رفضنا خارطة الطريق.. ونطالب الحكام والشعوب برفضها

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١١:٢٥، ٥ يوليو ٢٠١٢ بواسطة Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رفضنا خارطة الطريق.. ونطالب الحكام والشعوب برفضها

بقلم:المستشار محمد المأمون الهضيبي

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-،

وبعد:

حين وقعت أحداث سبتمبر 2001م، وجرى تدمير وتفجير أبراج التجارة الأمريكية، وقتل أبرياء عزَّل، استنكرها الإخوان المسلمون وأدانوها، وأيضًا حين وقعت أحداث الرياض والمغرب، وجرى تدمير المساكن، وقتل أبرياء عزَّل أدانها الإخوان المسلمون، من منطلق مبدئي، يستند إلى شريعة الله، التي تؤكد أعظم القيم والمُثُل التي عرفتها البشرية في تاريخها.

وحين تمَّ فرض الحصار الصهيوني الإجرامي على الشعب الفلسطيني الأعزل في الضفة وفي غزة، مع توجيه كافة أسلحة الإبادة والقمع والدمار والتدمير إلى قراه ومدنه، وجرى مسلسل تصفية أبنائه، واعتقال الآلاف منهم، مع نسف الدور، وتجريف الأرض؛ لدفع شعب عربي مسلم بأسره لهجرة أرضه ودياره، أعلن الإخوان المسلمون استنكارهم لهذا العدوان الوحشي من جانب الكيان الصهيوني الغاصب، ومن منطلق مبدئي أكدوا أن من حق الشعب الفلسطيني أن يُدافع عن نفسه، ويسترد حريته، ويستعيد أمنه، ويحرر كل أرضه ودياره، وأن الجهاد من ثمَّ حق له وواجب عليه.

كما أن من واجب العرب والمسلمين على مستوى الحكومات والشعوب أن يدعموا جهاد الشعب الشقيق بكافة أشكال وسبل الدعم، تأكيدًا واستجابةً لخاتم الرسل والأنبياء الذي نادى في الأمة: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمَّى والسهر"، بعد أن جاء بشريعة العدل والإنصاف؛ تحارب الجور، وتناهض الظلم والعدوان، وتُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقد جعلت الحرية والأمن حقًّا لكافة الشعوب على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ومذاهبهم ودياناتهم، كما جعلت مصادرة هذا الحق جريمةً، وفرضت كافة أشكال الجهاد سبيلاً لاسترداده؛ تأكيدًا لمبدأ العدل والمساواة والحرية في العبادة وفي القول.

وحين حشدت أمريكا جيوشها الجرارة وأخرجت أحدث ما في ترسانات أسلحتها من أسلحة الإبادة الشاملة لتجتاح أفغانستان، وتقتل الآلاف من الأبرياء، وتهدم وتدمر العديد من المدن والقرى، أدان الإخوان المسلمون- ومازالوا يدينون- الإرهاب الوحشي الأمريكي في أفغانستان، والذي لم يدفع ثمنه الباهظ إلا شعبها الأعزل.

الموقف نفسه اتخذه الإخوان المسلمون حين أعلنت أمريكا عن عزمها اجتياح وغزو العراق، وحشدت الجيوش والأساطيل والصواريخ لتدميره وقتل الآلاف من أبنائه، بعد أن زعمت أنه يمتلك من أسلحة الإبادة الشاملة ما يهدد أمنها وأمن آخرين، وتخطَّت كافة المنظمات الدولية معتمدة قرارها وترسانات أسلحتها سبيلها لاحتلال العراق، ومصادرة حق شعبه في الحرية والأمن واستغلال ثرواته من أجل تقدمه.

لقد أعلن الإخوان المسلمون من منطلق مبدئي- يلتزم شرع الله عز وجل- أنهم مع شعب العراق ضد الغزو الأمريكي، وليسوا مع نظام حكم ديكتاتوري حظِيَ بالدعم الأمريكي لسنوات طوال مثل باقي الديكتاتوريات في المنطقة التي صادرت- بدعم أمريكي معروف- حريات الشعوب وهمَّشت وجودها، وأهاب الإخوان المسلمون بكافة الدول العربية والإسلامية- حكامًا وشعوبًا- أن تدعم شعب العراق، وأن يعيد الحكام النظر في السياسات؛ بما يحقق ويؤكد إعادة ترتيب الداخل العربي والإسلامي، فيزيلوا الخلافات فيما بينهم، ويزيلوا الفجوة بينهم وبين شعوبهم، ويسعَوا- بجد وصدق- من أجل توحيد الصف والكلمة، وحشد كافة إمكانات الأمة لمواجهة غزو أمريكي سافر يستهدفهم وكافة أقطارهم وشعوبهم، كما يستهدف عقيدة الأمة وهويتها ووجودها ودورها.

وقد جهرت أمريكا بذلك حين أشاعت الدمار في أفغانستان ثم في العراق، ومضت تُحكم قبضتها عليهما، متحكمة في أرضهما ومواردهما، ثم شرعت تَصيغ مناهجهما التعليمية، معلنة- في سفور- أن ما جرى في العراق إنما هو نموذج لما تنوي أن تقوم به في غير العراق، كما أن غزوها للعراق إنما هو لصالح الكيان الصهيوني الغاصب، إذ يحقق له السلام والأمن على حساب المنطقة.

وانطلاقًا من الموقف المبدئي- المستند إلى شرع الله عز وجل- أدان الإخوان المسلمون، واستنكروا خطة خارطة الطريق الأمريكية، ودعَوا كل الشعوب والحكام العرب والمسلمين إلى رفضها، بعد أن أكدوا أنها لا تحمل للشعب الفلسطيني إلا السراب والوهم، في الوقت الذي تؤكد فيه على وقف انتفاضته، وتجنيد كل أجهزة ووسائل الأمن في السلطة الفلسطينية لإجهاضها، كشرط أساسي للدخول مع الكيان الصهيوني الغاصب في متاهة مفاوضات جديدة لا تحقق أي مصلحة للشعب الفلسطيني، خاصةً بعد أن أعلنت أمريكا التزامها بالتحفظات الصهيونية الأربع عشر على خارطة الطريق، والتي صادرت كافة حقوق الشعب الفلسطيني على مستوى أرضه ودياره، وعلى مستوى حريته وأمنه وحقه في الحياة، ومن تلك التحفظات التأكيد على يهودية الكيان الصهيوني الغاصب، الأمر الذي يعني حرمان 4 ملايين لاجئ فلسطيني من حق العودة إلى أرضهم، وفتح الباب أمام الصهاينة لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني في أرض 1948م من أرضهم وديارهم، هذا بالإضافة إلى الإجهاز على الحق الفلسطيني في القدس وفي الأقصى.

ومن منطلق الموقف المبدئي للإخوان المسلمين من القضية الفلسطينية كقضية عربية إسلامية- التصرف فيها أو اتخاذ قرار بشأنها إنما هو من حق الشعب الفلسطيني وكافة شعوب الأمة- جاء رفض الإخوان المسلمين لقمة شرم الشيخ وقمة العقبة، وجاءت دعوتهم إلى عدم الاستجابة لخطة خارطة الطريق الأمريكية، مع مواصلة دعم الانتفاضة الفلسطينية، كما أعلنوا رفضهم لما جاء في خطاب "أبو مازن" رئيس وزراء السلطة الفلسطينية في العقبة، من الاستجابة مع التعهد بوقف الانتفاضة، وإعلانه تعاطفه مع معاناة اليهود في أوربا، وكأن ذلك يشكل مبررًا لاستيلائهم على أرض وديار شعب عربي مسلم، والتنكيل به لتهجيره وتشتيته، في الوقت الذي غضَّ الطرف فيه عن مخططات الكيان الصهيوني وسعيه لمصادرة كافة الحقوق الفلسطينية في القدس والأقصى، وعودة لاجئي 1948م إلى ديارهم، واختزال خارطة الطريق في إجراءات وخطط أمنية تعهَّد والتزم بتنفيذها.

لقد اعتبر "أبو مازن" في خطابه في قمة العقبة أن المقاومة الفلسطينية الباسلة ضد الإجرام والمجازر الصهيونية إرهابًا، حين قال: نكرر إدانتنا ورفضنا للإرهاب ضد الإسرائيليين أينما كانوا، وسنبذل كافة الجهود، وسنستخدم كل الإمكانات لننهي عسكرة الانتفاضة، وسننجح، وعلينا أن نستخدم كل الوسائل السلمية لإنهاء الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين والإسرائيليين وبناء الدولة، إن هدفنا واضح وسنطبق بحزم، وبلا هوادة، نهايةً كاملة للعنف والإرهاب، ثم طالب الدول العربية بمنع المساعدات المالية والعسكرية عن الانتفاضة حيث قال: ندعو شركاءنا في هذه الحرب إلى منع المساعدات المالية والعسكرية عمن يعارضون هذا الموقف، في سياق التزامنا مصلحة الشعب الفلسطيني ، ولم يكتف "أبو مازن" بذلك بل قال:

إننا سنعمل ضد التحريض على العنف والكراهية، مهما كان شكله، وأيًا كانت وسائله، وسنقوم بإجراءات من جانبنا؛ لضمان ألا يصدر أي تحريض من المؤسسات الفلسطينية، كما يجب أن نعيد تشكيل وتفعيل اللجنة الفلسطينية الإسرائيلية الأمريكية لمكافحة التحريض، وإننا نرحب بدعم المجتمع الدولي، والدول العربية خاصةً، كما نرحب ونؤكد الحاجة إلى آلية رقابة دولية بقيادة أمريكا لتمكننا من تحقيق هدفنا في دولة مستقلة ذات سيادة.

هذا في الوقت الذي لم يتعهد فيه الكيان الصهيوني الغاصب بشيء، إذ أعلن السفاح "شارون"- الذي ولغ في دم الشعب الفلسطيني الأعزل- تعهده بإزالة المستوطنات غير المرخص لها، وهو تعهد يفضح النوايا الصهيونية الخبيثة، والتي أكدها "بالترحيب بالفرصة المتاحة بالبدء في مفاوضات مباشرة، وفقًا لخطوات خريطة الطريق كما اعتمدتها حكومة الكيان الصهيوني الغاصب"، و"إن ضمان الأمن الدائم يستلزم في نهاية المطاف السلام، ولا يمكن إحلال السلام إلا عبر الأمن، وهناك أمل جديد يتمثل في فرصة جديدة للسلام.

إن الكيان الصهيوني وشعبه يرحبان بالفرصة المتاحة لاستئناف مفاوضات مباشرة، استنادًا إلى الخطوات التي تنص عليها خريطة الطريق، كما أقرها الكيان الصهيوني، لقد أكد الصهاينة على ضرورة إنهاء الانتفاضة، وأن تطبيق خريطة الطريق إنما هو وفق التحفظات الصهيونية، كما أكد "بوش" في قمة العقبة على التزام أمريكا بوضوح بأن الكيان الصهيوني دولة يهودية تنبض بالحياة، وأن الصداقة بين أمريكا وبينه بدأت مع إنشاء الكيان الصهيوني الغاصب، وأن أمريكا ملتزمة اليوم بقوة بأمنه، وأنه يرحب بتعهد "شارون" بتحسين الوضع الإنساني في الأراضي الفلسطينية، وهو تحسين ربطه "شارون" بموقف "أبو مازن" للانتفاضة، والبدء في تفكيك المستعمرات غير المرخصة، لقد حققنا انطلاقة قوية في شرم الشيخ، ووعدنا القادة العرب بوقف كل مساعدة أو تدفق للمال والسلاح إلى المنظمات الإرهابية ومساعدة "أبو عباس" في تحرير الأرض الفلسطينية من الإرهاب.

تنحية القيم والمثل

ربما يُزيد من قسوة المحنة التي تعيشها القضية الفلسطينية، وكافة قضايا العرب والمسلمين، أنها تمر اليوم في أجواء وظروف تمَّ فيها تنحية وإزاحة القيم والمثل، مع اعتماد القوة سلاحًا لفرض الهيمنة، وتحقيق المصالح والأهداف والغايات، واستباحة بل مصادرة حق الشعوب في الاستقلال وتقرير مصيرها بنفسها والعيش في حرية وأمن، واستغلالها لثرواتها ومواردها بما يحقق صالحها ومصلحتها ونهضتها.

ويضاعف من قسوة المحنة أنه في ظل غياب أو تغييب القيم والمثل، واعتماد منطق القوة، تم تغييب القانون الدولي، وتهميش المنظمات الدولية، فقد جرد مجلس الأمن والأمم المتحدة من أية فاعلية أو دور إزاء القضايا والأزمات الإقليمية أو الدولية، ومن ثم عجز مجلس الأمن أن يتخذ موقفًا فاعلاً حاسمًا يحول فيه بين أمريكا وغزوها للعراق، بعد أن تذرعت بتقارير مخابراتية تفتقد المصداقية، زعمت فيها وجود أسلحة دمار شامل فيه، رغم أن مفتشي مجلس الأمن أكدوا أنهم لم يعثروا على دليل يثبت وجود مثل هذه الأسلحة، ووصلت هامشية وتهميش مجلس الأمن إلى حد إعلانه عن استعداده لتبنّي القوائم الأمريكية بمصادرة أموال الأفراد والشركات والجمعيات الخيرية العربية والإسلامية على مستوى العالم بتهمة دعمها للإرهاب.

وبعد شهور من غزو أمريكا للعراق، وانفرادها بشئونه وهيمنتها على أموره ومصيره، تؤكد الأنباء الواردة من العراق أن أمريكا لم تعثر على دليل يؤكد مزاعمها، ويثبت وجود سلاح من أسلحة الدمار الشامل؛ مما يثبت كذب وبطلان وتلفيق التقارير المخابراتية الأمريكية والبريطانية، التي تذَّرعت بها الدولتان لغزو العراق، فلم يحرك مجلس الأمن ساكنًا، ولم يتحرك أصحاب الرأي والفكر والضمائر على مستوى العالم؛ ليدينوا العدوان الأمريكي والبريطاني على العراق، وانتهاك القيم والمثل عند صناع القرار في لندن وواشنطن.

فبينما المجازر الوحشية الصهيونية تفتك بأرواح وأجساد أبناء الشعب الفلسطيني في فلسطين، والحصار الصهيوني الخانق حول مدنهم وقراهم يفتك بأطفالهم، والأسلحة الأمريكية تدمر بيوتهم ومساكنهم، وتقتلع أسباب الحياة في أرضهم، ترتفع أصوات المسئولين في أمريكا، تردد أن الكيان الصهيوني الغاصب يدافع عن نفسه وأمنه ضد مقاومة فلسطينية لا تملك إلا سلاح الاستشهاد في مواجهة أعتى أنماط السلاح، ولكنها في عصر هدم أو هدر القيم والمثل هي الإرهاب الذي يجب أن تُجتث جذوره، وتطالب الحكومات العربية بمنع دعم الشعب الفلسطيني في محنته وضائقته لحرمانه من كافة أسباب وسبل المقاومة، ودفعه بالتالي للرضوخ والاستسلام.

إلا أن المحنة مهما قست، والأجواء والظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية وكافة قضايا المسلمين، مهما اكتنفتها الصعاب وألمَّت بها الضوائق، لا تفت في عضد الرجال، ولا تضعف من عزائمهم أو تهن من إيمانهم، إنها توثق الصلة بالرب وترسخ جذور الإيمان به، فتضاعف من طاقات العزم والإباء، كما تضاعف من الإصرار على الحق والعمل من أجل استرداده، وإعداد العدة وحشد كافة الإمكانات لبلوغ الهدف والغاية، خاصةً وشعار المرحلة كما جاء في كتاب الله واضح لا غموض ولا لبس فيه، تمثله وامتثل له سلف هذه الأمة في كافة عصورها، وهم يجتازون أقسى وأصعب محنها، فعبروها في ثقة ويقين، محققين الفوز والنصر والنجاة إلى شاطئ الأمن والحرية والسلام الصحيح في عزة وكرامة؟

وألسنتهم وقلوبهم تلهج بقوله سبحانه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران:174)

لقد دعا الإخوان المسلمون الشعوب والحكومات التزام طريق الجهاد، بعد أن تبين أن التفاوض مع العدو الصهيوني، وتحت المظلة الأمريكية، وأن الوصول إلى اتفاقات أسلو وتينيت وواى ريفر وميتشيل لا يعني في مفهوم العدو الصهيوني إلا تمرير أو تضييع الوقت، لتجريد الشعب الفلسطيني من كافة حقوقه، واستنفاد طاقاته واقتلاع الرفض والأمل من صدور أبنائه وزرع الإحباط واليأس في النفوس والقلوب، ففي متاهات المفاوضات، كما في إزهاق الأرواح، وتصفية القيادات واعتقال الشباب وتجريف الأرض، وهدم البيوت، يسعى العدو الصهيوني إلى تصفية القضية وإغلاق الملف وفتح الطريق أمام العدو للاستيلاء على كل فلسطين، والسعي لبلوغ حدود الوطن القومي، المزعوم، ولا يحول دون ذلك إلا الانتفاضة تهز أو تسلبه أمنه.

لقد رفض الشعب الفلسطيني في موقف شجاع جدير بالتقدير والاحترام من خلال مظاهراته الصاخبة في غزة والضفة في أعقاب شرم الشيخ والعقبة خريطة الطريق، كما أكد انحيازه لطريق الجهاد، والمضي على دربه، وهو صاحب الحق في أرضه ودياره، ومقاومته وانتفاضته، وعلى الأمة بكافة شعوبها وحكامها أن تقدر له دوره في الدفاع عن أرضه وأرضها، وأن تنهض بواجبها إزاءه، وهو يواجه بإيمان وشجاعة هجمة صهيونية تستهدف الدور والهوية والأصالة، ليس في فلسطين بحسب بل على كل الساحة الممتدة من المحيط إلى المحيط.

إن الخطر الداهم يهدد ويستهدف الجميع، ولا يظنُّ شعب أو حاكم أنه في منأىً أو منجاة، إلا إذا سارع في إصلاح السياسات وإعادة ترتيب وتنظيم الداخل في حرصٍ على وحدة الكلمة والصف، وإحلال الثقة محل الشك، وتوثيق العلاقات والروابط محل التهميش والنبذ والإقصاء، وحشد الجهود والطاقات بدلاً من التفرق والتشتت، وتشتيت الجهود والإمكانات، وإطلاق الحريات، وإشاعة الأمن محل سياسة القمع واعتقال وتعذيب شباب الأمة، وقهرها.

إن الأمر جدٌّ ولا هزل فيه، والأمانة عظيمة، والحساب عليها أعظم، والأجيال لا تنسى ولا ترحم، والتاريخ لا يهمل ولا يتجاوز.

وترجون من الله مالا يرجون

لقد جاء في تقرير للبنك المركزي في الكيان الصهيوني الغاصب طُرح منذ شهر أن الانتفاضة- خلال ثلاثة وثلاثين شهرًا من عمرها- تسببت في خسائر اقتصادية جاوزت23 مليار دولار، وأنه في حالة تحقيق الهدوء والأمن، فإنه سيجني65مليار دولار في غضون السنوات القادمة، وقالت مصادر صهيونية:

إن هذا التقرير كان الدافع لقبول خطة الطريق، بعد تسجيل تحفظاته عليها، وإن التقرير أفصح أن مستوى المعيشة قد انخفض 12% كما زادت المصاريف العسكرية 6مليار دولار وبلغت خسائر الدخل22.5مليار دولار، وإنها سترتفع إذا استمرت الانتفاضة، وإذا كانت تقارير أخرى تؤكد سيطرة الشعور بالقلق وافتقاد الاستقرار والأمن في ظل أجواء الانتفاضة..

، فإن الأمر يذكرنا بقول الحق تبارك وتعالى ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء104)

رُبَّ قائل يقول- والناس والعالم كله أمام ما تملكه أمريكا من وسائل البطش والقهر، وما تنتهجه من سياسة لا تلتزم القيم والمثل، ولكن تلتزم القوة والتدمير والغزو والاجتياح- إننا عزَّل، وضعفاء من ناحية المادة والسلاح، إلا أن ثَمَّة حقائق لا تغيب عن ذهن وقلب المؤمن، تأتى في مقدمتها أن خصومنا ضعفاء، إذ اعتمدوا على قوة المادة، وافتقدوا قوة الإيمان، واستخدموا قوة المادة في مصادرة حقوق الآخرين، وفتحوا أكثر من جبهة لفرض الهيمنة؛ مما يدفع أصحاب الحق المؤمنين به إلى مواجهة المعتدين في إصرار، وصبر على الجهاد والبذل، وهم بحقهم أقوياء، بينما المعتدون بباطلهم وعدوانهم ضعفاء، والله سبحانه- حين تصفو النوايا، وتتطهر القلوب وتصدق النفوس- مع أصحاب الحق المجاهدين في سبيله، ضد أصحاب الباطل؛ لأنه عدو المبطلين، ولا يُصلح عمل المفدسين؛ ولهذا فأصحاب الحق المخلصين العاملين الباذلين المضحِّين يرجون من الله ما لا يرجوه أصحاب الباطل.

وفي كل أدوار التاريخ، وتطورات الأمم، ما التقى الحق بالباطل إلا خُذل الباطل وأهله وانتصر الحق والمدافعون عنه، وصدق الله إذ يقول ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:81)، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: من الآية18)، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية17).

لقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين الصادقين أن يعتدُّوا للمعتدين عليهم، وأن يجهزوا من القوة ما استطاعوا، وأن يأخذوا حذرهم فقال ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية60).

ووعد الله عباده المؤمنين جميل المثوبة على الاستعداد والإعداد، ووعده الصدق، شريطة الاستجابة في صدق ويقين والعمل والتنفيذ في إخلاص وعزم.

إننا ننصح حكوماتنا- وخاصةً حكومة مصر، ذات المواقع والإمكانات والدور التاريخي والريادي- أن تعزم أمرها ولا تتهيب غيرها، وأن تجابه بالحق الصريح، وأن تصغي- في حزم وعزم وإيمان- لقول الله سبحانه ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7). وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين