الحق والقوة.. وقرار محكمة العدل الدولية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١٤:٤٦، ٧ يوليو ٢٠١٢ بواسطة Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (←‏الشيخ القرضاوي ومؤتمر لندن)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحق والقوة.. وقرار محكمة العدل الدولية

رسالة من الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد..

فقد صدر أخيرًا حكم محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل العنصري الذي أقامه الكيان الصهيوني في الأرض المحتلة ليحتمي وراءه من غضب أصحاب الحق المغتصب، والأرض المنهوبة، والوطن السليب، وليظل متحصنًا خلفه، ينشر الموت والدمار على أبناء شعبنا الصابر في فلسطين، وليفرض واقعًا يصعب على دعاة الإسلام تجاهله في المستقبل، ملتهمًا في طريقه آلاف الأفدنة من الأراضي المملوكة بالفعل لشعبنا في الضفة الغربية، ملتويًا في طريقه كالأفعى؛ ليفرق بين الناس، ومزارعهم، ومحال أعمالهم، وبين الأسرة الواحدة التي تقع مساكنها خلف الجدار وبقية أفرادها الساكنين أمامه، في جريمة فاضحة وقف العالم الذي يدَّعي الحضارة وقيم العدل متفرجًا إزاءَها، واكتفى المنصفون منه بالتعبير عن استيائهم أو شجبهم، وقضى قرار محكمة العدل الدولية بأن ذلك الجدار عمل غير قانوني، ينبغي إزالته؛ إذ يتعارض مع كل الأعراف والقوانين الدولية التي تتصل بحقوق الإنسان، سواء في حال السلم أو الحرب.. وجاء الرد الصهيوني- كما هو متوقع- رافضًا قرار محكمة العدل الدولية، وأعلن رئيس وزرائهم وكبير مجرميهم استمرار العمل في إقامة ذلك الجدار العنصري.

أما أمريكا- الحليف الإستراتيجي للكيان الصهيوني والداعم الأكبر له- فقد انساقت لرؤيته كما هو معتاد، وأعلنت أن محكمة العدل الدولية ليست هي الجهة المختصة بالنظر في مثل هذه المنازعات، وأن قرارَها لا يشجِّع عملية السلام في الشرق الأوسط، ولا ينظر بعين الاعتبار للتهديدات التي يواجهها الصهاينة المحتلون، وهي حجج واهية لا تستحق عناءَ الرد عليها؛ لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي التي أحالت موضوع الجدار العنصري إلى محكمة العدل، وارتأى غالبية أعضائها- وهم دول العالم كله عدا أمريكا وحليفها الكيان الصهيوني- الاختصاص الأصيل لمحكمة العدل في بحث ذلك الموضوع.

أما كون قرار محكمة العدل لا يراعي التهديدات التي يتعرض لها الصهاينة، فهي التي قدِمت من شتات الأرض، بعد أن أجاد الغرب تسليحها وتدريبها لتنشب أظفارها في قلب عالمنا العربي والإسلامي، ولتحتل أرضنا في فلسطين وغيرها، وتشرد أبناءنا، وتنهب أرضنا، في جزء أصيل من أجزاء المشروع الغربي الصهيوني الاستعماري لفرض الصراع في هذه المنطقة المهمة من العالم، وشغل أهله به؛ كيلا تقوم لهم قائمة، ولا تكتمل لهم صحوة ولا نهضة؛ ليظل المشروع الإسلامي الحضاري- الذي يفترضون خطره على ضلالهم وظلمهم- منكفئًا حول ذاته، مهمومًا بنفسه، مثقلاً بجراحه.

توحد المشروع الصهيوني الأمريكي

ولم يكن أحد من العقلاء في عالمنا يفترض موافقة الصهاينة والأمريكان على قرار محكمة العدل الدولية، أو انصياعهما له، وخاصةً في ظل الإدارة الأمريكية الحالية التي التزمت التزامًا كاملاً بالأجندة الصهيونية، ورأت تحقيقها ضرورةً سياسيةً وعقائديةً، وتحولت أمريكا في عهدها إلى سلطة احتلال غاشم للعراق العربي الإسلامي، تمارس فيه كل سوءات الاحتلال وشناعاته، من انتهاك لحقوق الإنسان، ونهب لخيرات الوطن المحتل، وقمع لأهله، وتنكيل بهم.

وبعد ما تكشف في الآونة الأخيرة من دور صهيوني خطير في تحقيق الاحتلال الأمريكي للعراق، وتهويل لخطر النظام العراقي على أمريكا والعالم، وإشاعة افتراءات لا أصل لها حول امتلاك العراق أسلحةَ دمار شامل يريدون أن تظل حكرًا على أمريكا وحلفائها، وهو ما ثبت كذبه يقينًا، ثم تكشف الدور الصهيوني في العراق بعد احتلال أمريكا له؛ حيث نشط الصهاينة في شراء الأراضي هناك، والتغلغل في أحشاء المجتمع العراقي والعلماء الموالين لسلطة الاحتلال، حتى تناقلت الأخبار أن محققين صهاينةً كانوا يشاركون في استجواب الأسرى العراقيين في سجن أبو غريب وغيره، ويشرفون على تعذيبهم على النحو الذي يفعلون في فلسطين المحتلة، ويقدمون في ذلك الخبرة العريضة والأحقاد المريضة، بل رأينا أن القاضي الذي عينوه لمحاكمة صدام حسين أخيرًا هو شريك لأحد غلاة الصهاينة في شركة استشارات قانونية، وتربطه بالعميل الأمريكي السابق أحمد الجلبي صلةُ قرابة قريبة!!

إن التوحد بين المشروعين الأمريكي والصهيوني ليس أمرًا طارئًا، بل إن أصل قيام الدولتين واحد، قامتا على إبادة أهل البلاد الأصليين لإقامة كيان مغتصب استيطاني، فعل ذلك الأمريكان القادمون من أوروبا مع سكان أمريكا الأصليين، وفعل ذلك الصهاينة القادمون في معظمهم من أوروبا مع العرب في فلسطين، ثم تأسستا على تعاظم القوة المادية الطاغية، وخاصةً العسكرية منها، وانتهجتا نهجًا عنصريًّا يستهدف توفير كل الرفاة لأبناء شعبيهما على حساب الآخرين، الذين لا يعترفون لهم بحق ولا نصيب، وإن جرائم أمريكا في غزوها اليابان وضربها بالسلاح النووي لأول مرة في التاريخ، وجرائمها في احتلال فيتنام، وإحراق أرضها وشعبها، ثم جرائمها في غزو العراق، وتدمير مقومات دولته، وإذلال شعبه.. تلك الجرائم لعظيمة الشبه بجرائم الصهاينة في إبادة أبناء شعبنا في فلسطين في مذابحهم المروعة الشهيرة، وفي غزو جيرانهم في مصر وسوريا والأردن، وفي كل بلد منها كم وفير من ذكريات مريرة عن جرائم الصهاينة ومذابحهم.. ثم في لبنان وصابرا وشاتيلا وقانا وغيرها من سجل دموي أسود حافل.

لا بد للحق من قوة تحميه

إننا نوقن أن قرار محكمة العدل الدولية سيكون مثل غيره من قرارات الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة بشأن قضايانا العادلة، لن يجد حظًّا من تنفيذ، وسوف تقف المنظمة الدولية عاجزةً أمام الفيتو الأمريكي والصلف الصهيوني، وهو ما يُنذر بأوخم العواقب تجاه السلم الدولي، تمامًا كما حدث مع سابقتها (منظمة عصبة الأمم)، التي وقفت عاجزةً أمام شرود القوة الجامحة الظالمة فانهارت ليجني العالم- وقد اختل ميزان العدل فيه- الثمار المُرَّة لذلك الخلل الأسيف.

نحن نؤمن أنه لا بد للحق من قوة تحميه، وإذا كانت دول العالم القوية قد ناصبت الحق الأبلج العَداء، أو لاذت بالصمت- وهي تراه معذبًا مصلوبًا- فإن أصحاب الحق أنفسهم باتوا هم المطالبين بالأخذ به، والدفاع عنه، وإلزام المعتدين بمقتضاه.. نحن في عالم لا يفهم غير لغة القوة، ولا يخدم إلا منطق الأقوياء.

إن أهلنا في فلسطين- ومَن وراءهم- ومعهم المسلمون والأحرار في العالم كله قادرون- بإذن الله- على انتزاع حقوقهم انتزاعًا.. لقد أسمعوا بجهادهم النبيل العالمَ بأسره، وأحيَوا بقية الخير والشرف فيه، وأقاموا للحق المستضعَف منارةً يأوي إليها كل أصحاب الحق الطريد، ويرون في جهادهم وصبرهم القدوة والأمل، وذلك لا يقلل بحال من قيمة الجهاد السياسي والقانوني الذي يفضح أساليب الاحتلال ويقلم أظافر كذبه وافترائه، ويكشف عن سوءاته أردية الزيف والادعاء.

الحق القوي في الإسلام

إن الحضارة الغربية التي سمحت بكل ذلك الظلم والعدوان، والتي ارتضت انكسار الحق، واختلال ميزان العدل- مادام ذلك يحقق مصالحها، ويخدم أهدافها- ترتكب إثمًا كبيرًا في حق نفسها وشعوبها، وما قدمته للبشرية من منجزات في مجالات العلم المادي والتقنية.

أما نحن فأتباع دين يقوم بناؤه الحضاري على العدل والحق، ويجعل الجهاد في سبيلهما فرضًا لازمًا، ويطالب أصحابه باستكمال أدوات القوة لنصرة الحق وردع العدوان عليه.. لقد اتخذ ربنا- سبحانه وتعالى- لنفسه اسم العدل والحق، وجعلهما من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكرر ذكر لفظ (الحق) في القرآن الكريم نحو 227 مرةً، في حفاوة بالغة، واهتمام عظيم ببيان سماته وقسماته، وأعلمنا أنه أقام الكون كله على ميزان الحق.. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: 73) ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (الحجر: 85) .

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ (الرحمن:7-8) ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء:105) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾(التوبة: 33)، وأعلَمَنا أن الحقَّ مرادُه ومقصودُه سبحانه ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال:7-8)، وأنه لا شيء بعد الحق إلا الزيغ والضلال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس: 32).. ثم كرر سبحانه أن الحق أولى بالنصر، وأن نصرة الحق فرض لازم، وقدر محتوم في نهاية الأمر ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سـبأ:49) ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18) غير أن إسلامنا يعلِّمنا أيضًا أنه لا بد للحقِّ من قوة تحميه، ولا بد لميزان العدل من سيف يدافع عنه، والله تعالى منزِّل الكتاب هو منزل الحديد الذي ينبغي أن يتسلَّح به أتباعُ الكتاب وحملة الرسالة ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25)، وقد كان إمامنا الشهيد حسن البنا' في توفيق من الله وفضل حين جعل شعار جماعتنا المصحف محاطًا بالسيفين، دلالة على القوة والحق معًا.

إن الله- سبحانه وتعالى- لا يرضى للحق أن ينهزم، ولا للعدل أن يتراجع، ففي ذلك تغوُّل للباطل يفضي إلى اختلال ميزان الكون.. ولكي لا يحدث ذلك لا بد من أن ينهج أصحاب الحق نهجَ التضحية، فيقدموا في سبيل الحق أرواحهم رخيصةً، ولا ضَير في أن يمضي بعضُهم إلى ربِّه شهيدًا سعيدًا لتبقى ظلال الحق وارفةً، وأنواره ساطعةً، وميزانه معتدلاً، وغير ذلك هو الخسران المبين ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:2-3)

الشيخ القرضاوي ومؤتمر لندن

وفي هذا السياق يأتي ما حدث للداعية الإسلامي الكبير الدكتور يوسف القرضاوي، الذي دُعي لحضور مؤتمر لعلماء المسلمين هذا الشهر في لندن، فتعرَّض لحملة منظمة حاقدة من المنظمات الصهيونية في بريطانيا؛ بسبب مواقفه الصلبة في نصرة الحق وأصحابه في فلسطين؛ حيث أعلن الشيخ في وضوح- وهو أهل للاجتهاد والفتوى وفي الذروة من علماء المسلمين في عصرنا- أن العمليات الفدائية ضد الصهاينة المحتلين التي يفجر فيها أصحابُها أجسادَهم الطاهرة في صفوف العدو هي عمليات استشهادية، يبغي بها أصحابها وجهَ الله ورضوانَه وجنَّته، وليست كما يقول بعض المتخاذلين "عمليات انتحارية"، فشتان بين نفسية المجاهد الذي يُسرع الخُطى إلى الجنة، وهو يهتف في قرارة نفسه.. ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طـه: 84).

ونفسية المنتحر الآيسِ من رحمة الله، والفارِّ من قَدَره، والمعترض على قضائه، وما زالت الدعاية الصهيونية تلاحق الشيخ، وتؤجِّج من حوله العَداء، واشتد ذلك في الفترة السابقة على انعقاد المؤتمر وفي بداياته حتى اضطُّر الشيخ الجليل إلى الانسحاب منه؛ احتجاجًا على ما لاقاه من عنت وتضييق في بلاد تدَّعي الحرية، وتملأ الدنيا ضجيجًا بالحديث عنها، وعلى رأسها حرية الفرد في اعتقاده وآرائه والتعبير عنها.. بل إنه قد سبق أن منعت الولايات المتحدة الأمريكية الشيخ الجليل من دخول أراضيها؛ بحجة دعمه المعنوي للإرهاب!! وهكذا يصبح مجيء التعبير عن الرأي، والدفاع عن الحق ولو باللسان إرهابًا.