يوميات ثورة الصبار

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
يوميات ثورة الصبار


مقدمة

إهـــداء

إلى شهداء ثورة الصَّبَّار الأبرار ...

وإلى المصابين والجرحى ...

وإلى شعب مصر العظيم ...

عبدالرحمن يوسف

في ميدان التحرير ، حاصرونا ، وحاولوا منع الماء والغذاء والدواء ، ونحن صمدنا معتصمين ...! وقفنا كنبتة الصَّبَّار في الصحراء ، هذه النبتة الأبيَّة التي تعيش رغم انعدام الماء لسنوات وسنوات ! الصَّبَّار يواجه كل حيوان يحاول أن يأكله بالشوك ، وقد ذاق من هاجمنا شوكنا ...! ولنبتة الصَّبَّار زهور وثمار ، وها نحن نحاول أن نمنح أرضنا وشعبنا وأمتنا زهورنا وثمارنا ...! هذا هو إحساسي حين بدأ الاعتصام في ميدان التحرير في 28 يناير 2011 . إنها ثورة الصَّبَّار ...!

هذه المذكرات عبارة عن بعض الخواطر التي كتبتها أثناء أيام الاعتصام في ميدان التحرير خلال الثورة المصرية العظيمة ، وكنت قد بدأت التدوين في يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011 ، وظللت أدوِّن إلى فجر 3 فبراير ، وهو يوم معركة الجمل . ولكن ما كتبته ضاع مني أثناء الكرِّ والفرِّ في هذه الليلة الليلاء ، وأصبح أمامي تحد ٍّ يفرض عليَّ أن أستعيد الكثير من التفاصيل ، بالإضافة إلى استعادة المشاعر والأحاسيس التي صاحبت المرء خلال الأحداث ، وقد قررت أن أخوض هذا التحدي ، وبدأت الكتابة من جديد ، وأتمنى أن أكون قد وفقت فيه .

وقد كان المفترض أن تنشر جريدة "المصري اليوم" هذه المذكرات على شكل حلقات يومية ، ولكن تمَّ تقطيع المذكرات وتوزيعها على أكثر من شهر بدلاً من النشر اليومي المتواصل الذي اتفق عليه ، الأمر الذي أدى إلى صعوبة متابعة القارئ لها ، وهو ما أدى لتأخر صدور هذا الكتاب .

قد يرى بعض القراء الكرام أنني لم أذكر الكثير من التفاصيل التي حدثت بالفعل خلال أحداث الثورة ، وأنا هنا أحب أن أوضح الفرق بين كتابة المذكرات ، وكتابة التاريخ . أنا لست مؤرخًا ...! أنا أكتب ما رأيته بنفسي في أغلب الأحيان ، أو ما رآه الآخرون في تفاصيل قليلة جدًّا.

إن وظيفة كاتب المذكرات أن يُقدِّم ما رآه ، لا أن يُقدِّم صورة كُليَّة للحدث ، وهذه المذكرات هي (المادة الخام) للتأريخ ، ومن خلال جمع مذكرات أشخاص كثيرين يستطيع المؤرِّخ أن يصل للصورة الكُليَّة ، بالإضافة إلى الوثائق والصحف ... إلخ. وبالتالي ، تصبح العملية أشبه ما تكون بعمل المصوِّر (الكاميرا مان) ، والمُخرج ...! أنا (كاميرا مان) ، وما قرأه القارئ الكريم ، هو ما التقطته كاميرتي الخاصة !

المؤرِّخ ، يجمع كل ما التقطته الكاميرات ، ليصنع منها فيلمًا متكامل الأحداث ، بعد أن يقوم بعملية المونتاج ...! وبالتالي ، لا مجال لِلَوْمي في تجاهل أحداث حدثت ، لأني لم أكن شاهدًا عليها . لامني البعض كذلك على أنني قد ذكرت بعض الأشخاص بكثرة خلال الحلقات ، ولامني البعض على أنني قمت بعمل (دعاية) انتخابية للدكتور البرادعي في ثنايا هذه المذكرات .

وأنا أقول - بكل الصدق - لقد كتبت ما حدث ، ولم أقصد سوى أن أقول الحقيقة ، فإن كان ذلك ذمًّا أو مدحًا في أشخاص ، فذلك ليس ذنبي ، لأنني لم أذكر سوى ما حدث ...! لامني البعض أيضًا على لهجتي القاسية ضد الرئيس المخلوع حسني مبارك ، بل إن بعض القراء الكرام أشاروا إلى أن ذلك يعتبر شكلاً من أشكال الشجاعة المتأخرة

أو ادعاء البطولة بعد أن سقط العجل ، وكثرت سكاكينه ، وأنا هنا لا أملك سوى أن أحيل كل هؤلاء القراء إلى موقعي على الشبكة العنكبوتية ، وإلى دواويني ، وإلى مقالاتي لكي يتأكدوا أنني وقفت ضد الرئيس المخلوع بالنثر والشعر ، في العالَم الافتراضي والعالَم الحقيقي ، وذلك منذ عام 2004 ...!

وبالتالي لا يحق لأحد أن يلوم عليَّ قسوتي عليه بعد أن سقط ، طالما قد اشتبكت معه وهو في قمة القوة والسلطة ...! طالبني البعض بأن أتحدث في مواضيع كثيرة، مثل: كيف قامت هذه الثورة من الأساس ؟ ما دور الحركات الاحتجاجية المختلفة في قيامها ؟ وكيف حدث التراكم الذي أدى لهذا التحرك الشعبي الرائع ؟ ما دور الشخصيات الوطنية في نجاح الثورة ؟ وإلى غير ذلك من الأسئلة المهمة .

وأنا بدوري أوضح أنني قد أفصِّل ذلك في كتاب آخر يحاول أن يشرح (كيف حدث التغيير في مصر) ، وهذا الكتاب - إذا كتبته - سأحاول أن أحكي فيه قصة التغيير في مصر ، كما شاركت فيها ، وكما رأيتها خلال العقد الماضي . في النهاية ، أحب أن أرد على ما اتهمني به البعض بأنني قد أخطأت في بعض تصرفاتي خلال أحداث هذه الثورة ، بأنني أشكر وأُقدِّر كل الذين وجهوا لي هذا النقد ، ولكني ألوم الذين شككوا في نيتي ، أو رمَوني بتهمة حب الظهور ، أو الرغبة في منصب ! أنا إنسان ، أُخطئ وأُصيب ، ولكني أزعم أنني في كل ما فعلته لم أكن أريد إلا الإصلاح ، ولم يكن لي مطمع شخصي .

إن هذه المذكرات ، وكل ما اجتهدت في تقديمه - أنا وغيري - خلال هذه الثورة ، ليست سوى جهد قليل بجوار أُناس قدموا حياتهم ثمنًا لحرية هذه الأمة . في النهاية ... لا بدَّ أن أشكر كل الذين ساعدوني في كتابة هذه المذكرات من خلال تذكيري ببعض الأحداث ، ومن خلال إمدادي ببعض الصحف والوثائق التي احتجتها في لحظات الكتابة

وأولئك الذين تكرموا بمراجعة ما كتبته قبل أن ينشر ، وكلهم أصدقاء أعزاء ، وأساتذة أجلاء ... لقد كان لهذه المساعدات قيمة كبيرة بعد أن فقدت أغلب ما كتبته كما سبق أن ذكرت ، ولولا هذه المساعدات التي تكرموا بها لَما ظهرت هذه المذكرات للنور بهذا الشكل .

أكرر شكري لكل مَن ساهم في هذه المذكرات ، ولكل مَن قوَّم فيها شيئًا ، ولكل مَن قرأها وأعجبته ، وأحترم كل مَن اختلف معها ، وأتمنى أن يكون لي رصيد عند المختلفين ... والله يسدد الخطا ... عبد الرحمن يوسف

بيت القصيد بكفر حكيم

الجيزة 1/5/2011

"يوميات ثورة الصبار" (1) .. 25 يناير .. الشرارة الأولى للثورة

عبد الرحمن يوسف

(الإثنين 07-03-2011)

وصل الغضب فى مصر إلى أقصى الحدود منذ سنوات، وكنت – أنا وغيرى – نشير إلى ذلك فى شتى كتاباتنا، ولكن بعد نجاح ثورة تونس فى منتصف يناير 2011، تغير الوضع، وأصبح التغيير أقرب مما نتصور، على الأقل فى نظرى.

لقد وصل المصريون إلى درجة من درجات اليأس المطبق، وفقدوا الثقة فى كل شىء جميل، وفى أى غد مشرق، والأهم من ذلك أنهم فقدوا الثقة فى أنفسهم، فأصبحوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مجموعة من "السكّان"، وليسوا شعبا عريقا عظيما.

وبسبب هذا اليأس، تعامل البعض مع الدعوة التى خرجت إلى التظاهر فى عيد الشرطة الذى يوافق 25 يناير 2011 بشكل روتينى، فقالوا إنها ستكون مناسبة مثل كل المناسبات، وإن المبالغة فى تصويرها وكأنها ثورة محددة الموعد يعتبر تسطيحا لأمر شديد الأهمية!

لذلك هاتفت بعض الناشطين لكى يغيروا نظرتهم لهذه المناسبة، وكانت حجتى فى ذلك أن ما حدث فى تونس جعل الملايين من المصريين يصدقون أن إرادة الشعوب لا تقهر، وأن هناك احتمالا أن نرى مفاجأة كبيرة فى هذا اليوم، وقد استجاب لى أغلب الناشطين الذين حدثتهم، وقرروا إعادة النظر فى المشاركة فى هذا اليوم.

قررت أن أشترك فى هذا اليوم مع مجموعة من خيرة شباب مصر يمثلون "الحملة الشعبية لدعم البرادعى ومطالب التغيير"، تلك الحركة الشبابية النقية التى شرفت بالمشاركة فى تأسيسها، وشرفت بأن أكون منسقها العام لعام كامل انتهى فى ديسمبر 2010، وقد اختار الشباب أن يقيموا وقفة احتجاجية أمام نقابة الأطباء "دار الحكمة"

وكان الترتيب يقتضى بأن يكون المكان سرياً، لذلك لم أعلم بمكان التجمع إلا قبل الوقفة بحوالى ساعة، وقد أخبرت عشرات الناشطين الذين أرادوا أن ينضموا لهذه الوقفة أن يتصلوا بى صباح الثلاثاء 25 يناير لكى أخبرهم بمكان الوقفة.

هذا التخطيط نتج عنه أننا حين وصلنا إلى نقابة الأطباء لم نجد أى شرطة، بل وجدنا المكان خاليا لنا تماما، مما أتاح لنا فرصة التجمع، وتكوين نواة لمظاهرة كبيرة، وبالفعل.. تكونت هذه النواة من عدة مئات، ثم استمرت فى التضخم حتى بلغت ما يقرب من حوالى ألفى متظاهر، غالبيتهم العظمى من الشباب، بنين وبنات. بعد أن بدأنا بالهتاف حضرت الشرطة، وقامت بعمل كردون أمنى (محترم) من حولنا، بل إنهم أغلقوا حركة سير السيارات فى شارع قصر العينى.

بدأت الهتافات: "عيش، حرية، كرامة إنسانية" .. وأنا ابتكرت هتافين، الأول: "يا أهالينا انضموا لينا، قبل بلدنا ما تغرق بينا" ، والثانى: "يا عسكرى يا أبوبندقية، إنت معايا ولاَّ علىّ، إنت بتحمى فى الحرامية"! وهو هتاف مقتبس من أغنية كتبها الشاعر إبراهيم عبدالفتاح. وكنت أنظر فى عيون المجندين والضباط، خصوصا عند جملة: انت بتحمى فى الحرامية، فأرى فى عيونهم حزنا وخجلا يصل لدرجة الخزى...!

حضر الوقفة مجموعة من الرموز والمثقفين، من أهمهم د. عبد المنعم أبو الفتوح، والكاتب الساخر بلال فضل، والسيناريست محمد دياب، والمخرج عمرو سلامة، والمطرب المتميز حمزة نمرة، وغيرهم . كانت الهتافات مركزية، يقودها الناشط محمود عادل، مؤسس جروب "البرادعى رئيسا".

ثم بدأنا بإلقاء الكلمات: بدأت أنا، وكانت الكلمة فى أغلبها موجهة إلى هؤلاء الزبانية الأغبياء الواقفين أمامنا، يحمون قاتلَهُم، من مخلِّصِهم! ثم توالت الكلمات، عبد المنعم أبو الفتوح، وبلال فضل، الذى ألقى كلمة شديدة التأثير.

بعد مرور ما يقرب من ساعتين اتضح أننا أصبحنا فى فخ، فلا نحن نستطيع الحركة، لأن الحصار الأمنى كبير جدا، ولا حتى نستطيع أن نزيد حجم المظاهرة، وذلك بسبب منع الناس من السير فى الشارع سواء بسياراتهم، أو راجلين!

وبدأت تصلنا أخبار من أماكن شتى، كلها تشير إلى أن آلاف المتظاهرين يزحفون من أماكن مختلفة إلى ميدان التحرير، لذلك اقترحت أن نكسر الطوق الأمنى ونتجه إلى الميدان، وكان ذلك قرارا صعبا، لأننا نرى أمامنا جنودا مدججين بالسلاح والغباء، جاهزين للفتك بنا إن حاولنا التحرك.

فى النهاية، بدأت – أنا وغيرى – ممن نفد صبرهم من هذا الوضع المتجمد بكسر الحصار، وكانت النتيجة أننا اشتبكنا مع الأمن، وحدثت بعض الإصابات، وحين انكسر الطوق جرى الجميع باتجاه ميدان التحرير. وكان من أهم الأشخاص الذين أصيبوا المخرج السنيمائى عمر سلامة، إذ أمسك به رجال الأمن، وأوسعوه ضربا، وكانت إصاباته بالغة السوء، بل أظنه كاد يقتل فى مدخل إحدى العمارات فى شارع قصر العينى.

حين بدأنا بالجرى، وجدنا أمامنا تشكيلات ضخمة جدا من شرطة مكافحة الشغب، وكان ذلك طبيعيا ومتوقعا، لأننا نسير فى اتجاه مبنى مجلس الشعب، لذلك لم نجد خيارا سوى أن ننحرف يسارا إلى ضاحية جاردن سيتى، لنصل بعد أن نعبرها إلى الكورنيش، ومنها إلى ميدان التحرير. ولكن ما حدث، أن شرطة مكافحة الشغب حاصرتنا فى محطة للوقود، وتجمعنا عدة مئات، وأمامنا جيوش من الشرطة بهراواتهم السوداء يقفون مستعدين للفتك بنا.

مع بداية الحصار حاول بعض ضباط أمن الدولة بملابسهم المدنية أن يضربوا المتظاهرين، وفوجئوا بمقاومتنا الشديدة، أنا شخصيا ضربت أحدهم وهو يضرب أحد الشباب بعصا غليظة فى يده، إذ أخذت العصا منه وضربته بها، مما تسبب فى حالة من التجمد فى الموقف، فالشرطة لم تكن تصدق أن هناك من يجرؤ على مقاومتها بهذه البسالة، ونتج عن ذلك أن تمكن الشباب من الصعود إلى مبنى موجود فى المحطة، وظللت أنا وعدة أفراد واقفين أمام طابور الشرطة.

وفجأة، قفز رجل من العاملين فى المحطة محذرا الجميع من أننا نقف على خزان البنزين الرئيسى فى المحطة، وأننا جميعا فى خطر كبير! كان ذلك مخرجا لنا، فجاء الفنان المصرى (عباس أبوالحسن) وتفاوض مع الضابط بشأن خروجنا، هو وأحد الأصدقاء الأعزاء (وهو من أقارب شخص مهم جدا فى النظام الحاكم)، ونجحت المفاوضات، وخرجنا من المحطة إلى ضاحية جاردن سيتى.

وعند خروجنا، حصل بينى وبين ضابط شاب احتكاك لا أدرى كيف بدأ، ولكننى أظن أن كتفى لمسه وأنا أسير خارجا، فما كان منه إلا أن دفعنى بقوة، فوقفت، ونظرت إليه فى عينيه، فسبنى بالأم! حينها قلت له بكل أدب وغضب: هل تعرف أمى؟

فسبها مرة أخرى: فقلت له ما معناه إنك شخص تافه وأنا أقترب منه، وفى يده هراوة، ووقفت أمامه قائلا: لو كنت راجل... إضرب! فوقف متسمرا وهو رافع عصاه، ويده ترتجف دون أن يتمكن من أن يضرب، وبعدها أتى عباس أبوالحسن، وصديقى الذى ذكرت، ومشينا.

أذكر هذه الحادثة الآن وكأنها إرهاصات الهزيمة النفسية لجهاز الشرطة، ذلك الجهاز الذى كان يعتمد على خوف الناس، وعلى تراجعهم أمامه، وحين تجرأ الناس انهارت كل أجهزة الشرطة فى وقت قياسى.

استغرقت رحلتنا إلى ميدان التحرير حوالى ساعة، وكانت محفوفة بالمخاطر، لأننا كنا تائهين فى ضاحية جاردن سيتى، وكنا نحاول أن نتجنب العديد من المصائب فى رحلتنا، أهمها مبنى السفارة الأمريكية، وكذلك السفارة الكندية، والبريطانية! كنا خائفين أن نحتك بأى شكل من الأشكال مع الحراسات المخصصة لهذه الأماكن الحساسة.

وبفضل الله، وجدت ضمن المتظاهرين الدكتورة مديحة دوس، وهى من سكان جاردن سيتى فتمكنت من إرشادنا إلى كيفية الوصول إلى الكورنيش عبر متاهات جاردن سيتى، وسرنا حتى وصلنا إلى ميدان الشهداء (التحرير سابقا)، من أسفل كوبرى قصر النيل.

بالنسبة لى... كانت هذه اللحظة من أعمق لحظات عمرى! لقد كان منظر الميدان وهو ممتلئ بعشرات الآلاف من المتظاهرين يبشر بالفجر الذى طال انتظاره، وحين دخلت الميدان ووجدت الشباب يهتفون فرحا بقدوم فوج جديد إليهم، ويستقبلوننى بالبشر والسرور.

حينها بكيت!

وبدأت أصرخ بشكل هستيرى:

"مصر عظيمة، نحن شعب عظيم، أى كلب يقول إننا لا نثور سنضربه بالحذاء، ما أجمل مصر". كل ذلك وأنا أبكى، وحولى مجموعة صغيرة من الشباب الذين اشتركوا معى فى هذه اللحظة الممتدة.

الميدان فى تلك اللحظة كان ملكا لنا، لا حركة سيارات، ولا شرطة مكافحة شغب فى داخله، الشرطة تقف على مداخل الميدان، دون أن تهاجمنا، أو بعد أن هاجمتنا وصددنا هجومها، وقد تم توثيق هروب الشرطة أمام المتظاهرين عبر كاميرات المحمول، ونشر ذلك على الفيس بوك، مما كان له أبلغ الأثر فى مظاهرات جمعة الغضب بعدها بأيام.

من أغرب ما حدث فى هذا اليوم، أننا حين وصلنا إلى الميدان، قرر العقل الجمعى للشعب المصرى العبقرى أن يحول الهتاف من (عيش.. حرية.. كرامة إنسانية)، إلى هتافات سياسية بحتة تطالب برحيل الرئيس، وسقوط النظام!

بعد أن تجمعنا فى الميدان بدأت المشاكل.

المشكلة الأولى: هى الاتصالات، فأصبح استخدام التليفون المحمول صعبا جدا، وذلك بسبب تشويش من عربات مخصصة لذلك يستخدمها جهاز أمن الدولة، مما صعب من تواصلنا مع بعضنا البعض كناشطين فى مناطق مختلفة، ولكن الخبر كان قد انتشر، وأصبح ميدان التحرير قبلة جميع المتظاهرين فى ذلك اليوم، فجاء المتظاهرون من المهندسين، ومن شبرا، ومن ناهيا ومناطق الجيزة المختلفة، وبعد العشاء اكتمل العدد، وقد وصل إلى ما أقدره بحوالى أربعين ألفا.

المشكلة الثانية: كانت فى كيفية التعامل مع كل هذه الحشود التى لا يربط بينها رابط، فأغلب الحاضرين كانوا من غير المسيسين، وكان الجميع لا يعرف ما الذى ينبغى عمله بعد ذلك! لذلك، كلفت الشباب بشراء سماعات وميكروفون فورا، وأخرجت من جيبى الخاص مبلغ 1200 جنيه، وبالفعل ذهب (محمود عادل) الناشط المعروف ومؤسس جروب "البرادعى رئيسا" إلى باب اللوق واشترى سماعة ضخمة، وميكروفونا، مع عدة كهرباء.


"يوميات ثورة الصبار" (2) .. كل طبقات المجتمع كانت ممثلة فى "ميدان التحرير"

عبد الرحمن يوسف

(الثلاثاء 08-03-2011)

كنا نحتاج لصوت قوى بعد أن وصلنا إلى ميدان التحرير وتجمعت هناك الحركات المشاركة فى الثورة لذلك أرسلت لشراء السماعات والميكروفون لنتمكن من توجيه هذا الجمهور، بدلاً من أن يظل بلا هدف. وقررنا أن نأخذ كهرباء من عمود النور بجوار إشارة المرور المطلة على الميدان باتجاه مطعم "هارديز" وحين احتجنا كهربائياً، وجدنا العديد من الكهربائيين ضمن المتظاهرين.

كنت فى قمة السعادة، فهذا التجمع يضم طبقات متعددة، طلبة فى الجامعة الأمريكية، وفى الجامعات المصرية، ومهنيين، وفلاحين، فقراء وأغنياء، بنين وبنات، وهذه ظاهرة جديدة فى الحياة السياسية المصرية، فالمتظاهرون من طبقات شتى، ولا يعرفون بعضهم البعض. لقد مللنا من المظاهرات التى نلتقى فيها بكل الوجوه التى نعرفها، تبدأ المظاهرة وعددنا ألف شخص، وتنتهى دون أن تصبح ألفاً وواحداً.

المهم.. جاءت المعدات، وفشلنا فى أن نجهزها للعمل. ولكنى صممت على تنفيذ الفكرة، فقلت للناشط المعروف د.مصطفى النجار المنسق العام للحملة الشعبية لدعم البرادعى ومطالب التغيير بضرورة أن يحضر أجهزة أخرى وقد كان، فأخرج من جيبه ما يقرب من 1500 جنيه، وتم شراء عدة أخرى ونجح الفنيون فى تركيبها.

أمسكــت بالميكـــروفون، وقلت:

بســــم اللــــه الرحــمن الرحيم

يا شباب مصر.

أعلن عن بدء إذاعة التغيير ومقرها ميدان التحرير بالقاهرة.

فانفجر جمهور الحاضرين بالتصفيق والهتاف.

ثم أكملت كلامى: يعد برامجها ويحررها ويقدمها شباب مصر الثائر المعتصم بميدان التحرير. بدأت بتحميس الشباب، وبتوجيههم إلى ضرورة الصمود فى أماكنهم مهما كان الثمن، وبأننا إذا صمدنا حتى صباح الغد واستيقظت القاهرة ووجدتنا فى الميدان فمعنى ذلك أننا سنبدأ صفحة جديدة فى الحياة السياسية فى مصر. وبالفعل، امتلأ الجميع حماسة وتصميماً على البقاء فى الميدان حتى الصباح.

أعلنا كذلك عن فتح الباب للحديث فى الإذاعة لمن يريد أن يلقى قصيدة أو أغنية أو كلمة، وبدأنا بتلقى الطلبات من الجمهور، ووعدنا الجميع بأن تكون الإذاعة ملكاً للجميع، وقد كانت كذلك بالفعل، لمدة ساعتين! وكان من ضمن ما أشعل الحماس أننى أعلنت أن هذه الثورة قد بدأت بدفع ثمن الحرية وذلك بشهيدين فى السويس!

كانت التجربة المطبوعة فى ذهنى مؤلمة جداً! وأعنى بها تجربة حدثت فى مارس 2003، بعد أن بدأت أمريكا بضرب العراق، فاعتصمنا فى الميدان بنفس الطريقة، وعند الفجر، هجم الأمن المركزى وطرد من طرد، واعتقل من اعتقل. كان المنظر مختلفاً، فالعدد هذه المرة أضعاف العدد الموجود فى 2003، وأهم من ذلك أن الهمم والمعنويات مختلفة تماماً.

بدأنا بفعاليات الإذاعة، وبدأ المتحدثون بالحديث، أذكر أن أول المتحدثين كان الدكتور علاء الأسوانى، وتحدثت أيضاً السيدة جميلة إسماعيل، والدكتور عبدالجليل مصطفى، والنائب الإخوانى محمد البلتاجي، وغيرهم.

وكنت الوحيد الذى لم يتحدث، فقد شعرت بحرج أن ألقى أشعارى على الحضور وأنا المسؤول عن الإذاعة، برغم أن المئات من الحضور أمامى كانوا يطالبوننى بذلك، ولكنى تحرجت، وانتهى اليوم دون أن ألقى قصيدة واحدة، بل قدمت الآخرين فقط.

قبل انتصاف الليل، كانت تحركات الشرطة أصبحت مريبة، لذلك وجهت جموع الحاضرين إلى التفرق على مداخل الميدان المختلفة لتأمينها جميعاً، وكان لذلك أثر طيب قلل الخسائر عند اقتحام الشرطة للميدان. هذه التوجيهات لم تكن اجتهاداً منى بقدر ما كانت استجابة للشباب النابه من حولى.

بعد انتصاف الليل كان صوتى قد بلغ به الإرهاق حدًا رهيبًا، فلم أتمكن من مواصلة إدارة الإذاعة، فتركتها للشباب، وبدأت بالتجول على مداخل الميدان المختلفة لأتأكد من أن جميعها قد تم تأمينه، وكان معى فى هذه الجولة د. مصطفى النجار.

وفجأة، وبدون أى سابق إنذار، بدأ الهجوم الوحشى القذر من الأمن المركزى..! سقطت القنبلة الأولى على الإذاعة مباشرة..! المدرعات تتقدم، وأصوات القنابل تدوى، والقنابل المسيلة للدموع تنطلق عاليًا وتسقط فى وسط الميدان حيث الحديقة.

كان من الصعب أن نصمد هذا اليوم، لذلك قرر العقل الجمعى للشعب المصرى أن يغادر الميدان. فى هذه اللحظة، كان مصطفى النجار أمامى، وخطر فى بالى خاطر، هل أمشى معه، أم أنصرف لوحدى؟ وأخذت القرار، وانصرفت وحيدًا، واختفيت بين الجموع الهاربة، وكان ذلك قرارًا حكيمًا، ذلك أن مصطفى قد قبض عليه، ولو كنت قد مشيت معه لقبض علينا معًا!

من ضمن ما حدث أثناء الهروب أن سقطت بجوارى قنبلة مسيلة للدموع، فحاولت التقاطها بشكل شديد السذاجة، فكدت أختنق بالدخان، ولولا أن بعض الشباب عرفونى وساعدونى فى الهروب لكنت قد سقطت من شدة الإعياء..!

كانت خطة الشرطة أن يجبرونا على الخروج من الميدان، لذلك تركوا لنا بعض الطرق للخروج، أنا خرجت فى جمع غفير من شارع (شامبليون)، وكان الشباب يهتفون بمنتهى الحماس، يسقط يسقط حسني مبارك، الشعب يريد إسقاط النظام. وحين اقترب منى بعض الشباب سائلين: هل خسرنا المعركة بانصرافنا؟

جاوبتهم بكل ثقة: هذا الجمع ما فر إلا ليكر..!

وقلتها بالعامية: إحنا مش هاربانين، إحنا ماشيين علشان نرجع بعدد أكبر..! وهو ما حدث بعدها بأيام.

مشيت مع المظاهرة مسافة كبيرة، فمشينا عبر شارع الجلاء، ومنه إلى بولاق، ثم ركبت سيارة أجرة إلى منزلى، لكى أتابع ما الذى حدث، لأننى كنت منفصلا تماما عن العالم بسبب فراغ بطارية هاتفى. وصلت منزلى فى تمام الثالثة والنصف صباحا، وبدأت الاتصالات، وأدركت أننا أمام هجوم وحشى تأذى فيه الكثيرون، وعند الصباح بدأت الأخبار تتوالى حول اعتقال مصطفى النجار.

بعد خروج مصطفى من السجن بحوالى يوم ونصف تبين أننا حين كنا نسير معا فى الميدان لحظة الهجوم كنا مراقبين من أشخاص لا نراهم، وأنهم ساروا خلف مصطفى النجار، واستغلوا أنه تعب من الغازات المسيلة للدموع، وتظاهروا بمساعدته، ثم قاموا بخطفه فى سيارة مجهولة إلى مبنى أمن الدولة فى لاظوغلى.

كان القبض على مصطفى النجار لسببين، الأول: أنه المسؤول عن أول دعوة للتظاهرة، فقد أصدرت الحملة بيانا قالت فيه: تدعو الحملة الشعبية لدعم البرادعى ومطالب التغيير جموع الشعب المصرى إلى الخروج فى تظاهرات سلمية يوم كذا بشكل كذا.. إلخ..! والسبب الثانى: الإذاعة التى كانت فى الميدان..!

لذلك عومل بقسوة شديدة فى سجنه، وضرب ضرباً شديداً، ولم يفرج عنه إلا لأنه كاد يموت فى الحجز، وذلك لأنه مصاب بمرض فى رئته يتسبب فى حالات ضيق تنفس واختناق، ونظرا لأنه كان مكمما طوال فترة حجزه، فقد تسبب ذلك فى إصابته بنوبة اختناق، كادت تودى بحياته، فرموه فى الشارع لكى لا يموت عندهم!

من أهم ما جرى فى السجن أن جهاز أمن الدولة لم يكن يتخيل أن يتحرك الشعب المصرى! حين أخبرهم مصطفى أن الحاضرين فى الميدان لا انتماء لهم، ضربوه بعنف، وحاولوا أن يجبروه على التوقيع على اعترافات ملخصها أن ما حدث كان خطة متفقا عليها بين د. البرادعى، وبين الإخوان المسلمين..!

وكانوا رافضين تماما لأى حديث عن حركة عفوية للناس، وكان من أسباب ضرب "مصطفى" فى سجنه أنه رفض التوقيع على هذه الاعترافات المفبركة رفضاً تاماً. خصوصاً أنها كانت مدعمة بالصور، وبالصوت والصورة، إذ تم تصويرنا ونحن نتحدث فى الإذاعة، التى أقمناها فى الميدان.

حين حكى لى مصطفى ما حدث، شعرت بأن النهاية اقتربت، لأن أعراض غرور هذا الجهاز أصبحت أكبر من أن يعيش معها، إن غرور أمن الدولة كان من أهم أسباب القضاء على هذا الجهاز الخسيس. خرج مصطفى النجار مصاباً، فهو يعرج بسبب ضرب مبرح فى ركبته، وكذلك كان مصاباً بشرخ فى أحد أضلاع صدره، بالإضافة للإرهاق الذى تسبب فيه تكميمه طوال فترة اعتقاله، مما أدى إلى نوبة ضيق التنفس التى أصابته.

استمرت المظاهرات حتى يوم الجمعة، وهو يوم جمعة الغضب الذى دعونا إليه أول ما دعونا من خلال الإذاعة، التى كانت فى ميدان التحرير! بعد أن تم فض الاعتصام هاتفنى أصدقاء لم أسمع أصواتهم منذ سنوات وسنوات، ليعرفوا كيفية الانضمام لهذه الحركة. كان الشعور الغالب عند من يتصل بى، أنه قد فاته شرف الاشتراك فى التظاهرة الكبرى فى ميدان التحرير، وأنه يريد أن يعوض ما فاته.

وخلال اليومين التاليين (الأربعاء، والخميس) استمرت المظاهرات فى عشرات الأماكن فى القاهرة الكبرى، كانت مظاهرات صغيرة، أو متوسطة، ولكنها استدعت حشد قوات الأمن المركزى، مما تسبب فى إرهاق شديد لهذه القوات، وبالتالى كانت المهمة سهلة يوم الجمعة، فقد كنا نحارب جيشاً منهكاً تمام الإنهاك.

ليلة الجمعة وصل الدكتور محمد البرادعى إلى القاهرة، بعد أن قطع سفره، خصيصاً لينضم إلى التظاهرات. وعقدنا اجتماعاً معه فى منزله فور وصوله، وكان من ضمن الحاضرين الدكتور عبدالجليل مصطفى، والأستاذ على البرادعى، والدكتور عصام العريان، والدكتور سعد الكتاتني، والدكتور مصطفى النجار، والناشط عبدالمنعم إمام.

من أهم ما دار فى الاجتماع أن الإخوان المسلمين قد اتخذوا الموقف الصحيح، وكان كلام الدكتور العريان والدكتور الكتاتني يدل على أن الجماعة قد قررت النزول للشارع وأن تلتحم مع الشعب المصرى فى ثورته.


"يوميات ثورة الصبّار" (3) .. معركة الماء والقنابل والبصل والخَلّ

عبد الرحمن يوسف

(الأربعاء 09-03-2011)

سألنى الدكتور البرادعى عن رأيى فيما يحدث، قلت إننا لابد أن نفهم أننا لا نتعامل مع وزارة الداخلية، وأن هذا الوضع الذى نحن فيه يعتبر أكبر تهديد للنظام الجمهورى منذ قيامه عام 1952، وبالتالى هذا الأمر أكبر بكثير من أن يديره وزير داخلية أيا كان، وأننا نتعامل حاليا مع النواة الصلبة للنظام، وأن هناك غرفة عمليات فى مكان ما تدير المسألة، وتعطى أوامرها لوزارة الداخلية لكى تنفذ.

ودللت على ذلك بأن النظام فعل ذلك عند أزمة القضاة، وشكّل غرفة عمليات تدير الأزمة، وتعطى الأوامر لوزارة الداخلية لتنفذها فقط، ولا دور لوزارة الداخلية سوى التنفيذ.

وكان من ضمن ما قلته إن أكبر خطر يهددنا هو أن يطول أمد المعركة، وأننا لابد أن نكون حذرين جدا فى إدارة عمر المعركة، لأننا لا نضمن إلى أى حد سيطول نَفَس الجموع معنا، ولا ينبغى أن نرهق الجموع فى معركة طويلة الأمد دون أن نتأكد من قدرة الناس على الاستمرار، وقد قدرت الزمن الذى ينبغى أن نحسم فيه المعركة بحوالى أسبوعين.

وقد تبين بعد ذلك أن الشعب المصرى أعظم وأقوى مما نظن، فقد طالت المعركة أكثر من ذلك، ولم يقل الزخم، ولم تفتر عزيمة المعتصمين. ويبدو أن النظام بلغ أيضا من الغرور والغباء بحيث أوكل إدارة هذه المعركة لوزير الداخلية الفاشل لوحده.

كنا نتوقع أن يكون عدد المتظاهرين من مليون إلى مليونى متظاهر فى مصر كلها، وكان تخوفنا أن يكون العدد أقل من مليون متظاهر، وكنا نعتبر أن نزول مليونى متظاهر كفيل بأن يهز النظام هزة قد تنهيه تماما.

كانت الخطة أن نصلى الجمعة مع الدكتور محمد البرادعى فى مسجد الاستقامة الواقع فى ميدان الجيزة، تم إعلان ذلك على الـ"فيس بوك"، واتصل بى عشرات المواطنين والناشطين يتساءلون عن مكان صلاة الدكتور، وأخبرتهم. كانت الأخبار تتواتر لدينا بنية الحكومة فى قطع جميع أشكال الاتصال، من محمول، وإنترنت، لذلك اتفق جميع الناشطين على أماكن لقائهم بدقة لأنهم يعلمون أن التواصل غدا قد يكون مستحيلا.

فى صباح يوم الجمعة حدث أمر غريب، وخلاصته أن الدكتور مصطفى النجار اضطر أن يتحرك من مسكنه فى مدينة السادس من أكتوبر إلى ميدان التحرير لكى يوصل غرضا معينا، وكان تحركه فى حدود التاسعة صباحا، وقد اتصل بى وهو فزع، وقال لى: (الجيش شكله حينزل) ...!

فاستغربت، وسألته عن السبب، فأجاب بأنه لا يرى شرطيا واحدا فى أى شارع من شوارع القاهرة منذ انطلق من مدينة السادس من أكتوبر وحتى وصوله إلى وسط المدينة! أعدت عليه السؤال، فكرر الإجابة مؤكدا، وأخبرنى أنه فى ميدان التحرير، ولا يوجد أى شرطة لمكافحة الشغب، بل إن شرطة المرور اختفت من الشوارع...!

اتصلت ببعض الأصدقاء أسألهم عن دلالة ذلك، وكان من ضمنهم الصديق العزيز الأستاذ حسين عبدالغنى الإعلامى الشهير، وأذكر أنه قال لى: (دى مش موجودة فى الكتاب يا عبدالرحمن!) ، ويقصد أنه أمر غريب مريب لا تفسير له. تبيّن بعد ذلك أن ما حدث أمر من اثنين، إما أن الشرطة كانت مختبئة وظهرت فى وقت الصلاة، وهو احتمال أستبعده.

وإما أن شرطة مكافحة الشغب قد تعبت بعد ثلاثة أيام من العمل المتواصل، فعادت إلى معسكراتها ليلة الجمعة وذلك فى محاولة لمنح هذه القوات قسطا من الراحة، ثم جلبت إلى مواقعها مع صلاة الجمعة، وهذا ما أرجحه. وصلتنا أخبار صباح الجمعة أن الأمن سيمنع الصلاة فى مسجد الاستقامة، وبالتالى قلنا للجميع "أحضروا معكم سجاجيدكم لكى نصلى فى الشارع".

قبل العاشرة والنصف بدأت شبكات المحمول بالتأثر، وخلال عدة دقائق تعطلت الشبكات الثلاث، وانقطع الناس عن بعضهم البعض تماما، وانقطع كذلك الاتصال بالشبكة العنكبوتية، مما جعل مصر جزيرة منعزلة عن العالم، وأصبح شكل الاتصال الوحيد المتاح هو الاتصال عن طريق الهاتف الأرضى.

كان الاتفاق أن نلتقى أمام منزل الدكتور أحمد شكرى، وهو ابن أخت الدكتور البرادعى، ويسكن أمام حديقة الحيوان بالقرب من ميدان الجيزة، وتقابلنا هناك فى حدود الحادية عشرة صباحا، وكان هناك جمع من الرموز على رأسهم الدكتور عبدالجليل مصطفى، والدكتور أبوالغار، ومصطفى النجار، التقيت يومها السيدة هبة صالح مراسلة الفاينانشيال تايمز للمرة الأولى، وذلك بعد علاقة (لاسلكية) استمرت عدة شهور، وكان من الحاضرين كذلك د.أسامة الغزالى حرب، والصحفى الأستاذ إبراهيم عيسى.

وصل الدكتور البرادعى متأخرا قليلا، وبعد أن كنا بدأنا بالقلق عليه، وتحركنا فور وصوله إلى مسجد الاستقامة فى مسيرة بالسيارات، ووقفنا قبل الوصول للمسجد فى مكان متفق عليه، حيث كان ينتظرنا عشرات الشباب لكى يقوموا بالتحلق حول الدكتور لحمايته من أى أذى.

تحلق الشباب حول الدكتور، وبدأت المسيرة التى لم تستغرق سوى دقائق ونحن نهتف "تحيا مصر"، حتى وصلنا إلى المسجد، وكانت الخطبة قد بدأت، وكان المسجد غاصا بالمصلين. حاولت الدخول إلى المسجد فلم أتمكن، ولكنى صليت أمام باب المسجد.

أما الدكتور البرادعى ومن معه، بسبب كثرة المحيطين به، فلم يتمكنوا من الوصول إلى باب المسجد من الأساس، لذلك صلوا فى الشارع. المكان محاصر بآلاف الجنود من الأمن المركزى، والجو فيه قلق وتوتر يكاد يشمه المرء فى الهواء. حاولت التركيز فى خطبة الجمعة لأعرف رأى المؤسسة الدينية فيما يحدث، فوجدت الخطبة متوازنة.

المسجد الذى اخترناه تابع للجمعية الشرعية، وقد قال الخطيب فى خطبته، إن الجمعية الشرعية أصدرت بيانا من ثلاث نقاط، النقطة الأولى تدعو الحكومة إلى رد المظالم، والنقطة الثانية تؤكد فيه على حق المتظاهرين فى التعبير عن رأيهم، والنقطة الثالثة تدعو المتظاهرين إلى عدم الاعتداء على أى ممتلكات عامة أو خاصة.

بعد أن سلم الإمام تسليمته الثانية انطلقت الهتافات من المصلين بشكل عفوى، تحيا مصر، ومن جهة أخرى هتافات تقول التغيير التغيير، ولكن حين هتف شخص قائلا: يسقط يسقط حسني مبارك، توحدت كل الحناجر كأنها سيل عرم، أو كأنها رعد من السماء، وظل المصلون يرددون هذا الهتاف ضد مبارك ويكررونه دون أى كلل أو ملل.

فى هذه الأثناء غيرت موقعى لكى أحاول الوصول للدكتور البرادعى، فرأيت مشهدا لن أنساه، لقد بدأت المدرعات برش المياه على المصلين برغم أنهم لم يتحركوا بعد من أماكنهم، ونظراً لأن الدكتور البرادعى لم يتمكن من دخول الجامع، فقد كان خرطوم المياه موجهاً نحوه مباشرة!

حاول الشباب أن يحموه، ولكنى شاهدت الماء يخبطه هو شخصيا فى رأسه وجسده، وهو مستكين صابر كعادته، كل ما فعله أن حمى نظارته من السقوط بيديه، ثم أخذه الشباب إلى داخل المسجد، لكى يتمكنوا من حمايته، وانضم له فى المسجد كل الكبار الذين كانوا معه.

كان أمامى ثلاثة خيارات

الخيار الأول: التوجه مع مجموعة من المصلين إلى جامعة القاهرة.

والخيار الثانى: أن أحتمى بالمسجد مع الدكتور البرادعى والناشطين الذين معه.

والخيار الثالث: أن أخوض المعركة مع المتظاهرين المتجمهرين هنا فى ميدان الجيزة.

وقد اخترت الخيار الثالث، لكى أبقى على مقربة من الدكتور البرادعى لو حدث أى تطور، ولكى لا يفوتنى شرف المشاركة فى هذا اليوم العظيم.

بدأت المعركة برش المياه على المتظاهرين، وقد كنت من ضمن مجموعة حاولت أن تحمس الناس لكى يتشجعوا ويدخلوا باتجاه الجنود، وقد قمت بالاشتباك مع بعض الجنود، وخطفت عصا من يد واحد منهم، وكنت سعيداً بها جدا، ولكنها ضاعت منى فى أحداث المعركة بعد ذلك! حين اشتبكت مع الجنود أصابنى خرطوم المياه الخارج من المدرعة إصابة مباشرة من قمة رأسى إلى أخمص قدمى، فصار منظرى كأننى خرجت من البحر لتوى!

كنت ألبس بنطلون (جينز)، وكنزتين من الصوف، وذلك لحماية جسمى من الهراوات، التى قد تسقط عليه، وصار كل ذلك مبتلاً تماما، كل ما ألبسه من ملابس، حتى الداخلية صارت مبتلة تماما، وظلت مبتلة لساعات، حتى إننى بعد أن صليت العصر كنت ما زلت أعصر ملابسى فتنز الماء نزا! بدأت المعركة بالماء، ثم بعد أن ابتعد المتظاهرون - بسبب الماء - مسافة معقولة بدأت القنابل المسيلة للدموع بالانطلاق.

لقد ألقى علينا مئات من القنابل! كان عدد المتظاهرين يزداد كل دقيقة، وكان المتظاهرون يأتون من مناطق الجيزة المختلفة، حتى يصلوا إلى ميدان الجيزة، فينضموا إلينا. كان المتظاهرون قد فهموا اللعبة، وعرفوا كيفية التعامل مع القنابل المسيلة للدموع، فالعلاج هو الخل، مناديل مبتلة بالخل، وكذلك أن يشم المصاب بصلا، أو أن يغسل وجهه بالبيبسى أو ما شابه ذلك من المشروبات، بالإضافة إلى حماية الوجه بقناع طبى، وحماية العيون بنظارة مائية أو ما شابه ذلك، وقد تعلمنا ذلك من خلال التواصل مع الشباب التونسى على الـ"فيس بوك".

كنت قد حصنت نفسى ببعض هذه الأشياء، وخضت المعركة مع شباب الجيزة الذين أظهروا شجاعة مذهلة! كانوا يقفزون إلى القنابل المسيلة قفزا، ثم يمسكونها بيديهم، ويركضون بسرعة إلى رجال الشرطة، ثم يلقونها ناحيتهم، وقد ساعدهم فى ذلك أن الله شاء أن يتغير اتجاه الريح فيصبح باتجاه الشرطة لا باتجاهنا.

فى هذه المعركة.. عرفت أن التغيير أصبح واقعاً...! لم أر فى حياتى كلها المصريين يحبون بعضهم بهذا الشكل! البصل والخل يتساقط علينا من الشرفات، كلما تعب شخص وجد عشرة يحملونه ويساعدونه، وجدت من المتظاهرين من اشترى قطرات العيون وظل يعالج بها عيون المصابين بالقنابل، ووجدت من يشترى البيبسى لكى يساعد المصابين!

كان حوارى الداخلى يقول:

(هؤلاء هم المصريون، المصريون الذين يقتلون بعضهم البعض من أجل عشرة جنيهات، هؤلاء هم المصريون الذين يقترفون جميع الموبقات، هؤلاء هم الذين يدفعون الرشى والإكراميات، ولا يتقنون أعمالهم، ويعيشون عالة على الأمم وعلى أنفسهم.. هاهم يستخرجون أفضل ما فى أنفسهم بعد أن قرروا أن يكونوا قادة أنفسهم)!


"يوميات ثورة الصبّار" (4) .. وبدأت "معركة الصبر"

عبد الرحمن يوسف

(الخميس 10-03-2011)

(هاهم يستخرجون أفضل ما فى أنفسهم بعد أن قرروا أن يكونوا قادة أنفسهم)! وكان من المشاهد المؤثرة التى شاهدتها رجل مع امرأته الحامل يخوضان المعركة مع المتظاهرين! شاهدت أطفالا صغارا لا تتجاوز أعمارهم العاشرة يشاركون فى المعركة، وشاهدت سيدات كبيرات، وفتيات صغيرات.

كانت الغالبية العظمى من الشباب الذين لم يُتموا الثلاثين. كنت أشعر أن البلد يولد من جديد، كنت أشعر بطاقة حب غريبة! بالرغم من اشتعال المعركة كان الجميع يواصلون الهتاف: "يسقط يسقط حسني مبارك"، وكلما شاهدوا شابا أو رجلا فى شرفة من الشرفات يتفرج على المظاهرة هتفوا له وهم يؤشرون له بالنزول: (انزل انزل خليك راجل.. حسني مبارك راحل راحل!).

فى هذه الأثناء أذن العصر، وبدأ الناس بأداء الصلاة جماعات جماعات تحت الجسر، ورغم مرور كل هذا الوقت إلا أن ملابسى ما زالت تقطر ماء بسبب المدرعة اللعينة التى أغرقتنى بمائها، وبدأت أشعر بإجهاد شديد بسبب البرودة النسبية لذلك اليوم، بالإضافة إلى الغازات والمجهود الذى يبذله المرء فى الكر والفر.

انضممت إلى جماعة وصليت العصر، ثم أكملت الجموع معركتها مع الشرطة. لقد كان الوعى الذى يحرك المتظاهرين فى غاية الروعة، لدرجة أننى كنت أحمل فى يدى حجرا على سبيل الاحتياط، فوجدت من ينبهنى إلى ضرورة التزام الشكل السلمى للتظاهرة.

وبقدر الوعى الذى كان فى المتظاهرين، بقدر ما كانت خسة رجال الشرطة، فقد أحرقوا سيارة مدنية خاصة واقفة فى الشارع عمدا أمام أعيننا، وحين حاول البعض إطفاء الحريق أطلقوا نحوهم القنابل، ثم أطلقوا عليهم الرصاص المطاطى.

وفى منتصف المعركة توقفت الشرطة عن إطلاق القنابل حتى أُوحى إلينا أن المعركة انتهت، ولهذا بدأ المتجمهرون بالاقتراب من الشرطة، وبعد أن أصبحنا فى مواجهتهم انهالت علينا القنابل من المدرعات، ومن فوق الجسر، وتسبب ذلك فى إصابات كثيرة، وأصبت حينها باختناق شديد، وفقدت العصا التى غنمتها من الجندى، ولولا مساعدة أحد الناشطين الذين يعرفوننى (كريم الجهينى) لكنت قد فقدت وعيى.

بعدها بدا واضحا أن التشكيلات التى أمامنا من مكافحة الشغب قد باتت فى وضع محرج، فهى تتراجع، وتقلل مما تقذفه علينا. كان رأيى أن هناك أمرا ما قد جاء لهذه التشكيلات، إما بالكف عن الضرب، أو بالانسحاب، والبعض رأى أن ذخيرتهم من القنابل قد فرغت!

وأنا الآن أظن أن الأمر مزيج من الاثنين. بعد أن أفسحت لنا شرطة مكافحة الشغب طريقنا حدث مشهد فى منتهى الروعة! لقد بدأ المتظاهرون بالسلام على عساكر وضباط الشرطة، بل إن البعض بدأ بتقبيلهم والحديث معهم بما يرفع معنوياتهم، وبما يرفع الحرج عنهم، كلام من نوعية: "والله العظيم عاذرينكم، عارفين إنه مالكوش ذنب، منه لله اللى بيخليكوا تعملوا فينا كده"!

وفى هذه اللحظة صعد بعض المتظاهرين أعلى الكوبرى وبدأوا برشق الشرطة بالحجارة، فما كان من جموع المتظاهرين إلا أن تكتلت أمام تشكيلات الأمن المركزى كدرع بشرية، مع هتاف موحد يدوى فى السماء: "سلمية.. سلمية" ! كان هناك بائع (سميط) فى المظاهرة، يبيع وهو يصرخ: (بنص جنيه)، وحين انتصرت الجموع على الأمن رأيت هذا البائع يصرخ فرحا: (ببلاش ببلاش ببلاش)!

وبدأ الناس يأخذون بضاعته مجانا، ويقبلون عليها من شدة التعب وهو راض بذلك، فجاء شاب ثلاثينى سمح الوجه، وقال للبائع: (بتتكلم جد؟) فأجاب البائع بثقة: (أيوه.. اتفضل)، فما كان من الشاب إلا أن أخرج من جيبه ورقة نقدية بمائتى جنيه، وأعطاها للبائع فى يده، قائلا له: (برافو عليك)..!

كان هذا الموقف وما شابهه إرهاصة لما سوف يحدث فى الميدان، أعنى بذلك ظهور أخلاق جديدة، وسلوك مختلف من المصريين، بسبب اللحظة التاريخية التى يعيشونها. وبهذا المشهد الرائع انتهت معركة ميدان الجيزة، وتحركت الجموع إلى ميدان التحرير.

كنت فى غاية الإجهاد، لذلك مشيت مع الماشين حتى وصلت لسيارتى عند حديقة الحيوان، وقررت أن أذهب إلى منزلى فى السادس من أكتوبر لتبديل ملابسى. استغرقت رحلتى إلى المنزل ما يزيد على ساعتين، ذلك أن انسحاب الشرطة من الشوارع قد بدا واضحا، لذلك كلما سلكت طريقا وجدته مغلقا إما بالمظاهرات وإما بالبلطجية!

كان الطريق الدائرى (من جهة المنيب) مغلقا بالبلطجية، وكانوا يمنعون السيارات من المرور مع التلويح بالعصى والسكاكين، وكذلك كل الطرق التى تمر بمنطقة وسط البلد، لذلك اضطررت للعودة والدخول من حى المنيل إلى منطقة سور مجرى العيون ثم عبر القلعة إلى أن ارتقيت كوبرى 6 أكتوبر من طريق صلاح سالم، ثم مشيت إلى أن وصلت إلى كوبرى 15 مايو، وعندها وجدت قوات مكافحة الشغب تتصدى لجموع قادمة من جهة شبرا، وجموع أخرى قادمة من بولاق، وجموع قادمة من الزمالك، وكلها تريد الوصول إلى ميدان التحرير.

فى هذه المنطقة وقفت ما يقرب من ربع ساعة، ثم تجمعت بعض السيارات ففتح الأمن المركزى لنا الطريق وعبرنا بسرعة من خلال كوبرى 15 مايو من فوق الزمالك حتى وصلت إلى المهندسين، وفى ميدان سفنكس كانت هناك اشتباكات عنيفة جدا بين المتظاهرين والشرطة، وكادت سيارتى تدمر بسبب القنابل والحجارة التى يلقيها الطرفان.

من أهم مميزات رحلتى الطويلة إلى المنزل أننى رأيت المظاهرات فى أجزاء كثيرة من القاهرة، خصوصا حين قطعت المسافة من شرق القاهرة عبر كوبرى 6 أكتوبر إلى المهندسين، ثم إلى السادس من أكتوبر. رأيت مناطق مثل العباسية، وغمرة، ورمسيس، وشارع الجلاء، وبولاق، وكورنيش شبرا، والزمالك.. كل هذه المناطق كانت غاصة بالبشر.

ما رأيته بنفسى فى هذا اليوم لا يقل عن نصف مليون متظاهر بأى حال من الأحوال. طوال الطريق كنت أستمع إلى إحدى محطات الإذاعة الرسمية، وعلى مدار ساعة ونصف كانت الإذاعة تحاول أن توضح أن الأمور مستقرة، وأن الاحتجاجات محدودة جدا، وأنها محصورة فى محافظات قليلة. هذه الرسالة الإعلامية المزورة جاءت على لسان محافظى الفيوم والغربية والسويس وقنا وأسيوط وغيرهم، وبعض هؤلاء المحافظين بالغ فى صفاقته حتى زعم أن الشرطة تحمى المتظاهرين، وتؤمن مسيرتهم لا أكثر!

وعند الخامسة والنصف، كانت نشرة الأخبار تعلن نزول القوات المسلحة بأمر من مبارك بصفته الحاكم العسكرى، وتفرض حظر التجول، وغير ذلك من الإجراءات، وذلك من أجل حماية ممتلكات الدولة والمواطنين من اعتداءات الغوغاء على الفنادق والبنوك وغيرها.

حينها قلت فى نفسى: يا لغبائهم! نفس الراديو كان يعلن منذ دقائق أن الأمور مستقرة، وفجأة اتخذت كل هذه الإجراءات من أجل حماية البلد من الغوغاء..! كانت رائحة القنابل فى كل مكان، كلما فتحت شباك السيارة فى أى مكان فى القاهرة تقريبا دخلت هذه الرائحة الخانقة.

واصلت طريقى إلى منزلى، ووصلت بعد المغرب، فخلعت ملابسى وأنا منهك تماما، وجسلت أمام محطات التليفزيون، وأعلن التليفزيون المصرى عن كلمة سيلقيها مبارك بعد قليل. بعدها أُعلن أن السيد فتحى سرور قد صرح بأن هناك قرارات مهمة سيتم الإعلان عنها!

كان انطباعى أن هناك صراعا فى غرفة القيادة على كيفية إعلان خروج مبارك من الحكم! لقد وصل المتظاهرون إلى مبنى التليفزيون! والحرائق ممتدة بدءا من أقسام الشرطة، وصولا إلى المتحف المصرى، مرورا بمقر الحزب الوطنى الحاكم! لقد سقط مبارك، ونحن فى انتظار خطاب التنحى!

ما عرفناه بعد ذلك أن الوحدات التى جاءت إلى منطقة وسط البلد كانت من الحرس الجمهورى، وكان الهدف منها أن تؤمن مبنى ماسبيرو، وهذا ما حدث، وتم إقناع المتظاهرين (وهم بالمئات) بالخروج من المبنى، ولم يلتفت أحد من هؤلاء القادة إلى ما يحدث فى المتحف المصرى، فأمّنوا التليفزيون والإذاعة، وتركوا المتحف ينهب، وتركوه أيضا معرضا للاحتراق بسبب الحريق الذى شب فى مبنى الحزب المجاور له!

جلست أتابع وأنا فى انتظار خطاب التنحى، وبعد منتصف الليل، خرج علينا بوجهه العكر، ليعلن بقاءه، ويعلن تعيين نائب، وإقالة الحكومة! شعرت بصفعة على وجهى! يا له من عُتل غبى! قلت فى نفسى: (والله لن أبيت فى منزلى هذه الليلة!)، فقمت من فورى، ولبست ملابسى مرة أخرى، وتوجهت فورا إلى الميدان!

كانت الطريق سالكة، فوصلت بسرعة كبيرة. فوجئت حين وصلت بأن عدد الشباب المرابطين فى الميدان قليل جدا، أظنه لا يصل لخمسة آلاف شاب! بدأت بجولة تفقدية للميدان، فوجدت عددا كبيرا من الشباب يحرس المتحف المصرى، وقد قبضوا على بعض ضباط وأفراد الشرطة وهم يحاولون العبث به، وكان ذلك استجابة لنداء المخرج السينمائى خالد يوسف عبر شاشات التلفاز.

الدبابات تمركزت على مداخل الميدان كلها، ولا وجود للشرطة نهائيا، اللهم إلا بعض سيارات الشرطة المحترقة، وبعض الغنائم التى غنمها المتظاهرون، كالخوذات والعصى! ومن أغرب ما شاهدته مدرعة محترقة من مدرعات الجيش، فسألت الشباب عنها، فأخبرونى أنها مدرعة تابعة للحرس الجمهورى، وأن المتظاهرين أحرقوها لأنها كانت تنقل الذخيرة لقوات مكافحة الشغب!

وكذلك ضُبِطَتْ سيارة إسعاف تنقل ذخيرة لهم، ولهذا تم منع أى سيارات تعبر من الميدان إلا بعد أن يتم تفتيشها. لم أجد أى شخص معروف فى الميدان، ولم أجد أى قيادى من القيادات الشبابية أو التاريخية، وكنت قلقا جدا، لأن العدد كان قليلا، ولو أراد النظام تفريغ الميدان ممن فيه الآن لتمكن من ذلك!

حين حاولت أن أنشئ إذاعة أخرى مثل التى أنشأتها فى الخامس والعشرين من يناير لم أتمكن، فجميع المتاجر مغلقة. حاولت بعد ذلك (فى صبيحة اليوم التالى) أن أشترى سماعات من بعض منظمى الأفراح، ولكنهم بالغوا فى الأسعار، ولم يكن معى ما يكفى من المال، وحين وجدت بعض الشباب أقاموا الإذاعة ارتحت، وكذلك قام شباب الإخوان بعمل إذاعة صغيرة تأتى بها سيارة، ثم تطورت هذه الإذاعة، وأصبح لها الصوت الأعلى فى الميدان.

كان ظنى أن الناس قد تعبت من معركة البارحة، وأنهم سيرتاحون ويبدلون ثيابهم ثم يعودون، تماما كما فعلت أنا. وهذا ما حدث، إذ بدأت الجموع تتدفق على الميدان منذ الصباح الباكر، فكان العدد يفوق الخمسين ألفا عند التاسعة صباحا، وكان يفوق الربع مليون مع أذان الظهر. إذن.. فقد بدأت معركة الصبر!

وللحديث بقية...

"يوميات ثورة الصبّار" (5) .. الانفلات الأمنى تم بـ"مخطط جهنمى" والطغاة أرادوا مقايضة الأمن بالحرية

عبد الرحمن يوسف

(الأحد 13-03-2011)

بعد إلقاء "مبارك" لخطابه الأول فى الساعة الأولى من يوم 29 يناير 2011 صارت الجموع فى غاية الحماس، وفى غاية الغضب، لقد كان خطاب مبارك يمثل قمة الصلف والغرور، ما جعل كل مواطن مصرى يشعر بإهانة موجهة له شخصياً.

الأيام التالية كانت تجمع بين الفرحة بالتجمع الضخم، والحيرة فى الخطوة التالية. سئلت مئات المرات من أشخاص لا أعرفهم عما ينبغى أن نفعله، وكنت أجيب بأمرين، الأول أننا باعتصامنا فى الميدان نشكل قوة ضغط كبيرة جدا لا يمكن تجاهلها.

والثانى أن الناس هى التى صنعت الثورة، وسوف يحافظون عليها، أى أن القرار فى النهاية سيكون لهذه الجموع. كنت قلقاً، ولكننى كنت متفائلاً جداً، كنت أرى ما بشّرْتُ به طوال شهور وشهور يتحقق، يتحقق بشكل أعظم وأجمل مما تخيلته! لقد كانت آرائى المبشرة بهذه الثورة مثار سخرية حتى بين النخبة!

أذكر أننى كتبت مقالة بعد انتخابات 2010، وكان عنوانها: (بل قد تضاعف تفاؤلى)، وكتبت فيها - استكمالا لمقالات أخرى كانت تبشر بقرب النهاية - وأذكر أن صديقا عزيزا قد سخر منى علنا (من خلال الفيس بوك)، ما اضطرنى لحذف تعليقه على المقالة، وقد سخر بشكل سخيف مع أنه أستاذ جامعى .

أنا لا أذكر هذا الكلام الآن لكى أضيف سبقا لشخصى الضعيف، بقدر ما أذكره لكى يتعلم الناس أنه لابد من قليل من التفاؤل، ولابد أن نتعلم أن ننظر إلى بعض الآراء (غير الواقعية) بشىء من الرحمة، لكى لا يهدر المجتمع طاقته الفكرية، وقدرته على التجدد، وذلك يكون بوأد الخلاف فى الرأى، فيصبح الناس مجتمعين على رأى واحد حتى لو كان خطأ. استمر الاعتصام، وطائرات الهيلكوبتر تحلق فوقنا صباح مساء، تصور وترصد وترسل التقارير.

وفى يوم الأحد 30 يناير، حلق فوق الميدان تشكيل (إف 16) مكون من طائرتين، وكان تحليقا منخفضا، وقد تسبب ذلك فى حالة من القلق بين المتظاهرين من شدة المفاجأة، فبدأ المتظاهرون بالهتاف فى شكل تلقائى: (حسنى اتجنن!). كانت الأخبار السيئة المتعلقة بالانفلات الأمنى تقلق المتظاهرين بشكل جنونى، وقد كان المخطط جهنميا، فقد أراد الطغاة مقايضة الأمن بالحرية، وكذلك أن يشغلوا هؤلاء المتظاهرين بالدفاع عن منازلهم.

لكن الذى لم يكن فى حسبانهم أن هذا الشباب المصرى العظيم سيرتب نفسه بحيث يحرس البيوت فى الليل، ويرابط فى الميدان صباحا، وكذلك أن يتم ترتيب الأمور (بارتجال رائع) بحيث يظل الميدان ممتلئا دائما، فكأن الشعب المصرى قد قام بعمل ورديّات تضمن حراسة المنازل والممتلكات، وتضمن كذلك استمرار الاعتصام.

من أهم ما حدث هذا اليوم (الأحد 30 يناير) أن الصحف المستقلة بدأت برفع سقفها، وبدت العناوين الرئيسية أكثر تحررا مما عهدت من قبل، "المصرى اليوم" صدرت صفحتها الأولى بصورة ضخمة لأحد ضباط الجيش الذين انضموا للثورة وهو محمول على أعناق الثوار، وفوق ذلك عنوان: (مؤامرة من "الأمن" لدعم سيناريو الفوضى).! وجاءت صحيفة الشروق بعنوان: (الشعب يتقدم ومبارك يبدأ التراجع)!

كانت العناوين زاعقة، وكان من الواضح أن الصحف المصرية اتعظت بما حدث فى تونس، فبعض الصحف هناك صدرت تمجد فى زين العابدين حتى آخر لحظة، ثم فجأة أصبحت العناوين: (إرادة الشعب تنتصر) ...! أما صحافة مماليك الدولة، فكانت عناوينها تبعث على الضحك أو الغثيان، ويكفى أن نعرف أن "الأهرام" صدرت فى هذا اليوم تتحدث فى صفحتها الأولى عن مظاهرات مكونة من عدة مئات يقودها مصطفى بكرى، ومحمد عبدالقدوس ...!

كما لم يخل الخبر من تلميحات بالتدخل الخارجى، والاتهام بأعمال السلب والنهب، من خلال ذكر ما حصل فى (أركاديا مول)، وغير ذلك من طرق العرض الرخيصة التى تؤلب الرأى العام ضد الثورة. فى هذه الأيام، أعنى الأيام الأولى من الأسبوع الأول من الاعتصام، بدأت تظهر (أخلاق الثورة)، أو (أخلاق الميدان) ...! وفى هذا الموضوع من الممكن أن نكتب مئات المواقف، ومئات النوادر، وأن نذكر آلاف الشرفاء.

لقد أصبح الجميع يشعر بانتماء لهذا المكان! وهو انتماء من نوع خاص، أنا لم أعرف مثل هذا الانتماء من قبل. إنه أشبه ما يكون بانتماء الأطفال لحضاناتهم ...! انتماء بدائى غيور، وبرغم ذلك حدثت خلال فترة الاعتصام فتن بين المعتصمين لا يمكن تخيلها ...! كنا طوال اليوم نرى شبابا وشابات يوزعون ما تيسر من الطعام، وآخرين يجمعون القمامة.

لا يمكن أن تجلس ربع ساعة فى أى مكان فى الميدان تقريبا بدون أن يمر عليك شخص يسألك عن أى قمامة تريد التخلص منها، أو دون أن يدعوك أحد لقطعة (سميط)، أو بضع تمرات. جلسنا فى الميدان حوالى أسبوعين متصلين دون شكوى تحرش واحدة، لم نسمع شخصاً واحدا يستغيث بسبب سرقة هاتف محمول أو أى غرض كان.. كان الناس يتعاملون مع بعضهم البعض بكرم ونبل جديدين على الشعب المصرى، أو على الأقل جديدين على هذا الجيل.

أحد أصدقائى (من غير المقيمين فى الميدان) كان يمشى معى فى الميدان، وعطش، فأراد شراء زجاجة مياه معدنية من بائع يقف فى الطريق، فأخذ الزجاجة، ثم سأل البائع: بكم؟ فأجابه البائع: لو معاك يبقى 2 جنيه، لو ما معاكش خدها وامشى!

أحد الأصدقاء كان يمشى فى الميدان ويحاول أن يجد من يبيع شيئاً يؤكل، وكلما سأل عن أى مكان يبيع طعاما وجد الناس يصرون على دعوته على ما عندهم من طعام! ولم تحدث أى مشاجرة تذكر بين الناس، رغم الزحام، ورغم الضغوط التى يتعرض لها المعتصمون.

لم تحدث أى مشاجرات إلا بعد أن نجح الأمن فى زرع الفتنة بين المعتصمين، فى مرحلة من مراحل الاعتصام، حين نجح فى إدخال بعض أنصار الحزب الوطنى لمحاولة تثبيط العزائم، وسأذكر هذا لاحقا.. المكان الوحيد الذى كان يخضع لأخلاق ما قبل الثورة، هو المنصات الإعلامية الموجودة فى الميدان!

كانت شهوة الظهور فى هذه الأماكن تضخ طاقة سلبية فى المكان، حتى إننى زهدت فى كثير من الفعاليات التى دعيت إليها، واعتذرت عن عدم المشاركة فى كثير من الندوات، وحين حاول بعض الشباب أن يدفعوا بى لكى أكون مسؤولا عن إحدى هذه الإذاعات تهربت منهم.

وأذكر أننى بعد إلحاح وضغط استجبت لإحدى الإذاعات فى الميدان، وذهبت فى الموعد المحدد، فوجدت فوضى عارمة، ووجدت عشرات المتسلقين الذين يرغبون فى الكلام، ووجدت شهوة حب الظهور تكاد تطفئا ما أشعر به من مشاعر (المدينة الفاضلة)، ما دفعنى لافتعال معركة لكى أهرب من هذا الجو!

وبالفعل، أصررت على النزول من على المنصة، والانصراف، والسبب أن مزاجى قد تعكر برؤية هذا التكالب على الميكروفون، فأصبحت غير مهيأ نفسياً لإنشاد الشعر.. كان الشخص الذى يدعونى إلى المنصة رجلاً محترما اسمه الأستاذ حسين الزعوينى، وكنت أخجل منه (هو ورفاقه) من شدة أدبه، لكن الاستفزاز الذى كان موجودا عند المنصة فاق قدرتى على الصبر.

بسبب هذا الخلق السيئ، الذى كان عند المنصات لم ألق شعراً فى الميدان إلا قليلاً جداً، برغم دفع من حولى لى لكى ألقى، فكانت قصائدى تلقى مسجلة فى الميدان، برغم وجودى بشحمى ولحمى، واعتذرت عن أغلب الدعوات، وحين قبلت كنت دائما أختصر، فألقى لعدة دقائق ثم أنصرف!

وهنا لابد من شهادة حق، وهى أن الإذاعة الرئيسية كانت تحت إدارة الإخوان المسلمين، وبرغم أنهم لم يتمكنوا من تنظيم هذه الإذاعة كما ينبغى إلا أننى أشهد بأنهم لم يحتكروا الحديث لأنفسهم، أو حتى للتيار الإسلامى وحده، بل كانت الإذاعة ممثلة لكل القوى التى فى الميدان، بل لكل من يملك صفاقة كافية للإصرار على الحديث.

وقد كان أداء الإخوان طوال فترة الاعتصام ممتازا، فقد أدوا واجبا عظيما فى (لجنة النظام)، دون أن يرفعوا شعاراتهم، ودون أن يحتكروا العمل فى هذه اللجنة، فكانت لجنة النظام مفتوحة لكل المتطوعين.

فى نفس هذه الفترة بدأت بعض الضغوط على المعتصمين، وتمثلت فى منع دخول الماء والغذاء والدواء إلى الميدان. وبدأت عشرات القصص تتوالى عن أناس حاولوا إدخال المؤن إلى الميدان فتمت مصادرتها من الجيش وإلقاؤها فى النيل.

كان من الواضح أن لـ"أمن" الدولة دخلاً فى هذا الأمر، فحسب روايات الشهود كانت القوات التى توقف الناشطين قوات غير نظامية مجهولة الهوية، وهناك بعض الشهادات التى تؤكد أن الشرطة العسكرية صادرت بعض المؤن، لكن يبدو أن ذلك قد تم بتوجيهات من أمن الدولة أيضا.

فى هذه اللحظة بدأت أشعر بشعور نبتة الصَّبَّار الواقفة فى حر الصحراء، تلك النبتة الرائعة الجميلة التى تقف فى الحر لسنوات وسنوات، صامدة حتى لو انعدم الماء...! إذن ... نحن الصَّبَّار، وسنصمد هنا برغم كل المنع والقمع...!

كنت شديد التشاؤم حيال هذا الأمر، وكنت أخشى أن يقوموا بتجويعنا فى الميدان بهذا الشكل، وبدأ الحديث عن (شِعْبِ أبى طالب) يتكرر، لكن الظن خاب بفضل الله أولا، وبفضل تحايل الشباب على كل ما قام به من يحاصرنا ثانيا، فقد تفنن الشباب فى طرق إدخال المؤن إلى الميدان.

فى هذا اليوم هاتفنى زوج أختى الدكتور هشام المرسى، وهو طبيب مقيم فى قطر، وأخبرنى أنه هنا ليشارك فى مليونية يوم الثلاثاء، وقد جاء خصوصا ليشارك فى الثورة، وأخبرنى أنه فى الميدان، قلت له نلتقى غدا بإذن الله، ولكن لم يحدث، لأسباب سأسردها فى الحلقة المقبلة.


"يوميات ثورة الصبار" (6) .. الشعب هو عمق هذه الثورة.. وخزان الطاقة الحقيقى الذى يضمن استمرارها

عبد الرحمن يوسف

(الأربعاء 13-04-2011)

تمت الدعوة لمظاهرة مليونية يوم الثلاثاء الأول من فبراير، وفى هذه الليلة حدث شىء مهم، فقد اجتمعت فى مكتبى الشخصى القريب من ميدان التحرير (فى شارع 26 يوليو) مع مجموعة من الناشطين فى الحملة الشعبية لدعم البرادعى ومطالب التغيير، وكان فيها الدكتور مصطفى النجار، والأخ عبدالمنعم إمام، والدكتور أحمد خليل

والدكتور علاء عبدالسميع والمهندس عمرو علاء من الشرقية، والدكتور أحمد منير، والمهندس محمد عيد عتمان، ومصطفى إبراهيم، واتفقنا على ضرورة أن نحاول أن ندفع الجيش لإعلان موقفه، فكتبنا بيانا على الكمبيوتر، وطبعناه، ثم مسحناه تماما من على أجهزة المكتب، ووزعناه فى الميدان صباح اليوم التالى.

كان خلاصة ما فى البيان مطالبة للجيش بأن يعلن موقفه من الأحداث، وأن يعلن مع أى شرعية يقف، مع الرئيس الذى سقطت شرعيته بنزول الجماهير، أم مع الشعب العظيم الذى نزل إلى الشوارع مطالبا بحقه فى الحياة ؟! كما دعا البيان إلى جمعة الرحيل (الرابع من فبراير)، وهدد بأن الجماهير ستتحرك إلى القصر الجمهورى، والبرلمان، والإذاعة والتليفزيون.

وقد تم توزيع البيان على العديد من الصحفيين فى الميدان، وتم توصيله لبعض ضباط الجيش المرابطين على دباباتهم فى الميدان، وذلك لكى يصل البيان إلى الجيش. وفوجئنا بعدها بعدة ساعات ببيان يصدر من القوات المسلحة يعلن أن الجيش مع الشعب، وأن القوات المسلحة لم ولن تستخدم العنف مع المتظاهرين أبدا...!

ولم يكن أحد منا يتخيل رد الفعل السريع والإيجابى بهذه البساطة. اتضحت الصورة أمام الجميع، واتضح أن الجيش لن يضرب الناس، وأننا الآن نستطيع أن نضغط على مبارك، ونحن مطمئنون أن هذه المدرعات لن تفتح جحيمها علينا! كان هذا الهاجس داخل القلوب والعقول، وإن لم تنطق به الألسنة.

فى نفس هذا اليوم الثلاثاء الأول من فبراير 2011، جاء المصريون إلى ميدان التحرير بالملايين، قدرت الأعداد يومها بمليونين، وقدرت الأعداد فى مدينة الإسكندرية بأكثر من ثلاثة ملايين من البشر! إنها أكبر تظاهرات فى تاريخ هذا البلد العظيم، ولم نكن نتخيل أننا سنشهد تظاهرات أكبر من هذه بعدها بأيام.

بعد أن انتهت التظاهرة، أعلن التليفزيون الرسمى عن كلمة سيلقيها مبارك للأمة، وجلسنا ننتظر وننتظر، حتى فرغ منا الصبر، وظهر – كعادته – بخطاب قمىء، خال من البلاغة واللباقة، وتذكر أخيرا أن فى مصر شهداء قد قتلوا برصاص أمنه، وتذكر أخيرا أن فى مصر مطالب ومظالم ينبغى أن ينصت لها!

كانت الطامة الكبرى، إذ أعلن فى خضم هذا الكلام المائع أنه لن يترشح للرئاسة لفترة أخرى، ثم بدأ باستعطاف الجماهير بخطاب عاطفى سخيف، وأنه سيعيش ويموت ويدفن فى مصر ! بعد أن انتهى الخطاب مباشرة قلت لكل من حولى لا بد من تصعيد فورى، ولكن لم يصغ أحد.

خلال ربع ساعة كانت ردود الأفعال كالتالى: رفض تام لمن هم داخل الميدان لكل ما قدمه مبارك، وإصرار على مواصلة الاعتصام حتى يرحل. ارتياح تام لكل ما قدمه مبارك ممن هم خارج الميدان. جاءتنى عشرات المكالمات التى تصف الأجواء (خارج الميدان)، نساء يطلقن الزغاريد فى الشرفات، (شربات) يوزع فى الطرقات مجانا، بل وصف لى البعض مشاهد (كسر قلل) فى بعض الأحياء.

المهم، أن الشعب المصرى انقسم نصفين، أقلية ضد خطاب مبارك تماما، ولا ترى فيما قدمه أى شىء يرضيه لكى يفك الاعتصام، وأكثرية معه تماما، ولا ترى أى معنى لمواصلة الاعتصام، بل ترى أن من يواصل اعتصامه يؤذى الوطن ويخربه، وينبغى أن يؤخذ على يده!

كنت من الذين تنبهوا إلى خطورة الوضع منذ الدقائق الأولى، وقلت للعديد ممن هم حولى، لو تحركنا الآن إلى البرلمان لن يستطيع أحد أن يوقفنا، وإذا انتظرنا إلى الغد ستكون الكفة فى غير صالحنا، وحاولت بكل الطرق أن أدفع الناس فى هذا الاتجاه، وحين تلكأ من حولى، أخذت الدكتور مصطفى النجار وذهبنا فى جولة حول مجلس الشعب، لكى نرى حجم التحصينات التى حوله، وكانت ضئيلة جدا.

قلت للشباب: لو تحركنا الآن، سنصل إلى البرلمان قبل أن تصل الأوامر بكيفية التعامل معنا، وكان عندى ما يطمئننى بسبب بيان الجيش فى الصباح، ذلك البيان الذى تعهد فيه الجيش بعدم استخدام العنف مع المتظاهرين.

حاولت إقناع الشباب بأن السكوت خطير، وبأننا لا بد أن نصعد، ولا بد أن تصحو القاهرة غدا فتجدنا قد كسبنا مساحة جديدة بدلا من الانتظار فى أماكننا حتى يجهز علينا هذا العتل! وإذا كان هنالك من قلق من أن يندس بيننا من يتلف مبنى البرلمان، فيكفينا أن نعتصم فى حديقة مجلس الشعب دون أن نقتحم المبنى.

فى هذه اللحظة، عرفت قيمة الإذاعة...! لم يكن من الممكن أن أتطفل على أى إذاعة فى الميدان لكى أدعو الناس إلى التحرك إلى البرلمان، لذلك دفنت الفكرة فى مهدها! بعد أن انتهى الخطاب تعرّض المعتصمون لاختبار قاس جدا، فبدأت الاتصالات تنهال على كل من هو فى الميدان من أقربائه وأحبائه، الكل (ممن هم خارج الميدان) يطالب بفك الاعتصام.

لهذا السبب أعتبر هذه الثورة ثورة الشباب! لقد بدأ هذه الثورة الشباب، وإنى لأشهد أن الشباب هم من صمد فى هذه اللحظة ضد جميع أشكال الضغط والابتزاز النفسى، التى تعرض لها المعتصمون من أقرب الناس لهم. لقد كان الشباب فى ميدان التحرير يرون ما لا يراه الآخرون، كانوا يلمسون الحلم بأيديهم، ويبصرون عين ماء يحسبها الآخرون سرابا!

هاتفنى أحد الأصدقاء فى تلك الليلة (وهو يطالبنى بفك الاعتصام، وكأن الناس تحت أمرى !!!)، وبعد أن قلت له إننى مجرد فرد من ملايين، ولن يستمع لى أحد، وإننى لا أرى مبررا لفك الاعتصام، قال لى كلاما شديد القسوة، ملخصه أننا نحرث فى البحر، وأننى شخص معقد نفسيا، دائما أحب خوض المعارك الخاسرة، وأن الله سيحاسبنى (أنا والموتورين الثورجية من أمثالى) على المصائب التى سيدخلها البلد بسببنا...!

أشد ما كان يغيظنى فى تلك الفترة هذه المكالمات التى كانت تأتينى وتطالبنى بفك هذا الاعتصام، وكأننى أمسك بريموت كنترول يحرك الناس...! كنت دائما أوضح لهم أن هذا شعب عظيم، ولا يستطيع أن يملى أحد عليه قرارا، لقد تحرر الناس، وهم من يقرر، ولا أحد يقرر لهم. كانت ليلة ليلاء، وكان جميع الحكماء يدركون معنى أن تفقد الثورة الشعب!

إنه فشل لا محالة للثورة!

الشعب هو العمق الاستراتيجى لهذه الثورة، وهو خزان الطاقة الحقيقى الذى يضمن استمرار الثورة. فى هذه الأيام بدأت بعض الاتصالات تصل للدكتور مصطفى النجار من طرفين، الطرف الأول حكومة شفيق، فكانوا يحاولون الاتصال بنا، ويحاولون أن يجلسوا معنا لإجراء حوار وطنى.

وكان رد مصطفى النجار برفض الحوار. الطرف الثانى الذى اتصل بنا، بعض المجموعات الشبابية التى رغبت فى أن ننضم لها لتكوين بعض الائتلافات التى تمثل الثورة. حين استشارنى الدكتور مصطفى فى هذا الأمر، قلت له إننى لا أحب أن أكون طرفا فى مثل هذا الأمر، لأننى لا أمثل إلا نفسى، ولست مخولا للحديث باسم الناس بأى شكل من الأشكال.

أحب هنا أن أنبه إلى أننى لا أتحدث عن ائتلاف بعينه، لأن جميع الائتلافات التى تكونت اتصلت بنا، وجميعها (بلا استثناء تقريبا) قد لقى نفس الرد، فاعتذرنا للجميع اعتذارا جميلا هادئا، دون أى مزايدات أو مشاحنات، ولكن (وللأسف الشديد) حمل لنا بعض هذه الائتلافات ضغينة، بسبب رفضنا الانضمام لها، مما تسبب فى بعض الاشتباكات فيما بعد، وحدثت بعض المزايدات ومحاولات التشويه لشخصى أنا والدكتور مصطفى النجار من أناس كنت أظنهم أكثر حكمة من أن يقعوا فى مثل هذا الفخ، فى مثل هذا الوقت، وسوف أذكر ذلك فى موضعه.

بعد خطاب مبارك نمنا بعد الفجر، وكنت فى الخيمة فى وسط الميدان، ومع أذان الظهر فوجئت بصراخ من الناس من حولى يطلبون النجدة، فهرعت، فوجدت أنصار الحزب الوطنى يحملون صور مبارك فى وسط ميدان التحرير! لقد وصل المئات منهم إلى قلب الميدان، فى منتصفه، عند (الصينية)!

تدافعنا جميعا نحوهم، وحاصرناهم بكل ما أوتينا من قوة، استطعنا بعد ساعتين تقريبا دفعهم خارج الصينية باتجاه المتحف المصرى، وميدان عبد المنعم رياض. كانت الشمس ساطعة ذلك اليوم، مما أرهقنا بسبب الحر وشدة التدافع، وأذكر أنى قابلت زوج أختى (المهندس حسام خلف)، وحينها عرفت أن زوج أختى الصغرى (الدكتور هشام المرسى) الذى هاتفنى منذ يومين قد اختفى مساء الاثنين فى ظروف غامضة.

حين دفعنا هذه الجموع إلى جهة المتحف بدأوا بإلقاء الحجارة علينا، وبعد العصر بدأ وصول الجمال والخيول. لقد كانت حماقة لا مثيل لها، من سياسيين لا يفقهون معنى السياسة، مجموعة من رجال الأعمال الحمقى، تصوروا أنهم يستطيعون أن يهزموا مئات الآلاف من البشر ببعض البغال والحمير والجمال!

مهما كتبت فى وصف حماقة من موّل ونفّـذ هذا العمل، فلن أستطيع أن أوفيه حقه من الحماقة! من الجدير بالذكر أن هؤلاء البلطجية كان من بينهم بعض المواطنين الذين تأثروا بخطاب مبارك، وجاءوا يحملون صور الرئيس المخلوع، ويطالبوننا بالرحيل، وكان هذا من أكثر المشاهد التى آلمتنى، لأن وجود غير المأجورين من الممكن أن يتم استغلاله لإظهار جميع المأجورين بمظهر حسن.

أذكر فى هذه اللحظات أننى شاهدت بعض المصورين يصورون الأحداث من فوق إحدى البنايات، والغريب أنهم كانوا يرتدون زيا عسكريا مموها مثل زى القوات المسلحة، وحتى الآن لا أعرف ما تفسير ذلك...! فى هذه المعركة، وقبيل العصر حدث حادث لولا ستر الله لكانت قد وقعت مذبحة فى الميدان. ففى الوقت الذى كانت كل جهودنا منصبة على صد الغازين لكى ندفعهم باتجاه المتحف المصرى، هاجم الميدان مئات من البلطجية المسلحين بالأسلحة البيضاء من جهة شارع طلعت حرب.

هذه الجهة تقع فى ظهرنا – لمن لا يعرف خريطة الميدان – وبالتالى لم نشعر بهذا الهجوم من الأساس، وخطورة هذا الهجوم أنه سيدخل إلى وسط الميدان مباشرة، حيث يجلس النسوة والأطفال فى مأمن من الهجوم الأكبر القادم من جهة المتحف، ولكن الله جنـّد لنا جنودا من عنده فصد عنا هذا الهجوم، الذى لو تم لأوقع خسائر بشرية فى نساء وأطفال لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.

ما حدث، أن الله شاء أن يكون على هذا الثغر ضابط جيش محترم، برتبة نقيب، واسمه ماجد بولس، وقد فتح نيران أسلحته على هؤلاء القادمين بالسنج والمطاوى، فما كان منهم إلا فروا كالفئران من أمامه. ولولا ذلك لحدثت مذبحة لا يعلم مداها إلا الله، ولولا النقيب ماجد وما فعله لكنا قد رأينا مناظر مشينة، ولسالت دماء بريئة، ولكن الله سلم.

استمرت المعركة، وفى هذه الليلة حدث ما لا يمكن تصوره! كان الهجوم أكبر من أن يرصده شخص واحد، لذلك، سأروى ما شاهدته أنا، وما شاهدته (جزء من الحقيقة)، وليس كلها بالطبع. لا بد فى البداية أن أوضح أن الجو العام أصبح خلية نحل، فكل من فى الميدان جندى يؤدى عملا ما. المئات من الشباب يكسرون كل شىء صلب ويحولونه إلى أحجار للدفاع عن الميدان. وهناك من تفنن فى استخراج ألواح الخشب والحديد لتكوين دروع يستخدمها الشباب لحماية أنفسهم من الحجارة.

مئات من الشباب يقومون بعمل موسيقى تحميسية، وذلك من خلال الضرب على الأسوار الحديدية فى الميدان بأى جسم معدنى، مما صنع موسيقى ضخمة جدا فى الميدان، على الإيقاع العسكرى (مارش)، وحمس كل الشباب، وألقى الرعب فى قلوب المهاجمين.

"يوميات ثورة الصبار" (7) .. للمرة الأولى أعرف معنى صوت الرصاصة وهى تخترق بطن الشاب الواقف جوارى

عبد الرحمن يوسف

(الخميس 14-04-2011)

كان هناك العديد من الجرحى الذين كان يتزايد عددهم كل ساعة، لذلك قام مئات من الشباب الأطباء بعمل مستشفى ميدانى صغير لعلاج الإصابات الصغيرة الناتجة عن الحجارة التى يلقيها المهاجمون. وهذا المستشفى يقع بعد الصفوف الأولى بقليل، وهناك مستشفى آخر أكبر، وأكثر تنظيماً، كان بجوار مطعم (هارديز)، وقد أنقذ الأطباء العاملون فيه أرواحاً كثيرة.

مئات من الفتيات يحملن الماء والتمر والحجارة للشباب الذين يواجهون فى الصفوف الأولى. باختصار.. كان هناك عشرات الآلاف – بدون أى مبالغة – مشتركون فى هذه المعركة الكبيرة. وقد اخترع الشباب عشرات الحيل لحماية أنفسهم من هذا الهجوم.

حاولت أنا ومن معى من الناشطين المساهمة فى صد هذا الهجوم البربرى، فذهبنا فوق إحدى العمارات محملين بالطوب، حملناه فى عباءة كانت معى، وصعدنا عشرة أدوار كاملة، وكان ذلك أمراً مرهقاً جداً. بعدها ذهبت لأرى أى الأماكن يحتاج إلى العون، فوجدت مجموعة تنادى المتطوعين عند مدخل شارع شامبليون.

وقفت مع هذه المجموعة، وكانت مجموعات البلطجية تقف على بعد مائتى متر تقريباً، وبيننا وبينهم دبابة وعدد من الجنود. ظل المهاجمون يقتربون منا، ونحن على أهبة الاستعداد. وبعد ما يقرب من ساعتين انسحبت الدبابة من بيننا، وانفتح الطريق أمامهم، ولكننا كنا نفوق عددهم، كان عددنا ضعف عددهم عدة مرات.

ولكنهم تقدموا نحونا، وبدأوا بالحديث معنا بشكل مستفز، فبعضهم يتحدث عن بيعة أبدية لمبارك، وبعضهم يتحدث عن (وقف الحال)، بسبب الاعتصام، وبعضهم يتحدث عن خراب بيته بسبب الانفلات الأمنى! كان مشهداً غريباً جداً، وتكنيكاً أمنياً لم أره فى حياتى من قبل، فهم يحاولون إضعاف عزائمنا بهذا الأسلوب.

المهم أننى وجدت بقائى فى هذا المكان مضيعة للوقت، لأن العدد الذى يؤمنه كبير جداً، وعدد المهاجمين قليل، لذلك انصرفت، فوجدت المعركة باتجاه ميدان عبد المنعم رياض. كانت الساعة قد اقتربت من الواحدة بعد منتصف الليل، أى أننا صرنا فى الساعات الأولى من يوم الخميس الثالث من فبراير.

تقدمت، وكلما تقدمت أرى شباباً يهرول حاملاً مصاباً ما إلى المستشفى الميدانى، وأذكر جيداً أن بعض هذه الإصابات كانت شديدة جداً، فأحد المحمولين كانت تسيل دماؤه على الأرض بشكل غزير. أذكر أيضاً أن أحد المحمولين كان يصرخ بشدة لأنه كان مصابا بحروق، وذلك بسبب قنابل المولوتوف التى ألقاها المهاجمون.

حين وصلت للصف الأول وجدت الوضع فى غاية الخطورة، المهاجمون فوق كوبرى السادس من أكتوبر، وبعضهم على الأرض، يلقون الحجارة والمولوتوف، وموقعهم فوق الكوبرى يعطيهم تفوقاً كبيراً. الأمر الرائع أن عزيمة شباب الثورة كانت لا مثيل لها، فكانوا يلقون عليهم الحجارة بكل قوة، برغم بُعد المسافة. كانوا يتقدمون بالسواتر الحديدية التى صنعوها خطوة خطوة، ومتراً متراً، واستمرت المعركة بهذا الشكل منذ العصر، حتى الفجر، كان الصراع على التحكم فى الميدان يتم شبراً بشبر!

فى هذه الأثناء كنت أقف فى الصف الأول، ولم يكن هناك من عمل لى سوى تحميس الشباب، لأننى لا أستطيع أن أقذف الحجارة لكل هذه المسافة، ولكن وجودى وسط الشباب كان يفرحهم، وكان يفرحنى أنا أيضا، إذ كنت أشعر بأننى أعيش لحظة يصعب علىّ أن أعيشها مرة أخرى، وحين يأتينى هاجس أن تكون اللحظة الأخيرة، كنت أحس بأنها لحظة تستحق أن تكون نهاية للحياة، ولكنى كنت أستكثر هذه النهاية العظيمة على نفسى!

لم أكن أعرف أن وقوفى فى هذا المكان مهم لهذه الدرجة، ولكن فيما بعد عرفت أن الصحفى محمد الجارحى (الصحفى المعروف فى جريدة الدستور) كان يباهى بنا، ويحمس المثقفين والأدباء، فكتب على التويتر: (يا أيها المثقفون أين أنتم؟ فلان يقف فى الصفوف الأولى هو والدكتور مصطفى النجار يقاومون هجوم البربر)!

كان المهاجمون يلقون المولوتوف بكل دناءة على شباب الثورة، تسبب ذلك فى حرق بعض الأشجار، وتسبب كذلك فى حرق بعض الممتلكات، وتمت مطاردات على أسطح المبانى، وحسمت فى النهاية لصالح شباب الثورة، وتم تأمين جميع أسطح المبانى.

ظلت المعركة مستمرة حتى اقتربت الساعة من الثالثة، وحينها رأيت مشهداً فريداً، فقد أصبح الشباب عند تمثال عبدالمنعم رياض، وأصبحوا يحتمون بالتمثال، والمهاجمون يلقون بقنابل المولوتوف عليهم، فتسقط على التمثال!

يا إلهى، يا خالق الكون، يا رب مصر ! انصرنا على من يقصف تمثال الشهيد! هذا الرجل قـَصَفـَتـْهُ إسرائيل، وها هو نظام مبارك يقصفه مرة أخرى! خلال هذه الأحداث كنت ألتحف عباءة ثقيلة من شدة البرد، وكنت ألف رأسى بكوفية ثقيلة لحمايته من الأحجار لا من البرد، وحدث ما كنت أخشاه، إذ سقطت على رأسى (طوبة) ولكن الله سلم، وسقطت علىّ من الخلف!

وعرفت بعد ذلك أن بعض الإصابات كانت بسبب بعض الخائفين من التقدم، الذين كانوا يرمون بالحجارة من مسافة بعيدة، وبالتالى تسقط على إخوانهم فى الصفوف الأولى. بعد ذلك، وعند الساعة الثالثة والثلث، وبعد أن سيطرنا على الميدان سيطرة كاملة، شاهدت بأم عينى القناصة على كوبرى السادس من أكتوبر.

لم أكن أعرف أن النذالة من الممكن أن تصل لهذه الدرجة! لا أعرف من هم، ولا يهمنى أن أعرف، ولا أعرف لأى جهة يتبعون، ولا يهمنى أن أعرف، ولكننى أقسمت أن أروى ما حدث! سمعت صوت الرصاص!

حين بدأوا بإطلاق الرصاص، استعدت شعور نبتة الصَّبـَّار مرة أخرى!

الصَّبـَّار لا يُؤْكـَل!

الصَّبـَّار نبتة تواجه كل حيوان يلتهمها بشوك فى حلقه!

لا يأكل الصَّبـَّار إلا الجمل، ولكننا قد هزمنا جمل الحزب الوطنى!

فنحن الصَّبـَّار الذى لا يأكله أى كائن كان، حتى الجمل!

للمرة الأولى فى حياتى أعرف معنى صوت الرصاصة!

صوت الرصاصة، ليس صوت انطلاقها من البندقية، بل هو صوت استقرارها فى جسد الإنسان!

سمعت صوت الرصاصة وهى تخترق بطن الشاب الواقف جوارى!

لا أدرى من هو، ولا أعرف ما حدث له بعد ذلك، ولا أعرف عدد الشهداء الذين سقطوا فى هذه الليلة، ولكنى رأيت القناصة فوق الجسر بعينى، يصوِّبون نحو الشباب عمداً مع سبق الإصرار والترصد، هنا.. تحت أرجل تمثال الشهيد عبدالمنعم رياض، وليشهد التاريخ!

انطلقت الرصاصات، وبعدها بثوان، انطلقت مجموعات من الشباب، كل مجموعة تحمل مصاباً!

احتمينا بالسواتر، وأنا مشيت ببطء باتجاه سور المتحف المصرى.

وانتهت المعركة.

وانتصرنا.

لقد أصبح الميدان ملكنا، وبعد يومين سيصبح الرأى العام معنا مرة أخرى!

كان هذا ما جرى فى الصفوف الأمامية، وقد كانت هناك معركة أخرى فى الصفوف الخلفية، ولم تكن البطولات فيها أقل من معركة الصفوف الأمامية، إنها معركة المستشفى! يقع المستشفى فى ميدان التحرير، بجوار مطعم هارديز عند الجامعة الأمريكية.

بدأ المستشفى باستقبال الإصابات منذ الظهيرة، أى مذ بدأ المهاجمون بإلقاء الحجارة علينا، وفى حدود الثالثة عصراً بدأت الأدوات والضمادات تنفد، وبدأ الطاقم الطبى يحتال على هذا الأمر بأن يخيط الجروح بأقل قدر ممكن من الخيوط، فمن يحتاج ست غرز يخيط جرحه بغرزة أو غرزتين.

أرسل المسؤولون عن المستشفى من يشترى مستلزمات جديدة، ولكنهم فوجئوا بحصار مريب، فكان البلطجية يضربون من يحمل أى أدوية أو مستلزمات طبية، ثم يأخذون المستلزمات فور خروج من يشتريها من أى صيدلية، ويرمونها فى النيل أو فى القمامة، وكأنهم فى انتظار أن يصطادوا أى أحد معه مستلزمات طبية.

عند تمام الرابعة انتهت جميع الأدوية والمستلزمات من المستشفى! كان عدد الأطباء فى المستشفى أقل من عشرة، ولم يكن المكان يحتاج أكثر من ذلك، ولكن مع بدء المعركة تغيرت الأمور. عندى شهادة لمتطوعة فى هذا المستشفى، هى الصديقة العزيزة الأستاذة هيام فاضل، وهى إعلامية معروفة، وكانت متطوعة كممرضة خلال هذه الفترة.

ما حدث أنه فى تمام الخامسة حضر الدكتور "خالد" ووجد الوضع على ما هو عليه، فعمل هو وجميع الموجودين فى المستشفى من أجل توصيل صرخة استغاثة إلى العالم، وتم التواصل مع وسائل الإعلام، وأمر الدكتور "خالد" بأن يتم تصوير الإصابات بالفيديو، وأن يتم رفع هذه الفيديوهات على اليوتيوب والـ"فيس بوك".

كانت النتيجة المباشرة ارتفاع عدد الأطباء، فأصبح عدد الأطباء مئات، وبالتالى تم توزيعهم على عدة أماكن، وعلى عدة مستشفيات فى الصفوف الأولى عند خطوط المواجهة.

وبعدها جاء الفرج من عند الله!

بدون مقدمات، وجد العاملون فى المستشفى عربة كبيرة مليئة بكل المستلزمات التى يحتاجونها وبكميات ضخمة جداً، عربة فيها ضمادات ومضادات حيوية وخيوط جراحية وبنج.. إلخ، وجدوها أمامهم عند المستشفى، ودخلت لهم من شارع محمد محمود، من جهة الجامعة الأمريكية، وبهذا تم حل المشكلتين، مشكلة الطاقم الطبى قليل العدد، ومشكلة المستلزمات الطبية التى انتهت.

عند منتصف الليل بدأ وصول الإصابات بالرصاص! وكانت فى البداية إصابات فى الأيدى والأرجل، ثم أصبحت بعد ذلك (بعد الثانية صباحاً) إصابات قاتلة فى القلب والرأس! تذكر الأستاذة هيام فاضل مشهداً فى قمة البطولة، مشهد ذلك الشاب البطل، الذى حضر بإصابة فى رأسه بسبب حجر، فخيطوه، وانطلق للجبهة مرة أخرى، ثم عاد بإصابة أخرى، فعالجوه، ثم انطلق وعاد بإصابة ثالثة، ثم رابعة، وفى المرة الخامسة عاد برصاصة فى كتفه!

الغريب، أنهم بعد أن استخرجوا الرصاصة منه، كان يريد أن يعود إلى الصف الأمامى لإكمال المعركة، مما اضطر الطاقم الطبى إلى حجزه وحبسه فى المكان لكى يمنعوه من الخروج! من أسوأ ما حدث فى هذه الليلة القبض على سيارتى إسعاف تحملان بعض البلطجية وكسر الرخام، كإمدادات للمهاجمين! هذا ما فعله الحزب الوطنى بالبلد، أجبر ملائكة الرحمة أن تتحول إلى شيطان رجيم!

ومن أسوأ ما واجهناه فى هذه الليلة، أننا قبضنا على الكثير من المهاجمين، وكان الكثير منهم من أفراد الشرطة، وبعضهم ضباط، فقد قبضنا على ضابطين برتبة نقيب ومقدم (على ما أذكر)، وكلاهما قبل على نفسه أن يدخل حاملاً سنجة يضرب بها الثوار!

لقد انتهت الليلة بانتصار الثورة، ولكى أكون منصفاً لابد أن أذكر أن الصفوف الأمامية كانت عامرة بفضل جماعة الإخوان المسلمين أولاً، ولولاهم لما مرت هذه الليلة على خير، وبفضل الكثير من سكان الأحياء الشعبية الذين تفننوا فى صنع المولوتوف، وبفضل المئات من القادمين من المحافظات، بالإضافة إلى الشباب المقيمين فى ميدان التحرير.

"يوميات ثورة الصبار" (8) .. بلطجية "الوطنى" اختبأوا مثل "الجرذان" بسبب ضخامة عدد الثوار فى "جمعة الرحيل"

عبد الرحمن يوسف

(السبت 16-04-2011)

خرجت من الميدان من أجل التصوير فى إحدى الفضائيات، وحين حاولت دخول "التحرير" مرة أخرى وجدت مئات المأجورين من أنصار الرئيس السابق يحيطون بمداخل الميدان كلها، وظللت عدة ساعات أتنقل من مدخل إلى مدخل، وفى كل مدخل أجد معركة يتجمع فيها هؤلاء المأجورون، على أحد الذين يحاولون الدخول ويضربونه ضرباً عنيفاً، وفى مرة من المرات ضربوا أمامى شاباً ظل يقسم أنه ليس متجهاً للميدان أصلاً، وسال منه الدم بغزارة.

كنت قلقاً لأن وجهى معروف نسبياً، لذلك حرصت على أن أمشى بهدوء وبخفة، محاولاً إخفاء وجهى، بدون أن أتلثم كى لا أثير الشكوك، وكنت قلقاً من أن يعرفنى أحد هؤلاء فيتعرض لى بسوء. تمكنت من الدخول، وأصبحت أشعر بشعور نبتة الصبَّار دائماً، لكن بدأت أشعر بأن هذه النبتة تحمل الزهور والثمار، وأنها تريد أن تعطى هذا الخير لمن يستحقه، لأرضها وشعبها، تماماً كما أعطت المهاجمين شوكها!

بدأت أحس بأننا سننتصر لا محالة، وأننا لابد أن نضع كل هذه الطاقات الرائعة فى طريق البناء، وفى هذا اليوم (الخميس 3 فبراير) بلغت صفاقة جريدة الأهرام أنها نشرت خبراً رئيسياً فى الصفحة الأولى، خلاصته أن الملايين خرجت لمبايعة مبارك وتأييده!

كان المانشيت مكتوباً باللون الأحمر، فتخيلته وكأنه كتب بدماء شهداء ليلة البارحة! فى يوم الجمعة (جمعة الرحيل)، التى دعونا إليها فى البيان الذى تحدث عنه.. كان المشهد أكبر من الكلمات، كانت أخبار معركة الأمس، وصلت لجزء كبير من الناس خارج الميدان، وانعكس ذلك على عدد الحاضرين لأداء الصلاة فى الميدان.

ضخامة العدد جعلت بلطجية الحزب الوطنى، الذين يحاصروننا يختبأون كالجرذان، ودخل الناس إلى الميدان فى أمان تام، لا يمكن تقدير عدد الحاضرين، لكنه كان أكبر من الثلاثاء الماضى، أى أن العدد كان فى حدود ثلاثة ملايين شخص أو أكثر. كنت أتمنى أن يكون الإمام رجل دين من المؤسسة الرسمية، كشيخ الأزهر، أو المفتى لكن للأسف، كان موقف المؤسسة الدينية عاراً عليها، ويشمل ذلك المؤسسات الإسلامية، والكنيسة الأرثوذكسية كذلك.

الميدان كان فيه الدكتور محمد سليم العوا، والشيخ صفوت حجازي، وبعض الشيوخ الأزهريين الشباب، وكان منظرهم بعمامة الأزهر يدخل البهجة لقلوب الناس بشكل لا يتصور، فكان المعتصمون يشعرون بشىء من البركة، بسبب وجودهم بيننا ليلاً ونهاراً.

صمتت جميع المؤسسات الدينية الرسمية، بل إن بعضها نطق بالزور، والتاريخ سيكتب أن العالم المسلم الوحيد، الذى نطق بالحق كان عالماً نعرفه جميعاً، فأفتى بوجوب المشاركة فى هذه الثورة، وبأن الاشتراك فى إزاحة هذا الطاغية واجب على كل مسلم، بل على كل مصرى، فجزاه الله خيراً عما قدم للأمة المصرية من موقعه، وأنا أعتقد أن مئات الآلاف نزلوا فى هذا اليوم فى محافظات مصر المختلفة بسبب كلام هذا الشيخ.

أين هذا من موقف شيوخ التيار السلفى الذين صوروا الثوار وكأنهم خوارج؟! بعد أن انتهت الخطبة، وبعد أن أدينا صلاة العصر جمعاً، وبعد صلاة الغائب على أرواح الشهداء، انطلقت الإذاعة بالسلام الجمهورى.. يا خالق الكون.. إنا نشهدك على صمودنا بحق ملايين الدموع التى انهالت من كل الحضور فى وقت واحد! يا خالق الكون.. إنا نشهدك على أننا لن نفرط فى دم الشهداء مهما فعلوا بنا!.. كانت لحظة لا توصف!

ملايين الباكين الصامدين، يرددون النشيد الوطنى مع حشرجات بكائهم!.. فى نفس هذا اليوم وجدتنى مطلوباً لاجتماع فى عيادة الدكتور عبدالجليل مصطفى، المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير، بجوار الميدان فى باب اللوق.. منذ يوم الخامس والعشرين من يناير، وأنا أدعى لاجتماعات وأحاول التهرب من الحضور!

كنت أريد أن أبقى فى الميدان مع الناس، ولا رغبة لى فى أن أقوم بدور القائد، لم أتمكن من الهروب، وحضرت الاجتماع، وخلاصة ما دار فيه أن الدكتور محمد أبوالغار، عرض علينا أمراً مهماً، فقد اتصلت به الدكتورة مشيرة خطاب، وزيرة الأسرة والسكان، ونقلت طلباً من رئيس الوزراء أحمد شفيق، برغبته فى اللقاء اليوم، فقال لها إنه لا يستطيع قبول طلبه، إلا بعد أخذ موافقة ميدان التحرير، وطلب إعطاءه بعض الوقت.

اتصل الدكتور "أبوالغار" بالدكتور عبدالجليل مصطفى، وعقدنا اجتماعاً فى عيادته، وحضر الاجتماع معظم ممثلى القوى الوطنية للتغيير وكذلك ممثلو الشباب، وعرض موضوع مقابلة الفريق "شفيق"، وطلب الدكتور "أبوالغار" الإجابة عن ثلاثة أسئلة هى: هل هناك تفويض من الجميع بالذهاب، ومع من يذهب- لأنه لا يريد أن يذهب لوحده؟ ماذا يقول بالنيابة عن الجمعية؟

وتمت الموافقة بإجماع الحاضرين بمن فيهم الدكتور محمد البلتاجي، ممثل الإخوان على أن يتم اللقاء، واقترح أبوالغار أن أذهب أنا معه، وكنت - بمنتهى الأمانة - غير راغب فى الذهاب، لكنى لا أستطيع أن أقول لهذا الرجل بالذات (محمد أبوالغار) كلمة لا!

وافقت على الذهاب احتراماً لمقام هذا الرجل عندى، وكانت وجهة نظره أنه يريد وجهاً شاباً بصحبته، وكان كلامه منطقياً فى ضرورة أن يصحبه شاب، وتمت صياغة عدة طلبات، الأول عاجل وهو أن تضمن حكومته أمن الميدان، لأن بلطجية الحزب الوطنى كانوا مستمرين فى غاراتهم، وكذلك أن تعلن الحكومة أن حق التظاهر السلمى والاعتصام مكفول للمصريين، وهناك تكليف آخر، يتعلق بتوصيل رسالة صريحة تتعلق بشروط الجمعية الوطنية للتغيير للجلوس على طاولة التفاوض.

وكان الشرط الأول هو: رحيل حسني مبارك، عن السلطة، إما رحيلاً مادياً، وإما معنوياً سياسياً من خلال تفعيل المادة 139 من الدستور، تلك المادة المتعلقة بتفويض الرئيس صلاحياته لمن يشاء من نوابه، والأمر الثانى هو: الاعتراف بشرعية الثورة، وذلك من خلال عدة إجراءات، من أهمها التعهد بعدم ملاحقة أى شخص شارك فى أحداث الثورة (من المدنيين والعسكريين)

والتعهد بمحاسبة من اعتدى أو حرض على الاعتداء على الثوار بأى شكل من أشكال الاعتداء، والتعهد بتحقيق مطالب الثورة، وخلال الاجتماع اتفق الجميع على ضرورة توصيل رسالة إلى قطبى النظام، الفريق أحمد شفيق، واللواء عمر سليمان، وهى شروط الجمعية لبدء التفاوض.

وفعلاً ذهبت مع الدكتور "أبوالغار"، بعد أن فوضنا الناس بتوصيل هذه الرسالة. وكنت حريصاً على أن أذهب بملابسى المتسخة، بـ"الكاب" الذى ألبسه، والبنطلون الجينز الذى تمزق من النوم على الرصيف، دون أى مراعاة لأى شكليات، ذهبت وكأننى ألبس زى الحرب!

وصلنا لمجلس الوزراء مع الوزيرة، واستقبلنا الفريق، وجلسنا معه ما يقرب من ساعة ونصف، وكان تفاعله مع المطلب المتعلق بالاعتراف بالثورة إيجابياً، وكان على استعداد لعمل كل ما نطلبه، أو لنقل بهذا حاول أن يوهمنا، وتعهد شفيق بتطهير المنطقة حول الميدان من البلطجية، وإعلان أن حق الاعتصام السلمى مكفول.

وبدأت مناقشة النقطة الخاصة برحيل "مبارك"، واستمر النقاش حوالى 80 دقيقة، ونحن مصرون على رحيله، وهو يقول إن فترة أربعة شهور، ليست طويلة بعد 30 عاماً من الحكم، وبعد أخذ وجذب لم نصل إلى نتيجة، وكلُ مصّر على رأيه، ويبدى حججه المختلفة، وقلنا إننا لسنا مفوضين بالتفاوض على رحيله، وإنما نحمل رسالة بأن رحيله مطلب رئيسى لا تفاوض فيه، وقلنا إننا مستعدون لأن يرحل فوراً على أن يكون ذلك بطريقة غير مهينة، وأن ذلك لو تم، فمن الممكن أن نحاول أن نعرض الأمر فى ميدان التحرير، وإذا وافق المعتصمون ستحل الأزمة.

وكان الدكتور "أبوالغار" حريصاً على توضيح فكرة أن الجالسين أمامه لا يملكان القرار، وكنت حريصاً على أن أفهم الرجل الجالس أمامى، وكان الحوار معه مُتعباً، وكان من الواضح أنه مكبل تماماً، وصلت معه لدرجة أن أقول له: حضرتك رجل دولة، وتعرف معنى أن ينزل 10 ملايين مواطن إلى الشارع، ففوجئت بأنه يرد فى منطقة أخرى، فأراه يقول: حسني مبارك رجل طيب، وبطل أكتوبر، ولا يستحق منا هذه النهاية أبدا!.

اضطررت فى نهاية الأمر أن أقول له: حسني مبارك، الذى تتحدث عنه حكم البلد حكماً مطلقاً لمدة 30 عاماً متصلة، لم ينازعه فى الحكم أحد، ولم يخض حربا، ولم يبن شيئاً، ولم يقم سوى بالهدم المنظم لجميع مؤسسات الدولة، ولقيم الإنسان المصرى.. يا سيادة الفريق.. لقد أمسكنا بضباط شرطة يحاولون قتلنا بسنج ومطاوى، هذا ما فعله رئيسك بمصر، فسكت ولم ينطق..!

كان الرجل مهذبا جداً معنا، لكن كان من الواضح أنه "عبدالمأمور"، انصرفنا، وأبلغنا الجمعية بما جرى فى الحوار، فى نفس هذه الليلة هاتفنى الدكتور ضياء رشوان، وقال لى إن هناك اجتماعا سيعقد مع اللواء عمر سليمان، وأنه يريدنى أن أحضر، فطلبت منه بعض الوقت، وهاتفت الدكتور عبدالجليل مصطفى، وأخبرته بما أخبرنى به الدكتور "ضياء"، وعرضت عليه أن أذهب معه لأبلغ الرسالة لـ"سليمان" فقال لى: اذهب.

وفى وقت متأخر من نفس الليلة، اتصل بى الدكتور أحمد دراج، وقال لى إن الدكتور عبدالجليل مصطفى، يطلب منى عدم الذهاب للقاء "سليمان"، فقلت له: وأنا تحت أمر الدكتور "عبدالجليل"، وطلبت منه أن يتصل بالدكتور "ضياء" وأن يخبره بأننى لن أذهب، لكى يرفع الحرج عنى، وتعهد هو بأن يفعل ذلك، وأغلق الموضوع.

كان ذلك فى الساعات الأولى من يوم السبت 5 فبراير، وفى صباح اليوم التالى الأحد 6 فبراير، فوجئت باتصال من الدكتور مصطفى النجار، يطلبنى لاجتماع آخر عند الدكتور عبدالجليل مصطفى.


"يوميات ثورة الصبار" (9) عمر سليمان حاول إقناعنا بأن رحيل مبارك غير ممكن وأنه يجب أن ننزل بسقف أهدافنا

عبد الرحمن يوسف

(الثلاثاء 19-04-2011)

فى صباح اليوم التالى الأحد 6 فبراير، فوجئت باتصال مبكر من الدكتور مصطفى النجار، وأخبرنى أن اتصالا تم من مكتب اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية بدعوة لحضور حوار مفتوح معه حول مطالب الثوار.

استغربت من الأمر، فقد طـُلـِبَ منى عدم الذهاب بالأمس، ثم يطلب منى اليوم الذهاب! كان الأمر واضحا - أو هكذا ظننت - المطلوب توصيل نفس الرسالة التى وصلناها للفريق شفيق، الرسالة المتعلقة بشروط الجمعية لبدء أى تفاوض. انطلقت مع مصطفى وياسر الهوارى (القيادى بحركة شباب من أجل العدالة والحرية)، بنفس الملابس التى ألبسها، بنطلون جينز مهترئ، وذهبنا إلى مقر مجلس الوزراء حيث حدد الاجتماع.

حين وصلنا أنا والدكتور مصطفى النجار، والأخ المهندس ياسر الهوارى حدث موقف سخيف، فقد أوقفنا أمن رئاسة الوزراء بطريقة لم تعجبنى، وأمرونا بالوقوف جانبا، وأخذوا هوياتنا، وبعد دقيقة لاحظت أن الأمر سيطول، فناديت أحد الضباط وقلت له هل سيطول الأمر؟ فأجاب بأسلوب فيه شكل من أشكال الأمر والنهى

فما كان منى إلا أن صرخت فيه آمرا: أمامك خياران، إما أن تأتينا بهوياتنا فورا لكى ننصرف، وإما أن يلزم كل شخص فى المكان حدوده، افتح لنا أفخم صالون عندك حالا، وسنجلس فى انتظار انتهاء إجراءاتك معززين مكرمين، أما أن ننتظر (على جنب) فهذا ما لن يكون ولو انطبقت السماء على الأرض، نحن هنا لأنكم تريدون الجلوس معنا، فأخبر من فوقك بذلك فورا.

وتعمدت أن أقول ذلك بلهجة آمرة شديدة العدوانية! حين فعلت ذلك خاف الجميع، وفتحوا لنا صالونا، واختصروا إجراءاتهم، وبعد دقيقتين كنا فى القاعة الرئيسية فى مجلس الوزراء.

وحين دخلنا ذهلنا...!

إنه اجتماع موسع...!

وفيه أشخاص لا يمكن تخيل وجودهم فى هذا المكان...!

أحزاب رسمية، وأخرى كرتونية، وشخصيات عامة، ووجوه قميئة مكروهة من الناس...!

همست فى أذن مصطفى: إنه اجتماع موسع...!

فأجاب: وليكن، سنوصل الرسالة وننصرف.

تحدث فى الاجتماع من تحدث، والتزمت غالبية الوجوه (إياها) الصمت، وكانت إدارة اللواء عمر سليمان للقاء جيدة، فقد استمع للجميع. كان من ضمن الحاضرين بعض الوجوه المحترمة، مثل السياسى الكبير الأستاذ منصور حسن، والدكتور يحيى الجمل، والمهندس نجيب ساويرس، ولكن غالبية الحاضرين كانت وجوها غير مقبولة إطلاقاً. وكان من ضمن الحاضرين أيضا الدكتور سعد الكتاتني، والدكتور محمد مرسي كممثلين عن جماعة الإخوان المسلمين . طلبت الكلمة، وكنت صريحا فيها إلى أقصى حد.

ملخص ما قلته: إن هذا الحوار لن تكون له نتيجة تذكر لأنه يتجاهل المطلب الرئيسى للجماهير، وهو رحيل مبارك !.. ولا تتوقعوا فى ضوء تجاهلكم لهذا الأمر سوى مزيد من التعقيد والتصعيد، ولا تتوقعوا أن يقبل أحد بالتفاوض قبل رحيل مبارك، هذا الرئيس الذى سقطت شرعيته تماما بعد نزول الملايين إلى الشوارع.

وقلت إن من يريد أن يحل هذه الأزمة لابد أن يعترف بشرعية الثورة كذلك، إذا كان يرغب فى الحوار من الأساس...! قلت ذلك وأنا لا أعرف كيف سيكون رد الفعل، وفوجئت بأن أحدا لم ينطق، حتى اللواء عمر سليمان نفسه سكت...! حين تحدث مصطفى النجار، قال كلاما أشد قسوة، كان من ضمنه أن غالبية الحاضرين فى هذه القاعة ليسوا طرفا فى الأزمة، بل إن أغلبهم لا يجرؤ على دخول ميدان التحرير أصلا!

وقال مصطفى للسيد عمر سليمان هذه الثورة جسد بلا رأس، ولا تستطيع أى قوة أو شخص أو حزب أن يزعم أنه يستطيع فض اعتصام ميدان التحرير بمن فيهم الإخوان، وتستطيع أن تسأل الدكتور الكتاتنى نفسه، وأشار إليه فأومأ الكتاتنى برأسه موافقا على كلام مصطفى. ضايق كلام مصطفى بعض وجوه المعارضة الكرتونية فأخذ بعضهم فى الهمهمة ومحاولة الشوشرة عليه أثناء حديثه.

وحين تحدث المهندس ياسر الهوارى، أثبت اعتراضه على عدم إتاحة الفرصة له فى التحدث، وقال إن هذا الحوار عبث لأنه (يتحدث عن نفسه) حتى الأمس كان معتقلا من المخابرات العسكرية، وكان قبلها بأيام معتقلا فى أمن الدولة، ورفع قميصه ليشير إلى أثر (الكلابشات) على يديه!

وأعاد التأكيد على أن الموجودين فى القاعة أغلبهم جزء من المشكلة، ومن المستحيل أن يكونوا جزءاً من الحل، وأشار إلى الحرب الإعلامية الرخيصة التى يمارسها الإعلام ضد الثورة، وقال: كيف نتحاور وهؤلاء يتهموننا بأننا خونة وعملاء، لماذا تجلسون إذناً مع الخونة والعملاء؟؟

وحين انتهى الاجتماع أتذكر أن المهندس نجيب ساويرس سارع إلينا، وصافحنا بحرارة، وأثنى علينا وعلى موقفنا، وقال لمصطفى النجار: اجلسوا مع هذا الرجل وأسمعوه كلامكم مرة أخرى، فأنتم الأمل. بعد أن انتهى الاجتماع سارع إلينا بعض كبار مساعدى اللواء عمر سليمان، ونقلوا لنا رغبته فى أن يجتمع بنا (نحن الشباب) فى اجتماع ضيق.

أنا شخصيا وافقت لكى أوصل الرسالة، وكان هذا أهم ما حدث فى الاجتماع المصغر. حضر الاجتماع شخصان لا أعرفهما، رجل أربعينى، وفتاة ثلاثينية لم ألتق بهما قبل هذا اليوم، ولا أعرف حتى الآن من هما، ولكنهما حضرا كممثلين للشباب...! دار نقاش مختصر حاول فيه السيد عمر سليمان إقناعنا بأن رحيل مبارك غير ممكن، وأنه يجب علينا أن ننزل بسقف أهدافنا حتى يمكننا تحقيقها.

وخلاصة هذا الاجتماع كانت كالتالى:

قلنا (مصطفى وياسر وأنا) إنه لا مجال للتنازل عن رحيل مبارك.

وكان رد السيد سليمان إن مبارك بطل حرب أكتوبر، ولا جدوى من هذا الطلب.

قلنا له: إذن... لا يوجد حل، وسنستمر فى التصعيد.

فرد: إذا أصررتم على هذا الطلب، سيرحل الرجل، وسوف يسلم البلد لإدارة عسكرية، وسنعود إلى نقطة البدء التى كانت فى عام 1952 ...!

قلنا له: موافقون...!

فذهل، أو لنقل، استغرب من أننا لم نخف من طرح هذا الحل، ومن الممكن أن نقول إنه كان متضايقا جدا من أننا مصرون على رحيل مبارك بأى ثمن...! أنا شخصيا قلقت جدا من كلامه بشأن تسليم السلطة لمجلس عسكرى، ولكنى لم أظهر ذلك.

تطرقنا لبعض الموضوعات الفرعية، من أهمها أنه أكد لنا أن الانفلات الأمنى عمل مصنوع ومنظم، وأنه قد بدأ فى جميع المحافظات فى نفس اللحظة...! وأذكر أننى فى هذه اللحظة قلت له إنه لابد من حل ما يسمى بأمن الدولة، ورد ردا غير مفهوم.

وكان من ضمن ما أثير مسألة الرقابة الدولية على الانتخابات، وكان رأيه فيها صادما، فقد وافق على الرقابة الدولية على انتخابات الرئاسة، أما الرقابة على انتخابات البرلمان فقد اعتبرها تدخلا أجنبيا...!

وكان من ضمن ما أثير فى الاجتماع مسألة الحملة الإعلامية الشرسة على من فى الميدان، والتحريض البذىء علينا من قبل تليفزيون أنس الفقى، ووعدنا بأن يتغير هذا الأمر بدءاً من اليوم، وقد وفى بذلك فعلا، حتى إن التليفزيون المصرى هاتفنى للظهور فى نفس اليوم، ولكن ذلك لم يتيسر.

وفى نهاية اللقاء سأله مصطفى النجار حول البيان الذى سيخرج عن الاجتماع، وأخبره أننا غير موافقين على صيغته، وأننا سنعلن ذلك بلا حرج، فأخبره السيد عمر سليمان أن هذا البيان مجرد بداية، وأننا نحتاج إلى عقد جلسات أخرى للحوار للوصول إلى أرضية مشتركة.

وطلبنا منه تأمين دخول الدواء والطعام إلى الميدان حيث إن الجيش كان قد بدأ فى مصادرة بعض الاحتياجات ووعدنا بذلك ووفى به فعلا حيث توقفت عمليات المصادرة وأصبح الأمر ميسورا. حين خرجت من هذا الاجتماع وجدتنى أقارن بين الفريق شفيق واللواء عمر سليمان، وهما فى رأيى رجلان من رجالات مبارك، ولكنهما مختلفان تماما.

كلاهما جلس معنا، وطلب ودَّنا، وبعد أن خرجنا من عنده بدأ بالطعن فينا. كلاهما كشر عن أنيابه حين رفضنا التفاوض، شفيق منّ علينا بالبونبونى، وسليمان هددنا بالتفاوض أو الانقلاب، ثم قال إن ما يحدث فى التحرير تقف خلفه جماعات إسلامية. هذا أمر مشترك بين الرجلين.

ولكن هذا لا يمنع أن عمر سليمان رجل دولة، وهو رجل دولة من النوع الماكر صعب المراس، وجهه يشبه بوابة مصفحة مضادة للرصاص عازلة للصوت، فأنت لا تستطيع أن ترى ما خلف وجهه إلا ما يريد لك هو أن تراه، لقد جلس معنا بمنتهى الثقة والثبات، وعلمنا - فيما بعد - أنه قد تعرض لمحاولة اغتيال قتل فيها بعض حراسه قبل أن يجتمع بنا بعدة ساعات، وهذا يوضح أى نوع من الرجال هو.

أما الفريق شفيق فهو رجل مهذب، ولكنى أعتقد أنه من النوع الذى يؤمر فيطيع...! شفيق يشبه مبارك، أو لنقل هو من النوع الذى يفضله مبارك، فهو موظف ولا علاقة له بعالم السياسة! خرجنا من الاجتماع، وذهبنا إلى عيادة الدكتور عبدالجليل مصطفى، وحدثت بينى وبين أستاذى الدكتور عبدالجليل مشادة كلامية اضطررت على إثرها أن أنصرف بطريقة شديدة العصبية.

فوجئت فى الاجتماع بمن يقول إننا لم يكن ينبغى أن نحضر هذا اللقاء! فكان ردى المنطقى إننى لو أمرت بألا أذهب إلى هذا الاجتماع لما ذهبت...! فكان الرد ولكننا لو قلنا لا تذهبوا، كنتم ستذهبون...! فذكَّرْتُ الحاضرين بأننى حين أمرت بعدم الذهاب مع الدكتور ضياء رشوان امتثلت، واستشهدت فى ذلك بأخى الدكتور أحمد دراج الذى أبلغنى بقرار الجمعية بألا أذهب.

يبدو أن هناك سوء تفاهم قد حدث، ولا أدرى من هو المسؤول عنه، ولكن الدكتور عبدالجليل اعتبر أننا قد تصرفنا من عند أنفسنا، وأنا أحب أؤكد هنا أننى لو تبادر إلى ذهنى أى شك فى هذا الأمر، ولولا اعتقادى بأنى مكلف من الجمعية لما ذهبت. حين انصرفت، كنت فى قمة العصبية، فقد وجدت فى الاجتماع من يزايد علىّ بشكل غير مقبول، وكان من الصعب علىّ أن أتحمل ذلك.

نزل خلفى الأستاذ وائل نوّارة (القيادى بحزب الغد)، والأستاذ عبدالمنعم إمام، وحاولا إقناعى بأن أصعد لإكمال الاجتماع، فرفضت رفضا تاما، وقلت لهما البركة فى مصطفى النجار، سيحكى لكم كل ما دار فى الاجتماع.

بعد ذلك وجدت حملة عنيفة ضدى وضد مصطفى النجار وضد ياسر الهوارى يقودها بعض أصحاب الأغراض، وبعض الائتلافات التى رفضنا الانضمام إليها، وكانت حجتهم فى هذه الحملات أن أحدا لم يفوضنا فى الحديث باسم الجماهير...! وكأننا ادعينا أننا نمثل الجماهير...!

لقد رفضنا الانضمام لكل الائتلافات والأطر الموجودة فى (سوق) السياسة لأننا لا نمثل إلا أنفسنا، وقلنا لهم بوضوح (حين دعينا لدخول هذه الائتلافات) كيف تجترئون على الشعب وتدّعون الحديث باسمه؟ وكان من المضحك أننا اكتشفنا أن عددا ممن هاجمونا كانت مشكلتهم أنهم لم تتم دعوتهم مثلنا، بل إنهم لبوا دعوة وزيرة من الحزب الوطنى وذهبوا للقائها والحوار معها، وهنا أدركت أن المشكلة فى هؤلاء أنهم يتوقون للصدارة، وراغبون فى الإعلام والصحافة، ويشتاقون للظهور ولو مع أى مسؤول صغير...!

كتبت حينها مقالة فى جريدة الشروق، رويت فيها ما حدث، وظهرت فى عدة مداخلات فى عدة فضائيات خلال اليومين التاليين، ووضحت ما حدث بالضبط، والحمدلله الذى جعل لى رصيدا عند الناس، فصدقونى...!

بعدها ظهرت فى الإذاعة الرئيسية فى الميدان لكى أضع إصبعى فى عين من تسول له ظنونه أو أوهامه أننى خجل من أى شىء فعلته، وبحمد الله استقبلتنى الجماهير بهتافات مدوية، وتعمدت أن أطيل فقرتى فى الشعر هذه المرة خصوصا، لكى أقول لكل هؤلاء: موتوا بغيظكم...! بعد ذلك راجعت نفسى فيما حدث، ووجدت أننى كنت مخطئا فى قبولى الذهاب من البداية للفريق أحمد شفيق!

إذا كان الدكتور عبدالجليل مصطفى (وهو قدِّيس العمل الوطنى، الرجل المحترم، الذى أكنُّ له كل الحب والتقدير والاحترام، أظنه يحترمنى ويحبنى كذلك)، إذا كان هذا الرجل قد حدث بينى وبينه سوء تفاهم بهذا الشكل بسبب السياسة، فما الذى يمكن أن يحدث مع الآخرين من الذين إذا خاصموا فجروا؟

لذلك قررت أن أبتعد قدر الإمكان عن أماكن القيادة وعن قاذورات السياسة، وحين عُرِضَ علىّ بعد ذلك أن يُرَشَّحَ اسمى ضمن من يمثلون الثورة، تلكأت. وحين عُرِضَ علىّ- فى مرحلة لاحقة- أن يُرْفَعَ اسمى كمرشح لبعض الوزارات قلت لمن هاتفنى بأننى لا أرغب فى أن أكون من ضمن المرشحين من الأساس.

وحين عُرِضَ علىّ الترشح للبرلمان فى بعض الدوائر التى يعرفنى فيها الناس، اعتذرت. وحين عُرِضَ علىّ- لاحقا- الانضمام لبعض الأحزاب الجديدة، قلت إننى سأدعم جميع الأحزاب الجادة، ولكننى لن أكون عضوا فى حزب. أنا شاعر، ولا أريد ما يثقلنى...! أريد أن أبقى قادرا على التحليق والطيران...!

وأنا تحت أمر الوطن حين يحتاجنى، ولو أن وجودى فى القيادة سيقدم خدمة لبلدى لا يقدر عليها سواى، سأوافق فورا، ولكنى - فى هذه اللحظة - أرى أن الأفضل لى أن أعود لموقع الكاتب والشاعر الذى يحبه الجميع. لقد عملت بالسياسة لأن بلدى محتل باحتلال سافر اسمه حسني مبارك، أو الاستبداد، أو حكم الفرد... سمه ما شئت، المهم أن بلدى محتل...!

ولكننى لا أرغب فى أى منصب سياسى...!