عدة الأمة الناهضة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١١:٤٥، ٢٣ يونيو ٢٠١٢ بواسطة Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
عدة الأمة الناهضة

وبعد .. فإلى من يريدون تكوين الأمم على روح الجندية الصحيحة: هل رأيتم نفيراً عاماً كهذا النفير؟ فإن كنتم جادّين، فخذوا على هذا الدَّرْب، ودعوا العبث واطرحوا التجارب الفاشلة.

(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41)) (التوبة).

أُخل بنفسك من شوائب المادة، واحصُرْ تفكيرَك في هذه التعاليم الروحية، واستجمع لها روحك وقلبك، واستمع لها كما يستمع الجنديُّ المطيعُ أوامر القائد المحبوب الحازم المطاع، فإنك ستفهم منها فلسفة رائعة في تكوين الأمم وأعلام الجهاد ودعائم النصر، وتستطيع أن تلخص مقاصد هذه الآيات الكريمة في هذه الجمل:

على المؤمن بالدعوة أن يعمل لها.

أجر العمل أفضل من حرمان القعود.

إذا قصَّر المؤمن في الجهاد عوقب واستُبْدِل به غيره.

حَسْبُ المجاهد ثواباً أنْ رضيه ربُّه لهذا الميدان.

في واقعة الهجرة العملية آيةُ ذلك ودليلُه.

لا عذر لقاعد عن نصرة الحق مهما كان، فإنما هو النفير العام.
وإليك بيان ذلك :

من الناس من أحاطت به ظروف جعلت عبء حياته على غيره، فهو في أمن ودعة وهدوء وراحة، ومنهم من أحاطت به ظروفٌ جعلته يحمل عبء سواه، فهو في كفاح دائم وفي نضال مستمر وفي عمل لا ينقطع. وكذلك الأمم في حياتها تتقلب بها الحادثات وتنتابها عواملُ الاجتماع، فهي أحياناً وادعةٌ هادئةٌ، وأحياناً كادحةٌ مجاهدةٌ، وإنما يحمل عبء الجهاد فيها أصحابُ الدعوات الخالصة والمبادئ السليمة ورجالُ الإصلاح الصحيح الذين آمنوا بوجوب العمل واعتقدوا ضرورة الحاجة إلى الجهاد، هؤلاء النفر من بناة الأمم ودعاة الحق ودعائم الإصلاح، لابد أن يجاهدوا ولا بد أن يستعدوا لكفاح طويل لا نهاية له، فإن حاجات الأمم أطول من أعمارهم مهما طالت، وعليهم ألا يُقَصِّروا أوْ يَنوا في أداء المهمة التي كان من حظهم أن يحملوا عبئها وينتدبوا أنفسهم للقيام بها.

وهم إذا فعلوا ذلك فقد أعد الله لهم أعظم الأجر لقاء هذا التعب، وهم إذا حرموا أنفسهم لذائذ حقيرة في حياة قصيرة، فقد أعد الله لهم في خلد جنته ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطرَ على قلب بشَر، فإن سَمَتْ أنفسُهم عن المعاوضات وجاهدت لأنها اعتقدت وجوب الجهاد ورأت في لذة العمل وفي سعادة النجاح وفي إسعاد المجتمع ثوابَ عملها وجهادها، فبها ونعمت ولن يضيع الله أجرها بل سيضاعفه لها، وإن كان ولا بد من معاوضة، فشتان بين ما يفنى وما يبقى وبين لذائذ هذه الحياة الدنيا ولذائذ الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، ولَموضعُ سَوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها.

فإذا أبى المجاهدون إلا القعود واستسلموا للضعف وسلَّموا الراية وخانوا الأمانة، فهناك العذاب الأليم والجزاء الوفاق، ولن يَدعَ الله الرايةَ بغير حَمَلَة، ولن يترك الدعوةَ بغير أنصار، بل يُديلُ الله منهم ويستبدل قوماً غيرهم، ويكون إثم المقصرين القاعدين الذين مَلُّوا العمل وسئموا الكفاح على أنفسهم، والضرر حائقٌ بهم، ولن يضروا الله شيئاً فإن الله هو الغني الحميد.

وعلى المجاهد أن يعلم أنه شرف عظيم وفضلٌ كبير أن يختارَه ربُّه لحمل أمانته ونصرة دعوته. ولو لم يكن له من الثواب إلا هذا التكريم، لكان فيه فوق الكفاية، فإن الله لا يختار لهذا الشرف إلا من أحبَّهم، وماذا يرجو مؤمنٌ بعد أن يكون لربه حبيباً ومن رسوله قريباً؟ فلْيشكر الله على هذه المنَّة ولا يرى لنفسه فضلاً في شيء: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) (الحجرات: 17).

ولقد تجلَّت قدرة الله العظيم واستغناؤه تبارك وتعالى عن الأسباب والمخلوقات في حماية أوليائه ونصرة أنبيائه وإظهار كلمته في مواطن كثيرة، منها يوم الغار: إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا صاحبه الكريم، يملأ قلبيهما الإيمان وتظلهما العقيدة الصادقة بجنود لا قبَل لأحد بها ولا سلطان لمخلوق عليها، فكان عاقبة ذلك تأييد الله ونصره لهما وخذلان أعدائهما، وردَّهم على أعقابهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً، وأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنوده وأعلى كلمته وأحبط مكيدة الكافرين. فانظر إلى هاتين العبرتين: صدْقُ عقيدة من المجاهدين، يقابله تأييد ومناصرة من رب العالمين، لا دخل فيه لأحد من المخلوقين. وهما صنْوان لا يفترقان أبداً: صدْقُ الإيمان، وفَخْرُ النصر.

وإذا كان ذلك كذلك، فمفروض على كل مؤمن أن يكون جندياً في سبيل العقيدة التي آمن بها يذود عنها، ويعمل لها، ويجاهد في سبيلها بنفسه وماله، ولا عذر لأحد في ذلك.

قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) (التوبة:41) فقال: أرى ربَّنا استنفرنا شيوخاً وشباناً، جهزوني يا بَنِيَّ. فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فَأَبَي فركب البحر ومات مجاهداً.

وشهد أبو أيوب الأنصاري مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عاما واحدا، وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً، وما زال رضي الله عنه المجاهدَ القويَّ، والجنديَّ الفتيَّ، حتى قَضَى ابنُ يثربَ وحليفُ الشيح والقيصوم وربيبُ الصحراء على أسوار القُسْطَنْطينية ونام شهيداً سعيداً قريرَ العين هادئ النفس على ضفاف البسفور.

وحدَّث أبو راشد الحرَّاني قال: وافيتُ المقداد بن الأسود جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمْص، وقد فَضُلَ عنه لسمَنه وعظَمه وهو يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت علينا سورة البعوث: (انفروا خفافا وثقالا).

وقال ابن جرير:

حدثني حبان بن زيد الشرعي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص إلى الجراجمة، فرأيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عمّ، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه فقال: يا بن أخي .. استنفرَنا اللهُ خفافاً وثقالاً ولم يعذر أحداً.

وقال ابن أبي نُجَيح عن مجاهد: انفروا خفافا وثقالا قالوا: فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره، فأنزلها الله، وأبى الله أن يعذرهم دون أن ينفروا مهما كانت ظروفهم وعلى ما كان منهم.

وبعد .. فإلى من يريدون تكوين الأمم على روح الجندية الصحيحة: هل رأيتم نفيراً عاماً كهذا النفير؟ فإن كنتم جادّين، فخذوا على هذا الدَّرْب، ودعوا العبث واطرحوا التجارب الفاشلة .. وأنتم أيها الإخوان المسلمون أسَمعْتُم نفيرَ الله في كتابه؟ إن كنتم جادين في دعوتكم فاستعدوا فما يومُ الجهاد ببعيد، (قل عسى أن يكون قريبا) (الإسراء: 51) وحينئذ احذروا أن تثَّاقلوا إلى الأرض، وأن تغفلوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.