وقفات مع ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ٠٦:٣٤، ١٠ يوليو ٢٠١٢ بواسطة Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
وقفات مع ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

بسم الله، والحمد لله، والصلاة، والسلام على رسول الله، ومن والاه... وبعد..

فقد توحد الشارع الإسلامي، والعربي على امتداده في مشهد مجيد، وهو يعبر عن غضبه وألمه وجرحه البليغ إزاء ما نشرته صحيفة "يولاند بوستن" الدنماركية منذ عدة أشهر من رسوم كاريكاتيرية تسخر من رسول الإسلام- صلى الله عليه وسلم-، وتسيء إلى رفيع مكانته، وعظيم قدره، ثم تتالت صحف أوروبية أخرى في الشهرين الماضيين تنشر ذات الرسوم فيما زعمت أنه دفاع عن حرية الصحيفة الدنماركية وحقها في التعبير.

وكانت رسالة الشارع الإسلامية الصاخبة والمدوية إليهم: إنَّ ما تفعلونه ليس حريةً، فلكل حرية سقف تنتهي عنده قبل أن تتحول إلى عدوان على الآخرين.. وقد تجاوزتم في استخفاف مرير بمشاعر مليار ونصف المليار من المسلمين، فدعونا نمارس حريتنا في التعبير عن غضبنا، ونُسمِعكم صوتنا ونحن في موطن الدفاع عن مقدساتنا ورموزنا بلا بغي منا على أحد.. وستعلمون وقتها أننا أمةٌ حيةٌ جديرةٌ بالحياة الكريمة، قويةٌ بإسلامها، قادرةٌ على أن تؤلمكم كما آلمتموها، وقتها ستعرفون عظيم جريمتكم في حقنا، وربما يدرك وقتها بعض كُتَّابكم ومفكريكم وساستكم أنهم يسيرون في الطريق الخطأ، وأن كوكبنا الشقي لا يحتمل مزيدًا من الصراعات حتى تغذيه ممارساتكم بصراعاتٍ ثقافيةٍ جديدة تؤصِّل للعدوان، وتورِّث الشقاق بين الشعوب..

لا تحسبوه شرًّا لكم

لقد تسبب صنيع بعض الصحف الغربية في توحد كاملٍ للشارع الإسلامي والعربي كان يفتقده وكان في حاجة إليه، وأثبتت جماهير أمتنا من جديد أن ولاءها الحقيقي إنما هو لله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- ولدينه العظيم، وأنَّ الإسلام وحده والحمية من أجله هو القادر على حشدها وتحريكها وضخ دماء الحياة في عروقها..

وكانت حركة جماهيرنا مباركةً؛ حيث رأى فيها بعض حكَّامنا فرصةً سانحةً للتواصل مع أمتهم- في مشهد قلما نراه- فوجدنا من حكامنا من يقطع العلاقات مع الدنمارك، ومن يغلق سفارةَ بلاده هناك، ومن يعلن وقف استيراد منتجاتهم، ويوقف التبادل الاقتصادي معهم.. ورأينا تحركًا مشهودًا ومبادِرًا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وتحركًا آخر للجامعة العربية، وسفرائها في أوروبا.

صحيح أن ذلك التحرك الرسمي ما زال أقلَّ بكثير مما يجب ومما ترجوه شعوبنا، وصحيح أن بعض حكامنا لم يحرِّك ساكنًا، وكأن الأمر لا يخصُّه ولا يمس رسوله ودينه، ولا يسبب له حرجًا، وينـزع ورقة التوت الساترة لعورات نظامه المتسلط بالقهر والطغيان على شعبه، فآثر الدَّنيةَ في دينه ودنياه، وظل منعزلاً عن أمته، وعن تيار الغضب الزاخر فيها، ولو أنه هو الذي تعرَّض للسباب والسخرية والأذى- أو أحد من أسرته وحاشيته- لربما أبدى بعض التململ والضيق، فأضاع الفرصة السانحة للتواصل مع أمته، ولو من قبيل التصنع والمجاملة في موقف عصيب..

