ونحن أمَا لنا مِن هجرة؟!

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

ونحن أمَا لنا مِن هجرة ؟!


يقول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد:13) لم تكن هجرة الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- هجرة مكان فقط؛ بل كانت هجرة أوضاع وتحول حركة وأسلوب.

فقد انتقل- صلى الله عليه وسلم- من مرحلة الصبر على تحمل الأذى، إلى مرحلة الصبر على توجيه الحركة والدعوة؛ ليستظل العالم بها في حماية نظام، وفي كنف كيان، وتحت لواء قيادة، وفي سياج أرض ودولة ونظام.

وتحول الرسول- صلى الله عليه وسلم- من مرحلة الشظف المفروض عليه، الآخذ بخناق أصحابه ودعوته، إلى مرحلة الشظف الذي ألزم به نفسه وخاصته عن سعة واقتدار على الأخذ بأسباب النعيم، وربى على ذلك أصحابه فصار التجرد من الدينا والاستنامة إلى نعيمها، عزمات نفس ورغبة في العوض في جزاء ونعيم مقيم لا يزول ولا يحول فسخروا دنياهم لآخرتهم، وسخروا إمكاناتهم، وترفعوا عن الدنيا وهي في أيديهم، وهجروا لذيذ المنام وأنس الأهل والولد عن طواعية واختيار، وجهادًا في سبيل الله.

وكانت هجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- انطلاقة تشريع وتنزيل خرجت- بقدر مُنزِّلها جل علاه- من مجرد بناءٍ للنفوس وتهذيبٍ للقلوب وإثراءٍ لطاقات التحميل باستئناس بقصص الأنبياء والمرسلين، ومُحاجَّة للشرك ومعتقداته إلى بناء المجتمع وصياغة أمة، وإنشاء علاقات، وتنزيل تشريع كامل وشامل، وباقٍ ودائم يقوم على روح الخلود إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

وانطلقت هذه الجحافل بهذه التشريعات وتلك العقيدة تمثل في مسلكها الخلق المتين، والأصالة الإيمانية بغير زيف ولا تمثيل وبأنفس زكية تقية طاهرة طهر الحرم تنشر الخير في ربوع العالمين، وتزيح من طريق الشعوب المغلوبة على أمرها طواغيت الظلم والحكم، حتى تتنفس هذه الشعوب الصعداء، وتختار عن طواعية مصيرها ومنهاج حياتها، وقد رأته في شرع ربها وهداة سبيلها، فلم تعد فتنة، وصار الدين كله لله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.


الرسول الأسوة والقدوة

ولنا في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة وقدوة طيبة.

فقد آن الآوان ليعمل الصف المسلم والكيان المؤمن في وحدة متكاتفة وأخوة صادقة وتحت لواء مجرب خبير، يرأبُ الصداع ويرتق الفتق، ويتجاوز عن الصغائر، ويلملم الشارد والوارد، ويوجه الطاقات نحو الهدف الواحد، في جدية صادقة وبصيرة نافذة، وعمل دؤوب وخبرة فسيحة، تشمل كل ميادين التحدي، وتزخم الدنيا بحلولها الثرية، وأطروحاتها الناجعة وتغلغلها في شتى مواقع الحياة.

وحان الوقت وقد تأصلت الخبرة والتجربة في حياة الصف المسلم، لنتجافى عن السقوط في براثن النعيم الدنيوي والترف، نمارس عبادة الصبر على شظف الدعوة وشرف البذل والتضحية، ومعاناة البناء الجادِّ للأنفس والهمم حتى تصلح دعامات راسخة قوية شامخة، يقوم عليها صرح الإسلام بخلقه المتين، وعبادته المخبتة ومعاملاته المتأصلة، المعبرة عن روح الإسلام وحقيقة نظام دين الله.

وحان الوقت أخيرًا وليس آخرًا لنتحول من مرحلة أحاد أو عشرات الدعاة إلى مرحلة توحيد الدعاة الصادقين، الذين يستوعبون هذا الدين، ويصدقون في تمثيله، وينصبون أنفسهم هداة له، وقد كملت وراثتهم لهذه الدعوة، علمًا وفقهًا وسلوكًا وخبرة نظرية وعملية وتفوقًا، في ميادين العمل والإنتاج، والضرب بحظ أوفر في حل مشكلات الأمة ورفع المعاناة عن الجماهير، وإصلاح ما أفسده البعد عن دين الله، والحكم بغير شرع الله، وساعتها سوف يُدرك الناس عن قرب حلاوة إسلامهم، وطلاوة دينهم، ونجاعة الحلول المأخوذة من شريعتهم، ساعاتها سينجاب الغش وتتضح المعالم، ويسفر الصبح لذي عينين، ويعود المسلمون لدينهم أفواجًا أجنادًا للحق يفدونه بالمهج والأرواح.

وهذي هجرتنا، وحركة مسيرتنا وروح القوة في هجرة رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم، نسأل الله العون والتوفيق.


المصدر : مجلة لواء الإسلام- العدد (5)- غرة المحرم 1409هـ= 13 أغسطس 1988م.