدث بأنه صائم، إنه يرى أن الصيام عقاب له من السماء يبرر له أن يفعل ما يفعله، لذلك تعجب من حالات الطلاق في رمضان على مائدة الإفطار والسحور لأتفه الأسباب، وتندهش من كثرة حوادث السيارات بسبب السرعات الجنونية وعدم الصبر، و يجب أن تكون معتاداً على مشاجرات الأتوبيسات والميكروباصات، وربما عليك أن تكون مستعدا لسائق سب راكباً أو العكس، أو سب أحدهما الدين نفسه.

و الحقيقة أن الفئة الأولى رأت في رمضان شهر التقوى و الصلاح والتعبد والتقرب إلى الله و الرغبة في رضاه، وكل هذا يتطلب جهاد النفس وعدم الاستسلام لها، وإيقافها عند حدها ولو لمدة شهر، فتتولد عنده إرادة قوية في الهدوء الذي يتناسب مع الحالة الإيمانية والروحانية المرتفعة التي لا يريد أن يفقدها، وهو لا يريد أيضاً أن يستسلم للغضب الذي سيجره حتما إلى معصية تعكر صفو إيمانه وتقطع صلته بالله ولو للحظات.

أما الفئة الثانية.. فلم تر في رمضان إلا الجوع والعطش والحر والمواصلات، فكان عقابها لنفسها أن تتعذب بالصيام، لا أن تعتبره قربى إلى الله، ثوابه الدخول من باب الريان يوم القيامة ويصبحون كالأطفال الذين يبكون في عصبية كي تعطيهم أمهم الطعام، وعندما يتحقق حلم حياتهم بالطعام والشراب، لا يتورعون عن المعاصي حتى الصباح.

إذن من يعانى من مشكلة سرعة الغضب وعدم التحكم في الانفعالات، وجد حلها فعلا في شهر رمضان، حيث تحققت عوامل معينة سنرصدها معاً.

1- زيادة التعبد (صلاة الفجر – المحافظة على الصلوات في المسجد – قيام الليل – الورد القرآني – الأذكار) وكلها عوامل تكسب النفس سكينة وطمأنينة وتجعل من الصعب الاستسلام للاستثارة.

2- الرغبة الذاتية في التحكم في النفس إرضاء لله وحرصاً على عدم ارتكاب المعاصي، تزيد القدرة في التحكم في النفس، وتصر على إمرار الكلام على العقل ليزنها بحكمة، و يمنعنها من التصرف بطرق حمقاء. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "‏من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء"‏‏.‏

3- تغير رؤيتنا للأمور في شهر رمضان، فالتعلق بالآخرة يجعلنا نرى الأمور بمنظار مختلف، و تخففنا من آثار الدنيا يجعلنا نرى أموراً كنا لا نتهاون في التنازل عنها، بسيطة وسهلة ولا تتطلب كل هذا العنف.

4- التسامح، الذي تقوى أسهمه جداً في رمضان، نتيجة لاستعداد الناس المبدئي له، ورغبتهم في عدم الدخول في مشادات تجرح نقاء صيامهم وشعورهم بمعية الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها" (رواه البخاري).

قال صلى الله عليه وآله وسلم لأشج بن قيس‏‏‏:‏ ‏"إن فيك خلقين يحبهما الله ورسوله‏:‏ الحلم والأناة". أخي الغاضب ...ليست المشكلة الكبرى أن تحل مشكلة غضبك في رمضان فقط، فالكثير من المشكلات في رمضان تحل أوتوماتيكيا، ولكنها تعود بعد رمضان مرة أخرى، وبالتالي يفقد شهر رمضان هدفه معنا من إصلاح النفس وتغييرها و معالجة عيوبها.

إذن نحن نريد في هذا الشهر أن يزول الغضب الشديد المرضى (وهو الغضب الذي يجعلك تقوم بأفعال تندم عليها )، أن يزول إلى غير رجعة، ولكننا في نفس الوقت نطالبك بالغضب في الحق، و الغضب من أجل دين الله، و الغضب في وجه الظالم ووجه الفاسدين، ولكننا في الحالتين نريد غضباً تستطيع أن تتحكم فيه، غضباً تقوده ولا يقودك، وترى تصرفاتك جيداً وتدرك أبعادها وأنت تنفعل به.

و لكي تستطيع التحكم في انفعالاتك اتبع الأربعة عوامل الرمضانية السابقة:

1)تعبد كثيرا

2)اجعل لنفسك رغبة ذاتية و إرادة للتحكم في انفعالك

3)غير وجهة نظرك للأمور

4)تسامح

وعندما تفعل ذلك.. تكون بالفعل قد تقدمت خطوة.

رابعا : القراءة المتخصصة

بالتوازى مع الثلاث مراحل السابقة لا بد أن تقرأ فيما يفيد تخصصك كطالب او مدرس او محامى او طبيب أومهندس او تجارى او صاحب حرفة او عمل حر.

اخى الحبيب ..اتخذ الكتاب او الجريدة او المقال صديقاً، فهو سيجيبك بمنتهى الأمانة عما تريد بصدر رحب دون ضيق و دون اتهام لك بالجهل ودون ان يحاول اخفاء معلومة عنك ،وهو يفتح يديه لك فى اى وقت من صباح او مسا ، و سيجيبك الإجابة الوافية سيعيدها لك مراراً وتكراراً دون ان يشير إليك بإشارة ملل واحدة.

ولكن .. لا بد أن يكون لديك الحافز للقراء ، وليكن حافزك الأول أنك مسلم تنفذ أمر الله لك، وتسعى للنجاح و حل مشكلاتك و مساعدة من تحب من أهلك وأصدقائك. اخى الحبيب.. توكل على الله فى رمضان .. و ابدأ طريق القراءة والثقافة .. وتقدم خطوة . الخطوة السابعة عشر: تحاور مع أبنائك

مثل كرة الثلج ، تكبر مشاكل الأبناء كلما كبروا ، و يزداد حجمها كلما تدحرجت على مرتفعات السنين ، وليست هذه هي المشكلة ولا المعضلة، فطبيعي جداً أن تزيد مشكلات الأبناء طردياً مع عمرهم وتزايد احتياجاتهم و تغير أفكارهم و نفسياتهم وتشعب علاقاتهم فى الحياة، المشكلة الحقيقة والمعضلة الرئيسية هى تناقص قدرات الآباء فى حل هذه المشكلات كلما كبرت مع الأبناء، و تظل القدرات فى هذا التناقص حتى تصل إلى مرحلة العجز الذي يتولد معه توتر العلاقة بدرجة كبيرة بين الآباء والأبناء، ويكتشف الآباء أنهم تقريباً فقدوا السيطرة على أبنائهم، وان أبنائهم هربوا منهم الى أصدقائهم، وكونوا عالماً أخر يحبونه ينسجمون معه، بدلا من حالة الصراع اللانهائي فى بيت الأسرة.

والأصل فى الموضوع أننا لا نتحاور مع أبنائنا و لا نريد ان نتحاور معهم، بل لا نجد مبرراً أصلا للتحاور معهم، فمنذ الولادة نعتبر أبنائنا ملكا لنا كقطعة أثاث فى المنزل، لابد ان نأمرهم فيطيعوا فوراً، هم كلوحة مفاتيح ليس عليهم إلا ان يستجيبوا للأمر دون اعتراض او امتعاض او مناقشة، نحن آباؤهم وهم أبناءنا .. وهذا يكفى.

يستجيب الأبناء وهم صغار لأنهم الطرف الأضعف، ولكن فى المقابل يتولد لديهم العند المكبوت وضعف الثقة بالنفس، ويبدأ فى بناء الحواجز بينه وبين والديه، وتتوارى العواطف والحب شيئاً فشيئاً، وكلما يكبر الابن ينتظر لحظة الهروب، التى تبدأ فور صوله لمرحلة المراهقة، وعندها .. نجد ان مفعول الأوامر بدأ يضعف وأن الأمور قد أصبحت ( خارج السيطرة).

تصرفات غريبة: صوت عال، غضب ونرفزة، أصدقاء لا نرغب فيهم، ملابس عجيبة، أفكار لا نحبها ولا نرضاها، وتزداد المشكلة كلما حاولنا حلها، فنتركها فى النهاية ونسلم الأمر لله.

فى كل الأحول سنسلم الأمر لله، و لكن الله لا يرضى ان نظل نسير فى الطريق الخطأ سنوات ثم نسلم الأمر له فى النهاية ، نحن لم نأخذ بالأسباب من البداية ، فتعجبنا ان البناء الذى بنيناه سنوات لم يعد لنا، بل لغيرنا.

لابد من الحوار مع الأبناء، منذ لحظة الولادة، وثقافة عدم الحوار التي تعودنا عليها واعترف انه ليس لنا ذنب فيها، فهى ثقافة مجتمع ديكتاتورى يقدس الفرد ويؤله البشر، هذه الثقافة ان لم نجتهد لنغيرها فى بيوتنا على الأقل، سندفع الثمن غالياً من علاقتنا بأبنائنا فى المستقبل، بل من شخصية ألأبناء أنفسهم وتشكيل ثقافتهم وأفكارهم وأحلامهم.

لا بد ان تحاور مع أبنائنا، لنتدارك كماً هائلاً من المشكلات في المستقبل.. ولكي ينجح الحوار مع الأبناء يجب ان نراعى الأتي :

1-الحب ..الحب ..الحب .. وهى مشاعر لابد ان ننسجهها بعناية منذ الولادة، بالعطف على الصغير وتفهم احتياجاته وتلبيتها حتى السنة الأولى.

2-بعد ذلك يكون بتصحيح الخطأ الذي يرتكبه الابن او البنت بلطف وبروية وبصبر حتى نجد منه ابتسامة الموافقة، وبعدها سيتعود هو على التصرف الصحيح وهو مقتنع دون خوف منا او ضغط. وعندها نشجعه على ما فعله ونكافئه.

3-بعد السنة الثالثة لابد ان نتفهم وجهة نظره، ونحترمها، ونعتذر له إذا أخطأنا، ونعترف بخطئنا أمامه إذا اكشف لنا خطأنا.

4-من قبل هذا ومنذ الولادة، لابد ان نفهم احتياجاته ومطالبة وطريقة تفكيره عن طريق القراءة فى التربية ( راجع مقال : تعلم شيئا فى تربية أولادك ) حتى نشعر به ونقترب منه اكثر.

5-احذر ان يكون الحوار وسيلة للأمر غير المباشر ، بأن يكون الحوار مجرد وسيلة لتنفذ أوامرك التي لابد ان يستجيب لها ابنك، فإذا فهم الابن هذه الطريقة سيفقد الثقة فيك وفى حوارك.

6-لا تراوغ و لا تكذب على ابنك حتى توجهه لتصرف معين، سيفقد الثقة فيك أيضا.

7-اشرح له وجهة نظرك ودعه يشرح وجهة نظره بحرية ، وإذا لم تتفقا نهائياً، فليكن هناك حلولا وسطاً.

8-الحلال والحرام لا تفاوض فيهما، لكن من الممكن التدرج بحب وصبر حتى نصل إلى النتيجة، فيما عدا ذلك الأمر متروك للتفاوض ووجهات النظر.

9-هناك فروق بين الأجيال، لابد ان تعيها وتحترمها، واحذر أن تقارن جيلاً بجيل او تفاضل بينهما، لكن الثوابت واحدة لا تتغير.

10-الحوار مهارة تتطلب الصبر والثقافة الحكمة وليس الغرض منه الانتصار فى معركة، بل الغرض منه الوصول الى أفضل الحلول التي ترضى الطرفين، دون أضرار بعلاقة المحبة و الود بينهما.

11-الحوار نمط حياة ؛ تفاصيل يومية ؛ الأبناء يرغبون و يعشقون الحوار مع الآباء بشروط: أولها ألا يكون وعظ ؛ ثانيها ألا يكون أوامر ؛ ثالثها ألا يكون تحدث فقط دون استماع، بل حوار حقيقي بين طرفين ؛ ليس لأعلم بل لأفهم أولا..

12-لن يقتنع الابن بأنك تؤمن بالحوار معه وأنت لا تتحاور أصلا مع زوجتك، لا بد ان تكون أنت مؤمناً بالحوار من الأصل.

اخى الحبيب ..اعرف ان خطوة اليوم فى غاية الصعوبة، لكنها فى غاية الأهمية والخطورة ..وعلى قدر المشقة يكون الأجر والثواب ...اقرأ واسأل و تعلم و جرب و افشل وحاول حتى تنجح .. من أجلك واجل أبنائك وأسرتك ..وفى سبيل الله .

اخى الحبيب .. خذ من نفحات رمضان دفقة قوية ، وحاول .. وتقدم خطوة.

الخطوة الثامنة عشر: الإخلاص الصعب

هل تعرف قصة صاحب النقب، سأحكيها لك .. حاصر المسلمون حصنا في إحدى غزواتهم إلا أن هذا الحصن لم يفتح.. فقام قائد جيش المسلمين (مسلمة بن عبد الملك) مناديا.. من منكم سيدخل النقب ( وهي فتحة إلقاء الفضلات والقاذورات إلى الخارج!!) فإن كتبت له الشهادة فاز بالجنة وإن كتبت له النجاة ذهب لباب الحصن فيفتحه ويكبر فيدخل جند الإسلام منتصرين بإذن الله .فخرج رجل ملثم وقال أنا من سيدخل النقب!!تقدم الرجل من الحصن ودخل النقب وسمع المسلمون صوت التكبير ورأوا الباب يفتح فدخلوا وفتحوا الحصن.

يقف قائد المسلمين وينادي صاحب النقب ليخرج له !! إلا أنه لم يخرج أحد !! فيقف في اليوم التالي وينادي !! ولكن أحدا لم يخرج ؟؟ فيقف في اليوم التالي ويقسم على صاحب النقب بأن يأتيه في أي وقت يشاء من ليل أو نهار. وبينما القائد جالسا في خيمته إذ يدخل عليه رجل ملثم !! فيقول مسلمة: هل أنت صاحب النقب ؟؟ فيرد الرجل : أنا رسول منه وهو يشترط ثلاثة شروط حتى تراه !! فقال مسلمة: ما هي .. فقال الرجل: أن لا تكافؤه على فعله، وأن لا تميزه عن غيره من الجند، وأن لا ترفع اسمه للخليفة .. فقال مسلمة: له ما طلب.. فأماط الرجل اللثام وقال أنا صاحب النقب.

هذا الرجل كان يريد أن يصل إلى أعلى درجات الإخلاص، كان حريصاً على ألا يعرفه احد رغم إلحاح قائد الجيش فى معرفته، وعندما لم يستطع ان يفلت من إصرار قائد الجيش، اشترط عليه ألا يكافئه احد، او يتميز عن غيره، او يرفع اسمه الى الخليفة.

كان الرجل صادقاً كل الصدق لا يشوب عمله أى شائبة تشعره بأن هناك شريكاً لله فى عمله، اى شيء.. مهما كان صغيرا.

الذي يعرفه المخلصون، إنهم كلما كان العمل خفياً كلما زادت سعادتهم ، وشعروا بأن الله ينظر إليهم برضا غير مسبوق، يرفعون رأسهم الى السماء قبل ان يناموا و هم يحدثون الله بثقة واعتزاز: يارب لقد فعلت ما فعلت من أجلك، ومن أجلك فقط .. يشعرون بلذة الانتصار على النفس انتصاراً حاسماً لا نصيب لها فيه و لو بالنذر اليسير، وكلما ابتعدوا عن محاولات الآخرين فى معرفة الفاعل، كلما شعروا بروحانيات الرضا و السعادة والقبول من الله.

لكن الإخلاص ليس فى الشعائر فقط، ليس فى الصلاة والصيام والصدقة فقط، الإخلاص ، والإخلاص الأصعب والأعلى درجة هو الإخلاص فى المعاملات مع الناس.قال تعالى : " قل إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له بذلك أمرت وأنا أول المسلمين


هل جربت يوما ن تخلص فى المواقف الآتية ؟

1)عندما تكتشف فجأة أنه فى أثناء حوارك مع غيرك بأن رأيه صحيحاً ،هل تعاند و تكابر رغم وصولك للحقيقة ، أم يدفعك إخلاصك فى الاعتراف بخطئك وعدم إخفاء الحقيقة أمامك وأمام غيرك و أمام الناس.

2)عندما تجد اقتراحا أفضل من اقتراحك فى اجتماع أثناء العمل، او من زميل لك أثناء حل مشكلة او من زوجتك أثناء المناقشة فى امر ما فى شئون المنزل، هل تعترف بأن اقتراح الأخريين أفضل من رأيك، فى سبيل ان تحل المشكلة وفى سبيل الله، هل ترضى أن تتعقد المشكلة في سبيل إثبات وجهة نظرك.

3)عندما تجد موهبة تعلم جيداً انها ستفيد العمل او الناس، هل ستساعدها طمعا فى رضا لله ورجاء فى ثوابه، ام ان غيرتك منها ستثير عندك عقدة التفوق التى تدفعك الى تجاهلها او الوقوف ضدها او تدميرها.

4)عندما تخطئ فى حق احد، هل يدفعك الإخلاص ان تعتذر مهما كان موقعك إرضاء لله ورداً للحقوق، ام ينتصر عليك شيطانك.

5)عندما تقوم بخدمة احد من الناس، هل لا بد ان تنتظر الشكر والثناء من الناس فان لم يفعلوا تضايقت، اما اعتبرت ان شكر الله لك ورضاه عليك يكفى. فى الحديث القدسي يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه برئ.

6)هل تتقن العمل الخفي الذي لا يعلمه الا الله ، كالعمل المعلن أمام الناس. ان الإخلاص لله ينقى النفوس من الشهوات والمطامع، و يجعل العمل صالحاً متقنا لا عوج فيه ولا شائبة، لأن صاحبة ينظر الى الله فيه ويطمع فى رضاه، واذا وجد الإخلاص، ارجع الناس كل شيء الى الله ، فزالت المطامع و انتهى الجشع، ووجدوا ان الأمور أيسر بكثير مما يتصورون، لقد ارتفعوا بإيمانهم إلى عنان السماء، وتحرروا من جاذبية الأرض، فيشعرون بالراحة والسعادة، وتقل المشكلات حتماً بعدما أصبح الهدف الأساسي هو إرضاء الله وليس النفس.

ان هذا الإخلاص (إخلاص المعاملات) هو(الإخلاص الصعب) الذي نريده فى حياتنا كى يخف التناحر والتشاجر على اشياء سنكتشف بقليل من الإخلاص انها اتفه من ان نحزن عليها. حاول اخى الحبيب .. و تذكر معى قول الله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) و ادع الله لك ولى ان نكون من المخلصين ..و ان أتقدم معك خطوة فى هذا الشهر الكريم .


الخطوة التاسعة عشر: خمس و سائل للحفاظ على صلاة الفجر

تبقى صلاة الفجر ذات وضع خاص بين الصلوات الخمس لعدة أسباب :

1)أنها الصلاة الأصعب على الإطلاق والتي يكون التقصير فيها شديداً حتى يصل إلى الحد التي يهملها البعض تماماً ويسقطها من حساباته.

2)إنها صلاة لها قدرة خاصة على رفع الإيمانيات نظراً لطبيعة وقتها الروحي الهادئ، وفرق كبير يلاحظه من يصلى الفجر بين إيمانياته فى ذلك اليوم وإيمانياته في اى يوم أخر لم يصل فيه الفجر.

3)إنها صلاة اختصها الله بثواب خاص، حيث قال الرسول فى حديثه: (من صلى البرديين دخل الجنة) و البردان هما الصبح والعصر، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله ) مسلم وقال: من صلّى الفجر فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته) ومعنى في ذمة الله: أي في حفظه.

4)إنها صلاة لها دلالات خاصة أيضا على من لا يؤديها فى وقتها حيث يقول الرسول صلى الله عليه و سلم  : ( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر (وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن ) رواه الطبراني.

5)إنها صلاة تتطلب مجهوداً وترتيبات معينة تثبت رغبة العبد الحقيقة فى إرضاء الله وتحمل المشقة فى سبيل ذلك كما انها تعد دليلاً من دلائل الإخلاص.

6)انها صلاة يستعد لها الشيطان استعداداً خاصاً لإثناء عباده عن القيام لها فيقول صلى الله عليه وسلم :( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).

إن في صلاة الفجر نورا يقذف في القلوب، وطمأنينة تروي النفوس، فيبدأ المسلم يومه بالذهاب إلى بيت الله، ليحل ضيفا عند الله، فيستنشق الهواء النقي، الذي لم يلوث بذنوب البشر، ولتكون أول حركات جسده طاعة لله، فيتغذى الروح والجسد أول ما يتغذيان على طاعته سبحانه، مما يكون له الأثر الطيب في سلوكه طوال يومه.

و لذا كان علينا نفوز بها النور وتلك السكينة، وان نواجه استعداد الشيطان لنا باستعداد نستعين فيه بالله عليه حتى ننتصر فى معركتنا معه فى صلاة الفجر.

ولكن قبل أن نسرد وسائل المحافظة على صلاة الفجر.. أدعوكم أن تسمعوا معي هذه القصة:

فى إحدى المدارس الابتدائية وخلال أحد الحصص، كان الأستاذ يتكلم عن الصلاة فتطرق في حديثه إلى صلاة الفجر وأخذ يتكلم عنها بأسلوب تأثر به هؤلاء الأطفال الصغار فتكلم عن فضل هذه الصلاة وأهميتها، فتأثر احد الأطفال بحديثه كثيرا، فهو لم يسبق له أن صلى الفجر ولا أهله.. وعندما عاد الطفل إلى المنزل أخذ يفكر كيف يمكن أن يستيقظ للصلاة يوم غدا، فلم يجد حلاً سوى أنه يبقى طوال الليل مستيقظاً حتى يتمكن من أداء الصلاة وبالفعل نفذ ما فكر به وعندما سمع الأذان انطلقت هذه الزهرة لأداء الصلاة ولكن ظهرت مشكلة في طريق الطفل.. المسجد بعيد ولا يستطيع الذهاب وحده، فبكى الطفل وجلس أمام الباب ... ولكن فجأة سمع صوت طقطقة حذاء في الشارع فتح الباب وخرج مسرعاً فإذا برجل شيخ يهلل متجهاً إلى المسجد نظر إلى ذلك الرجل فعرفه نعم عرفه أنه جد زميله أحمد ابن جارهم تسلل ذلك الطفل بخفية وهدوء خلف ذلك الرجل حتى لا يشعر به فيخبر أهله فيعاقبونه، واستمر الحال على هذا المنوال، ولكن دوام الحال من المحال فلقد توفى ذلك الرجل (جد أحمد) علم الطفل فذهل .. بكى وبكى بحرقة وحرارة استغرب والداه فسأله والده وقال له: يا بني لماذا تبكي عليه هكذا وهو ليس في سنك لتلعب معه وليس قريبك فتفقده في البيت، فنظر الطفل إلى أبيه بعيون دامعة ونظرات حزن وقال له: يا ليت الذي مات أنت وليس هو، صعق الأب وانبهر لماذا يقول له ابنه هذا وبهذا الأسلوب ولماذا يحب هذا الرجل؟

قال الطفل البريء أنا لم أفقده من أجل ذلك ولا من أجل ما تقول، استغرب الأب وقال إذا من أجل ماذا؟ فقال الطفل: من أجل الصلاة نعم من أجل الصلاة، ثم استطرد وهو يبتلع عبراته لماذا يا أبي لا تصلي الفجر، لماذا يا أبتي لا تكون مثل ذلك الرجل ومثل الكثير من الرجال الذين رأيتهم.

