الإخوان المسلمون والسلفية السرورية (الحلقة الأولى)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:١٢، ٢٢ مايو ٢٠١٨ للمستخدم Man89 (نقاش | مساهمات) (حمى "الإخوان المسلمون والسلفية السرورية (الحلقة الأولى)" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والسلفية السرورية (الحلقة الأولى)


إخوان ويكي

مقدمة

حظيت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها على العديد من الاهتمام في شتى المجالات لما ظهرت به من فكر جديد وأعمال واقعية جعلت الجميع يحللون كريزمة هذه الجماعة التي أصبحت أكبر وأقوي حركة إسلامية على الساحة الإسلامية، حتى دفعت العديد من المخابرات العالمية لدراستها أو محاربتها ومحاولة عرقلة مسيرتها خاصة بعدما برزت أهدافها التي تتصدي للفكر الاستعماري والتبشيري، والعمل على فهم الإسلام المعتدل وفق ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

لقد زاد من اهتمام الباحثين والسياسيين وغيرهم بهذه الجماعة ظاهرة خروج بعض الأفكار والجماعات من رحم الجماعة الأم – وإن كان بروز هذه الجماعات ناتج عن وجهات نظر لم تلتزم بخط الإخوان المسلمين ومنهجهم ووجدوا قصورا في بعض الجوانب لدى الإخوان أو تعصب للرأي على حساب المبدأ العام- والتي أضحت في مرمى الاتهامات من كل من اختلف معها في منهجها أو نصب لها العداء سواء حكومات أو جماعات أو أفراد.

ظروف نشأة الإخوان

منذ القرن السابع عشر تعرض العالم الإسلامي برمته للخطر الخارجي في صورة أعتى مما عرف في أي وقت مضى، فلقد عادت أوروبا مزودة بحضارة وقوة جديدة لتطوق العالم الإسلامي، وبدأ العالم الإسلامي يتهاوى ركنا بعد ركن ويتداعى بصورة غير مسبوقة.

فبعد احتلال دول شرق أسيا ومع القرن التاسع عشر جاء دور الشمال الأفريقي ممثلا في العالم العربي، فسقطت الجزائر وتونس ومصر والسودان، وفي نفس الوقت كانت روسيا القيصرية تتوغل في الدول الإسلامية الآسيوية حتى القوقاز وتخوم إيران، ومن الجنوب كانت دول أوروبا الغربية تكتسح الدول الإفريقية الإسلامية في تكالبها المشهور.

ولم تحمل السنوات الأولى من القرن العشرين خيرا للعالم الإسلامي، فقد شهدت هذه الفترة تسوية العديد من المنازعات بين الدول الاستعمارية، فكان الاتفاق الإيطالي الفرنسي في 10 يوليو 1902م، والذي كان بمثابة الضوء الأخضر لإيطاليا لتتقدم تجاه طرابلس الغرب وبرقة وتم الاتفاق الودي في 8 أبريل 1904م والذي كان أساسه تبادل مصر والمغرب وتسوية كل الخلافات الاستعمارية بين بريطانيا وفرنسا، ثم التسوية التي قامت بها بريطانيا مع روسيا في أغسطس 1907م بما يتعلق بفارس وأفغانستان والتبت.

ونتيجة للاتفاقيات الاستعمارية في هذه الفترة، تضيع ليبيا ومراكش والشام والعراق، وما لم يقع في قبضة الاستعمار من العالم الإسلامي خضع لضغوطه ونفوذه، بينما تقلص الإسلام في البلقان حتى كاد ينحسر عنه تماما. ومن كشف الخسائر هذا يتضح أن العالم الإسلامي بأجمعه قد سقط تحت طرقات الاستعمار عدا شمال اليمن وقلب الجزيرة العربية، لا لأنه مهد الإسلام بقدر ما كان لفقره. (1)

وكان رد الفعل الطبيعي أن تلتهب الحماسة الدينية حتى تصبح النبرة الإسلامية والدعوة لوحدة المسلمين هي الشعار المضطرم في طول العالم الإسلامي وعرضه، وصار تخندق حركات التحرر والكفاح وراء خط الدفاع الأخير – وهو الإسلام- أمرًا بديهيا، لا سيما وأن الإسلام نفسه كعقيدة تعرض حينذاك لحملات غير مسبوقة من التشهير والقذف من جانب المستشرقين وغير المستشرقين.