ونارًا لو نفختَ بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد!!

حلقة من سلسلة العدوان على مقدساتنا

لا تحسبوه شرًّا لكم أيها المسلمون، فقد انفضح البعض في الغرب المستكبرين في عنصريتهم وبغيهم وجهالتهم.. وانكشفت سوءات بعض قياداته المسيطرين على أزمَّة الإعلام فيه.. إنهم لم يسخروا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لشخصه الكريم، ولكنهم يستهدفون دينه ورسالته.

وقديمًا فعل كفار العرب صنيعهم فقالوا: ساحر وكاهن ومجنون.. ولم يكن عدوانهم على رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- الأول من نوعه، فقد سخر بعضهم من قبل من لفظ الجلالة.. ومنذ قريب دنسوا المصحف الشريف في معسكرات الاعتقال الأمريكي في جوانتانامو وأبو غريب، وما زالوا حتى اليوم يستهدفون مساجد المسلمين في أفغانستان والعراق و فلسطين ، وما المؤامرة على المسجد الأقصى الذي توشك جدرانه على الانهيار منا ببعيد!! أما الحرب على هوية الأمة، وثقافتها، ومظاهر حضارتها، ومناهج التعليم فيها، فهي قائمة على قدم وساق وعلى مختلف الأصعدة.

ونحن حين نتحدث عن ذلك العداء الغربي للإسلام لا نرمي به كافة شعوبهم، بل نعني تلك الحكومات، ومراكز التأثير والتوجيه، وأصحاب المصالح الاستعمارية البغيضة المحترفين في امتصاص ثروات الشعوب، ونهب خيراتها.

فهؤلاء في المقام الأول هم المسئولون عن إثارة نزعات التعصب التي يغذيها الجهل الشديد ب الإسلام في الغرب، وهم الذين يقصدون التأصيل لذلك التعصب والعدوان بإقامة الحواجز الثقافية والمعرفية، وتقديم التصورات الشائهة للإسلام ورسوله وشعوبه، بالرغم من شعاراتهم البراقة بالتواصل الإنساني، والعولمة النزيهة التي جعلت العالم قريةً واحدةً، وهم الذين يطلقون في ذات الوقت النداءات المتتالية بصراع الحضارات، وجدارة القطب الواحد، وريادة الحضارة الغربية دون شريك.. يتوهمون بذلك أنهم يخلقون عدوًّا جديدًا بعد سقوط الخطر الشيوعي يحشدون به الجماهير خلف سياستهم العدوانية.

ضعفنا أغراهم بالعدوان

ولا شك أن حالة الضعف البالغ، والتردِّي الحضاري المهين الذي تعيشه أمتنا هو الذي أغرى خصومها بالتطاول والاجتراء والعدوان.. إنَّ ميزان القوى في عالمنا لتميل كفته حين يوزن فيها مليار ونصف المليار من المسلمين ببضعة ملايين من الصهاينة.. ونحن في عالم لا يحترم إلا منطق القوة، ولا يعرف إلا لغة الأقوياء.. لقد استطاع الصهاينة أن يجعلوا من العداء للسامية- التي جعلوها مقصورةً عليهم- سيفًا مشهرًا في العالمين... وجعلوا من مجرد التشكيك في مقدار معاناتهم في الهولوكوست جريمةً تلاحق صاحبها أبدَ الدهر، وتجعله عبرةً لمن تراوده نفسه على السير في ذات الطريق، وإن تسلَّح بالعلم ونطق بالبرهان، وأصبحت قضية الحق الصهيوني في فلسطين أمرًا مسلمًا به لا نقاش فيه، وغدا لدولتهم التي قامت على الإثم والعدوان والافتراء العلمي والتزييف التاريخي عصمة لا ترقى إليها حقائق الكون الكبرى ومعالمه الراسخة!! وأصبح لها الحق في التسلح حتى الأسنان بما شاءت من سلاح تقليدي أو نووي، واستخدام ذلك السلاح والتهديد به وقتما تشاء، وعلى النحو الذي تريد دون غيرهم من الأمم والشعوب.

وعزَّز الإعلام الغربي ذلك كله في وجدان شعوبهم باسم الحرية الإعلامية وحقوق النشر والإذاعة، والويل لمن شقَّ عصا الطاعة، أو فكَّر في السير بعيدًا عن السرب الكئيب!!

الواجب علينا

وبعد.. فلنُسمع العالم صوتنا، وليشعر فينا بالقدرة على الفعل والغضب، ولندرك الأمور على حقيقتها، فليس الأمر- في النظر السليم- أمر سخرية بالرسول- صلى الله عليه وسلم- فحسب بل هو عدوان على الإسلام كله في رموزه ومقدساته، وعقائده، وشعائره، وثوابته.. والرد الصحيح عليه يكون بالاستمساك الحق ب الإسلام، والدعوة إليه، والتربية عليه، و الجهاد في سبيل عزته ومجده، وإقامة نهضة واسعة قوية في بلادنا على أسس الإسلام، وقواعده، وإحياء قيمه العليا في النفوس.. قيم العدل، والمساواة، والشورى، والحرية، والتسامح، واحترام الآخرين.

إنَّ الأجواء المسمومة التي أفرخت ذلك العدوان على رسولنا- صلى الله عليه وسلم- مشبعةٌ بالجهل ب الإسلام ورسوله، وعلى حكوماتنا ومؤسساتنا السعي للدعوة إلى ديننا، وتعريف العالمين بصحيح مفاهيمه، وعدالة قضاياه.. ولقد آن الأوان لاتِّخاذ خطواتٍ مهمةٍ في ذلك المجال.. وهذا يخص في المقام الأول حكوماتنا ومؤسساتنا، ومجامعنا العلمية، وسفاراتنا بالخارج، وكذا علماءنا وجهودهم الفردية، والجماعية المباركة.. إنَّ مما يفجع النفوس ذلك التراخي، والقعود عن تعريف العالم ب الإسلام على نحو مؤسسي.. ونحن نذكر هنا أنَّ الجامعة العربية عجزت عن توفير 25 مليون دولار لازمةٍ لتأسيس قناة فضائية عربية تخاطب الغرب بلغته، وهو المبلغ اليسير الذي ينفقه بعض أثرياء العرب في يوم أو بعض يوم.

لقد نجحت المقاطعة الاقتصادية التلقائية في دفع البعض في الغرب إلى التنبه، فما بالنا إذا فعَّلنا المقاطعةَ ضد الذين أججوا المشاعر ضد الإسلام من الصهاينة والأمريكان، وهي قادرةٌ على إيلام هؤلاء المستكبرين الذين لا يعترفون بخطأ، ولا يستعدون لتهدئة الخواطر بمجرد الاعتذار، فضلاً عن وجوب مساءلة المتورطين في ذلك، وتفعيل القوانين الدولية الخاصة بمحاربة التمييز، وحماية المعتقدات، وهنا نذكِّر بضرورة إصدار قرار دولي من الجمعية العامة للأمم المتحدة يجرِّم الاعتداء على المقدسات الدينية أيًّا كان معتنقوها، ونذكِّر حُكَّامنا بأن شعوبهم تنتظر منهم الكثير في هذا المقام، وفي تلك القضية التي لا خلاف حولها، ولن تقبل شعوبهم منهم هنا تخاذلاً أو نكوصًا.. ونحن في كل ذلك عادلون أصحاب حق، ندعو لاحترام حقوق الإنسان ومعتقداته حيثما كان، ونعمل بالآية الكريمة ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108).

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ(98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)﴾ (الحجر).

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون