العنصر المفقود

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٨:٥٩، ١ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مقالة-مراجعة.gif
العنصر المفقود

بقلم: الإمام الشهيد حسن البنا

إن الإخوان المسلمين يكثرون من وصف دعوتهم بأنها دعوة إسلامية صحيحة , وهم حريصون كل الحرص على أن يظل هذا المعنى واضحا مفهوما فى كل أحفالهم وكلماتهم ومجتمعاتهم , فهل لهذا الحرص من سبب خاص أم هى طبيعة الدعوة تدفع المؤمنين بها إلى التظاهر دائما بأخص خصائصها ؟

قلت : إننا يا صاحبى نقول ذلك ونؤمن به ؛ لأننا نعتقد أن الإسلام الذى امتن الله علينا بوارثته وتلقيه قد جاء نظاما اجتماعيا كاملا عالج الحياة الكاملة للمجتمعات الإنسانية أدق علاج , ووصف لها أنجع دواء , ولم ينس خضوع هذه المجتمعات والقواعد لسنة التحول والتطور, فجعل هذة القواعد الاجتماعية من المرونة واليسر والسعة بحيث صار التطور نفسه من طبيعتها وقاعدة من قواعد الإصلاح الاجتماعى الإسلامى, فكل الفكر الأساسية فى بناء المجتمعات الصالحة عرض لها ديننا الحنيف وتناولها تناولا عجيبا فى سهولة ويسرووضوح وألم بها إلماما كاملا ونفى عنها كل خبث باطل وأبقى منها كل حسن جميل,فما تراه من تشبث الإخوان "بإسلاميتهم"طبيعة من طبائع الدعوة, ثم هو حماسة فى نفوس الإخوان لها, ورغبة فى تقديرهذا اللون من اللوان الدعوات فى نفوس الناس جميعا. فقال : إذن فلا شأن لكم بالبحوث الاقتصادية , ولا بالآراء الاجتماعية العملية ,ولا بالإصلاحيات الثقافية والعلمانية ما دمتم قد حصرتم أنفسكم فى هذه الدائرة من دوائر التفكير وأبيتم إلا أن تظل فكرتكم إسلامية وكفى .

قلت :على رسلك يا صاح ؛هذه إحدى اللوثات الأجنبية فى فهم الإسلام وتحديد معناه , ولعل من أول ما نعمل على الوصول إليه توضيح معنى الإسلام فى نفوس المسلمين وبيان أن هذا الدين جاء نظاما للمجتمع الإنسانى قبل أن يجئ لأى معنى آخر من المعانى التى جاءت لها الأديان من قبل , وأن هذا الدين الربانى المحفوظ فى القرآن الكريم وفى سنة النبى العظيم صلى الله عليه وسلم – كما قدمت لك – تناول شئون الحياة العملية تناولا واضحا فى عمومه مبينا فى سهولة ويسر وعرض فى ذلك للكليات ولم يتورط فى الجزيئات , وهو بعد هذا كله لا يتعارض ولا يأبى أن يستفيد أبناؤه بكل نتائج العقل الإنسانى والعلم الإنسانى , وبأن يأخذوا بأفضل ما فى النظم الحيوية العملية من نظرات ومظاهر لا تتعارض مع كلياته ومقاصده ,بل إنه ليشجع على ذلك ويدعو إليه والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها .

ولكن هناك عنصرا مفقودا فى كل هذه النظم لا خير فيها جميعا إذا خلت منه , ولا يتم بها صلاح أو إصلاح إذا قامت عليه , فليس الحكم وضع النظام وتنسيقه ,بل إن أهم ما هنالك حسن التصرف فى التشيع له والإيمان به وجميل تطبيقه . والدنيا الآن – فيما نعتقد – لا تحتاج إلى نظم وقوانين بقدر ما تحتاج إلى عواطف ومشاعر ونفوس تفيض بالبر والرحمة , وقلوب مشرقة بالإيمان والحكمة{ ومن يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا}(البقرة:26) .

ذلك العنصر المفقود يا صديقى فى دنيا الدنيا العصرية وأوضاعها الاجتماعية هو الإيمان بالله وحسن معرفته وجميل مراقبته ودوام الاتصال به وانتظار الجزاء منه للمحسن وللمسئ على السواء ذلك هو الإكسير الذى يفيض ماؤه على النفس الإنسانية فيغسلها من أدرانها , ويطهرها من أدناسها , ويتصل سياله بالقلب الإنسانى والضمير الإنسانى فيحييه بعد موت ,ويوقظه بعد طول غفلة وركود . وبهذا وحده تتجد الحياة الحقيقية الفياضة الدافقة وتنبعث فى هياكلها هذه الأشكال الجامدة الميتة من النظم المادية الصرفة التى هى نتاج العقل وحده ؛ العقل البعيد عن الإيمان بالمثل العليا المحجوب عن المشاعر السامية والوجدانات العالية:

{إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}(ق:37) .

قال محدثى :

كأن الإخوان المسلمين إذن يسلمون بأن نقتبس من غيرنا كل ما فى نظرهم من معارف صالحة وشكليات نافعة , ولكنهم يريدون إلى جانب هذا أن تلبس هذه المعارف وتلك الأوضاع الثوب الإسلامى النسيج , وأن تشيع فيها روح المثل الإسلامية العليا من مراقبة الله وجزائه وتقدير الأخوة الإنسانية بين بنى الإنسان والابتعاد عن الأثرة القاتلة و الأنانية المخزية المدمرة و إيثار المصلحة على المنفعة الخاصة .

قلت :

لقد هديت إلى صراط مستقيم ذلك ما نريد يا صاح , وليس ذلك من ابتكارنا ولكنه الوضع الإسلامى أيضا , فإن الإسلام إنما جاء ليكمل نقص الناقصين , ويهدى إلى الصواب الضالين الحائرين , ويقر فى الأرض كل نظام صالح وكل خلق فاضل :"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " , وهو فى الوقت الذى يعطى للناس فيه كل ما عنده من إرشاد منير وتوجيه سليم لا يزاحمهم فيما يرون لأنفسهم من شئون الحياة التى لا تتعارض مع أصوله ولا تتضارب مع قواعده .....

ولقد عبد النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه لأمته هذا الطريق حين احتفر الخندق وعمل فيه وهو فن حربى فارسى لم يكن للعرب عهد به حينذاك , ولكنه وضع صالح يعين على إقرار قواعد الحق ,فمرحبا بكل وضع صالح فى كل شئون الحياة الصالحة , وأؤكد لك يا صديقى أن الناس ماداموا بعيدين عن هذا الهدى الربانى والنور السماوى وما داموا يبحثون عن سعادتهم فى حنايا كرتهم الأرضية ناكسى رءوسهم يجيلون أبصارهم فى أغوارها البعيدة فلن يصلوا إلى بغيتهم أبدا .

فإن السعادة من فيض السماء لا من نبات الأرض , ومن خوالج القلوب لا من نتائج القلوب , ويوم يرفع الناس رءوسهم إلى العلاء ويتلمسون سعادتهم من وحى السماء سيجدونها أقرب إليهم من حبل الوريد وصدق الله العظيم : {واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين*ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص لعلهم يتفكرون } (الأعراف:175-176) . فيا أبناء الأرض الذين عقتهم أمهم وأتعبتهم عقولهم : هلموا فاقتحموا نوافذ قلوبكم لهدى السماء .

قال :أو ترى ذلك فى وسع الناس الآن و قد غمرهم من طغيان هذه المادة ما غمرهم وجاءهم الموج من كل مكان ؟؟

قلت : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام .