وفاء وسلوى ابنتا مشهور

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
وفاء وسلوى ابنتا مشهور ... على درب الصالحين

توطئة

إننا في عصر تلتهم فيه النيران بنيان الإسلام، على الرغم من أن دعائم أحقيته لم تتجل للأبصار والبصائر كما تجلت في هذا العصر، فاقتضت هذه الظاهرة، أن يتضاعف أعداد القائمين بواجب الدعوة إلى هذا الدين الحنيف، بل إن هذه الظاهرة اقتضت أن يتحول كل مسلم، صدق مع الله في إسلامه، إلى جندي يقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام جهد استطاعته، وفي نطاق إمكاناته.

لقد كانت مهمة الدعوة إلى الإسلام من الفروض الكفاية يوم كانت المجتمعات الإسلامية، تسير قدمًا في طريق الإسلام، أما اليوم فقد أصبحت مهمة الدعوة الإسلامية فرضًا من الفروض العينية، يخاطب به كل مسلم صادق مع الله في إسلامه، ولم تعد مقتصرة على ثلة من الناس، مهما بلغ شأنهم ومهما كانت أهميتهم.

والأستاذ مصطفى مشهور من هؤلاء الذين صدقوا مع الله وربى أبناءه وبناته على هذه المعاني؛ فكن نموذجًا للمسلمة الداعية، المجاهدة الصابرة، العارفة بحق ربها ودعوتها.

نشأتهما:

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود

في بيت يعتبر مثالاً للبيت المسلم نشأت هاتين الفتاتين، على حب الله والعمل من أجل دينه، وتربتا منذ الصغر على الصبر والتضحية فقد كانتا مثالاً صالحًا لفتيات المسلمين وقت اعتقال والدهما عام 1948م، ثم ضربا أروع الأمثلة وقت اعتقاله عام 1954م، بل كانتا نموذجًا يحتذى به وقت أن فقدت إحداهما زوجها الحبيب، وابتليت الأخرى بالاعتقالات المتكررة لزوجها وأبنائها، وبالرغم من ذلك لم ينسوا المبادئ التي نشأهما الوالد عليها.

ففي 10 يوليو 1948م ولدت الابنة سلوى وسرعان ما حرمت من حنان الأب بعد اعتقاله في حادث السيارة الجيب والذي وقع في 15 نوفمبر 1948م، ولم يخرج إلا بعد أن أتمت الثلاث سنوات في 17/3/1951م(1).

وولدت وفاء بعد خروج والدها من المعتقل عام 1952م –بعد أن حكمت عليه المحكمة في قضية السيارة الجيب بثلاث سنوات كانوا قد مروا في التحقيقات والمحاكمات.

صبرت الوالدة على فراق الزوج وعملت جاهدة على تربية أولادها تربية صالحة، حتى خرج الزوج غير أنه وجد هيئة الأرصاد تنتظره بقرار نقل إلى مطروح فحمل أبناءه وزحف إلى مطروح تنفيذًا لقرار النقل، وقد عان الأولاد كثيرًا، ولم تكد وفاء سن العامين حتى اختطف والدها من بين أحضانها – وهى الصغيرة التي تحتاج لحنانه- وظل قابعًا خلف قضبان السجون حتى خرج عام 1965م غير أنه سرعان ما اعتقل مرة أخرى عام 1965م، ولم يخرج إلا بعد أن توفى عبد الناصر وقد كبرت البنات، فخرج وقد عرفن معنى المسئولية من والدتهن التي كانت تحرص على إعطاءهن مصروفهن الشهري كاملاً من أول الشهر حتى يدركوا معنى تحمل المسئولية التامة.

التحقتا بالتعليم وبالرغم من نظرة زملائهن إليهما إلا أنهما كانا يشعران بالفخر بوالدهما، فقد كان الأطفال يقولون لهما: إن والدكما جاني وكان يريد قتل الرئيس، فكان مثل هذا الكلام ينزل عليهما بوقع شديد غير أن حصنهما في هذه الفترة كانت الأم التي كانت تطيب خاطرهما، وتعرفهما حقيقة أباهما وفخرها به، كما قامت الوالدة بوضع صورة الوالد أمام أطفالها حتى لا ينسوا شكل والدهم مع مرور الزمن، كما كانت تشتري لهم الحلوى، وتخبرهم أن والدهم هو الذي أرسلها لهم؛ حتى تزيد ارتباط أبنائها بأبيهم، ولقد انتقلوا مع والدتهما من المعيشة في قرية السعديين إلى مركز مينا القمح لإتمام المرحلة الثانوية، وكان أحد مدرسي المدرسة يضايق الابنة سلوى بسبب حبس أبيها، وكانت الابنة تعود حزينة، فكانت الأم تواسيها وتغرس فيها الثقة بأبيها، وتشرح لها مدى صدق الإخوان وحبهم للوطن، وبعد خروج الوالد انتقلتا معه للعيش في القاهرة(2).

وفي عام 1967م تعرضت وفاء وأختها الصغرى سمية إلى الاضطهاد من مدرسة اللغة الإنجليزية بسبب ارتداءهما للحجاب في زمن منع فيه ارتداء الحجاب وكان من المظاهر الشاذة في هذا العصر حيث استشرى السفور والعري، فكانت تأمرهما بخلعه بل كانت مديرة المدرسة تنتظرهما عند باب المدرسة لتجبرهما على خلعه، غير أنهما بمعاونة الوالدة انتصرا ولم يخلعاه، وفي ذلك تقول وفاء: «ارتدَيتُ أنا وأخواتي سلوى وسمية الحجاب في السن الشرعية للفتاة، بل إن أختي سمية ارتدته معي، وهي أصغر سنًا حيث كانت في الصف الخامس أو الرابع الابتدائي، وكان هذا في أوائل الستينيات، وأذكر عندما كنت في الصف الأول الإعدادي بمدرسة «سراي القبة» سنة 1965م وكنت الوحيدة في المدرسة بأكملها التي ترتدي الحجاب حتى إن مديرة المدرسة كانت تنزعه من على رأسي عنوةً، ونتيجةً لحرص الوالد وتوصياته ذهبت والدتي إلى المديرة، وأصرَّت على ارتدائي للحجاب، وقالت: لابدَّ أن تظل ابنتي بالحجاب، ولكم فقط ما تطلبون من لونٍ معين».

التحقت سلوى بكلية التربية الفنية، والتحقت وفاء بالمعهد الديني بالمعادي وانطلقتا ليثبتا للجميع أن المحنة لا تخلق إلا رجالا فتفوقتا في دراستهما، ولم ينسهما الوالد المغيب خلف قضبان السجن، لكن كان دائما ما يرسل لهما ما يرطب القلب ويزكي النفس فكان دائما ما يرسل خطاب لكل واحدة منهما يغرس فيها بعض المعاني الحية، ومن هذه الرسائل الرسالة التي أرسلها لوفاء يقول لها فيها: «ابنتي الحبيبة وفاء، تحية طيبة من عند الله مباركة طيبة وسلام الله عليك ورحمته وبركاته –سلامي وأشواقي لكم وتمنياتي الطيبة» كما قال لأختها سلوى: «وألف سلام لك يا سلوى وأعانك الله في الدراسة والتدريس، وخلاص ذهب الحزن بسبب تأخر الخطابات وقد وصل الخطاب الذي كتبتموه فشكرا لكم وأعانكم الله»(3).

الزواج الصالح:

ما كادت سلوى تبلغ العشرين من عمرها حتى تقدم للزواج منها ابن عمها عبد المعز عبد الستار مشهور- وكان ملازما في الجيش بسلاح المظلات غير أنه تركه وعمل في الأعمال الحرة عام 1976م، وكان هذا الزوج محبا للإخوان، وكان يتصف بالشهامة والشجاعة، ويصفه الدكتور محمد عبد الجواد بأنه كان يتمتع بالخلق الحسن والكفاءة العلية في شئون الحياة، وكان محبا لعمل الخير والمشاركة في الجمعيات الخيرية.

وقد سارع الوالد بتهنئة ابنته العزيزة في خطاب قال لها فيه: «ابنتي الحبيبة سلوى، السلام عليكم ... لعله يصلك خطابي هذا بعد تمام عقد القران ليحمل لك تهنئتي الخاصة من أعماق قلبي ...»، وأخذ يستحثها على حسن الخلق مع الزوج، ورعايته بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه.

أما وفاء فقد تقدم لخطبتها المهندس محمد عبد الجواد- المعيد بكلية الهندسة جامعة أسيوط، وهو أحد قادة الإخوان في أسيوط- وكان معتقلاً مع والدها فقال له الوالد: امنحني بعض الوقت لأستشيرها، وكان قد تقدم لها أيضا ثلاثة من أقرباءها، فسألها الوالد وقد شرح لها ظروف كل من المتقدمين وتركها تختار تحقيقا لسنة رسول الله فقد روى عَبْدَ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «الأيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» [موطأ مالك، باب استئذان البكر والأيم (4/25)]، غير أنها فاجأته بسؤالها عمن أكثر التزاما بالجماعة وأيهم أكثر قربا من الوالد، فأجابها بأنه محمد عبد الجواد، فوافقت على الفور، فقال لها ألا تنتظرين حتى يراك وتريه، فقالت: بالنسبة لي هذا يكفيني، ووافق الوالد وأرسل كارت معيدة إلى المهندس محمد يدعوه لإتمام الزواج، وتم عقد القران بقرية السعديين دون إرهاق الزواج في تكاليف الزواج، والعروس كانت ما تزال في السنة الأولى من كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، وقد عمل الوالد على تهيئتها للحياة الجديدة عباديا وتربويا وفقهيا واجتماعيا ودعويا، وتم الزفاف وأنجبت مولودتها الأولى هبة عام 1974م(4).

محن وابتلاءات:

ما كادت سلوى تولد حتى اختطف والدها من بين أحضانها عام 1948م، كما لم تكد وفاء تبلغ الثانية من عمرها حتى اختطف مرة ثانية عام 1954م، وتجرعت الفتاتان كأس الحرمان من حنان الأب وقسوة الأيام لنظرة المجتمع لهما واضطهاد المدرسة لهما.

وما كادتا تنتقلا إلى بيت زوجيهما حتى عانت كل واحدة منهما موجة من الابتلاءات فقد تعرض زوج وفاء للاعتقال كما تعرض ابنها للاعتقال بين الحين والأخر، وما يكاد يخرج من محنة إلا ويدخل في أخرى والأم صابرة، بل كانت تدفعه للثبات على مبادئه وفكر الإخوان المسلمين، بل لم تكتف بذلك فحسب بل خرجت مع أخواتها لتحرك المظاهرات لنصرة الإسلام وللتنديد بما يحدث للإخوان بل والمسلمين في كل مكان.

كما تعرضت سلوى إلى زلزال فراق زوجها في أغسطس 1997م بعد مرض أقعده عن الحركة، وكان والدها يقول له: إن الله سبحانه وتعالى قد فتح الله عليك الدنيا بمتاعها وزخارفها وبحب الله لك لم يتركك حتى تلقاه على هذا الحال فأراد أن يغفر لك السيئات بأن أصابك بالمرض»، كما أنها حرمت نعمة الأمومة فصبرت على قضاء الله، وبعد وفاة زوجها انتقلت للحياة مع أبيها فكان معينا لها على طاعة ربها، وكان يحببها في الطاعة ولا يجبرها على شيء، فكان يقول لها- بعد وفاة والدتها- بدأ دورك، فقد كانت أمك تقرأ في هذا المصحف مما يدفعها للقراءة فيه، وكان يقول لها: كانت أمك تصوم الإثنين والخميس، فكانت تحتذي بها، وكان يوقظها ليلاً ويقول لها: كانت أمك تتهجد معي فيدفعها للوقوف بين يدي الله، وكانت المفاجأة لها يوم أن عاد لها من المسجد مريضًا، ونقل إلى مستشفى النزهة، فكانت هي وأختها وفاء وسمية يقومون بالدعوة وسط الممرضات بالحسنى، لكن سرعان ما تركها الوالد وانتقل إلى جوار ربه في شهر رمضان الكريم 1422هـ، نوفمبر 2002م، فصبرت على فراق الأحبة واحتسبت الأمر لله(5).

الدعوة إلى الله:

لقد عملتا في نطاق دعوتهما وأن كانت وفاء كان دورها بارزًا لطبيعة المرحلة التي تعيش فيها، وقد اشتهرت بكتاباتها الحية التي تنم عن فكر حي، يشيع الحياة في القلوب ولقد كتبت تحت عنوان «استلهام دروس الهجرة لإعداد الداعيات في مرحلة التغيير» تقول: إن التدافع بين الحق والباطل من سنة الله الكونية، وما نشاهده في حياتنا من صراعات وتناحر هو في حقيقة الأمر صراعٌ بين الحق والباطل، ولا يَحسم هذا إلا التربية، ولذلك يجب أن يتعرف أهل الحق على غاياتهم وتكون واضحةً أمامهم، وأن يعدَّ الدعاة الإعداد الجيد الذي يدفعهم لتحقيق الهدف، وهو إقامة دولة الإسلام والحفاظ على الفطرة السليمة، وأن يظل كيان الإنسان المسلم صالحًا من أجل نصرة الإسلام ونهضة أمتنا.

إن المتأمل في السبب الأساسي والدافع الرئيسي للهجرة ليس هو الفرار من شدة الإيذاء والتعذيب، ولكنَّ الدافع الرئيسي هو إقامة دولة الإسلام العالمية التي تحمل الدعوة عالميًّا، ولكن بوصول الرسول  إلى المدينة المنورة بداية إقامة الدولة الإسلامية؛ مما يدل على أن هذا الهدف كان يملأ قلوبهم وعقولهم ومنه تنطلق حركاتهم وتدور حوله الأهداف المرحلية الأخرى القريبة والبعيدة، وحين جاء الأذن بالهجرة ظَهَر على الفور الاستعداد وسرعة التنفيذ.

فالأخت الداعية لا تتأثر عندما يشتد الصراع بين الحق والباطل، بل إنها تزداد همةً وإيجابيةً، مدركةً لدورها، صامدةً واثقةً في نصر الله، ولنعلم أن مكرَ الخصوم بالدعوة والدعاة أمرٌ مستمرٌ طوال طريق الدعوة وبطرق كثيرة، تضييقات.. واعتقالات.. وإخراج من الأرض.. واستبعاد من الوظائف.. وإغراء النفوس الضعيفة بالمال، وها نحن نرى كيف رصد الكفار مائة ناقة لمن يأتي بأحد من المهاجرين، ومنهم سراقة بن مالك الذي عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديًّا بأطيب رزق، وهو الإيمان، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:36].

فالأخت الداعية المربية لا بدَّ أن يكون لديها وعيٌ بالمبدأ وطبيعة المرحلة، وأن تكون صابرةً على تحقيق الهدف، فمَن صبر حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة فأجرُه على الله.. إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة.

ولا تنسي- أختي الكريمة- أن المربية الناجحة هي التي لديها فنُّ قيادة الأرواح قبل كل شيء وفن التعامل مع جميع النفسيات، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان أداء الجنود، وعلى قدر البذل والعطاء من المربين يكون الحب والترابط بينها وبينهن، ولا يفوتنا هنا أن من أهم صفات الأخت المربية الناجحة أن تكون مرهفةَ الحس وفي نفس الوقت متزنة العواطف والانفعالات(6).

الهوامش:

1-حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الحاجة سلوي مشهور يوم 6/9/2007م.

2-مجلة المجتمع الكويتية: مقالة زبيدة عبد الحليم مشهور، العدد 1768 بتاريخ 8/9/2007م.

3-محمد عبد الجواد محمد، مشهور مصطفى مشهور: حياة مصطفى مشهور كما عاشتها أسرته، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1426ه- 2005م، ص(64).

4-المرجع السابق، ص(81- 84).

5-حوار مع الحاجة سلوي مشهور.

6-المصدر :وفاء وسلوى ابنتا مشهور موقع:إخوان أون لاين02/02/2006م.

صفحة وفاء مشهور علي الفيس بوك

للمزيد

وصلات داخلية

وصلات خارجية

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة