وماذا بعد استشهاد ياسين؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
وماذا بعد استشهاد ياسين؟

بقلم: الدكتور عصام العريان

مقدمة

ما زالت تداعيات جريمة مجرم الحرب "شارون"، التي أشرف عليها شخصيًّا، وأدت إلى اغتيال شيخ مجاهدي فلسطين في هذا العصر الشيخ "أحمد ياسين"، تتوالى.

وفي البداية لقد حملت هذه الشهادة العظيمة دروسًا بليغة، هي من أولى تداعياتها على الصحوة الإسلامية والحركة الإسلامية في العالم كله.

أولاً: لقد تفاعلت جماهير المسلمين في كل العالم الإسلامي مع هذه الخاتمة المباركة لشيخ المجاهدين، وكأن الله تعالى أراد أن يكرم هذا الشيخ المقعد في هذه السن المتقدمة، وهو الذي عذره الله تعالى في كتابه العزيز.. أكرمه بنيل "الشهادة، وهي أعظم الدرجات، بأن استشهد وهو على كرسيه المتحرك، خارجًا من صلاة الفجر في المسجد، وملايين المسلمين الأصحاء الأقوياء الآمنين يغطون في نوم عميق؛ فهل أفاقتهم شهادة الشيخ الجليل؟!

ثانيًا: الشهادة اختيار الله تعالى، وليست باجتهاد أو اندفاع المتحمسين.. إن الله تعالى يقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140)، فالله تعالى هو الذي يختار بنفسه من يكرمه بالشهادة.

والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول لنا معلمًا وهاديًا ومرشدًا: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"، فالصدق الصدق مع الله، وخلوص النية قبل خوض غمار المعارك.

إن "أحمد ياسين"- رحمه الله تعالى- كان التطبيق العملي في هذا العصر للآية الكريمة: ﴿[[مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]]﴾ (الأحزاب: 23).

ثالثًا: إن الواجبات مهما تزاحمت، فإن الصادق يستطيع أن يوفق بينهما، ولعل في حرص الشهيد العظيم على صلاة الفجر في المسجد بعد قيامه الليل في هذه الظروف العصيبة- المرض والعجز وانعدام الأمن- درسًا بليغًا لنا نحن معشر المسلمين، خاصة العاملين للإسلام، في تقديم الأهم فالمهم، وعدم التعلل بتزاحم الواجبات للقعود عن الطاعات، والتقاعس عن القربات، فرُبَّ ركعات في جوف الليل تتسبب في نجاة صاحبها بين يدي الله يوم القيامة، وتكون أكثر بركة من الركض هنا أو هناك.

رابعًا: إن تقديم "أحمد ياسين" نموذجًا للتأسي في هذا العصر هو من أفضل الأعمال لشحذ هِمم القاعدين، وتصحيح نيات العاملين، وترتيب أولويات المجاهدين، وعلينا أن نركز على الدروس المستفادة من هذه الشهادة العظيمة للتذكير بقضية فلسطين، وبالمنهج السليم لتحرير الأراضي المغتصبة، وتصحيح نهج الجهاد والمقاومة التي ساهمت أعمال عشوائية في تشويهها.

خامسًا: إن علينا أيضًا أن نسعى عالميًّا- وهذا واجب الأقليات المسلمة في العالم الغربي وخارج العالم الإسلامي- لتقديم "أحمد ياسين" مناضلاً ومجاهدًا في سبيل الله من أجل تحرير وطنه المحتل.

لقد قدمت أمريكا اللاتينية نماذج للمقاومة ضد الاحتلال وللنضال، مثل: "سيمون برليفار"- وله ميدان بالقاهرة تسمَّى باسمه- و"تشى جيفارا" المناضل الأعمى الشيوعي، الذي غنى له اليسار المصري طويلاً عبر الثنائي الشهير (نجم- إمام)، وقدمت إفريقيا "نلسون مانديلا" الذي عاش في أقبية السجون العنصرية 27 عامًا، لم يتخل فيها عن الكفاح المسلح، كما قدمت آسيا الهندوسية والبوذية "غاندي"- قديس الهنود- رمزًا للكفاح السلمي وحركة (اللاعنف)، وهو الذي اغتاله الهندوس المغتصبون، وقدمت الصين "ماوتس تونج" مقاتلاً صلبًا عنيدًا، قاد تحرر بلاده.

وها نحن اليوم نقدم للعالم رمزًا جديدًا للجهاد والتحرير ضد الاستعمار (الصهيوني- الأمريكي)؛ هو الشيخ المجاهد "أحمد ياسين"، نقدمه باسم العالم الإسلامي كله، ليس مؤسسًا لحركة (حماس) فحسب، ولا زعيمًا روحيًّا للمقاومة الفلسطينية فحسب؛ ولكنه رمز يحتاج إليه العالم كله- والمسلمون خاصة- ضد الهيمنة الأمريكية في عصر الاستكبار الأمريكي، نضيفه إلى "الشقافي"، و"البنا"، و"الخميني" رموزًا للجهاد الحق الصحيح، في الوقت الصحيح، في الميدان الصحيح.

سادسًا: إننا في أمس الحاجة إلى تحويل التعاطف الشعبي الهائل والنشاط الحركي العظيم، الذي صاحب استشهاد شيخ المجاهدين، إلى طاقة فعل وعمل مستمر، هذا العمل يجب أن يركز على عدة قضايا، وأن يهدف إلى تحقيق أهداف واضحة.

أهدافنا في هذه المرحلة هي:

- إيقاظ وعي الشعوب بخطورة المشروع (الصهيوني- الأمريكي) على عقيدة الأمة وعلى مقدراتها ومواردها وثرواتها.

- إبقاء جذوة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني والأمريكي متوقدة لا تنطفئ؛ جهاد سليم ضد عدو واضح محدد في ميدان معروف، تقوده حركات جهاد معروفة، لها برامج يلتف حولها الناس من أجل التحرير والإنقاذ، ومن أجل التنمية والبناء، ومن أجل الوحدة الوطنية لكل فصائل الأمة.

- حشد كل الطاقات في الأمة خلف حركات المقاومة في فلسطين وفي العراق، وعدم بعثره الجهود هنا أو هناك؛ توعية بالقضية وشحذ الهمم وتعبئة للموارد لدعم المجاهدين.

وسائلنا في هذه الظروف العصيبة هي:

- التوعية بقضايا الأمة في فلسطين والعراق عبر كل الوسائل المتاحة بالكتابة في الصحف والمجلات، والنشر في النشريات والكتيبات، وتوزيع البيانات والملصقات، والحديث في كل المنتديات، والمداخلات في الإذاعة والفضائيات، والحوار مع كل طوائف الأمة، فإن أغلقوا في وجهنا منابر المساجد والمنتديات الرسمية، فأمامنا أبواب مفتوحة لا يستطيع أن يغلقها إنسان.

- دعم المجاهدين، خاصة في فلسطين، بكل ما نقدر عليه من دعم مادي، ولن تعدم الأمة الإسلامية كل الطرق التي توصل بها هذا الدعم.

إن استشهاد "أحمد ياسين" بعث مزيدًا من العزم والتصميم في الشعب الفلسطيني على مواصلة طريق ونهج المقاومة والاستشهاد، رأينا ذلك في عيون الأطفال وإصرار الشباب ونظرات الشيوخ، حتى النساء والفتيات، ويتبقى على بقية الأمة أن تمدهم بأسباب الحياة، "ومن خلف غاريًا في أهله بخير فقد غزا، ومن جهز غازيًا فقد غزا"، هذه هي الغزوات الصحيحة في المكان السليم.

علينا أن نرفع شعارًا محددًا: "مليار دولار من أمة الإسلام لنصرة المجاهدين في فلسطين".. إن ذلك يعني أن على كل مسلم أن يساهم بدولار واحد ولو سنويًّا؛ فما بالكم لو كان شهريًّا؟! دولار واحد؛ أي ثمن وجبة طعام من ساندويتش تنتهي لذته بمجرد تناوله.

هذا يحتاج منا إلى شبكة نشيطة من كل المسلمين، وليست من أبناء الحركة الإسلامية فقط، شبكة تلقائية لا تستطيع كل أجهزة مخابرات العالم أن تكتشفها؛ لأنها ببساطة تعمل علانية بتلقائية شديدة عبر التواصل الطبيعي مع شعبنا المرابط في فلسطين، ويوم أن تتحول قضية فلسطين إلى قضية كل مسلم؛ بل كل عربي؛ بل كان إنسان حر؛ مسلم، أو مسيحي، أو غير ذلك، فإننا نضع أقدامنا على أول طريق دحر المشروع الصهيوني الاستيطاني (الاغتصابي)، وما ذلك ببعيد.


  • أمين مساعد نقابة أطباء مصر والقيادي البارز في جماعة (الإخوان).