فقال الأب: أين رأيتهم؟ فقال الطفل في المسجد

قال الأب: كيف؟ فحكى حكايته على أبيه فتأثر الأب من ابنه واقشعر جلده وكادت دموعه أن تسقط فاحتضن ابنه ومنذ ذلك اليوم لم يترك أي صلاة في المسجد.

ليتنا نشعر بقيمة صلاة الفجر مثلما شعر بها هذا الطفل، ولنحاول معاً أن ننفذ بعض الوسائل التي تعيينا على أداء تلك الفريضة العظيمة

1)النية الصادقة على القيام لصلاة الفجر، فسيوفقك الله تعالى، لأنه ما طلب أحد من الله تعالى شيئاً، إلا استجاب له، وأعطاه سؤاله، بالصورة التي يراها الله تعالى، وإن كان هذا حال الله مع من طلب منه شيئاً من الدنيا، فما بالنا بمن يطلب من الله أن يعينه على طاعته؟

2)خذ ببعض الأسباب التي تساعدك على الاستيقاظ مثل:

أ‌-النوم المبكر، بحيث تأخذ عدد ساعاتك الكافي من النوم (سبع أو ثمان ساعات) ومن الممكن أن تكمل بعد الفجر بالرياضة والنوم قليلا بعض الظهر، (وقت القيلولة) أو بالمذاكرة، أو استكمال النوم بعد الفجر، المهم الثبات على برنامج النوم حتى تستقر الساعة البيولوجية لك ولا يجهد جسمك، وليكن لديك القدرة على تنظيم وقتك بالصورة التى تؤدى فيها فرض الله لا أن تنظم وقتك حسب رغبات أخرى قال تعالى ::( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.

ب‌-ضبط " المنبه " على وقت الصلاة.

ت‌-ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ مباشر حتى تباعد بينك وبين الشيطان ، وإضاءة نور الحجرة .

ث‌-التعاون مع صديق على أن ينبه أحدكما الأخر من خلال الاتصال التليفوني او من خلال التعاهد سويا على التقابل فى مسجد معين يوميا ، فإذا افتقد أحدكم الآخر فليذكره فى الصباح.

3- اجعل لنفسك "ورد محاسبة" لصلاة الفجر، و هو عبارة عن ورقة بها جدول بعدد أيام الأسبوع او الشهر، مسجل فيها الصلوات الخمس وأولها صلاة الفجر، وقبل أن تنام كل يوم افتح الورقة وضع علامة صح على خانة الفجر إذا صليته (وبالطبع الصلوات الأخرى) وضع علامة خطأ على خانة الفجر أن لم تصلها و عندها استغفر الله على تقصيرك و اعقد النية من جديد.

4- ذكر نفسك دائما( كل أسبوع أو اثنين على الأكثر) بفضل صلاة الفجر وخطورة التهاون فيها، عن طريق سماع شريط لداعية تفضله يتحدث عن هذا الموضوع، وسترى انه سيدفعك كثيرا للمحافظة على الصلاة.

5- التعود على مجاهدة النفس و عدم الاستسلام لها وان تتسلح بالعزيمة والإصرار فى طاعة الله، وستجد أن نفسك ستطاوعك كلما عصيتها واثبت لها انك الأقوى (قارن بين همتك لصلاة الفجر، وهمتك للذهاب لرحلة تتطلب الاستيقاظ قبل الفجر)

أخي الحبيب، فى رمضان تعلم الا تتهاون فى صلاة الفجر فى رمضان وغير رمضان .. وتقدم خطوة.


الخطوة العشرون: ابتعد أرجوك

يعتبر الصيام من أفضل العبادات وأشرفها عند الله فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه).

وهو رحلة روحية يستشعر الإنسان فيها وجود الله ومعيته، ويقترب من الله مسافات ومسافات ليحقق في قلبه معنى التقوى، ويملأ صدره بالسكينة والطمأنينة؛ ويبتعد عن شهوات النفس، وملذات الجسد ومطالبة ويحقق رغبات روحه وأشواقها، فيعيش أسعد لحظات الإيمان والحب والرضا.

ولكن كيف نفعل ذلك ونحققه؟ وقد ظهرت عادات وتقاليد عند المسلمين منذ مئات السنين تفسد عليهم صومهم ، نتحدث عن بعضها لنعرفها ونبتعد عنها .

1- الإسراف في الأكل والشرب المفارقة المؤسفة والمحزنة، أن المسلمين يبالغون فى الطعام والشراب فى شهر الغرض منه أن نقلل من الطعام، وحتى أن هناك بعض الناس يزيد وزنه فى شهر الصيام، وبذلك نكون نسير فى عكس اتجاه ما يريده الله من فى شهر رمضان.

ان هذه العادة الغربية جعلت إنفاق المال فى رمضان من أكثر شهور السنة والطبيعي ان يكون اقل شهر السنة، يجب أن تعود العبادة لشهر العبادة، وأن يبرز في الصيام معنى الجهاد والقدرة على مقاومة شتى الرغبات.

إن الصوم يُعوِّد المسلم الصبر، ويدعوه إلى قوة الإرادة، على التحمل الطويل والصلابة، ومطاوعة الإنسان لنفسه ليأكل ما يشاء يفسد هذا كله.

ومن قديم عَرف طلاب العلا هذه الحقيقة، واستيقنوا من أن الراحة الكبرى لا تنال فلقد شرع الله الصوم ليدرب الإنسان على قيادة النفس، لا ليستسلم لها، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).

وقال أيضا وهو يعدِّد صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما﴾ (الفرقان: 67). وأورد ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. ( تفاخراً ) وقال: إسناده صحيح.

2- السهر بالليل

وهذه أيضا من عادات المسلمين السيئة في الشهر الكريم، فيجعلون من الليل- الذي أحرى بهم أن يجعلوه عبادة وتقربا إلى الله- وقتا للهو وما لا فائدة فيه. بل إن بعضهم يقضي وقت ليله فيما يُذهب ثمرات صوم نهاره؛ حيث لا يحسن انتقاء ما يشاهده في التلفاز فتقع عيناه على المحرمات ، يقوم بإعدادها شياطين الإنس قبل مجيء رمضان بستة أشهر.

ومن الناس من يقضي ليله في الحديث الباطل. فيتسامر ويتساهر مع غيره حتى يذهب بأثمن الأوقات وأغلاها سدى ويضيِّع شهر القرآن والقيام، فإذا ما اقترب وقت الفجر تململ إلى نومه كالأنعام ليبول الشيطان في أذنه، فلا هو صلى، ولا انتفع بصومه..وإذا كانت دقائق الليل غالية في كل وقت فإنها في رمضان أغلى وأزكى، ولِمَ لا ورب العزة تبارك وتعالى يتنزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ويتجلى ساعة النزول الإلهي لعباده يناديهم إلى عبادته، ويطلب إليهم أن يمتثلوا لندائه؛ ليدْعوه ويرجوه، ويفتح لهم أبواب التوبة حتى يتوب عليهم..؟! ألا ما أتعسَ وأقل حياء الإنسان الذي ينادي عليه مولاه وخالقه، وهو عنه معرض، وبغيره منشغل.

3- النوم الكثير أثناء النهار

وهي عادة سيئة ونتيجة طبيعية تنبثق عن سابقتها، فمن طال سهرُه بالليل طال نومُه بالنهار، فكما ضيَّع الليل في اللهو والباطل ضيَّع نهاره في النوم؛ فالحسنات تجلب الحسنات، ولا تجلب السيئاتُ إلا الخسار والبوار، في موسم تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفَّد فيه الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

يقول أبو حامد الغزالي مبينا علة عدم الكثرة من النوم في نهار رمضان: من الآداب ألاَّ يَكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش، ويستشعر بضعف القوى، فيصفو قلبُه، (إحياء علوم الدين).

4- العصبية

الكثير من الناس لا يتحمل ان يحدثه احد أو يوجه له نصيحة في رمضان، فيتحدث بضيق و عصبية، وإذا لامه احد قال انه صائم، وكأن الصيام يدعو إلى إيذاء الناس، فهو كطفل يبكى لأنه جوعان أو عطشان.

5- التقصير فى العمل

الكثير من الناس يقصر فى العمل فى شهر رمضان، والكثير من الطلبة يتكاسلون عن الذهاب الى الجامعة او المدرسة فى رمضان، والجميع يبرر ذلك لنفسه بأنه صائم ولا يستطيع بذل الجهد، وهو كلام علمياً خاطئ من ناحية، خصوصاً فى أول اليوم، ومن ناحية أخرى يشير إلى كسل المسلمين، واتهام رمضان بأنه يجعلهم كسالى ولا ينتجون.

إن التاريخ يقول لنا: لم ينتصر المسلمون في شهر كما انتصروا في رمضان، فانتصروا فى غزو بدر، ومعركة عين جالوت، وحرب أكتوبر ، فكيف يقلل الصوم من إنتاج المسلمين؟

إن الصيام عبادةٌ هدفها أن يمتلك المرء نفسه، وأن يحكُم هواه، وأن تكون لديه العزيمة التي يترك بها ما يشتهي، ويقدم بها على ما يكره.

أخى الحبيب ، فى رمضان ابتعد عن هذ العادات السيئة ، وتقدم خطوة.

الخطوة الحادية والعشرون: واجه نفسك

من وقت لآخر، يحتاج كل منا ان يواجه نفسه، ويجرى حديثاً صادقاً معها دونما رتوش او مجاملات او نفاق او تخوف، أحيانا يكذب علينا من حولنا، أحيانا يخافون من غضبنا فلا يحدثونا عن أخطائنا، ينظرون إلينا، يريدون ان يقولوا لنا شيئاً لكنهم يتراجعون، أحيانا نرتكب أخطاء لا يعرفهما غيرنا والله شهيد عليها، أخطاء نرتكبها فى الظلام لا يراها الناس، ولكننا نعرفها جيداً ونكررها أكثر، أخطاء لا يمكن أن يحاسبنا عليها الناس لأنهم لا يعرفونها، هذا النوع من الأخطاء خطر، لأنه يستمر دون محاسبة ودون علاج، ولا يمكن علاجه الا بمواجهة شخصية مع النفس ومحاسبتها.

أنت تعرف وحدك ما تفعله من أخطاء ولا يعرفه الناس، او يعرفونه ويتجاهلونه، او يدركونه ولا يستطيعون ان يواجهونك به لأسباب مختلفة.

مواجهة النفس تتطلب شجاعة وصفاء نفس وإيمان ورغبة حقيقية فى إصلاحها، مواجهة تتميز بالصراحة والوضوح والصدق و عدم التحجج ، وبالتالي قدرة صادقة على الحل دون عناد.

يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه (حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم) ربما كانت لحظة مواجهة مع النفس قادرة على تغيير مسار حياتك كلها، تغيير أفكارك وأرائك وأصدقائك وهواياتك وعاداتك وما تقرؤه وما تشاهده.

لا تظنني أبالغ، فلحظات المواجهة عن بعض الأشخاص نجحت فى ذلك ..ابو سفيان بن الحارث، بن عم الرسول و أخوه فى الرضاعة، كان من ألد أعدائه، هجاه كثيرا بشعره، وحمل عليه السيف فى بدر، و لكنه فى النهاية حزم أمتعته الى المدينة ليسلم بين يديه، وكان السبب دقائق من الصدق ومواجهة النفس.

فى لحظة صدق حدث نفسه بما رأى فى بدر، وكيف أن قلة من جند وعتاد هزموا ألفا مدججين بالسلاح، كيف شعر بأن هناك آخرون يحاربون مع المسلمين، كان من الممكن ان يتجاهل الأمر ويصر ألا يراه كما تجاهله وأصر على ألا يراه أبو لهب وابو جهل و ومئات غيره ممن شاركوا فى الحرب، لكنه أصر على أن يفكر وبعمق ويواجه نفسه بصدق، وحصد هو نتيجة هذا الصدق .. جنة عرضها السموات والأرض.

أخى الحبيب ..اغلق عليك حجرتك ساعة وواجه نفسك فيما يأتى:

1)هل تقصر فى العبادة : صلاة – قراءة قرآن – أذكار ..الخ؟

2)هل ترتكب أخطاء متكررة : كذب ، رياء ، غيبة ، عدم غض بصر ..الخ؟

3)هل تخطئ فى معاملتك لوالديك ، رفع صوت ، عدم طاعة مستمرة، خداعهم، الكذب عليهم؟

4)هل تتكاسل فى عملك : تتحايل على الانصراف مبكراً، تتعامل مع الجمهور بضيق وتعطل مصالحهم، هل ظلمت أحدا لأنه ضعيف وليس لديه حيله ،هل أخذت حقه بطريقة خادعة دون أن يدرى؟

5)هل تعامل زوجتك بعدل و لطف ام تظلمها وتقسو عليها، هل تراعى أبنائك وتعطيهم حقهم من التربية و الجلوس معهم و الترفية؟

اخى الحبيب، اقتنص ساعة من كل أسبوع ، توضأ وصل ركعتين، واجلس فى مكان هادئ، أغلق عليك حجرتك، او اجلس نصف ساعة فى مسجد تحب الجلوس فيه بين المغرب والعشاء، واعزم النية الصادقة على ان تواجه نفسك وتحاسبها و تقسو عليها أحيانا، لا تحسم كل الأخطاء مرة واحدة، فكر فى خطأ واحد فقط وواجه نفسك به، واسأل الله العون على ان تصلحه ما استطعت هذا الأسبوع، فإذا وجدت تقدماً ملحوظا، جرب ما بعده و هكذا .

جرب اخى الحبيب، وستجد نفسك تنجز انجازات تسعدك وترضيك، وتسعد وترضى من حولك، وقبل كل هؤلاء ترضى بها ربك.

جرب اخى الحبيب فى رمضان ان تواجه نفسك ، وتقدم خطوة .


الخطوة الثانية والعشرون: قل لنفسك .. لا

سواء دخلت الخدمة العسكرية ام لم تدخل، فأنت محتاج فى كل وقت أن تتعود أساليب القتال، لكن أساليب القتال التي ادعوك إليها، من النوع الرفيع الراقي الذى قد يتضاءل أمامه أبطال العالم فى اعنف الألعاب، وقد يتفوق فيه شاب نحيل الجسد ضعيف البنية.

كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود نحيف الجسد، حتى ان نحافة قدميه أثارت ضحك بعض الصحابة عليه، إلا ان هذا النحيف كان عملاقاً فى دنيا الرجال، دفعته شجاعته إلى ان يخرج أمام قريش ليقرأ القرآن فينهالوا عليه ضرباً وهو يقرأ، وكان على استعداد أن يكرر ما فعل مرة أخرى.وهكذا الإسلام .. جاء يغير المفاهيم و ألأفكار و النظريات .

( جهاد المرء نفسه فوق جهاده بالسيف ) ( بحار الأنوار ج 3 ص 65) الأصل فى المحاربة ان تحارب غيرك، شيء أمامك تراه ويراك، تستطيع ان تتركه ويتركك ، إلا ان جهاد النفس جهاد من نوع خاص، وخاص جداً ، أنت تحارب شيئاً بين جنبيك، يعيش معك ويموت معك ، لا تستطيع ان تفارقه أو تنفصل عنه و لا تقدر ان تنزعه، قدرك ان تكون هو وأنت شيئا واحداً ، قدرك ان يظل الصراع بينكما بلا نهاية.

هو جهاد يحتاج الى فنيات عالية ومهارات تجعلك تحاربها فى وقت معين وصورة واحدة تظهر عليها، وهى النفس الأمارة بالسوء وهو مأوى الشر فى الإنسان، النفس التي تذعن للشهوة وتستسلم للمعصية، وفى صور أخرى فهي نفس مطمئنة او لوامة.

قال تعالى:( ومَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ مَا رَحِمَ رَبِّي ) (سورة يوسف : 53). و فى حال أخر تأنس بها وتسعد، طالما هي ساكنة هادئة تنفذ أمر الله فى راحة وسعادة، فتصبح نفسا مطمئنة:

قال تعالى:( يا أيَّتُهَا النَّفْسُ المُطمئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكَ رَاضِيةً مَرْضِيَّةً) (سورة الفجر : 27 ، 28). أما إذا ذكرتك بأخطائك ولامتك عن التقصير فهى تحولت الى نفس لوامة: قال تعالى:( ولا أُقْسِمُ بالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ) (سورة القيامة : 2).

كم ساعة فى اليوم تظهر نفسك ألأمارة بالسوء؟ استطيع ان أجيبك بصيغة رياضية، بأن ظهورك نفسك الأمارة بالسوء يتناسب عكسياً مع جهادك و محاربتك لها ومحاولاتك لإيقافها عند حدها.

إنها نفس جبانة كالشيطان، بمجرد ان تهاجمها فإنها تتألم وتصرخ كشخص يلفظ أنفاسه الأخيره، ثم تفاجأ بعدها انها استسلمت لك تماماً، ولكنها تنتظر لحظة ضعفك كى تنقض عليك مرة أخرى، فإذا علمت منك شدة وبأساً، توارت أغلب اليوم فلا تظهر الا نادراً ، فهى تظل أياما تجمع قواها.

انتصارك فى تلك الحرب الدائمة الباردة، يعنى شيئا واحدا: الجنة.

يروى أن رجلاً اسمه مجاشع قال : يا رسول الله كيف الطريق إلى معرفة الحق ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم:

معرفة النفس، فقال: فكيف الطريق إلى موافقة الحق ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: مخالفة النفس، فقال: فكيف الطريق إلى رضا الحق؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: سخط النفس، فقال: فكيف الطريق إلى طاعة الحق؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: عصيان النفس، فقال: فكيف الطريق إلى ذكر الحق ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: نسيان النفس ، فقال : فكيف الطريق إلى قرب الحق ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم:

التباعد عن النفس، فقال: فكيف الطريق إلى اُنس الحق؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: الوحشة عن النفس، فقال: فكيف الطريق إلى ذلك؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الاستعانة بالحق على النفس". النصيحة واضحة : أن تمشى فى عكس الاتجاه دائماً .

أنت تحتاج إلى ان تتدرب على فنيات تلك الحرب ..لأنك ستحتاجها فى اليوم والليلة أكثر من عشر مرات على الأقل، أليس هذا عددا كافياً لتعلمها؟

تحتاج إليها عند الاستيقاظ لصلاة الفجر، فتهاجمك نفسك بالنوم و الكسل وإقناعك بأن الجو بارد فى الشتاء، وتزيد فى خبثها فتقنعك بأن نعاسك سيجعلك تصلى دون ان تدرى، وتزيد فى استهزائها لك فتوسوس لك بأن استيقاظك سيوقظ الصغار من نومهم.

تحتاج الى جهاد النفس عندما تتكاسل عن الخروج للصلاة فى المسجد وأنت تشاهد مباراة مثيرة فى كرة القدم، او برنامجا طريفاً او مسلسلاً ناجحاً او فيلماً جذاباً، فتظل تقول لنفسك، او بالأصح تقول لك نفسك :انتظر، وهى تخطط بخبث ودهاء أن يطول الانتظار حتى تقام الصلاة، فترفع يديك معلنا الاستسلام وإكمال ما تشاهده.

تحتاج الى مجاهدة النفس عندما تدخل متعباً من المنزل فيجرى عليك أبناؤك ويتعلقون بك، فترفض ان ترفعهم الى صدرك بحنان وتقبلهم لأنك متعب. تحتاج الى مجاهدة النفس عندما تقصر زوجتك يوماً من ايام كثيرة فى اعداد الطعام، فتتأخر فى إعداده، فتصب عليها ويلاتك وهى صابرة محتسبة. تحتاج الى جهاد النفس عندما يعرض عليك احد العملاء عرضاً تعلم تماما بينك بين نفسك انه حرام، لكنك تستمر فيه، و تبرر لنفسك الأمر بتبريرات عجيبة لا يقتنع بها الصغار.

تحتاج ان تجاهد نفسك عندما تكتشف ان رأيك فى أمر ما خطأ، فتكابر وتعاند وترفض الاعتذار وتغيير رأيك، لتؤذى غيرك وتؤذى نفسك .تحتاج الى مجاهدة النفس عندما تتحدث الى فتاة ويبدأ الحديث باحترام ثم يأخذكما الحديث الى خصوصيات لا يجوز التحدث فيها، لكنك تستمر وتستمر.

تحتاج الى جهاد النفس عندما تحتاج الى غض بصرك، كف لسانك عن الأذى وعن الغيبة والنميمة. تحتاج الى جهاد النفس عندما يرفع والد صوته عليك، فلا ترد ولا ترفع صوتك وتحاول ان تريحه بقدر الإمكان. تحتاج الى مجاهدة النفس عندما تنظر الى مستواك الدراسي فتجده تدهور الى حد بعيد، والأمر خطير ويحتاج الى علاج سريع. تحتاج و تحتاج وتحتاج، وبدون المجاهدة ستسقط حتماً، و ستعلن نفسك و شيطانها الانتصار عليك، وستخسر أنت كل شيء، لأنك فضلت الراحة، وتخيلت أن كل شيء له ثمن إلا الجنة.(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).

اخى الحبيب ، حاول أن تتدرب على الأتي :

1)اعقد النية والعزم على مجاهدة نفسك.

2)اجعل شخصيتك قوية أمام نفسك ولا تجعلها مستسلمة مهزوزة.

3)خالفها في كل يوم مرة ، إذا دعتك للطعام الآن ، اصبر قليلا ولا تنفذ أمرها فوراً ، بل حدد أنت موعد الطعام، إذا أردت أن تنام الآن اصبر قليلا، إذا غضبت امسك لسانك عن قول بذئ ............الخ.. قم بهذا التدريب مرة يومياً ، وستجد ان كل يوم سيكون سهلا عن سابقه.

4)ادع الله أن ينصرك على نفسك.

اخى الحبيب ، يقول احد التابعين : أعداء المؤمن ثلاثة:

الدنيا والشيطان والنفس.. فحارب الدنيا بزهدك فيها .. وحارب الشيطان بالاستعاذة بالله .. وحارب النفس بمجاهدتها.اخى الحبيب .. من اليوم ..جاهد نفسك ..وتعلم كيف تقول لها.. لا .. وتقدم خطوة الخطوة الثالثة والعشرون: ليلة القدر

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(5)).

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. أحيانا يتحدث الله عن نفسه فيقول إنا ، مثل هذه الآية ، ومثل ( إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا) وأحيانا يتحدث عن نفسه فيقول ( إنني) مثلما يقول : ( إنني أنا الله فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى) والفرق ان الله عندما يتحد ث عن نفسه بـ ( أنا ) يكون فى سياق التحدث عن نعمة انعم الله بها على بشر، وهو تتطلب نوعا من التعظيم الدال على القدرة والكمال.

و عندما يتحدث رب العزة عن نفسه بـ ( إنني ) عندما يريد من عبده أن يتقرب إليه بالطاعة والعبادة. وليست هناك نعمة على الإنسان وعلى العباد وعلى البشرية مثلما كانت نعمة نزول القرآن الكريم على الناس، فهو كلام الله ومنهج البشر و دليل السعادة و السبيل الوحيد الى الجنة.

والمطلوب من البشر ان يقابلوا النعمة بالشكر عليها، والشكر على نعمة عظيمة مثل القرآن يكون بالاهتمام بقراءته وحسن تلاوته وحفظه وتفهم معانيه وتطبيق آياته فى حياتنا.لكن الواقع يقول إننا لا نهتم بالقرآن، وأن نظرتنا للقرآن نظرة مؤسفة تتعلق بالمآتم والأحزان، او في الاحتفال بمناسبة دينية او فى شهر له خصوصية فى العبادة كشهر رمضان.

و من الشباب من يرى القرآن انه كتاب يوضع فى المنزل او فى حقيبة المدرسة او على مكتب المذاكرة او فى السيارة ليجلب البركة. وأفضل هذه الآراء هو من يرى القرآن مجرد مصدرا لاكتساب حسنات عن طريق التلاوة، وهو كلام صحيح بالطبع ومطلوب ان نتزود بالحسنات من خلال قراءة القرآن.

لكن قيمة كتاب الله تكمن فى انه منهج للحياة جاء يغير البشر والبشرية والتاريخ، جاء يحل مشاكل الإنسان ويبصره بربه وبنفسه وبغيره وبمصيره، جاء يحقق له الأمن والعادل فى الدنيا ويعده بالجنة فى الآخرة. هل نرى القرآن كذلك ؟هل نتعامل معه بنا ء على هذا لتصور؟

إن بضع آيات من القرآن من سورة طه أدخلت رجلا كان ذاهبا لقتل الرسول فى دين الرسول .. أتعرفون من هو؟ انه عمر بن الخطاب رضى الله عنه. إن هذا هو القرآن، ولأنه كلام الله فهو يحوى بين حروفه نفحات الإيمان القادرة على تغير خلايا جسدك فيزيد إيمانك الذي يدفع ان ترضى ربك ،فتغير أخلاقك، فلا تسب، ولا ترفع صوتك على والديك ولا تكذب عليهم و لا تغتاب أصحابك و لا تغش فى امتحان و لا تنظر نظرة محرمة.

و لهذا أراد الله أن يدفعنا إلى الارتباط الوثيق بالقرآن، فحدثنا الرسول عن عدد كبير من الأحاديث التي ترغبنا فى كتابه مثل: قال رسول الله ص (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه). (صحيح مسلم) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقال لصاحب القران اقرأ و ارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) (صحيح الجامع8122).

حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده). (صحيح مسلم). (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) أي يتعاهدونه خوف النسيان.

حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة ،والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (الم) حرف ولكن : ألف حرف ولام حرف ، وميم حرف) (صحيح الجامع 6469)

أنزلناه فى ليلة القدر

انزل الله القرآن فى هذ الليلة من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا، واللوح المحفوظ هو الكتاب الذي كتب الله فيه مقادير الخلق قبل أن يخلقهم.. قال الله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب) [الحج:70]

ثم انزل جبريل القرآن إلى الأرض على النبي صلى الله عليه وسلم مقسما حسب المواقف و الأحداث فى ثلاثة وعشرين سنة هي فترة رسالة الرسول.

و لقد انزل الله القرآن فى الليل، لأن الليل فيه سكون وهدوء بعد ان فرغ الناس من أعمالهم، وبذلك تكون فرصة استقبال القرآن وتفهم معانية والشعور بها أفضل، ولذلك حث الله المسلم على صلاة العشاء والفجر وعظم أجرهما فقال الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديثه: بشروا المشائين فى الظلمات بالنور التام يوم القيامة. ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر فى جماعة فكأنما قام الليل كله)

و يحثنا الله على الوقوف بين يديه ليلا ،فيقول عز وجل : (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا). وحدد الله ليلة القدر بأنها فى شهر رمضان، لأنه أخبرنا أن القرآن نزل فى شهر رمضان حيث قال: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن) ، ولكنه لم يحدد فى اى ليلة.

وما أدراك ما ليلة القدر

أراد الله أن ينقل لنا عظم ليلة القدر بان جعلها فوق إدراكنا بان قال لنا وما أدراك، اى ان عظم ليلة القدر فوق إدراكنا وتصورنا، ولكنه نقل لنا قدرها على وجه التقريب حيث قال لنا فى الآية التالية: (ليلة القدر خير من ألف شهر) .. اى ان هذه الليلة وحدها تفوق 83 عاما كاملا، بمعنى أن صلاة الفجر مثلا فى ليلة القدر تعادل ثواب صلاة الفجر خلال 83 سنة، وثواب العمل الصالح ككلمة حسنة أو تقديم مساعدة لزميل أو القيام بعمل يخفف عن والدتك فى المنزل أو مساعدة أخوك الصغير، فان ثواب هذا العمل فى ليلة القدر يفوق ثواب نفس العمل اذا قمت به يوميا لمدة 83 سنة كاملة. لا حظ ان كل هذا الثواب على وجه التقريب و ليس على وجه الدقة، أرأيت كم هي عظيمة ليلة القدر؟ و لكن لماذا ألف شهر ، او83 سنة

يقال إن سبب نزول هذه السورة هو أن الله أراد ان يكرم الرسول صلى الله عليه وسلم ويكرم أمته بفضل هذه الليلة، ليتفوق كل مسلم فى ليلة واحدة عن رجل من بنى إسرائيل تعبد لله ثمانين عاما حتى أدهش المسلمين من عمله .. فقد روي أن رجلاً لبس السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله والمسلمون من ذلك، وتمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمته فقال يا رب: جعلت أُمتي أقصر الأمم أعماراً، وأقلها أعمالاً !! فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلةُ القدر خيرٌ لك ولأمتك من ألف شهر جاهد فيها ذلك الرجل. تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من أمر

أى إن الملائكة تنزل فى هذه الليلة لتنفذ أمر الله فى تدبير نظام الخلق في هذه السنة من مطر ورزق وولادة ووفاة وخيرات ومصائب، ويقال ان الروح هو نوع مميز من الملائكة، ويقال أيضا انه جبريل عليه السلام لما فى قوله تعالى (نزل به الروح الأمين )

اى إن هذه الليلة الذي يرسم فيه مستقبلك لمدة عام كامل، ترسمه الملائكة لك بناء على أوامر وتكليفات من الله .. أرأيت كم هى عظيمة هذه الليلة؟ سلام هى حتى مطلع الفجر؟

إن هؤلاء الملائكة لأنهم مكلفون بتنظيم حياة البشر لمدة عام كامل فى هذه الليلة، لذا فإنهم يدخلون كل بيت و يسلمون على كل و احد فيه و يظلون هكذا حتى أذان الفجر.

انهها ليلة يجب على كل المسلمين ان يستعدوا فيها لضيافة الملائكة، إنهم رسل الله إلينا جاءوا ينظمون شئوننا بتكليف من ربهم ، فياترى كيف يكون استقبالنا لهم ؟ هل يعدل استقبالنا لهم استقبال رئيس المدينة او المحافظ او رئيس الدولة ؟

وهل ستشعر بوجودهم معك؟ وكيف تتصور استقبالك لهم؟ وهل تعرف أنهم سيصعدون إلى السماء ليخبروا الله عن حالك فى هذه الليلة ؟

إنها ليلة القدر ..أعظم ليلة فى أعظم شهر.

اخى الحبيب ..قم بإحياء ليلة القدر وقم بتنفيذ البرنامج الأتي فى هذه الليلة:

1)الإفطار

2)الاستعداد للانتقال إلى المسجد

3)صلاة العشاء

4)القيام

5)( اعتكاف حتى الفجر ان أمكن ) أو ( الذهاب للمنزل وقراءة نصف جزء من القرآن ).

6)نوم

7)الاستيقاظ للسحور قبل بنصف ساعة

8)قيام ركعتين

9)دعاء

10)صلاة الفجر

اخى الحبيب ، إنها فرصة لا تأتى إلا كل عام، لا تدرى إن كنت ستلحق بها العام القادم أم لا .. فلا تفوت الفرصة .. و تقدم خطوة


الخطوة الرابعة والعشرون: الرسالة

أحبائي ..أيام وربما ساعات وأرحل عنكم، فلا ترونى ولا أراكم إلا بعد أحد عشر شهراً ، كنت أتمنى أن تمتد صحبتي بكم أكثر من هذا، لولا إن عمر زيارتي حددها ربى لى بثلاثين يوماً، حملت إليكم فيها الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وفيها من اجلي فتح الله لكم أبواب الجنة وأغلق أبواب النار، حزين لفراقكم كما يحزن الحبيب لفراق الحبيب، وان كانت رسالتي لهذا العام قد شرفت على الانتهاء، فاني ساترك لكم رسائل قصيرة تذكروني بها حتى ألقاكم فى ساعة كتب الله لنا فيها اللقاء من العام القادم.


الرسالة الأولى: قطعتم نصف الطريق فلا تعودوا من حيث أتيتم

أعرف أنكم تعبتم، واعلم أنكم أجهدتكم أنفسكم فى صيام النهار وقيام الليل، رأيتكم تهرولون الى المساجد فى لهفة وشوق لقاء الأحبة، رأيت المصاحف مفتوحة على مصراعيها فى كل مكان، شاهدتكم وانتم تذكرون الله فى الطرقات، اقتطعتم من نومكم كي تناجوا ربكم فى جوف الليل، أمسكتم عن كل ما تحبون وتشتهون قربى إلى الله رجاء رضاه وعفوه ومغفرته، أنفقتم المال ووصلتم الرحم وأعنتم الضعيف والمسكين. أحبائي ..

بقدر فرحتي لما كان منكم وأنا معكم، بقدر خشيتي عليكم ان تضيعوا كل ما فعلتم بعد ان أترككم، أخشى ان تنسوا صحبتي بعد ان مكثت فى بيوتكم شهراً، أخشى ان تنقضوا ما تعاهدنا عليه بعد أيام من رحيلي عنكم، أخشى ان تهملوا الصلاة وتفرطوا فى القيام ويعود القرآن للشكوى من هجركم، أخشى ان تهجم عليكم الشهوات فلا تصدوها، أو أن تداعبكم الدنيا فتستسلموا لها، أخشى أن تغرقوا كنوز الحسنات بفيضان السيئات، و ان تطفئوا شعلة الطاعة برياح المعصية.

أحبائى ..غدا أترككم لأن قدري أن أرحل عنكم، فان رحلت عنكم فلا ترحلوا عنى، سأترقبكم من بعيد، وأنا فى شوق لكم حتى يكتب الله لنا اللقاء.


الرسالة الثانية: رأيت أصنافا من المسلمين

بعد أيام معدودات عرفت أن ليس كل الناس سواء ، استقبلني الجميع بالأناشيد والتهاني، ووقف المهنئون صفوفاً طويلة يعجز النظر أن يصل لآخرها، الكرماء فى مقدمة الصفوف لا يكفون عن الترحيب بى، وكلما مر يوم خفقت قلوبهم لقرب موعد الرحيل، واجتهدوا لسد النقص وبذل مزيد من الجهد.

فى وسط الصفوف.. أناس أرهقهم طول الوقوف، فتواروا بعيدا عن العيون خجلاً من تكاسلهم، وفى أخر الصفوف .. رأيت أناس يخرجون من الجمع ويذهبون بعيداً عنى ليصحبوا أناسا آخرين لا أحبهم ولا أحب لقاءهم.

قلت فى نفسى ..هكذا الجنة درجات .. كما أن الناس أصناف، فليس من ثابر و اجتهد فى صحبتي والازدياد منى من أول الشهر لأخره، كمن انزوى عنى ليسامر الأصدقاء، كمن تركني إلى حاله يريد الدنيا كما يحب ..وعلى قدر الغرس تكون الثمار.

الرسالة الثالثة: أدخلتم عليكم الفرحة فلا تحزنوني فى عيدكم

أحبائى ..فى كل عام لا استطيع ان أقاوم الحزن، لأنني أكون السبب فى فرحتكم، وفتح أبواب الخير عليكم من السماء و الأرض، ولم شملكم وراحة بالكم، ثم تنقلبون على فى أول أيام عيدكم، حتى لا أكاد أصدق أن من أراهم هم أنفسهم من كانوا معى بالأمس، فالأرض تشقى بالمعصية بعد ان هدأت بالطاعة، والناس تكاد تنسى ربها بعد ان ظلت تذكره آناء الليل وأطراف النهار، والجميع غير الجميع، وكل شيء غير كل شيء، حتى أظن انك لم تكونوا ترغبوا بوجودي، وأنا اعلم إنكم لم تكونوا كذلك ..

انه مشهد يصيبني بالألم كل عام .. فهل تنوون ان تجرعوني نفس المرارة هذه العام أيضا.


الرسالة الرابعة: إذا ضعت منكم هذا العام، اعرفوا الأسباب حتى لا أضيع منكم العام القادم

احبائى ..من قصر منكم معى هذه المرة ، فاني لن آيس منه، كما أنى ارجوه ألا ييأس هو منى، فلقد جئت من ربى برحمة وسعت كل شيء، والرحمة باب الأمل، وعند ربى لا يغلق باب رحمة و لا أمل، فان لم تلحق بى هذا العام، فانتظرني فى العام المقبل، وسأفرح بك كما ستفرح بى، وسأقدم لك يد العون كما أقدمه لك فى كل مرة دون كلل أو ملل، ولكن عدني ان تقف مع نفسك وقفة، كى تعرف فيها أسباب هجرك لى، وما هو السبب الذي جعلك ترفض كل ما قدمته لك من خير ، اهى النفس ؟ أهم أصدقاء السوء؟، أرجوك ..عدنى ان تعرف .. وسأنتظر لقاءك.. وأحب ان تنتظر لقائي.


الرسالة الخامسة: نصائح إلى أحبائي

1- وقبل كل شي طلب العون من الله – عز وجل – على الهداية والثبات وقد أثنى الله على دعاء الراسخين في العلم "رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ".

2ـ الإكثار من مُجالسة الصالحين والحرص على مجالس الذكر العامة كالمحاضرات والخاصة كالزيارات.

3ـ التعرف على سير الصالحين من خلال القراءة للكتب أو استماع الأشرطة وخاصة الاهتمام بسير الصحابة فإنها تبعث في النفس الهمة والعزيمة .

4ـ الإكثار من سماع الأشرطة الإسلامية المؤثرة كالخطب والمواعظ وزيارة التسجيلات الإسلامية بين وقت وآخر .

5ـ الحرص على أداء الفرائض، كالصلوات الخمس، وقضاء رمضان، فان في الفرائض خير عظيم .

6ـ الحرص على النوافل ولو القليل المُحبب للنفس فان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .

7ـ البدء بحفظ كتاب الله والمداومة على تلاوته وأن تقرأ ما تحفظ في الصلوات والنوافل.

8ـ الإكثار من ذكر الله والاستغفار فإنه عمل يسير ونفعه كبير يزيد الإيمان ويُقوي القلب.

9ـ البعد كل البعد عن مفسدات القلب من أصحاب السوء و أجهزة التلفاز والدش والاستماع للغناء والطرب والنظر في المجلات الخليعة.

10ـ وأخيرا أوصيك أخي الحبيب بالتوبة العاجلة .. التوبة النصوح التي ليس فيها رجوع بإذن الله فإن الله يفرح بعبده إذا تاب أشد الفرح.

أخي الحبيب ..لا تكن من أولئك القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، لقد قال فيهم السلف: " بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان"، وداعاً أيها الحبيب إلى رمضان آخر وأنت في صحة وعافية، واستقامة على دين الله إن شاء الله.

أخى الحبيب ..أرجوك لا تنس رمضان وتقدم خطوة.


الخطوة الخامسة والعشرون: لا تؤخر الصلاة

فى أيام الامتحانات، كنا نغلق على أنفسنا الحجرات ثم نستعين بالله ونفتح الكتب أو (أوراق الامتحانات المحلولة) ونبدأ فى سباق مع الزمن، ولم يكن يرحمنا من هذا السباق إلا آذان الصلاة، عندها نتنفس الصعداء ونبدأ فى الاستعداد للصلاة، لنأخذ نصف ساعة من الروحانيات الجميلة تعيننا على استكمال السباق من جديد.

لقد كنا ننتظر الصلاة لتريحنا، كما كانت الصلاة تريح الرسول من هم أصابه فيقول: "أرحنا بها يا بلال". فى هذه الأوقات، وفى كل وقت صعب به شدة وبه احتياج لله، كانت الصلاة تريحنا فنجرى إليها ولا نحب أن نفارقها الا على أمل انتظار صلاة قادمة.

و لأننا كنا ننتظر الصلاة، فطبيعي ألا نؤخرها، وعدم تـأخيرها يعنى صلاتها جماعة فى اقرب مسجد، فى هذه الأوقات كنا نشعر فعلاً إن الصلاة صلة، نحن نتصل بالله فعلا، ليس بألسنة تردد آيات كجهاز تسجيل مفتوح، ولكن بقلب موصول بالله، قلب خاشع و نفس مطمئنة هادئة.

فى أحيان أخرى، وأحيان كثيرة، عندما تصبح ألأوقات عادية، تصبح الصلاة عادية، ويصبح التأخير عادياً ، وتلهينا الدنيا ومشاغلها او شهواتها عن انتظار الصلاة، فلم نعد نسرع إليها، بل نتثاقل ونتكاسل حتى الركعة الثانية والثالثة والرابعة، فهل ننتظر أن نشعر بشيء بعدها، وإذا تكاسلنا أكثر حتى تمر الجماعة، فنقف وحدنا فى المنزل بلا خشوع او روح وسط الضجيج نريد ان ننتهي بسرعة من واجبنا، فماذا بقى من الصلاة إذن؟ لذلك فان (صلاة الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع و عشرين درجة) حديث شريف.

أكثر الصلوات التي تؤخر هي صلاة الفجر، صيفاً وشتاءً نظرا لصعوبتها المعروفة، إلا ان خطورة تأخير صلاة الفجر، ان تأخيرها فى معظم الأحيان يكون إلى ما بعد الشروق، اى بعد انتهاء و قتها الأصلي. فى الصيف، يكثر تأخير صلاة الظهر للطلبة، ويأتي بعدها العصر وخصوصاً فى الحر الشديد، والأسهل تكون صلاة المغرب والعشاء.

أما بالنسبة لغير الطلبة من العاملين، فتمثل صلاة المغرب والعشاء، مشكلة حقيقية لأنهما تأتيان بعد الفراغ من العمل بقليل، وهو ما يعنى الطعام و الراحة ، والراحة هنا تعنى النوم ، والنوم يعنى فوات المغرب و العشاء او أحداهما على الأقل.

لم ولن أتطرق للأحكام الفقهية فى الموضوع، ولكن أعنى جرعات الإيمان المنتظمة المقسمة على اليوم بدقة، أعنى صيانة النفس وتطهيرها من ذنوبها وهي تعرض على ربها فى خشوع واطمئنان خمس مرات فى اليوم، بدلا من ان تعرض فى عجالة سريعة لا تفيد، أعنى ارتباط خلايا الجسد بالمسجد، روحانياته، واثر ذك فى النفس وفى الحياة.

ان عدم تأخير الصلاة عن أول وقتها نعمة لا يشعر بها إلا من جربها ..ألا تجربها أنت .. حاول اخى الحبيب .. و تقدم خطوة

الخطوة السادسة والعشرون: أتقن عملك

اعرف كم هى ثقيلة هذه الكلمة، وكم هى مهملة فى سلوكنا، ونتعمد تجاهلها بل نعتبر أنها لا تعنى شيئاً فى عبادتنا لله، وهو ما يجعل الموظف (يزوغ) من عمله، ويتفق مع زميل له أن يسجل اسمه فى دفتر الحضور والانصراف وهو لم يحضر ولم ينصرف، بل كانت له مصلحة بره، ولكن هذا الموظف من السهل ان تجده فى مسجد الحي او مكان العمل وقطرات الماء تتساقط من وجهه ويديه من إسباغ الوضوء، وهو يبدأ فى استقبال القبلة لصلاة ركعتي السنة.

كل هذا جميل ومطلوب ومثاب عليه بإذن الله، لكن الغير جميل وغير المطلوب وغير المثاب عليه بإذن الله أيضا، هو معاملة الجمهور وكأنهم متسولون لا حق لهم فى اى شيء، لا حق لهم فى ابتسامة لطيفة تخفف عنهم عناء الطريق الطويل، لا حق لهم فى انجاز مهامهم بسرعة، فى مهام 90% منها من الممكن ان تنجز بسرعة السرعة، لكنها تأخذ أسابيع بدلاً من أيام، وشهوراً بدلاً من أسابيع.

أتحدث هنا عن الوظيفة الحكومية، أما القطاع الخاص فحاول ان يحل تلك المشكلة بمزيد من الضغط على موظفيه وعامليه، فيعصره عصراً حتى ينهكه، ويكون هذا الإنهاك وسيلة لاستخراج أقصى ما لديه من طاقة.

إلا ان المشكلة فى الحالتين لا تحل، لا فى القطاع العام ولا الخاص الذى يكتشف ان المسألة ليست مسألة جهد فقط، فمن الممكن ان تبذل جهداً كبيراً ولكنك لا تتقن العمل أيضا، وسأضرب مثالاً ربما يعجب البعض، واعتذر لمن سيعتبرونه خارج السياق، ولكنه فى الحالتين بسيط مفهوم وواضح.

منتخب البرازيل لكرة القدم، هو أكثر الفرق فى العالم حصداً للبطولات، وهذه البطولات بطولات كبرى وصعبة، ورغم ذلك فإن معدلات جرى لاعبيه اقل من معدلات جرى فرق يسبقها هو فى التصنيف العالمي للفيفا بخمسين مركزاً على الأقل.

إذن أين المشكلة إذن؟

المشكلة تكمن فى مراقبة الله والضمير واعتبار الإخلاص فى العمل كالإخلاص فى الصلاة والزكاة والحج، واليقين بأن إتقان العمل عبادة وفرض عين ، لأنه أمر لا يمكن ان يقوم به إلا أنت بحكم عملك، وأن إتقان العمل يرضى الله ورسوله لأنه يكشف ان الإسلام قادر على صنع مجتمع منتج، وما ينتجه منتجات يثق فيها الجميع، لأن وراءها اسم الله، ويسرى بين أجزائها رغبة فى إرضاء الله.

العكس الآن هو الصحيح، التجار المحليون أنفسهم يلجئون أحيانا إلى تغير (التكت) الملصق على بعض المنتجات، كى يضعوا عليها تكت انجليزي او أمريكي او ايطالي، فى إضافة (لمسة حانية) على عدم الإتقان فى العمل بـ (الغش التجاري).

المشكلة الأكبر هو فى مفهوم المسلمين عن العمل وإتقانه، وليس بالضرورة ان يكون العمل المعتاد الذي تتكسب من الرزق ، بل اى عمل: المذاكرة، تحضير طعام، تنظيم حجرة، الصلاة ................الخ .

إذن ما علاقة الإتقان بالإسلام، والإسلام بالإتقان، و هل تحدث القرآن و الرسول عنه ... ربما الحديث الأشهر فى هذا الموضع هو حديث: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) لكنك تستطيع ان تكتشف ان مسألة الإتقان أكثر ثبوتاً، عندما تعرف ان الإتقان يسمى فى الإسلام، الإحسان، وهو لفظ كثيراً ما تردد فى مواضع كثيرة من القرآن والسنة.

جاء جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد اخبرني عن الإسلام، فقال: أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيرة وشره، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

إن الإتقان لا يتحقق إلا بمراقبة الله، وأنت عندما تشعر ان الله يراقبك فانك تستحي أن (تكسل أو تطنش) والله ملك السموات والأرض يراك، وليس مديرك فى العمل و لله المثل الأعلى.

ويقول الله تبارك وتعالى " إن رحمة الله قريب من المحسنين". تذكر انك عندما تجهد نفسك قليلاً لتنجز عملك بصورة أفضل، ولا تترك ثغرة فيه قدر الإمكان، فإن مكافئتك ان الله سينزل عليك رحماته، ليس هذا فقط، لكنك ستكون أقرب إلى رحمة الله أكثر من الآخرين لأنك تتقن عملك.

يقول الله تبارك وتعالى : " واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " . هذا وعد من الله انك ستأخذ أجرك على الأقل في الآخرة، ولكنني متأكد انه ستأخذه فى الدنيا أيضا، بسبب إتقانك لعملك، فالإتقان يعنى كفاءتك فى العمل وانك قادر على النجاح، وهذا النجاح بالتأكيد سيجلب لك المال و يحقق لك الراحة كلما كنت قادرا على فهم عملك وإتقانه ومعرفة الجديد فيه دائماً.

سيدنا صهيب الرومى كان عبدا عند رجل يسمى عبد الله بن جدعان كان يعمل عنده فى التجارة، فأحبه بشدة لأنه كان مجتهداً مخلصاً فى عمله لدرجة أنه اعتقه، وبعدها شق صهيب طريقه فى التجارة بمفرده، ولأنه كان يعمل بإخلاص و إتقان، فقد عرف أسرار التجارة، فبدأ طريقه حتى أصبح من أشهر التجار فى مكة. يقول الله عز وجل: "والله يحب المحسنين".

مدير العمل يحب المتقنين فى عملهم، فكيف لا يحب الله المحسنين المتقنين فى عملهم ويكافئهم على ذلك مكافأة خاصة من عنده سبحانه. يقول الله تبارك وتعالى: "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " ان الله يقف بجانب المجتهدين كما يقف بجانب المتقين .. انظر إلى نموذج خلق الله فى الكون والإنسان، هل ترى عيباً؟ هل ترى ثغره من نقص؟ هل ترى شيئاً يفتقد إلى الدقة؟ وصدق القائل: "الذي أحسن كل شيء خلقه" و يقول عن خلقه للسماء: "فارجع البصر هل ترى من فطور " اى نقص وعيب.

كل هذا كى تكون الرسالة الخاتمة لك هى: (وأحسن كما أحسن الله إليك).

اخى الحبيب .اذا أحببت ان تكون من المحسنين وتتقن عملك فقم بالأتي:

1- استحضر النية قبل اى عمل (اقصد العمل هنا العمل فى المصنع فى المدرسة فى المحل التجارى – مذاكرة – رياضة ......الخ ) فمجرد استحضارك النية سيذكرك بالله وبمراقبته، وهذا الشعور سيدخل بك فى دائرة من النشاط والحيوية والإخلاص.

2- استمتع بعملك و ابتكر فيه حتى لا تشعر به ثقيلاً مملا ً.

3- طور نفسك دائماً وتعرف على الجديد فى عملك، اقرأ، والتحق بدورات تدريبية، و تعلم ممن هم أكثر منك خبرة.

4- حاول أن تتفق مع صديق لك أن يعطى لك وجهة نظره فى عملك ويكتشف ما لا تراه حتى تعالجه

5- تقبل النقد، فالنقد يقويك ولا يضعفك ويحسن من عملك، تقبله بصدر رحب فإنه دليل من دلائل الإخلاص، لأنه يعنى أنك تريد أن ترضى الله أكثر.

6- ادع الله فى صلاتك ان يجعلك من المحسنين (المتقنين).

ملاحظة : الإتقان يعنى الاقتراب من المثالية، وليس المثالية نفسها، فالإسلام لا يطالبك بالمثالية لأنك لن تستطيع تحقيقها، والعيوب دائماً ستكون موجودة، ولكن الإتقان يقلل من نسبة هذه العيوب قدر الإمكان. اخى الكريم .. فى شهر رمضان .. انضم الى طائفة المحسنين وأتقن عملك، وتقدم خطوة.


الخطة السابعة والعشرون: كيف تنقد .. وكيف تتقبل النقد؟

نحن شعوب تحب النقد، و هذا فى حد ذاته ليس عيباً، فكل الشعوب المتقدمة تنقد وتنتقد 24 ساعة فى اليوم والليلة، وهم حادون جداً جداً فى نقدهم، وليس لنقدهم سقف معروف او محدود، وليس هناك شخصية بعينها محصنة او منصب بعينه محصن من النقد، ولكن الفروق بين نقدنا ونقدهم كثيرة، بعضها ما يأتي: 1- النقد عندهم (معظمه) يهدف إلى البناء، ولذلك فهو مبنى على حقائق ومعلومات وليس على انطباعات وحب وكره، وأنا و اخويا على ابن عمى وأنا وابن عمى على الغريب، والنقد عندنا (معظمه) مبنى على التشفي واصطياد الأخطاء والرغبة الحميمة فى تدمير النجاح والناجحين حتى يفشلوا، فإذا فشلوا نقدناهم أيضاً.

2- النقد عندهم (غالباً ) لا يفسد للود قضية (فعلاً )، ويكفى أن ترى الصراع الذى يدور لأيام طويلة فى مناظرات حامية الوطيس بين المرشحين للرئاسة الأمريكية، ثم تجدهم أصدقاء (فعلاً) بعد إعلان النتيجة، ويبدى كل منهما رغبته فى التعاون مع الآخر، كما يسلم لاعبو التنس على بعضهم البعض بعد انتهاء مباراة قد تستمر ثلاث ساعات.. والنقد عندنا يفسد للود قضايا، وربما يخرب البيوت، ويحرق مقار الأحزاب، ويغضب الأصدقاء من بعضهم و يصنع الأعداء، و يكون دافعاً لتدبير المؤامرات.

3- النقد عندهم (اغلبه) هادئ، والهدوء لا يمنع الحماس فى الكلام، لكنه ليس معركة وخناقة بها أطنان من قنابل الغضب من كلمات من نوعية (أنت فاشل، أنت مبتعرفش حاجة، أنت مفيش أمل منك ..) نفس الجمل التراثية الفولكورية التى يحفظها الأبناء من أبائهم عن ظهر قلب، وعندما يكبرون يحملون الرسالة وينقلونها بأمانة الى أبنائهم ليخرج جيل فاشل آخر.

ليس كلامي تغزلاً فى حضارة الغرب، وان كنت اعترف أن فيها الكثير مما يستفز الغزل، وكما انه ليس تحقيراً من شأننا (حاشا لله) و لكنى أريد ان اظهر الأبيض من الأسود، فنرى الحق والحقيقة، ونكون ممن اتبعهما بإذن الله.

و النقد الغربي رغم ما فيه من محاسن، فإنه لا يخلو أيضا فى بعض الأحيان من الهمجية والبحث عن المصلحة، فهم بشر وليسوا ملائكة.

لكن عتابي أننا تجاهلنا ما هدانا إليه رسولنا صلى الله عليه و سلم فى أحاديثه وسيرته إلى النقد، ولكنه نقد من نوع خاص ، خاص جداً ، نقد يتفوق على كل مواصفات ممارسة النقد الغربي ويغلفه بالإيمان والتقوى والإخلاص والرغبة فى رضا الله، ولذلك سماه الإسلام (النصيحة) وهى الكلمة فيها رقة ولطف وحب، بدلاً من كلمة النقد الحادة الجافة المؤلمة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة".

ووضع الإسلام آدابا لهذا النصح:

1-إخلاص النية لله.

2-المعرفة ( المعلومات والحقائق).

3-اختيار الوقت المناسب للنقد (والأصل فيها أن تكون فى السر) وعدم استخدام ألفاظ بها سخرية او تهكم او استخفاف بمن تنصحه.

4-اذا كانت النصيحة منك ستؤدى إلى ضرر أكبر، فحاول ان تنصح بطريقة غير مباشرة، أو بأسلوب أخر، أو عن طريق شخص أخر دون ان يشعر أنه عرف شيئاً لا يجب أن يعرفه (صعبة شوية).

و لكن هناك مشكلة أخرى فى عملية النصح، وهو عندما تكون أنت الطرف المنصوح، فالذي يحدث غالباً حالة من التذمر والغضب والإحباط والدفاع الهستيري عن الخطأ وكأنه من العار أن نخطئ، وليس من الذوق والأدب أن يبصرنا احد بأخطائنا، وكأننا قد اختزلنا فى عقلنا الباطن إحدى الجمل الشهير ة التي كان ينطقها الباشاوات فى أفلام الستينيات ( ايه اللى بتقوله ده ياولد ، انت مش عارف انا مين).

يا أخى الكريم ، لقد نصح الصحابي الحباب بن المنذر من هو أفضل منى ومنك وأفضل من الخلق أجمعين، بتغيير موقع المسلمين فى غزوة بدر، ونصح الصحابي سلمان الفارسي الرسول أيضا بحفر الخندق فى غزوة الأحزاب، واستجاب الرسول الرائع صلى الله صلى عليه وسلم فى الحالتين للاقتراحين بكل بساطة وهدوء، لأنه رغم أنه رسول، فهو يعلم قبل ذلك أنه بشر (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى)

لماذا إذن ننزل أنفسنا منزلة القداسة، وننسى خلق التواضع، وننسى معه أن (خير الخطاءين التوابون) ، لماذا لا نستمع بهدوء إلى من ينصحنا ولا نعتبره يهين كرامتنا أو يقلل من شأننا، وهو فى الحقيقة يبصرنا بشيء لا نراه لأنه يحبنا و لا يكرهنا، (رحم الله رجلا أهدى إلى عيوبي) كما قال عمر بن الخطاب.

إن أعدائك لن ينصحوك وسيتركونك تمشى فى الطريق الخطأ وهم يشجعونك حتى تسقط فى حفرة سحيقة، وأصدقاءك وأحباؤك ربما يؤلمونك قليلا ً بنصحهم لك، لكنك تذكر أنك تقبل الم مشرط الجراح و تتحمل دخول سن الحقنة الدقيق فى جسدك، و بعدها تشكر الطبيب.

النصح يقوى ولا يضعف، ويجعلك ترى أفضل ويصحح مسارك أولاً بأول.

اعرف ان النقد يؤلمك أحيانا، كما يؤلمني أحيانا، لأسباب منها:

أن هناك من لا يتبع آداب النصح، ومنهم من يكون نقده صحيحاً ولكنك ترى التشفي فى عينيه، ومنهم من يريد ان يهزمك ويضعك فى صورة المخطئ، ومنهم من ينتقدك فى وقت يهنئك فيه الجميع على النجاح، ومن الأسباب أيضا الدفاع الغريزي لديك عمن يهاجمك او تتصور انه يهاجمك.

كل هذا صعب. أنا معك، ولكنك كى تقبل النقد على اى حال، حاول ان تتدرب (وسأتدرب معك ) على الآتي:

1-تذكر انك بشر، مهما كانت مواهبك و قدراتك و عملك المبهر، فلابد ان يوجد خطأ ما فى عملك، لماذا؟ لأنك بشر.

2-اعتبر ان اكتشاف الآخرين للخطأ ميزة، لأنك ستجعل عملك أكثر نجاحا او انك ستتقدم خطوة نحو النجاح، ولا تفكر أنه ينتقص من قدرك، او يريد أن يقلل من شأنك.

3-تواضع لله، وتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم، وحاول ان تشكر من نصحك.

4-اذ أعلمت بخبرتك ان هناك من يتصيد لك الأخطاء، فكر فى كلامه وخذ منه الصحيح فقط، وتجاهله بابتسامة رقيقة.

5-اجعل نفسك مرنة ولا تعادى الناس لمجرد أنهم اختلفوا معك فى رأي، فلا يمكن ان يتفق كل البشر على رأى و احد، وليحترم كل منا وجهة نظر الآخر فى هدوء و أدب ودون عنف او غضب (هذا الأمر يتطلب ثقافة معقولة وقدرة على الحوار).

6-عندما تخطئ فى نصيحتك للآخرين، او عند عدم تقبلك النصيحة من الآخرين، استغفر وتب إلى الله، فخير الخطائين التوابون.

7-ادع الله أن يجعلك تجيد نصح الناس وتقبل نصحهم.

درس اليوم صعب جداً ..أليس كذلك .. استغل إيمانك فى رمضان ونفذه وتقدم خطوة . الخطوة الثامنة والعشرون: أحفظ شيئا من القرآن

لسبب غير مفهوم، ويقصد ان يكون غير مفهوم، تدخل حروف القرآن إلى القلب فتحدث فى الجسد شيئاً أو أشياء، تشعر معها ان خلايا جسدك تعيد ترتيبها من جديد، وأن أشعة الإيمان تأخذ طريقها بهدوء الى أجهزة الجسم فتهلل فرحاً (النور جه) ، فتعمل المراوح وأجهزة التكييف فتهدأ وتطمئن، وتتخلص من قلق الظلام وألم الحرارة.

فى ساحة المسجد، تشعر وأنت تقرأ القرآن بأنك تشرب من نهر جار، ترتوي ويقوى جسدك، لكنك تظل تشرب وتشرب بأمر الجسد الذى يريد ان يرتاح من ماراثون الجري وراء الدنيا وشهواتها، ولا ينقطع إلا برفع الأذان: الله أكبر إنها معجزة القرآن التى نزلت على نبى الله محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الله يسمح لكل الناس بحق الانتفاع بها، حتى غير المسلمين.

لكن من تلذذ بمتعة قراءة القرآن، يعرف ان متعة الحفظ أكثر، ففرق بين ان تدخل أشعة الشمس عليك من بعيد، بوقت محدود، وبين أن تركب وصلات إضاءة داخلية دائمة، فى الصباح والمساء، فى اليقظة والنوم.

ستشعر بالشرف وأنت تسير تحمل جزءاً من كلام الله داخل صدرك، وقد ائتمنك الله عليه، انه شرف الأمانة وشرف الإيمان و شرف المؤمن.

و لأنه لم يكن من السهل ان تحتفظ بكلمات الله فى صدرك، فإنك تحرص على الحفاظ عليها، فترددها أثناء سيرك، وفى صلاتك، فتشعر بحلاوة الصلاة وجمال القيام.

أنت ألان تصلى فى هدوء ولا تحتاج للتعجل ولا تبحث عنه، عندما كنت تعتقد انه يكفى فى صلاة، و لمدة عشر سنوات او اكثر، ان تصلى بسورة الإخلاص .

أرجو الا تتحمس حماس من أراد ان يصعد الجبل على قدميه، فيقع ولايفكر بعدها فى الصعود ولا فى الجبل نفسه. ليس شرطاً ان تحفظ القرآن كله، فكثير ممن حفظوا القرآن ظلوا يلهثون حتى انتهوا من حفظه، ثم خلدوا الى نوم عميق.

أحفظ شيا قليلاً كل يوم، أية او آيتين او ثلاث، هل هذا كثير؟ ولكن استمر وكررها فى صلواتك كل يوم، حتى تجد نفسك بعد فترة انك تؤتمن على سورة او سورتين من السور المتوسطة او الكبار، من الممكن ان تكتفي بهما وتظل ترددهما بإتقان شديد قبل ان تنتقل الى سور أخرى.

المهم ألا تتعجل، المهم ألا تنسى، المهم أن تستخدم ما تحفظه باستمرار، المهم ان يظل شيئاً من القرآن فى قلبك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الذي ليس فى جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب). اخى الحبيب، فى رمضان، ابدأ مشروع حفظ ثلاث آيات فى اليوم، و اقرأها فى صلاتك وتقدم خطوة.

الخطوة التاسعة والعشرون: نحن ( قليلاً ).. وهم ( الا قليلا ً)

السؤال الأول : هل تعرف أحداً فضل ركعتين من قيام الليل على حياته؟  

الجواب : الصحابى "عباد بن بشر" رضى الله عنه.

قد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عبَّادِ بنِ بِشْرٍ رضي الله عنه أن يتولَّى حراسة المسلمين في إحدى المعارك، فأخذ يقوم الليل، وأثناء حراسته، جاء أحد الأعداء فضربه بسهم وقع في كتفه، فأخرج السّهم، وأكمل الصلاة، فضربه الرجل بسهم آخر، وقع في كتفِهِ فأخرجَهُ وأكْمَل صلاته، فضرب بسهم ثالث، فأخرجه وركع وسجد وسلّم ثم أيقظ أحد الصحابة فقال له: لِمَ لَمْ توقظْنِي؟ فقال له: كنتُ في ركعتين وكنت في قراءة لسورة مِن سور القرآن، لئن أقرؤُها أحبُّ إلَيَّ منْ خروج رُوحي.

السؤال الثانى: هل تعرف أحدا فضل النوم والطعام والتليفزيون والسهر على قيام الليل؟

الجواب : أنا وأنت ونحن.

السؤال الثالث: وبعدين؟

أمامك خمس دقائق للإجابة، هى فترة قراءة السطور القادمة.

فى يوم من الأيام كنت من الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، ساعتها شعرت أنى عبداً من عباد الرحمن فهو القائل (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).

تنزل الله من أجلى فى الثلث الأخير من الليل فقال لى: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ هل من سائل فأعطيه؟

فتبت واستغفرت وظني بالله انه تاب على وغفر لى، وسألت ما أردت، ويقيني انه سيجيب دعائي، فهو وعد منه سبحانه و ليس ظنا منى به.

بعض الأملاح فى قدمي تؤلمني، فأستعد لأن أنهى قيامي، فاستحى وأنا أتذكر السيدة عائشة وهى ترى رسول الله يقوم ليله وقد تورمت قدماه فتقول له: "يا رسول الله، أليس قد غفر الله لك ما تقدّمَ من ذنبك وما تأخّر؟". فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا.

ترى ماذا تنوى لو علمت ان الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ لن أثقل عليك فى إجابة هذا السؤال الصعب ، فلندعه الى سؤالنا الأسهل رغم صعوبته.

فى لحظة أحاول أن أتذكر كيف كان يصلى الرسول صلى الله عليه و سلم، فأتذكر صفوان بن المعطل وهو يقول:

كنتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فرمقتُ صلاتَهُ ليلةً فصلَّى العشاءَ الآخرةَ ثمَّ نامَ. فلمَّا كانَ نصفُ اللَّيلِ استيقظَ فتلاَ الآياتِ العشرِ آخرَ سورةِ آل عمرانَ، ثمَّ تسوَّكَ، ثُمَّ توضَّأَ، ثُمَّ قامَ فصلَّى ركعتينِ فلاَ أدرِي أقيامُهُ أمْ ركوعُهُ أمْ سجودُهُ أطولُ؟ ثمَّ انصرفَ فنامَ، ثمَّ استيقظَ فتلاَ الآياتِ ثمَّ تسوَّكَ، ثمَّ توضَّأَ، ثمَّ قامَ فصلَّى ركعتينِ، لاَ أدْرِي أقيامُهُ أمْ ركوعُهُ أم سجودُهُ أطولُ؟ ثُمَّ انصرفَ فنامَ، ثُمَّ استيقظَ ففعلَ ذلكَ، ثُمَّ لم يزلْ يفعلُ كمَا فعلَ فِي أوَّلِ مَرةٍ حتَّى صَلَّى.

رغم ان صلاتي كانت خفيفة لم تزد عن ربع الساعة، الا إنني شعرت بقربى من الله أكثر من اى وقت آخر، كما قال الرسول: أقربُ مَا يكونُ العبدُ من الرَّبِّ في جوفِ اللَّيلِ الأخيرِ، فإنِ استطعتَ أنْ تكونَ مِمَّنْ يذكرُ اللهَ فِي تلكَ السَّاعةِ فكُنْ" [الترمذي والنسائي].

كما كنت فخورا بنفحات من حب الله أقنعت نفسي انى استحقها كما قال ابوالدرداء: أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثةٌ يحبُّهمُ اللهُ، ويضحكُ إليهمْ ويستبشرُ بِهِمْ: الذِي إذَا انكشفتْ فئةٌ قاتلَ وراءَهَا بنفسِهِ للهِ عز وجل، فإمَّا أنْ يُقتَلَ، وإمَّا أنْ ينصرَهُ الله عز وجلّ ويكفيهِ، فيقولُ: انظُرُوا إلَى عبدِي هذَا كيفَ صبرَ لِي بنفسِهِ، والَّذِي لهُ امرأةٌ حَسَنَةٌ وفِرَاشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فيقومُ مِنَ اللَّيلِ فيقولُ: "يَذَرُ (يترك) شهوتَهُ ويذكُرُنِي، ولوْ شاءَ رَقَدَ (نام). والَّذِي إذَا كانَ فِي سفرٍ، وكانَ معهُ ركبٌ فسهرُوا ثُمَّ هَجَعُوا فقامَ في السَّحَرِ فِي ضَرَّاءَ وسَرَّاءَ.

لا عجب ان يكافئني الله إذن: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ).

أما الخشوع والإخلاص فأظل ابحث عنهما طوال اليوم، فلا اعثر عليهما الا بعناء، اما فى القيام فهما بجانبي كأنهما صديقان لى منذ زمن. بعد صلاة الفجر، تتردد فى اذنى آية الجائز الكبرى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا).

وانا أسير فى الطريق، اشعر انه يوم ليس كأي يوم، شعور من العزة والشرف والثقة يسيطر على: "نزلَ جبريلُ إلَى رسول اللهِ فقالَ لهُ: يَا محمَّدُ، اعْلَمْ أنَّ شَرَفَ المؤمنِ قيامُهُ باِللَّيل".

كل هذا حصدته من ربع ساعة قضيتها فى نافلة القيام قبل صلاة الفجر، هذا بخلاف دروس عملية قيمة فى قوة الإرادة والصبر والتحمل، بالإضافة إلى لذة مجانية لطاعة نادرة يمنحها ربى لى تقديراً لجهدي فى طاعته.

ترى ماذا كنت احصد أذن لو صليت نصف الساعة او ساعة او ساعتين، بماذا أفوز لو قمت الليل إلا قليلا (قم الليل إلا قليلا) ، وبماذا أفوز لو فعلت مثلما فعل الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه ، فلقد كان يقسِّمُ الليل، فيقوم الثلث الأول من الليل، ثم يوقظ زوجته فتقوم الثلث الثاني، ثم توقظ الأمُّ ابنتَهما فتقوم الثلث الأخير. وفي الليلة التالية، تقوم الأم الثلث الأول، ثم توقظ أنسًا ليقوم الثلث الثاني، ثمَّ يوقظ ابنته لتقوم الثلث الأخير.

و الآن حان وقت الإجابة ..و لكن اسمح لى أن أذكرك بشيئين لعلهما سيضيفان حتماً إلى إجابتك: الأول : باع الحسن البصري رضي الله عنه جارية له، فرجعت إليه تقول: يا مولاي رُدَّني، لقد بعتَنِي إلى قوم لا يقومون الليل، ولا يصلون إلا الصلواتِ الخمس.

الثانى : ما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (لم يبق مِن حلاوةِ الدنيا إلا ثلاثة أشياء: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة).

جاء وقت الإجابة .. أتمنى معها أخى الحبيب ..ان تتقدم خطوة.


الخطوة الثلاثون: ضع خطتك بذكاء

تتميز شعوبنا انها تستطيع ان نفعل المستحيل، أو ما نتصوره او يتصوره الآخرون أنه مستحيل، فجأة ينفجر لدينا حماس أسطوري يخرج الطاقات ويكشف المواهب ويحرك الإرادة، فنصبح أشخاصا آخرين لا يعرفنا الآخرون، ولا نعرف أنفسنا، ونحقق انجازات عجيبة وكأننا نحلم.

كل هذا جميل، ولكن الغير جميل انه فجأة أيضاً ينخفض المنحنى بشدة عنيفة، ويضعف مستوانا بصورة مذهلة. وهذا ما يحدث فى رمضان بالضبط، ففجأة يولد لدينا حماس أسطوري للعبادة، فنصلى الفجر ونحافظ على الصلوات فى جماعة، وتبدأ مشاريع ختم القرآن، وانتظام مذهل فى قيام الليل، وخشوع وبكاء وحجاب وكل شيء.

فى أول أيام العيد، نعود من حيث أتينا، والطريق الطويل الذي ظللنا نجرى فيه طيلة شهر بكل جد وحيوية، نعتبره هو النهاية وليس البداية، ونعتبر ان مجرد الوصول لنهايته هو الهدف وهو الإنجاز، وهذه ليست الحقيقة.

شهر رمضان هدفه أن نتدرب تدريبات نفسية معينة تعلى من درجة إصرارنا و تعلمنا ان نسيطر على أنفسنا ونستغل طاقة الإرادة الكامنة لدينا، حتى نصل إلى مرحلة التقوى، ( ياايها الذين امنوا كتب عليكم الصيام لعلك تتقون).

إذن قائد هذه العملية التربوية هو الصيام، فهو امتناع بمحض الإرادة عن الحلال قبل الحرام، ويزيد الله من ثواب العبادة حتى يزيد لدينا الإيمان، وعندما يندمج الإيمان مع الإرادة، نصنع المستحيل. هذه هى فلسفة الإسلام فى التغيير، اقتناع .. ثم إيمان .. ثم تغيير.

وأول خطأ ..اننا فهمنا الموضوع غلط، وتصورنا ان معركتنا مع الشيطان هى معركة رمضان وليست معركة حياة.

و لأن الدين يفهم طبيعة النفس، فهو يفهم إنها تأتى بالتدرج وبالرفق، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق) ويقول: ( إن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهراً ابقي).

والتعامل مع النفس بأسلوب اللهوجة يسبب لها نكسة، لذلك فإن ارتفاع المستوى فجأة فى أول رمضان، لا يلبث ان ينكشف فجأة بعد اليوم الخامس او الأسبوع الأول على أقصى تقدير، فتجد انخفاضاً ملحوظاً فى عدد المصلين فى المساجد، وتبدأ فى سماع الأغنيات فى الميكروباصات والشوارع، وتزداد متابعات المسلسلات والبرامج التليفزيونية، ويشعر الكثيرون بحالة من إجهاد النفس من الصعب استمرارها. ما الحل؟

أولا: فهم طبيعة رمضان، إن الغرض منه التدريب النفسي على قوة التحكم فى النفس (جهاد النفس) وقوة الإرادة، وهى أمور تجعل من السهل التنازل عن الشهوة وسهولة الطاعة والتغلب على المعصية، وأرجو ان نعلم ان الطاعة والمعصية ليست مصطلحات قاصرة على العبادة فقط، ولكنها تشمل السلوكيات والأخلاقيات أيضاً، مثل عفة اللسان والذوق والوفاء بالوعد وإتقان العمل وعدم السخرية وحسن معاملة الأبناء والزوجة وعدم الظلم وتقبل النصيحة واحترام وجهات نظر الآخرين.

ثانيا: عدم البدء من أعلى نقطة، اى عمل كل شيء فى أول رمضان ثم يحدث الإجهاد ويبدأ هبوط المستوى، وأفضل أن تبدأ برنامجاً متدرجاً من أسفل إلى أعلى وليس العكس على أن تلاحظ تقدمه بنفسك. لهذا السبب بعض الناس يبدأ الاستعداد لبرنامج رمضان من شهر رجب او شعبان ،حتى يصل إلى مستوى معقول (وثابت) وهو الأهم طوال شهر رمضان.

من الممكن أن تحزن من عدم دخولك الأيام الأولى بكل طاقتك، ولكن التجربة أثبتت ان دائما هناك فاقد فى الشهر، فالأفضل أن تجعل هذا الفاقد فى أول الشهر و ليس فى اخره.

أيهما تفضل ..أن تصبح المساجد نصف ممتلئة فى أول شهر رمضان، ثم تزيد شيئاً فشيئا حتى تمتلئ فى نهاية الشهر، وتستمر بعد رمضان، أم تجد فى أخر شهر رمضان صفين فى صلاة العشاء.

ثالثاً: الترفية له وجود فى رمضان ، وهو أمر مطلوب ولكن بتوازن وبقدر معقول.

رابعا: تقييم نجاحك لشهر رمضان هو وصولك لمرحلة التقوى، بما يعنى انك قد نجحت فى تعويد نفسك على أشياء لابد ..لا بد ..لابد ان تستمر بعد شهر رمضان الى رمضان الذي بعده، وعندها يكون رمضان قد أدى مهمته معك.

اعتقد إننا إذا فكرنا بهذا الأسلوب نكون قد وصلنا فى نهاية الشهر الكريم للهدف من رمضان ، وهو ما يعنى أننا سنستمر لا أن نتوقف.

أخي الحبيب .. ضع خطتك بذكاء ..و تقدم خطوة .

الخطوة الثالثة: تعلم فن الصبر

من منا لم يتعرض لأزمة جعلت الحيرة تتملكه وجعلته يرفع يديه إلى السماء بعيون دامعة وقلب نابض بالإيمان؟ الكثير والكثير تعرض لمواقف يرى فيها اعز أحبابه على خطر عظيم، خطر يجعله بين الحياة والموت، وهو لا يملك شيئاً إلا الصبر و الدعاء.

الدكتور خالد بن عبد الله الجبير استشاري وجراح أمراض القلب يروى قصة عجيبة ارويها لحضراتكم باختصار ..أجريت عملية لطفل يبلغ من العمر سنتين ونصف، وبعد يومين وبينما هو جالس بجوار أمه بحالة جيدة، إذا به يُصاب بنزيف في القصبة الهوائية ويتوقف قلبه لمدة 45 دقيقة وتتردى حالته، ثم أتيت إلى أمه فقلت لها: إن ابنك هذا أعتقد أنه مات دماغياً.

أتدرون بماذا ردّت عليّ ؟قالت: الحمد لله. اللهم اشفه إن كان في شفاءه خيراً له. وبعد ستة أشهر ونصف يخرج ابنها من العناية المركزة لا يرى، لا يتكلّم، لا يسمع لا يتحرّك كأنه جثة هامدة، وصدره مفتوح، وقلبه يُرى إذا نُزِع الغيار.وهذه المرأة لا تعرف إلا (الحمد لله) وبعد شهرين ونصف ... ماذا حدث ؟؟

خرج ابنها من المستشفى يسبقها ماشياً سليماً معافى، كأنه لم يُصب..ومن كثرة تماسك المرأة، ظن الطبيب أن لها من الأولاد الكثيرين، فإذا به يفاجأ بأنه جاء بعد 17 سنة من العقم والعلاج !!

إن ماء الصبر لا يأتي إلا من حوض الإيمان، ومن لا يملك الإيمان لن يقوى على السير في طريق الحياة. عن علقمة قال: قال عبيد الله: "الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله". (رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح).

وفى شهر رمضان الكريم، وهو شهر الصبر، اكتشف معي معنى الصبر بدقة إذا فتحت المعجم الوسيط الذي يحكى عن الصبر فيقول : (صبر) صبرا: أي تجلد ولم يجزع، وانتظر في هدوء واطمئنان، ويقال صبر على الأمر احتمله ولم يجزع.

و المعنى يشير إلى أن مواصفات الصبر والصابرين هي:

- التماسك وعدم الانهيار عند حدوث الأزمة أو التعرض لمشكلة.

- عدم اليأس والاعتراض على قضاء الله.

- استمرار القدرة على التفكير بحكمة.

و لذلك يشير القرآن في أكثر من موضع، أن الصبر هو سلوك الأقوياء لا الضعفاء، ولذلك سماهم القرآن (أولو العزم) ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور) الشورى 43 ( فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) الأحقاف 35

والذي يتأمل في هذه المواصفات الثلاثة، يجدها عوامل ذهبية للنجاح في الحياة، و التغلب على مشاق العمل والمذاكرة وضعف الوضع المادي ومشاكل الاحتكاك بالناس في العمل والشارع ووسائل المواصلات ..الخ

ما أريد أن أقوله، أننا دائماً عندما نتحدث عن الصبر، نتحدث دائماً عن المصائب والابتلاءات والكوارث، وهو أمر مطلوب، ولكن كم تمثل الأحداث السيئة الكبيرة في عمر الإنسان، 5 في المائة ، 10 فى المائة، أذن هناك مساحة أخرى للصبر علينا أن نراها ونسرع باستخدامه فيها، هذه المساحة هي مساحة طاعة الله والعمل وتحقيق الأهداف، وهي أمور غالبا ما نتعثر فيها في أول الطريق أو ربعه أو منتصفه، وإن لم يكن لدينا آليات الصبر حدث الانهيار والفشل، أما إذا استدعينا طاقة الصبر، استطعنا أن نجتاز الحواجز بإيماننا بالله، حتى تمر الأزمة ونكمل الطريق.

تحدث القرآن الكريم في عدد من الآيات عن علاقة الصبر بالنجاح.

(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فصلت 35 (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) الأنسان12 (وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) هود 115و عليه فإنني أدعوك آخى الحبيب أن تتعلم فن الصبر في المواقف الآتية، وأذكرك أن فن الصبر يتطلب منك أولاً أن تتحكم في انفعالاتك، وأن تتفاءل وتثق في الله وتتوكل عليه، ولا تضع اليأس يتطرق إلى قلبك، وأن تظل محتفظاً بقدرتك على التفكير السليم، حتى لا تقع في أخطاء تندم عليها، و تحاول تصحيح ما وقعت فيه من خطأ.

1- اصبر على الطاعة ولا تسمح ببرنامج رمضان الإيماني، أن يتآكل بعد اليوم الخامس من الشهر، لا تيأس من أصابتك بالفتور، لا تنهار وتجعل الشيطان يفرح لانتصاره عليك، وفكر في الوسائل التي تعيد بها شحنة إيمانك من جديد.

2- اصبر على نقد الناس لك سواء كان هؤلاء الناس رئيسك في العمل، صديق لك، زوجتك، أبناءك، رجل عابر رآك في موقف خطأ، لا تغضب، لا تعتبر المسألة مسألة كرامة، بل اهدأ قليلاً وفكر، فربما تكون على خطأ، وان لم يكن، اشرح وجهة نظرك بهدوء وتوصلا معا لحل عملي يحل المشكلة دون أن تعتبر المسألة موقعة حربية يجب الانتصار فيها.

3- اصبر على إتقان عملك دون تكاسل وتهاون، ولا تسئ لشهر رمضان وتبرر مسلكك بالصيام، هل تعرف أن غزوة بدر كانت في شهر رمضان، في عز الصيام والحر، هل سمعت أن أحداً اشتكى أو طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الإفطار، لا توهم نفسك بالصداع والخمول، وتقرب إلى الله بإتقان عملك (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)

آخى الحبيب...درب نفسك كل يوم على فن الصبر، إذا نجحت في الثلاث بنود السابقة، فتقبل تهنئتي الحارة، فلقد تقدمت خطوة.

الخطوة الرابعة: اثبت!!

يعلمنا شهر رمضان العظيم الثبات على المبدأ، والدفاع عن ما تقتنع به انه حق، وعدم الاستسلام والتنازل والدخول في خانة المعصية والتجرؤ على الله تحت ضغط الاحتياج المادي وشهوة النفس أو الرغبة في الوجاهة الاجتماعية، وأنا لا أعنى هنا الثبات على المبدأ بالدماغ المصفحة التي لا تقبل الرأي الآخر، وتستعصي خلايا مخها عن التفكير، أصحاب العقول الذين يتمسكون بعادات وتقاليد خاطئة لا يقبلها ديننا الجميل، أو ذلك النوع من الناس الذي يرى انه اخطأ ملء عينيه ثم يكابر ويعاند و يقول بلهجة فرعون: أنا مرجعش في كلمتي مهما حصل.

لا اقصد هؤلاء بالطبع، فأنا اقصد المبدأ الذي يتفق مع الدين ولا يخالفه، أما الرأي، فهو فكرة هداك تفكيرك للاقتناع بها حسب المعلومات والمقدمات التي لديك، ومن الطبيعي تغييره إذا ظهرت لك معلومات أخرى، أثبتت بالدليل القاطع بأن ما أنت مقتنع به غير صحيح، أو بالأصح أصبح غير صحيح، وساعتها يصبح النزول عن الرأي طاعة لله، ولك الأجر و الثواب. ومبادئ شهر رمضان لا تنازل فيها، لا طعام ولا شراب ولا جماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، إلا لظروف قهرية حددها المشرع بوضوح، تحمل الجوع والعطش والحر والصداع في الأيام الأولى، ولكن لا تتنازل، بل الأصعب من ذلك، أن مجرد التفكير في التنازل سيعرضك للإفطار، حتى وإن لم تبتلع نقطة ماء واحدة، لأن ركنا الصيام هما:

- النية

- الإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

وإذا ضعف شخص إلى الدرجة التي تجعله يقرر فيها الإفطار، يكون بذلك قد كسر ركن النية، وبالتالي يبطل صيام، حتى لو ندم وعاد في قراره (راجع فقه السنة: كتاب السيد سابق – باب الصيام) إذن الصيام يدربنا تدريباً قاسياً على التمسك بالمبدأ، إلى الدرجة التي يحاسبك فيها على مجرد التفكير في التنازل عنه، والإسلام يعتمد في ذلك على شحنة الأيمان العالية التي يمدك بها، والتي تجعلك في حالة تتضاءل فيها شهوات النفس و ألم الجسد، أمام رضا الله و حلم الجنة.

هذا الثبات هو الذي جعل المسلمين في بداية الدعوة في مكة (رجالا ونساء) أن يتحملوا تعذيباً أسطورياً هستيرياً من مجموعة من المرضى، أخذوا ينتقمون من أناس ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، كل جنايتهم أنهم اعتنقوا دين الإسلام.

تذكروا قصة الصحابية الجليلة سمية بنت خياط، قصة ثبات حتى الممات، انقلها لكم كما قرأتها: كانت سمية بنت خياط أمة مملوكة عند أبي جهل.. فلما جاء الله بالإسلام..أسلمت هي وزوجها وولدها..فجعل أبو جهل يفتنهم..ويعذبهم..ويربطهم في الشمس حتى يشرفوا على الهلاك حراً وعطشا، فكان صلى الله عليه وسلم يمر بهم وهم يعذبون، وهم يمتحنون، وهم يقاسون أنواعاً عظيمة من التنكيل، دماؤهم على أجسادهم تسيل، وقد تشققت من العطش شفاههم، وتقرحت من السياط جلودهم، وحر الشمس يصهرهم فيقول لهم عليه الصلاة والسلام معزياً ومصبراً ومبشراً: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة).. يا لها من بشارات عظيمة، وكلمات جليلة....وفجأة إذا بفرعون الأمة أبي جهل يأتيهم، فيزداد غيظه عليهم، فيسومهم عذابا، ولسان الحال منهم أتاهم فقال: سبوا محمداً أو ربه.. نعوذ بالله مما قال..فلا يزدادون إلا ثباتاً وصبرا.. عندها اندفع الخبيث إلى سمية..ثم استل حربته فطعنها بها، مزق أشلاءها، أسال دماءها، انقض على جسدها الطاهر يمزقه تمزيقا، وزوجها وولدها بجانبها مربوطان، وأبو جهل يسب ويكفر، وهي تحتضر وتكبر، ثم ماتت، نعم ماتت رحمها الله ورضي عنها، نعم ماتت وقد أطاعت ربها، وأخزت عدوها ماتت وهي ثابتة على الدين في أشد بلاء، وأعظم ابتلاء.

آخى الكريم، إذا واجهتك المواقف الآتية، فاثبت على مبادئ الدين، والتي ينبغي قطعا أن تكون مبادئك، وتذكر دائما انك مسلم بدرجة صائم.

تتعرض لإغراءات خفية في العمل، بقليل من التفكير ستدرك حتما أنها نوعا من الرشوة المقنعة الخفية، قاوم نفسك وارفض بالطريقة التي تراها مناسبة للموقف، ولست محتاجاً أن أتحدث عن الرشوة الصريحة، قال رسول الله ص ( لعن الله الراشي و المرتشي و الرائش).

-لا تقم بعمل تعلم جيداً انه محرم، أو انه سيتسبب في إيذاء أشخاص آخرين، حتى وإن كان هؤلاء الأشخاص لا تعرفهم، مقابل إغراء مادي مهما كان، أو استجابة لأي ضغوط، فسيعود عليك كل ما اكتسبته بالخسارة في الصحة و الأولاد.

-لا تنافق أحداً من أجل الوصول إلى درجة أعلى أو اغتنام فرصة (مع حفظ الفرق بين النفاق والمجاملة، فالنفاق يعنى الاعتراف بالفساد والخطأ، والمجاملة عبارة عن كلمات رقيقة تدخل في باب الذوقيات)

- الثبات على المبدأ أمر فى غاية الصعوبة، و يتطلب دائماً مداومة على الطاعة و الاتصال بالله، ادع الله لي ولكم بالثبات ، كما كان الرسول صلى الله عليه و سلم نفسه يدعو لنفسه "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك )

آخى الحبيب، فلندع لبعضنا البعض أن نثبت، ونتقدم خطوة.


الخطوة الخامسة: كلام مسلمين

هل تكفى كلمتك الآن كي أصدقك في وعدك لي؟ هل يكفى وعدك لي أنك ستأتي لي غداً أن انتظرك؟، هل يدخل كلامك لي بمساعدتي في حل مشكلتي الاطمئنان إلى نفسي في انك تقف بجانبي؟ هل أثق في وعدك لي باسترداد ما اقترضته إياك في الموعد الذي اتفقنا عليه؟ هل لا زالت الجملة الشهيرة الجميلة (الراجل بيتربط من لسانه) تؤدى مفعولها إلي الآن؟

للأسف الإجابة في معظم الأحيان: "لا". فالرجل لم يعد يتربط من لسانه، ولا من شيكاته ولا من وصلات أمانته، لم يعد هناك شيء يجبر الكثير على الوفاء بوعده، لأن الوازع الأصيل والأصلي للوفاء بالوعد أصيب بالمرض والخلل، أصبحت فضيلة الوفاء بالوعد فضيلة منسية، بعد أن زاحمتها المصلحة والفهلوة والكسل والكذب والخداع، والحديث الذي ترعرعنا عليه في مدارسنا: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف، وإذا وأتمن خان) لم يعد يذكره الكثير.

العرف يقول إن الذي يخلف وعده ليس برجل، ولكن هذا فيه اتهام لنساء كثيرات صادقات في وعودهن، ولكن الحديث وصف الذي يخلف وعده بالمنافق، وهى صفة أشد كثيراً من مجرد عدم الرجولة، فهي صفة مشينة لصاحبها تدل على الخبث أو المكر أو الكذب أو ضعف الشخصية أو الاستهتار بمشاعر الناس وعدم احترامهم.

الانبهار يتملكني كل مرة وانأ أقرأ قصة حذيفة بن اليمان وأمر الرسول له بالوفاء بوعد لمن ؟ لأبى جهل وفى وقت حرب، قبل غزوة بدر بساعات .. اقرأوا هذا المشهد من كتاب ( في حب الصحابة ) " إلى أين يا حذيفة ؟ "

انتبه حذيفة فجأة ..من أثر صوت صدر من خلفه هو ووالده ( حسيل بن جابر)، وهما يسيران في صحراء الجزيرة العربية في سفر خارج المدينة، قبل ساعات من غزوة بدر.. وأخذ صاحب الصوت يقترب منه وهو يتابع:

- إذن صحيح ما سمعناه ؟ قال حذيفة وهو يحاول أن يخفى ارتباكه:

- أي شيء سمعته يا رجل ؟ نحن ذاهبان إلى المدينة ..إلى أهلنا هناك. نظر إليه أبو جهل وحوله أصحابه وهو ينظر إليه نظرة ثاقبة:

- بل تذهبان إلى محمد وأصحابه يا حذيفة.. ألم تصبحا مسلمين ؟؟ رد حذيفة في غضب:

- نذهب إلى من نذهب إليه .. لا شأن لكم بنا. قال أبو جهل مهدداً:

- لن تذهبا إلى محمد .. نحن نأسركما ونمنعكما. ثم نظر إلى حسيل بخبث وهو يتابع:

- أهل المقتول لا زالوا يبحثون عنك يا حسيل ..وأنت الآن في أيدينا. وتابع مستطردا:

- إلا إذا عاهدتماننا. نظر حذيفة وأبوه كل إلى الآخر، وقد بدا على وجهيهما الغموض، ثم نطق حذيفة مستفهماً في ضيق:

- نعاهدكم؟ نعاهدكم على أي شيء..؟!

- إذا قاتلنا محمداً ..فلا تقاتلا معه ضدنا. هتف الأب وهو يمسك بيد حذيفة قبل أن يهم بالكلام:

- اتفقنا ..لا نحارب معه إذا حاربتموه. ترك جمع المشركين حذيفة وأباه يواصلون السير بعد عقد الاتفاق فيما بينهم، بينما ظهر الضيق على حذيفة وهو يحدث والده قائلاً:

- ما هذا الذي قلته يا أبى ..أنذهب إلى رسول الله، ثم نقول له عفواً، فبعد أن أسلمنا وعاهدناك على حمايتك ونصرتك، لن نستطيع أن نحارب معك ؟! ثم تابع :

- لقد تسرعت يا أبى ..تسرعت. قال الأب بصوت خفيض يدعو إلى التفكير:

- لو لم نفعل ذلك لما تركونا .. أردت أن أمرر الموقف ثم نعرض الأمر بتفاصيله على الرسول، وليحكم بما شاء. تنهد حذيفة وهو ينظر إلى أبيه قائلاً:

- وليكن.. فلنعرض الأمر على رسول الله. وواصل حذيفة وأبوه السير إلى أن وصلا إلى المدينة، ليكونا بين يدي رسول الله، ثم يعرضان عليه الأمر وينتظران أمره ..وكم كان الرسول عظيماً عندما أمرهما بالوفاء للمشركين بالوعد، وعدم مشاركتهما في حربه مع الكفار قائلاً: "نفى بعهدهم، ونستعين بالله عليهم" يا لعظمة الإسلام ..ما الذي يمنع مسلمين من أن يتذوقا حلاوة أول جهاد في سبيل الله، ولا ينالا شرف الجهاد مع رسول الله؟

ما الذي يجعل مسلمين يعنيان بعهد لمشركين أعداء لهما وللرسول وللدعوة، في موقف كانوا مكرهين فيه على أخذ العهد..الذي دفعهم إلى ذلك كلمة واحدة ..الأخلاق.

رسالة الإسلام السامية، التي بعث الرسول للبشرية من أجلها ..أليس هو القائل: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"ولقد كان الوفاء بالوعد، أحد مكارم الأخلاق التي تتمتع بها الجاهلية ..أفيأتي الرسول ليهدمها؟! لا ..حتى وإن كانت من أجل الجهاد ضد أعداء الله.

بالتأكيد حزن حذيفة وأبوه لأنهما لم يشاركا في غزوة بدر .. درة الجهاد في سبيل الله. لكنهما – وبالتأكيد- كانا يعلمان تمام العلم، أن الثمن كان تعليم الأجيال تلو الأجيال، أن المبادئ أهم وأبقى من أي شيء ..وأن الرسالة التي لا يخدشها شيء ..لهى أبقى وأنفع للناس ولو مرت آلاف السنين.( انتهى) وان كان الموقف يحكى قصة للوفاء بالوعد تحت ضغط رهيب في وقت حرب ولأعداء كافرين، فان كل ما نريد تحقيقه في حياتنا اليومية أبسط من ذلك بكثير:

1)إذا اقترضت من أحد مالاً وواعدته على موعد السداد، لا تماطل صاحب الحق حتى تجعله يندم على فعل الخير.

2)إذا اتفقت مع أحد على موعد، فاحرص أن تذهب إليه في الموعد المحدد، رتب شئونك كي تفي بوعدك، إذا حدثت ظروف أجبرتك على الوفاء بوعدك، يجب عليك أن تعتذر بوقت كاف، وإذا أضررت للتأخير عن الموعد فترة مقلقة لابد أن تتصل وتعتذر.

3)إذا اعتذرت أو تأخرت لا تكذب وكن شجاعاً، اندهش كثيراً من تصرفات الناس الذين يكذبون على أصدقائهم وأهلهم في وسائل المواصلات وهم يتصلون بهم على المحمول، فيحاولون تخدير المتصل بأن يقول له أنه في مكان قريب وهو في مكان أخر بعيد عنه تماماً، و الكلام لإخواننا الحرفيين، فهم المخترعون الأصليون لهذا الفعل المشين.

4)إذا وعدت صديقاً بمساعدته في أمر، كن متأكداً من قدرتك على المساعدة أولا، وحدد بالضبط ما تستطيع القيام به، حدد إمكانية نجاحك، واجتهد بالفعل أن تساعده، بدلاً من استخدام أسلوب التجاهل و النسيان المستفز المحبط.

5)إذا وعدت أحداً لا تعرفه بالرد عليه (لأصحاب المحلات والمسئولين في أماكن العمل)، فرد عليه وبسرعة، ولا تتجاهله لأنه شخص مجهول بالنسبة لك.

الوفاء بالوعد ليس رجولة فقط، لأنه للنساء والفتيات أيضا، ولكنه خلق يدعونا إليه ديننا الجميل الذي يحبنا و يحب لنا أن نحترم بعضنا البعض، وأن يحرص كل على مشاعر الأخر دون مصلحة.

لذلك .. فإن وصف الوفاء بالوعد بكلام رجالة أراه بعيدا ًعن المنطق، وأرى أن الوصف الأقرب له هو: (كلام مسلمين) آخى الكريم .. من اليوم ، أوف بوعدك وتقدم خطوة.

الخطوة السادسة: صم مساءا

بعض الناس يتصور أن الصيام بالنهار فقط، وعلى ذلك فإن انطلاق مدفع الإفطار لديه يعنى السماح له بالمعصية، فيبدأ بالسيجارة، ثم يتبعها بكليبات ميلودى ومسلسلات نص كم، وأفلام من غير كم خالص، نظرات منفلته في الشوارع، وألفاظ جارحة لكل من يسمعها ثم وضع برنامج جلسات النميمة، ولا مانع من خناقة على الماشي إن أمكن.

يغذى هذه النظرية الإعلام نفسه، ويعلمها للأجيال الناشئة الصاعدة الواعدة، فالإعلام قبل الإفطار، إعلام مهذب مؤدب مكسوف محترم مفيد، وبعد الإفطار جرئ منفلت تافه ضار بالعقل والدين والصحة.

الخيم الرمضانية التي تستضيف الراقصات (اللي كانوا صايمين الصبح، ازاى مش عارف) تقام مساءً حتى السحور، أو أذان الفجر، وحتى الإعلان عنها لا يتم قبل الإفطار، لماذا ؟ لأن الناس صائمة وهذا حرام أو غير لائق أو شيء غير محترم، أو أكمل أنت من عندك إن عرفت الإجابة.

هؤلاء وهؤلاء وأولئك لا يعرفون رمضان ولا معناه ولا مغزاه ولا هدفه، وجهلهم بفضل الشهر العظيم ودوره في تقوى النفوس وصلاحها وتهذيب النفس وجهادها وتدريبها على التحكم في شهواتها، يفسد علي الناس فرصتهم الذهبية لإعادة ترتيب خلايا الجسد من جديد، بعد أن عمتها الفوضى طيلة أحد عشر شهراً، إيمان القلب في الصباح، ينزعج بشدة من تيار المعصية الحار في المساء، وخلوة النفس مع الله يكسرها صخب الشهوة واللهو.

قال تعالى: " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" و التقوى ليس موعدها الصباح فقط، موعدها الصباح والمساء أيضا.

و يقول صلى الله علية و سلم (الصوم جنة) أي حماية ووقاية، فلماذا تلبس سترة الوقاية والحماية في الصباح و تخلعها في المساء؟ ألا تخش الله في المساء كما تخشاه في الصباح؟

إن الصوم تدريب غير عادى على قوة الإرادة، وهى صفة لا يستغنى عنها أي ناجح كما لا يستغنى عنها أي مسلم يطلب الجنة، وضعيف الإرادة يصبح لعبة في يد الشيطان يحركه كيفما يشاء.

كما أنه تدريب على قوة التحمل، فالمسلم يجب ألا يكون رخواً لا يتحمل شظف العيش، بل لابد أن يكون قوياً صابراً رغم شدة الظروف.

آخى الكريم .. ادعوك أن تكمل صيامك بعد الإفطار، صيام الجوارح الذي يثبت أنك إنسان تحب الله، وجدير بحبه لك، وعلى وعى بما يريد منك.

1- احرص على صلاة العشاء في المسجد و صلاة القيام من بعدها.

2- التزم بغض البصر في الشارع أو خلال وسائل الإعلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركها خوفاً من الله آتاه الله عز وجل إيماناً يجد حلاوته في قلبه " أخرجه الحاكم وصحح إسناده.

3- أحفظ لسانك من الشتم والغيبة والنميمة.

آخى الحبيب ، فلتكمل صيامك بعد الإفطار، وتتقدم خطوة.


الخطوة السابعة: في الصف الأول

هل تذكر كم مرة صليت في الصف الأول؟ أرجوك لا تخجل أو تتضايق وتظن إني استعرض عليك، فأنا نفسي أذكر أنها مرات قليلة ونادرة، وأنا لم اقصد أن أشعرك بالخجل، ولكنى أريد أن اصف لك مشاعري في المرات القليلة والنادرة التي أكرمني الله فيها بالصلاة في الصف الأول.

- أول شعور ينتابك هو أنك فزت في سباق، يزداد هذه الشعور عندما تتذكر الآية: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين) .. هذه الآية تشعرك أنك كنت في سباق بالفعل، وأنت الذي تفوقت فيه على إخوانك الذين يصطفون وراءك، تفوقت فيه لأنك استعددت للصلاة قبلهم، بمجرد سماع الأذان ، فلملمت أوراقك سريعاً وتوضأت وذهبت للمسجد.

أنت إذن في حالة تقول إن العلاقة بينك وبين الصلاة ليست أداء و اجب روتيني، ولكنها موعد مع الله يجب الاستعداد له كما نستعد لمشاهدة مباراة هامة (وعفوا في التشبيه) تريد أن تهيئ نفسك للوقوف بين يدي الله بصلاة ركعتين تحية للمسجد، ثم ترقق قلبك بقراءة بعض آيات من القرآن من مصحف تلتقطه بفرح من مكتبة المسجد حتى تقام الصلاة، فتقف هادئاً مستمتعا ً، و تتذكر ساعتها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (لو يعلمون ما في الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه)

- الشعور الثاني الذي ينتابك هو أن الله ينظر إليك نظرة رضا أفضل ممن وراءك، فأنت الذي اجتهدت أكثر، وكنت أكثر حماسا للقاء الله، وأكثر استغناءً عن أمور الدنيا كي تلبى النداء.

- الشعور الثالث هو العدل، فعلى قدر اجتهادك تكون مكافأتك، ولن يعطى الله ثواب الصف الأول لمن يأتي متأخراً ثم يتخطى رقاب الناس ويضايقهم و يؤذيهم ليقف في أول صف.

تعالى آخى الكريم نحاول معاً ( أنا و أنت) أن نكون من أصحاب الصلاة في الصف الأول، ولكن انتبه .. فستكون المنافسة قوية جداً في شهر رمضان، وفى أيام العشر الأواخر لا تيأس، وستأخذ على قدر نيتك وسعيك واجتهادك ، لأنك هتلاقى ناس بايتين من امبارح.

و إليك و( إلى نفسي) هذه النصائح:

1)استعد للصلاة فور سماع الأذان

2)كلما أمكن أن تترك ما أمامك بسرعة فافعل.

3)لا تستسلم لفكرة (انتظر حتى تفرغ من هذا، انتظر حتى افعل هذا) ملاحظة : ربما تكون هناك بعض المواقف التي تتعامل مع الجمهور يكون من الصعب أن تترك الناس وتمشى فجأة، ربما تكون هذه مواقف خاصة لبعض الناس ، فحاول ألا تجرح من أمامك أو تضره.

4)بمحرد الدخول، احجز مكانك في الصف الأول دون تخطى الرقاب ومضايقة الناس، ثم صل ركعتين تحية المسجد، واتل ما تيسر لك من القرآن.

جرب أن تفعل ذلك .. اعتقد انك ستشعر بالمتعة التي شعرت بها في مرات قليلة سجلت اسمي فيها في دفتر حضور الصف الأول.

لا تحزن لو نجحت في مرة و فشلت في أخرى، ولكن حاول أن تصلى في الصف الأول وسأحاول معك، كي نتقدم خطوة.


الخطوة الثامنة: رد من فضلك

ربما تظن أن السلوك الذي نتحدث عنه اليوم من المبالغ فيه أن نفرد له مقالاً كاملاً للحديث عنه، ولكن ربما تشاركني الرأي بعد قراءته، أنه سلوك رغم أنه بسيط شكلاً ، إلا أنه سلوك مستفز، يعكس عدم احترام الآخرين و تجاهلهم، ويدلل على ضعف مبادئ الذوق عند البعض، وربما يطعن هذا السلوك في الشهامة والمروءة.

هذا السلوك هو (الاتصال التليفوني)

بعض الذين أعرفهم أثناء حديثي معهم يطلق هاتفهم رنته المحببة إلى قلبه، فأفاجأ انه بمجرد أن يمسك تليفونه المحمول وينظر إلى اسم المتصل، يلقيه جانباً، وعندما اسأله لماذا لم ترد؟ فيجيب باستهتار: لا مش مهم.

فلقد قسم الناس إلى ناس مهمين وناس مش مهمين، وهو يرد على المهمين فقط، هذا المنطق لو عامله به أحد المسئولين في الحي الذي يسكن فيه، لغضب وثار، وتحدث عن عدم احترام الناس وسأل عن المساواة واندهش من أن الواسطة أصبحت تتحكم في كل شيء، وأعطى محاضرة عصماء عن التواضع وعدم الكبر على الناس، وربما تذكر حديث الرسول صلى الله علي و سلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).

حكى لي صديق أن واحد من هؤلاء تكرر الاتصال به وهو جالس معه ثلاث مرات تقريباً، وهو مصر على عدم الرد، وعندما قال له: رد على من يتصل بك، قال في لا مبالاة: لا.. دي المدام .. مش مهم !!! احد الأشخاص يتمتع بعلاقات جيدة، استطاع أن يقنع مدير إحدى الشركات بالتعاون مع صديق له بفتح خط إنتاج مع صديق له لدية مصنع ملابس، فاتصل به في حضوره مرات عديدة، لم يرد عليه، فاستاء المدير جداً، ورفض التعامل مع شخص لا يحترم أصدقائه.

قد تقول ربما كان نائماً أو التليفون بعيد عنه أو.. أو ، والحل أن يتصل به بعد استيقاظه أو بعد التقاط اسم المتصل، إلا أن هذا لم يحدث.

هذا النوع من الناس هو الذي يعرف من يتصل به، بمعنى أن من يتصل به شخص يعرفه بدرجة جعلته يسجل اسمه على هاتفه المحمول، وهذه المجموعة تحتوى بالتأكيد على المجموعة التي لا ترد على الأرقام المجهولة التي تتصل بها، وكأنه المفروض اننى كي اتصل بك لا بد أن كنت قد رأيتك و تحدثت معك وشربنا الشاي وتبادلنا المشاعر الجياشة لأنال شرف الاتصال بك و الرد على.

قد يتعرض أحد أصدقائك لمكروه أو ظروف خاصة يحتاج فيها لمساعدته في الوقت الذي يكون قد نسى هاتفه المحمول في المنزل، أو فقده، أو حدث له عطل مفاجئ ، في هذه الحالة سيظهر رقم لا تعرفه، وتجاهلك له، يعنى عدم مساعدة صديق لك في أزمته.

إن تجاهلك الرد على الهاتف، يشبه تجاهلك الرد على من يطرق بابك ، بعد أن سألته عن اسمه فقال لك ( فلان ) و اتضح ان فلانا هذا لا تعرفه، فتركته حتى يرحل فى هدوء.

ليس هذه هى كل مشاكل الاتصال التليفوني، فهناك مشكلة أخرى كبيرة تتعلق بالذوق فى الحديث، طريقة الرد و عاطفة الحديث ، فالمستمع يرى شخصية من يحدثه من خلال الصوت فقط ، وبعض الناس تبدأ أول كلمة بطريقة مزعجة ومخيفة ومقلقة للطرف الأخر، فبدلا من أن يقول( السلام عليكم) المطمئنة للنفس جداً ، أو ( ألو ) بصوت هادئ ، تجد منهم من يبدأ حديثه بشجار وهو يقول ( إيه )- ( مين معايا )- ( ايوة ) ، ثم يتحدث بأسلوب فظ يشعر الطرف الأخر بالضيق منه وعدم احترامه.

إن الحديث في التليفون هو أدب إسلامي، ينطبق عليه كل ما ينطبق على آداب الحديث الذي يتطلب احترام الآخر، و الحديث بلطف وإنهاء المكالمة بأدب، وهو سلوك إسلامي يجب أن نحرص عليه كمسلمين. أخي الحبيب .. انى ادعوك أن تتبع ما يلي فى سلوكك فى الاتصالات التليفونية :

- رد على الجميع سواء من تعرفه أو من لم تعرفه.

- إذا اتصل بك شخص وأنت نائم أو لم تسمع هاتفك، رن عليه بعد رؤيتك لمن اتصل بك، سواء كان هذا الرقم تعرفه أم لا

- الرقم الذي لا نعرفه و يرن رنة واحدة ويغلق، من الممكن أن نضعه تحت بند المعاكسات

- لا حرج أن تغلق تليفونك المحمول للضرورة القصوى

- أبدا حديثك برقة ولطف، سواء كنت ستقول السلام عليكم أو الو، وتحدث بأسلوب يحترم الطرف الأخر وانه المكالمة بلطف.

آخى الحبيب ..افعل ذلك و ثق وأنت تفعله أنك تتبع سلوكاً إسلاميا ًسترضى به الله .وتتقدم به خطوة.


الخطوة التاسعة: الجنازة

حتى لا يكون للبشر حجة، أي حجة، يرينا الله الموت كل يوم، لكننا نصر ألا نراه، يرينا الله المشهد الأخير، مشهد الاستسلام للأمر الواقع، مشهد اللاعودة والسفر الطويل.

يرينا الله المستقبل كل يوم، ويجعلنا نتخيل عن قرب بعض الغيب، و نشعر به في تأثر حتى نعود لأنفسنا ونحكى لها ونقول لها في لوم: مرة أخرى يعطيك الله الفرصة، ربما تكون الفرصة الأخيرة، أعيدي حساباتك ولا تتجاهلي الحقيقة أكثر من ذلك.

الله يرينا الحقيقة مرات ومرات، قبل أن تسرقنا الغفلة ويهاجمنا الموت فيأخذنا في ذهول، لذا فهو يدعونا إلى أن نسير في الجنائز، ويا لرحمته وفضله، يريد أن يذكرنا بمصيرنا ثم يصرف لنا من كنوزه حسنات مثل جبلين من احد.

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد"[صحيح الجامع6136].

أنت تسير الآن في صمت رهيب ، يحمل أمامك إنسان سينكشف عنه الغيب بعد قليل، ود لو حدثك ليحذرك من الأمر الخطير و شدة المصير، كل ما استطاع أن يقدمه لك أن أعطاك الفرصة لتفكر في صمت، وتفتح ملفاتك القديمة وتعيد قراءتها من جديد ، قبل أن تسكن في حفرة تحت ألأرض وحيداً.

افتح ملف العبادات: الحفاظ على الصلاة، الخشوع فيها، الصيام..هل تؤديه بإتقان يصل به إلى درجة القبول، الزكاة .. هل تنساها في زحمة الحياة، هل الحج فى مقدورك فتؤخره؟

افتح ملف المعاملات: سلوكك مع والديك، وإخوتك، مع زوجتك وأبنائك ومع الناس، كم مرة ظلمت ؟ كم مرة خدعت ؟ كم مرة آذيت؟

أرجوك .. راجع الملفات جيداً، لا تتجاهل بعض الصفحات، الوقت لديك الآن لتراجع بتركيز وبحماس، ربما يهجم عليك الموت غداً فلا تجد الوقت الكافي ولا العقل الصافى.

انتهى السير ووقف الكل على المشهد العظيم، الصمت لا يخترقه إلا صوت البكاء، والعجز أكبر من الجميع، واللقاء بين الله وعبده سيبدأ الآن.

غير مسموح إلا بالدعاء، ربما يخفف ألم الحساب.الآن ينغلق القبر، ويوضع الخط الفاصل بين الدنيا والآخرة، ويرتفع كلام الله لكل من فكر و تدبر: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)[الحشر 18].(يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) ( الحج 1)


( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) [لقمان 33].

أخي الحبيب ...تحتاج كما نحتاج جميعاً أن نتذكر الموت لنعيد حساباتنا ونعود إلى الحياة، نلوم أنفسنا ونمهد الطريق بيينا وبين الله، فنكثر فى العبادة، ونحسن إلى الناس.

أخي الحبيب .. تذكر الموت وامش في جنازة مرة كل شهر، وتـأكد ساعتها أنك فى طريق الله، ستتقدم خطوة.


الخطوة العاشرة: ابتسم أنت في رمضان

يكفى جداً أن تكون في شهر رمضان سليماً معافى لكي تسعد بالحياة وتبتسم فى وجه الجميع، فهو الشهر الوحيد الذي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، بل أن الشياطين تسلسل، بما يعطيك فرصة ذهبية لتدارك أخطائك والتخفيف من ذنوبك وتجديد العهد مع الله دون ضغوط كبيرة. ليس هذا فحسب، فرمضان يعطيك طاقة عجيبة لحب الناس لو أحسنت استغلالها لاستطعت أن تعيد إليك صداقات قديمة وتمحو عداوات عديدة وتقوى علاقاتك بالعديد من إخوانك.

هذه الطاقة يمكن أن تخرجها فى سر قديم اسمه: الابتسامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تبسمك في وجه أخيك صدقة) يالروعة هذا الدين الذى يريد ان ينشر الحب والمودة بين الناس، فيشجعهم على سلوك بسيط جداً، لكن مؤثر جداً، الابتسامة، مجرد الابتسامة تستطيع أن تفتح قلباً مغلقاً، وتكسر الحواجز، وتزيل مشكلات وخيالات كانت كالجبال بينك وبين شخص كنتما على خلاف، فإذا بالابتسامة تفتح كتابك وتجعل من أمامك يقرأ صفحاتك بوعي، ويفهم ما تريد، والموضوع ينتهي فى ثوان.

وصف الرسول صلى الله عليه و سلم حسن الخلق فقال : "بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى" و يقول: "كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق.والتبسم لا يتنافى أبداً مع الوقار، بل يزيده نورا وضياءً. يقول أبو الدرداء رضي الله عنه فى وصفه للرسول صلى الله عليه و سلم" ما رأيت أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يحدث حديثاً إلا تبسم.

و في حديث آخر.. عن عبد الله بن الحارث قال: "ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم".ابتسم .. فالابتسامة ستيسر لك الأمر فى البيت والعمل والشارع، وستفتح لك أبواباً لم تكن تتخيل أنها ستفتح.اقرأ معي ما قرأته عن الابتسامة ..الابتسامة تصنع السحر والمستحيل.. الابتسامة الصادقة ضرورة في الحياة .. لابد إن تتصرف كأنك سعيد، وهذا يجعلك سعيداً بالفعل .. السعادة تعتمد على السيطرة على أفكارك)

إن الناس يشعرون بالسعادة حين يقررون أن يكونوا سعداء.لتكن كلماتك مليئة بالكلمات الايجابية ذات الأمل في الحياة والحماس للحياة، وإياك والعكس.الناجح نجح في مجال عمله لأنه ابتسم لعملائه ولا يذكر إلا الأشياء التي وهبها الله له وتستحق أن يحمده عليها.إذا خرجت من باب بيتك، ارفع راسك واستنشق هواء نقياً ، وتمتع بأشعة الشمس الدافئة.الق التحية على من يقابلك وابتسامتك مرسومة على وجهك. صافح أصدقائك بحفاوة...فكر دائماً في الأشياء الجميلة والعظيمة التي تريد تحقيقها.تذكر دائماً الشخص الذي تتمنى أن تصبح مثله...الشجاعة والصراحة والشفافية والمرح..أدوات النجاح.من لا يملك وجهاً باسماً، لا ينبغي له أن يفتح مشروعاً تجاريا.أخي الحبيب، ألا تنزعج من أولئك المتجهمين فى شهر رمضان لأنه صائمون،إنهم أناس يعيشون خارج الزمن، فهم لا يدركون فعلاً أنهم فى شهر رمضان.أخي الحبيب ..اجعل الرسول قدوتك .. وابتسم للجميع وتقدم خطوة.


الخطوة الحادية عشر: خفف العبء عن زوجتك

ألا يأتي عليك وقت وترق لحال زوجتك، ألا تشعر فى لحظة أنها طاحونة لا تهدأ، وموتور لا يستريح، وعجلة لا تتوقف؟ الزوجة مطالبة دائماً بكل شيء، وغير مسموح لها بالتقصير فى أى شيء، فهى مطالبة بأن تستيقظ مبكراً لتحضير الإفطار لحضرتك، وتحضير الأولاد للمدرسة، ثم النزول للسوق لشراء متطلبات الغداء، ثم تحمل معاناة الأولاد بعد العودة من المدرسة، وبدء أشواط من المناهدة معهم حول مواعيد النوم والاستيقاظ والبدء فى المذاكرة، ثم الاستعداد لاستقبال الزوج المنهك من العمل وتحضير الطعام له، ثم الاستعداد لمساعدة الأولاد في المذاكرة، يتخللها الطلبات العديدة للزوج من عمل بعض المشروبات، ولا بأس من بعض السندوتشات الخفيفة، حتى يأتي المساء لتنتظر هى حتى ينام الجميع لتنام هى، و لا مانع من ان يوقظها أحد من عز النوم بعد ذلك لطلب سخيف.

هي مطالبة أيضاً أن تقوم بكل ذلك مهما كانت حالتها النفسية، سعيدة .. مكتئبة.. لديها مشكلة.. حضرتك مزعلها ..مستاءة من تصرفات حماتها وكلامها إذا كانت تعيش فى بيت عائلة، أو حتى كانت مريضة بالبرد او المغص.

بعض الأزواج يدخل بيته وكأنه يدخل فندقاً للراحة والاستجمام, لا مسئوليات، لا اهتمامات، لا مساعدات، النوم ثم الاستلقاء على الكرسي أو كنبة الأنترية لمشاهدة التلفاز وقراءة الجرائد حتى النوم، لا يعرف ما هى مشكلات الأولاد التربوية والدراسية، لا يريد ان يسمع صوتهم، يلوم الأم على تصرفاتهم الخاطئة وكأنهم ليسوا أبنائه، لا يريد الجلوس مع أبنائه للحديث معهم والتقرب إليهم ومد جسور المودة والحنان والثقة معهم، وهو بعد هذا كله، يعنف زوجته على تأخر الطعام قليلاً، أو وجود عيب بسيط فى الطعام، ولا يفكر فى شكرها بكلمة حانية على ما تقوم به وتفعله، او تخفيف العبء عنها بالحديث معها عما يضايقها ، ومشاركتها فى حمل عبئ الأولاد عنها.

هل هذا عدل، هل هذه رحمة، هل أنت بهذا تنفذ وصية الرسول صلى الله عليه وسلم " استوصوا بالنساء خيراً" يقول النبي الكريم : خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" ويقول أيضاً " خياركم خياركم لنسائهم" وقوله " إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله" ويقول " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله".

اخى الكريم .. من الان حاول أن تقوم بما يلى فى بيتك ..

1.خفف بعض الأحمال عن زوجتك، وليكن فى الشق الدراسي للأولاد.

2.شارك زوجتك فى التربية، ومعرفة مشكلات الأولاد التربوية ومحاولة حلها عن طريق القراءة فى مواقع التربية المتخصصة او الاتصال بمتخصصين .

3.لا تلم زوجتك كثيراً على تأخر الطعام، بل ساعدها فى إحضاره.

4.خفف الضغط النفسي عن زوجتك اذا حدثت مشكلات بينها وبين حماتها.

5.اخرج معها فى نزهة كل فترة،كل شهر مثلا ًللترويح عنها، واذا استطعت فاجعل المصيف عادة سنوية للأسرة.

6.قدم بعض الإشارات اللطيفة، بأن تقوم أنت مرة بعمل الشاي بعد الطعام، أو تحضير مشروب، أو غسيل الأطباق ( معلش .. خليها عليك المرادى)اعمل ما سبق بنية خالصة لله، ترضى بها ربك وتدخل السرور على زوجتك، وتقوى بها دعائم أسرتك.

اخى الحبيب ..افعل ما سبق بحماس، و حباً فى طاعة الله، وحباً فى زوجتك ..وتقدم خطوة.


الخطوة الثانية عشر: تعلم شيئاً فى تربية أولادك

كلنا يريد أن يرى أولاده الصغار شباباً وفتيات على دين وخلق، كلنا يحلم بأن يرى أولاده مؤدبين متفاهمين معنا بارين بنا، لا نعانى ولا يعانون معنا من خلافات، ناجحين في حياتهم محبوبين من الأقارب والجيران، فى المدرسة والجامعة والعمل، يحبون الخير للناس، مثقفين، على دراية بالمجتمع وما يدور فيه، قادرين على الاعتماد على أنفسهم وحل مشاكلهم بحكمة وروية.

كلنا يحلم بذلك، ولكن من يسعى لذلك بجد؟ من يهتم بتربية أولاده على طاعة الله وعلى القيم الأخلاقية وعلى الصبر وقوة الإرادة وحب الخير والطموح والنجاح. نسمع كلمة التربية الدينية، أو التربية الإسلامية، ونتصور أن المقصود بهما مجرد تعويد الأولاد على الذهاب للمسجد و حفظ القرآن وكفى!!

بالطبع هذا هو عصب التربية الإسلامية، التدريب على طاعة الله و الارتباط به، ولكن هذا هو عمود التربية، اما التفاصيل فكثيرة وكثيرة جداً ، وإذ لم نعرف هذه التفاصيل ونهتم بها، سنفاجأ بمشاكل لا حصر ستظهر لنا كلما كبر الأبناء، وستظهر مشكلات متنوعة على حسب السن والمرحلة، وكلما زاد العمر، كلما أصبحت قدرتنا على حل المشكلات أضعف، فاذا دخل الولد أو البنت مرحلة المراهقة تعقدت الأمور، وأصبح حلها فى غاية الصعوبة.

من الميلاد .. تظهر مشكلة البكاء المتواصل، ثم مشكلة العناد والأنانية والتبول اللا إرادي وكثرة الطلبات، ثم مشاكل الالتحاق بالحضانة، ثم اختيار المدرسة ومشكلات التعلم والمشكلات التى يواجها الأبناء، ثم مشكلات مرحلة المراهقة الغريبة والصعبة والتى قد تمثل انقلاباً فى حياة الأبناء وعلاقتهم بوالديهم.

إن الأمر ليس سهلا ًولا بسيطاً حتى نقصره كله على الصلاة وحفظ القرآن، ثم نكتفي بذلك ونعتبر أنفسنا أدينا واجبنا بأمانة، لا .. الموضوع يحتاج الى قراءة فى التربية فى مراحلها المختلفة، والحديث مع متخصصين، وحضور دورات تدريبية كل فترة، وتعاون الأب والأم معاً فى دراسة المشاكل، ومعرفة حلولها، وتطبيقها، والتواصل مع المتخصصين اذ لم ينجح الحل.

عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"[رواه مسلم]

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : "رحم الله والدين أعانا ولدهما على برّهما". وقال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه، والتألف له، وتعليمه وتأديبه".

إن التربية مسئولية تجاه أبنائك ، وهو حق لهم، وواجب أمام الله لابد ان تؤديه بصفتك رب الأسرة وراعيها، وستسأل حتما ًعن ذلك.

أخى الحبيب ، حاول أن تنفذ واجبك نحو أولادك و تقوم بالآتى:

1)اقرأ كتاباً متخصصاً فى التربية، مناسباً للمرحل العمرية لأبنك او ابنتك (من الميلاد حتى سنتين – من سنتين الى 6سنوات – من 6 سنوات الى 9سنوات – مرحلة المراهقة) أرشح لك مؤلفات ( د.سعد رياض – د.حاتم ادم – د.ياسر نصر – أ.ياسر محمود)

2)تابع الاستشارات التى تنشر فى بعض المواقع التربوية المتخصصة (كل أسبوع على الأقل )

3)ابحث عن المراكز التى تقوم بتنظيم دورات فى تربية الأبناء و اشترك فيها أنت وزوجتك.

4)اشرك زوجتك معك فى القراءة والمتابعة وحضور الدورات، وتعاونا معا فى عملية التربية.

5)اجتهد فى تطبيق ما تتعلمه، و لا تستسلم للفشل فى المحاولات الأولى، استمر وستنجح.

6)تحلى بالصبر فى تربية الأبناء، ولا تنس الدعاء اليومي لهم، والتوكل على الله فى تربيتهم.

أخى الكريم ، لا تنسى دورك وواجبك الهام والأكيد فى تربية الأبناء، توكل على الله وابدأ مهمتك..و تقدم خطوة.


الخطوة الثالثة عشر: و لا يزال المصحف فى جيبي

القرآن ليس مصدرا للحسنات فقط، ليس مجرد كتاب الحرف فيه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء، القرآن مصدر للطاقة والإيمان والعلم، القرآن مرشد وموجه وقائد لا يخطئ طريقه، لكننا نخطئ طريقنا حتماً إذا تركناه وهجرناه وأهملناه.. (وقال رب ان قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) (الفرقان) اعرف اننا حتى لو أهملنا القرآن طيلة العام ، فلن نهمله فى شهر رمضان.. شهر القرآن ، فالقرآن هذه الأيام يرفرف علينا بجناحيه فى كل مكان، فى المسجد والبيت والشارع ووسيلة المواصلات، فى الصباح وفى المساء وفى جوف الليل حين يتنزل الله إلى السماء الدنيا ليقول: هل من تائب لأتوب عليه ؟ هل من مستغفر لأغفر له ؟هل من سائل لأعطيه.

ألا إن القرآن لا ينبغي ان يكون موسمياً، نهتم به فى شهر ثم نعود ونهمله أحد عشر شهراً، القرآن منهج حياة كاملة و ليس منهج شهر او شهور .. القرآن زاد دائم لنا يمدنا بطاقة الإيمان وحرارة الصلة بيننا و بين الله الذى نعبده ونحبه، القرآن نور لقلب لا تنطفئ أنواره أبداً حتى وأنت نائم بعد أن تغلق أنوار حجرتك، وبدونه نصبح كبيت مهجور خراب يرغب الناس فى هدمه أو بنائه من جديد.قال رسول الله ( ان الذى ليس فى جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب) إننا نحتاج ألا يفارقنا القرآن أبداً، أن يصبح كظلنا، أن يكون صاحبنا ونحن أصحابه، فى أي مكان وفى أي وقت، نتذكر دائماً أن لدينا صديق يؤنسنا ويعلمنا ويهدينا ويربت على كتفنا ويخفف من حزننا وألمنا ويشجعنا ويعطينا الحماس فى أعمالنا.

أراك تتفق معي أن كلمات القرآن تحدث شيئاً فى كيمياء الإنسان، لا يحدثه اى كلام أخر، فأنت عندما تقرآ القرآن تتغير من الداخل، أنت لا تعرف ماذا يحدث بالضبط، لكن شيئاً ما يتغير بداخلك، مثل ضوء خافت يتسلل إلى قلبك ، فيشعرك بالطمأنينة والسكون والهدوء.

و عندها تشعر انك من الممكن أن تتصرف تصرفات أفضل ، أنت قادر الآن على التحكم فى غضبك وتستطيع ان تبتسم بسهولة، وقادر ان تكون أكثر ذوقاً فى طلباتك، وأصبحت الطاعة أسهل بكثير، وأصبحت فى خجل ان ترتكب معصية.

انها قدرة كلام الله على تغيير خلايا جسمك، لتجعلها تسجد لخالقها كما تسجد أنت فى صلاتك. انها الكيمياء التى استطاعت تغيير عمر بن الخطاب من رجل شرس يقتل ابنته حية، لرجل في وجهه خطان أسودان من كثرة ما بكى من خشية الله .

اخى الحبيب .. هل فكرت يوما أن تحمل مصحفا صغيراً فى جيبك ؟ هذه دعوة بسيطة أطلقها شاب مصري اسمه حمدي احمدي على موقع ( فيس بوك ) استطاعت ان تجذب خلال عام واحد اكثر من 3 الاف مشارك .

ويدعو مؤسس الحملة المسلمين حول العالم إلى صداقة مع كتاب الله وعدم مفارقته أو هجره؛ حتى يكون لهم شفيعا يوم القيامة، مؤكدا أن القرآن الكريم هو خير صاحب وصديق ينفع دوما ولا يضر أبد. فعلى صفحة الحملة على فيس بوك أكدت ريهام، إحدى الأعضاء، أنها بدأت تحمل المصحف في حقيبتها منذ عام، وقد حدث لها تطور نفسي جعلها تشعر دائما بالراحة والاطمئنان.

واتفقت معها في الرأي عضوة أخرى اسمها داليا، والتي قالت إنها تداوم على قراءة القرآن يوميا، وتختمه مرة كل شهر تقريبا، وقد حدث لها تطور إيجابي في حياتها، وهو الشعور بالاطمئنان الدائم.

وعرض مؤسس الحملة تجربته الشخصية، قائلا إنه في إحدى المرات ضاع منه المصحف، وظل أربعة أيام بدونه، وكانت فترة صعبة جدا عليه، لدرجة أنه لم يكن قادرا على التفكير، ولم يسترح إلا بعد أن اشترى مصحفا جديدا لا يفارقه أبدا.

أما سارة، إحدى عضوات المجموعة، فأوضحت أنها تحمل المصحف معها منذ نحو أربع سنوات، وتداوم على قراءة القرآن باستمرار، لكنها لم تكن تستطيع أن تفهم بعض الآيات حتى حل عليها شهر رمضان الماضي فأحست بكل حرف تقرؤه وبمعاني كافة الكلمات، وأكدت أنها لا تجد كلاما يصف شعورها بحب القرآن. وكتبت أسماء، عضوة أخرى في المجموعة، تقول إنها منذ عامين تحمل المصحف في حقيبتها ولم تخرجه منها إلا للقراءة فقط، ثم تعيده مرة أخرى، مؤكدة أنها لو خرجت بدونه تشعر بالخوف الشديد؛ لأن القرآن الكريم على حد تعبيرها هو "سلاح المسلم".

اخى الحبيب .. هل اطمع الآن فى ان تذهب لأقرب مكتبة بجانبك وتسأله عن مصحف صغير يناسبك ليكون صديقاً لك طوال حياتك. بعدها .. ضع المصحف فى جيبك فى كل مكان، فى الشارع فى المدرسة فى مدرج الجامعة وأنت تسير على الشاطئ ليلا ً، احرص على ان يظل المصحف فى جيبك دائماً ، مهما تكن الظروف .. لا تضيع عليك هذه الخطوة فى شهر رمضان .. شهر القرآن .أراك أخى الحبيب قد عقدت النية والعزم .. أراك الآن .. تتقدم خطوة.


الخطوة الرابعة عشر: تذكر دكتور ميلر ..وتدبر القرآن

أتعجب كثيرا وستتعجب مثلى عندما تعرف أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يروى عنه، انه قام الليل كله بآية واحدة : "إن تعذبهم فإنَّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنَّك أنت العزيز الحكيم".

ماذا كان هدف الرسول من ذلك؟ هل هو حفظ ألآية مثلا ً: مستحيل ، فالرسول هو من يتلقى الآيات من رب العالمين، وهى تقع فى قلبه فلا ينساها.

هل يريد أن يفهمها؟ بالطبع لا، فهو اقدر أهل الأرض فهماً للقرآن وتفسيراً لكلماته وعلما بأحكامه.. إذن.. ماذا يريد رسول الله؟

كان الحبيب صلى الله عليه و سلم، يريد أن يعيش مع الآية فى جو هادئ ساكن، ليكتشف معان جديدة فى الآية، معاني فى إطار فهمه صلى الله عليه وسلم للآية وتفسيره لها، معان خفية تختلف من شخص الى أخر حسب تعلقه بالقرآن وارتباطه به ودرجة تفكره وإحساسه بالآية. ان هذا ما يطلق عليه " تدبر القرآن " وهو الذي أمرنا الله به فى كتابه فقال :( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا). وقال سبحانه : (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها).

ان التدبر يعنى استخلاص معان جديدة فى إطار التفسير المعروف وإسقاط هذه المعاني على الواقع بصورة تجعله أكثر تفاعلاً مع الحياة فترفع الإيمان و تحسن السلوك و تقرب اكثر ممن نعبده ، الله رب العالمين. هذا الكلام يعنى ان التدبر يأتي بعد فهم معاني الآية التى تريد ان تتدبرها جيداً، بأن تعرف معاني الكلمات وتفسير الآية من أى من كتب التفسير، ثم تقرأ الآية بقلب موصول مع الله وتفكر وتركيز فى معانيها بما يربطها بأحداث الواقع او حياتك الشخصية، ومع التكرار، ستخطر لك معان ربما تصلح لأن تكون معان عامة وربما تخصك أنت وحدك، ولكنها فى الحالتين سترفع من إيمانك وتدفعك للتعلق بالقرآن وبالله أكثر و أكثر.

ان التدبر لغة القلوب الموصولة بالله والمتفاعلة مع القرآن والتي تحياه او التى تريد ان تحياه وتحياه به، والتدبر أمر ليس متاحا للعلماء ولا للفقهاء فقط، ولكنه أمر متاح لأي فرد فهم معاني الكلمات وتفسير الآية، ثم اعمل قلبه وعقله فيها، لذلك فان التدبر يحتمل ملايين المعاني التى لا تنتهى ابداً، مهما اختلفت الأزمنة وتغير البشر، لذا جاء في الخبر عن القرآن: "ولا يخلق من كثرة الرد".

فهو متجدد المعانى دائماً ، لا تنفذ معانية مهما كررت آياته ، بل تزيد و تتشعب بصورة لا نهائية. وسيعجب الكثيرون من هذه الأمواج الهادرة من المعاني الجميلة والبلاغيات الرفيعة فى كتاب الأستاذ سيد قطب" فى ظلال القرآن " حتى يشعر قارئه بأنه فى بحر لا أول له من أخر.

يحتاج القرآن منا ونحتاج نحن ايضا ان نتدبره، لنكمل الثلاثية الجميلة القراءة والحفظ والتدبر، فالقراءة تزيد الحسنات، والحفظ ينير القلب ويعمره بالإيمان، والتدبر يجعلنا نتفاعل مع القرآن ويفعل القرآن فى حياتنا فيزيدها نورا وبهجة.

تذكر معى ان تدبر القرآن يحتاج منك الأتي :

1- ان تفهم معانى الكلمات والتفسير.

2- الإكثار من التلاوة، حتى تتحقق الألفة والعشرة بينك و بينك، ومن تقرب من القرآن تقرب القرآن منه.

3- ان يربط بين ألآيات والواقع، فلا تكون المعانى فى الهواء لا اثر لها، بل لها إسقاط على الواقع يسعى لتنفيذها وتفعيلها فى حياته، عن الحسن البصريُّ رحمه الله قال: "إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربِّهم فكانوا يتدبّرونها بالليل، وينفذونها بالنهار".

4- ان يهيئ المكان الذى سيتدبر فيه القرآن ( مسجد – حجرة مغلقة ) و يختار الوقت المناسب (وقت السحر- وقت فيه سكون وهدوء).

5- ان تكون له صحبة تعينه على التدبر، كما قال موسى عليه السلام فيما حكي عنه القرآن: {واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرًا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا}.

اقرأ معى قصة مستشرق غربى قرأ القرآن بغرض اكتشاف أخطاء فيه، فاضطر الى تدبره، فكانت النتيجة مذهلة، لقد اسلم وتحول إلى داعية للإسلام.. انها قصة الدكتور ميلر "في أحد الأيام أراد أن يقرأ القرآن بقصد أن يجد فيه بعض الأخطاء التي تعزز موقفه عند دعوته المسلمين للدين النصراني..وكان يتوقع أن يجد القرآن كتاباً قديماً مكتوباً منذ 14 قرناً يتكلم عن الصحراء وما إلى ذلك...لكنه ذهل مما وجده فيه .... بل واكتشف أن هذا الكتاب يحوي على أشياء لا توجد في أي كتاب آخر في هذا العالم ...فقد كان يتوقع أن يجد بعض الأحداث العصيبة التي مرت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل وفاة زوجته خديجة رضي الله عنها أو وفاة بناته وأولاده......لكنه لم يجد شيئا من ذلك.... بل الذي جعله في حيرة من أمره انه وجد أن هناك سورة كاملة في القرآن تسمى سورة مريم وفيها تشريف لمريم عليها السلام لا يوجد مثيل له في كتب النصارى ولا في أناجيلهم .. ولم يجد سورة باسم عائشة أو فاطمة رضي الله عنهم .... وكذلك وجد أن عيسى عليه السلام ذكر بالاسم 25 مرة في القرآن في حين أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يذكر إلا 5 مرات فقط فزادت حيرة الرجل .... اخذ يقرا القرآن بتمعن أكثر لعله يجد مأخذا عليه. ولكنه صعق بآية عظيمة وعجيبة ألا وهي الآية رقم 82 في سورة النساء:"أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".

يقول الدكتور ملير عن هذه الآية: "من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر هو مبد إيجاد الأخطاء أو تقصي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها Falsification testوالعجيب أن القرآن الكريم يدعوا المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه ولن يجدوا".

ويقول أيضا عن هذه الآية:" لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلف كتابا ثم يقول هذا الكتاب خالي من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس تماماً، يقول لك لا يوجد أخطاء بل ويعرض عليك أن تجد فيه أخطاء ولن تجد".

أيضا من الآيات التي وقف الدكتور ملير عندها طويلا هي الآية رقم 30 من سورة الأنبياء: " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شي حي أفلا يؤمنون". يقول:"إن هذه الآية هي بالضبط موضوع البحث العلمي الذي حصل على جائزة نوبل في عام 1973 وكان عن نظرية الانفجار الكبير وهي تنص أن الكون الموجود هو نتيجة انفجار ضخم حدث منه الكون بما فيه من سماوات وكواكب".

فالرتق هو الشيء المتماسك في حين أن الفتق هو الشيء المتفكك فسبحان الله. ويقول الدكتور ملير:الآن نأتي إلى الشيء المذهل في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم والادعاء بأن الشياطين هي التي تعينه والله تعالى يقول:"َمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ"[ الشعراء].

"فإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"[النجل: 98]. أرايتم ؟؟ هل هذه طريقة الشيطان في كتابة أي كتاب ؟؟ يؤلف كتاب ثم يقول قبل ان تقرأ هذا الكتاب يجب عليك ان تتعوذ مني ؟؟ ان هذه الآيات من الأمور الاعجازية في هذا الكتاب المعجز ! وفيها رد منطقي لكل من قال بهذه الشبهة. من القصص التي أبهرت الدكتور ملير ويعتبرها من المعجزات هي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبو لهب.. يقول الدكتور ملير:"هذا الرجل أبو لهب كان يكره الإسلام كرها شديدا لدرجة انه كان يتبع محمد صلى الله عليه وسلم أينما ذهب ليقلل من قيمة ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم, اذا رأى الرسول يتكلم لناس غرباء فانه ينتظر حتى ينتهي الرسول من كلامه ليذهب إليهم ثم يسألهم ماذا قال لكم محمد؟ لو قال لكم ابيض فهو اسود ولو قال لكم ليل فهو نهار المقصد انه يخالف أي شيء يقوله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويشكك الناس فيه.

قبل 10 سنوات من وفاة أبو لهب نزلت سورة في القران اسمها سورة المسد, هذه السورة تقرر ان أبو لهب سوف يذهب إلى النار, أي بمعنى آخر ان أبو لهب لن يدخل الإسلام.

خلال عشر سنوات كل ما كان على أبو لهب ان يفعله هو أن يأتي أمام الناس ويقول:"محمد يقول إني لن اسلم وسوف ادخل النار ولكني أعلن الآن أني أريد ان ادخل في الإسلام وأصبح مسلما" الآن ما رأيكم هل محمد صادق فيما يقول ام لا ؟ هل الوحي الذي يأتيه وحي الهي؟

لكن أبو لهب لم يفعل ذلك تماما رغم ان كل أفعاله كانت هي مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه لم يخالفه في هذا الأمر.يعني القصة كأنها تقول ان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي لهب أنت تكرهني وتريد ان تنهيني, حسنا لديك الفرصة ان تنقض كلامي .. لكنه لم يفعل خلا ل عشر سنوات !! لم يسلم ولم يتظاهر حتى بالإسلام!!عشر سنوات كانت لديه الفرصة ان يهدم الإسلام بدقيقة واحدة! ولكن لان الكلام هذا ليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه وحي ممن يعلم الغيب ويعلم ان ابو لهب لن يسلم. كيف لمحمد صلى الله عليه وسلم ان يعلم ان أبو لهب سوف يثبت ما في السورة ان لم يكن هذا وحيا من الله؟؟ كيف يكون واثقا خلال عشر سنوات ان ما لديه حق لو لم يكن يعلم انه وحيا من الله؟؟ لكي يضع شخص هذا التحدي الخطير ليس له الا أمر واحد هذا وحي من الله".( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ).

ويقول الدكتور ملير عن أية أبهرته لإعجازها الغيبي: "من المعجزات الغيبية القرآنية هو التحدي للمستقبل بأشياء لا يمكن ان يتنبأ بها الإنسان وهي خاضعة لنفس الاختبار السابق الا وهو falsification tests أو مبدأ إيجاد الأخطاء حتى تتبين صحة الشيء المراد اختباره , وهنا سوف نرى ماذا قال القران عن علاقة المسلمين مع اليهود والنصارى ..القران يقول ان اليهود هم اشد الناس عداوة للمسلمين وهذا مستمر إلى وقتنا الحاضر فاشد الناس عداوة للمسلمين هم اليهود.. وان هذا يعتبر تحدي عظيم.. ذلك ان اليهود لديهم الفرصة لهدم الإسلام بأمر بسيط إلا وهو ان يعاملوا المسلمين معاملة طيبة لبضع سنين ويقولون عندها: ها نحن نعاملكم معاملة طيبة والقران يقول اننا اشد الناس عداوة لكم ,إذن القران خطأ ! , ولكن هذا لم يحدث خلال 1400 سنة !! ولن يحدث لان هذا الكلام نزل من الذي يعلم الغيب وليس إنسان".

ويكمل الدكتور ملير:" هل رأيتم ان الآية التي تتكلم عن عداوة اليهود للمسلمين تعتبر تحدي للعقول". ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمنوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ 82 وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ 83 وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) المائدة 84] وعموما هذه الآية تنطبق على الدكتور ملير حيث انه من النصارى الذي عندما علم الحق آمن ودخل الإسلام وأصبح داعية له ..... وفقه الله

يكمل الدكتور ملير عن أسلوب فريد في القران أذهله لإعجازه:بدون أدنى شك يوجد في القران توجه فريد ومذهل لا يوجد في أي مكان آخر, وذلك ان القران يعطيك معلومات معينة ويقول لك: لم تكن تعلمها من قبل!! مثل(سورة آل عمران - آية 44 "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم اذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون". سورة هود - آية 49 (تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين).

سورة يوسف - آية 102 "ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ اجمعوا امرهم وهم يمكرون" ويكمل الدكتور ملير:لا يوجد كتاب مما يسمى بالكتب الدينية المقدسة يتكلم بهذا الأسلوب, كل الكتب الأخرى عبارة عن مجموعة من المعلومات التي تخبرك من أين أتت هذه المعلومات, على سبيل المثال الكتاب المقدس (الإنجيل المحرف) عندما يناقش قصص القدماء فهو يقول لك الملك فلان عاش هنا وهذا القائد قاتل هنا معركة معينة وشخص آخر كان له عدد كذا من الأبناء وأسماءهم فلان وفلان ..الخ.

ولكن هذا الكتاب(الإنجيل المحرف) دائما يخبرك اذا كنت تريد المزيد من المعلومات يمكنك ان تقرأ الكتاب الفلاني او الكتاب الفلاني لان هذه المعلومات أتت منه.جزاك الله خيرا يا دكتور ملير على هذا التدبر الجميل لكتاب الله في زمن قل فيه التدبر.

اخى الحبيب فى وقفة مخلصة مع الله، وأنت تقرأ القرآن ، تذكر دكتور ميلر، تدبر وتفكر، وستأتيك معان أكثر واجمل.. اخى الحبيب .. فى شهر رمضان ...شهر القرآن .. ومن اليوم .. ستتدبر القرآن .. و تتقدم خطوة.

الخطوة الخامسة عشر: حزب أنصار النجاح

أنا آسف جداً فى هذا السؤال..هل أنت من الذين يكرهون النجاح لأحد ؟ هل أنت من الذين إذا رأيت احد أصدقائك او أحد زملائك فى العمل قد نجح وتألق وتفوق، تصيبك الكآبة ويلجم لسانك وتنزعج جداً كلما ذكر اسمه؟ هناك علامات أخرى تكون واضحة جداً للذين لا يحبون النجاح لأحد ..

1)يفتشون دائماً عن الأخبار السيئة، فإذا وجدوها كانت عندهم كالكنز، ويبدءون فى تناقلها بسرعة وحماس مع بعض الإضافات المشوقة والمثيرة، والتحليلات التى ليس مهما ان يثبت فشلها بعد ان تكون قد أدت دورها.

2)يترقبون الأخبار وهم ينتظرون لحظة الفشل، وهى بالنسبة لهم لحظة انتعاش حقيقية، أما أخبار النجاح فتنزل عليهم كالصاعقة.

3)يتجاهلون الإنجازات ويمررونها مرور الكرام، ويجعلون من الخطأ قضية ومصيبة كبرى يشيب لها الولدان. 4)لا يقدمون يد المساعدة، ولو أمكنهم أن يضعوا العراقيل لفعلوا.

5)لا يتحملون المنافسة الشريفة، ويرون الناجحين أشباحا ستسحب البساط من تحت أرجلهم. للأسف.. المجتمع العربي بوجه عام يحمل جينات هذه الصفة الخبيثة.

نحن نحب النقد حباً ذاتياً أفلاطونيا، حب النقد للنقد، ونحب ان نتهم الناس دائماً بالفشل، والغريب والعجيب و المذهل ان هذا الفاشل عندما ينجح نغضب ايضا،لأنه حرمنا من متعة نقده والتلذذ بفشله. وإذا وجدنا ناجحاً ينقسم الناس إلى فرق، فمنهم من يعادى هذا النجاح صراحة، ومنهم من يعاديه خفاء، ومنهم من يعاديه بقلبه (وذلك اضعف الإيمان) أما من يساعد هذا الناجح أو يفكر فى أن يساعد هذا الناجح، فهم قليل جداً..جداً، بصورة يعتبر معها صاحب النجاح نفسه محظوظاً الى أعلى درجة، فهو استثناء الاستثناء من القاعدة الكبيرة جداً من المحيط إلى الخليج.

أرجوك تذكر معي احمد زويل ومصطفى محمود وعمرو خالد و يوسف القرضاوى. تذكر معى أنهم نحتوا فى الصخر حتى أجبرونا ان نعترف بنجاحهم، وان نحاول جاهدين أن ننسب نجاحاتهم إلينا لأنهم ولدوا على أرضنا ، إلا أن هناك ألافا آخرين من الناجحين أرادوا أن ينحتوا فى الصخر فكسرت ذراعهم ورجعوا خطوات إلى الوراء ( وحرموا أن ينجحوا !!) كتب علينا ان يصبح النجاح رحلة عذاب بجانب أنه رحلة كفاح، مشوار الم نرى فيه نفوس البشر الخبيثة وأمراضهم السقيمة و أفكارهم السفيهة. لهذا نحن نتأخر وسنتأخر أكثر وأكثر إلى ما شاء الله ، الى ان تشفى نفوس المرضى ويبرءون من عللهم. ان القضية قضية نفس، قضية ايمان وحب، نستمدهما من ايماننا بالله وحبنا له.

ان النفس التى تشعر بالسعادة اذا رأت لغيرها الفشل، لا تعرف ان الله سيكافئها بسعادة أضعافا مضاعفة اذا ساعدت فى نجاح احد، ووقفت بجانبه، وحاولت ان تذلل العقبات فى طريقه، ولو وقف بجانبه بنصيحة او دعاء.

لا تعرف هذه النفوس ان حقدها الذى يأكلها و يحرمها من لذة النوم، سيتحول بأمر الله الى حب وراحة نفسية و طمأنينة سببها رضا الله على ما فعلت.

ان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من مشى في حاجة أخيه كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين ، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق أبعد مما بين الخافقين) رواه الطبراني و الحاكم و قال صحيح الإسناد إلا أنه قال : ( لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجة و أشار (بأصبعه) أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين).

لماذا لا تساعد أخاً لك فى مشوار نجاحه، وتمنع نفسك من كل هذا الخير؟

لماذ تستسلم لنار الحسد تحطمك و تريد ان تحطم بها غيرك؟

يقول صلى الله عليه وسلم : (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال : العشب) رواه أبو داوود والبيهقى).

اخى الحبيب .. من ألان اذا وجدت شخصاً موهوباً أو شخصاً مكافحاً او شخصاً ناجحاً فى اى مجال، فأحسن النية وساعده فى نجاحه بما يأتي:

1)التشجيع والتحميس.

2)اسأله عن أخباره باستمرار.

3)اذا تقدم اى خطوة بارك له وحمسه.

4)اذا استطعت ان تقدم له مساعدة او تشاركه فى عمل فافعل.

5)دافع عنه ضد من يكرهون له النجاح. 6)ادع له بظهر الغيب.

اخى الحبيب ..من الآن انضم الى حزب انصار النجاح، لتعلم حزب أعداء النجاح درسا فى الحب ومساعدة الغير حبا فى الله وطاعة له. من الآن تدرب على المهارة الجديدة ، مهارة مساعدة الناجحين ، وتقدم خطوة. الخطوة السادسة عشر: اقرأ باسم ربك

هذ هى آية بدء الوحي والرسالة والمهمة المكلف بها خاتم الأنبياء محمد صلى الله علية سلم على وجه الأرض، وهى دعوة صريحة من الله للمسلمين بالقراءة، بل هى أمر لهم، فى إشارة واضحة كالشمس عن علاقة النجاح فى أداء الرسالة بالقراءة وبالعلم و بالبحث.

ونحن كعرب وكمسلمين لا نحب القراءة غالبا ً(الترتيب يعنى ان الصفة أصيلة فى الدول العربية، اما الدول الإسلامية ففيها استثناء من حيث بعض الدول مثل ماليزيا مثلاً ) ونسخر ممن يقرؤون أحيانا، ونعتبرها تضييع وقت كثيراً، ونعتبرها شيئاً مكلفاً أكثر (قبل توافر خدمة الإنترنت)، ونعتبرها بلا قيمة قليلاً.

أنا هنا بالطبع لا أتحدث عن قراءة صفحات الرياضة والفن والحوادث و روايات الجيب. أنا أتحدث عن القراءة في الدين والأخلاق والمشكلات الاجتماعية والتربية والتنمية البشرية والسياسة. أتحدث عن القراءة التى تبنى ثقافة وتصنع وجهة نظر فى الحياة والناس، القراءة التي تجعلك تؤمن بمبادئ واضحة مفهومة تحركك و تتخذ بها قراراتك و تحل بها مشكلاتك فى العمل مع رؤسائك وزملائك، وفى البيت مع أبنائك وزوجتك ، وتصنع منك إنسانا نافعاً.

عندما كنت تلميذاً، كان موضوع التعبير يمثل لى عقدة، هذ العقدة تجعلنى مرعوباً فى حصة التعبير، رعباً يجبرني على التقهقر فى الصف الأخير حتى لا أشارك فى الموضوع المطروح، هذه العقدة جعلتني بعد دخول الجامعة أتشوق لأن اقرأ أي شيء حتى أقول عن نفسي اننى قرأت، فكنت أتى بمجلات العربي والحرس الوطني ( وهى مجلة سعودية رائعة كانت توزع فى مصر) و افتح أى شيء و أحفظه حفظاً، حتى اثبت لنفسي اننى قارئ. بعد فترة اكتشفت ان هذه سذاجة ما بعدها سذاجة، وان ما افعله لا يمكن ان يكون طريق القراءة والثقافة.

لم اشعر اننى بدأت طريق الثقافة والقراءة على بصيرة ، ألا عندما بدأت اقرأ فى الدين بفروعه الأساسية المعروفة، القرآن والتفسير والأخلاق و العقيدة و الفقه والسيرة، وبدأ اشعر ان هناك ركائز للثقافة، انطلقت منها رويداً رويداً لأقرأ أى شيء و كل شيء ولأي أحد مهما كان الاسم، أصبحت قادراً على وزن الأمور والنظر فيها، لقد أصبحت لى (والحمد لله ) وجهة نظر فى الأمور ، مكنتنى بفضل الله، ان أؤلف ثلاث كتب كاملة.

يعلم الله اننى لا أقول هذا الكلام للتباهي والتفاخر، وهو العالم أن نيتي ان انقل لك تجربتنى، لأجعلك ترى الطريق كما رأيته، و تحب القراءة كما أحببتها، و تنتفع بها كما انتفعت. بعد ثورة الإنترنت وسهولة الحصول على المعلومة بسرعة وبكثير من الدقة، وجدت ان القراءة تستطيع ان تعطيك حلاً عمليا لأي مشكلة تواجهك بنسبة لا تقل عن 75 % ، والـ 25% الباقية تتمثل فى قدرتك على بلورة هذا الحل بما يتوافق مع ظروفك ثم بدء الحل و الصبر عليه و التوكل على الله.

و لكي تبدأ .. فإني أدعوك ان تتدرج فى القراءة كالتالي :

أولاً: مرحلة المفاهيم العامة :

وهى المرحلة التي تشكل ثقافتك الإسلامية، وتعطيك مفاتيحها، و الغرض من هذه المرحلة أن تتعرف على المعلومات الأساسية التى تستطيع أن تقيم بها حياتك كمسلم ،وهذه المرحلة تتناول القراءة فى :العقيدة (كتاب تبسيط العقائد) للشيخ السيد سابق ، وتزكية النفس، فقه السنة ( فقه الطهارة والعبادات )( الشيح السيد سابق) ، وتفسير القرآن ، والسيرة النبوية الشريفة (الرحيق المختوم)


ثانيا : مرحلة الثقافة الإسلامي:

والهدف من هذه المرحلة أن تصل إلى قواعد وأسس للتفكير في كافة الأمور بناء على مرجعية إسلامية مرجعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأرشح لك في هذه المرحلة، كتب الدكتور يوسف القرضاوى ، والتي من الممكن الحصول على العديد منها من على موقعه الإلكتروني.


ثالثا : مرحلة الثقافة العامة ومشكلات الواقع

وهى مرحلة قراءة الجرائد ومواقع الإنترنت، وهذه المرحلة ليس بالضرورة تأجيلها لما بعد المرحليتين السابقتين، ولكنك بعد أن تقطع شوطاً معقولا فيهما، ستجد نفسك قادراً على النظر فيما تقرأه متناولاً الحياة العامة برؤية خاصة، ومع استمرارك فى القراءة ومعرفة وجهات النظر المختلفة، ستصبح قادراً على تكوين وجهات نظر خاصة بك.