ثم تعرضت مصر بعد الحرب العالمية الأولي لمؤثرات ذات تأثير مباشر على تقاليد المجتمع، فقد وفدت مع الجيوش الأجنبية مجموعات غير قليلة من أجناس أخرى تخصصت في الترفيه عن الجنود، وباسم الترفيه انتشرت بارات الخمر ونوادي القمار ودور البغاء، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ورحل الجنود الأجانب، استمرت وسائل الترفيه منتشرة في أنحاء مصر تعمل عملها بين طبقات المجتمع المصري وذلك لاختفاء العنصر الذي قامت من أجله. (2)

وقد كان أثر هذه الأوضاع في نفس الإمام المؤسس حسن البنا بالغا - حيث يقول رحمه الله - في المؤتمر الخامس عام 1939م:

كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث ألهبت نفسي وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس...وقد حدد رحمه الله في موقف الجماعة من هذه الأوضاع فيقول "نعتقد أن كل دولة اعتدت على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملون متساندين على التخلص من نيرها".

ومن ثم فقد طالب أفراد الجماعة

"أن تبينوه للناس، وأن تعلموهم أن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال فضلا عن السيادة وإعلان الجهاد، ولو كلفهم ذلك الدم والمال، فالموت خير من هذه الحياة، حياة العبودية والرق والاستذلال. (3)

يكاد يجمع كل من كتب عن الجماعة على وصفها أنها "حركة إسلامية" وهذا هو الوصف الذي حرصت الجماعة على ترسيخه حتى صار مسلمة بديهية عند الأكثر الأعم من الباحثين، وقد كان هذا الوصف الذي أصر عليه الإمام المؤسس في كتاباته، وكذلك كتابها ومفكروها، ولكن يتبقى التعريف بمضمون هذا الوصف الذي ميز الجماعة عن غيرها.

يصف الإمام المؤسس دعوة الإخوان بقوله "دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها إسلامية"، وهذا ما تم إقراره في قانونها ونظامها الأساسي في مختلف المراحل، فنرى في بيان جماعة الإخوان عام 1937م تحت عنوان نظام الجمعية: "ولجمعية الإخوان المسلمين نظام إداري خاص بها أقرب ما يشبه به أنه مدرسة شعبية عامة منهجها كتاب الله ومبادئ الإسلام الصحيح". (4)

وكذلك القانون الأساسي للجماعة والذي تم إقراره بصورة نهائية في 21 مايو 1948م، وفيه "مادة (2) – الإخوان المسلمون هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف". وقد حرص الإمام المؤسس على تحديد ما هو مفهوم الإسلام الذي تريد أن تتحاكم إليه الجماعة؟ حيث يقول:"نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، ويفتي في كل شأن منها ويضع له نظاما محكما دقيقًا.

وقد حددت الجماعة المصادر الأساسية التي يتم فهم الإسلام من خلالها في النظر مباشرة إلى الأصول الأولى، فكان القرآن الكريم هو الكتاب الجامع المحدد لفهم الجماعة، جمع الله فيه أصول العقائد وأسس المصالح الاجتماعية، وكليات الشرائع الدنيوية، ويفهم القرآن الكريم طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مبينة الكتاب وشارحته، ويرجع في فهم السنة النبوية إلى رجال الحديث الثقات.

وعلى هذا الوجه فإن الإخوان يرون أن الإسلام كدين جاء لكل الشعوب والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في تفريعات الحياة الدنيوية البحتة، إنما يضع القواعد الكلية لكل شأن من الشؤون. أما بالنسبة للأفراد، فإن الجماعة تدعو إلى فتح باب النظر في أدلة الأحكام لمن توفرت فيه القدرة العلمية، وهي بذلك تنادي بالاجتهاد ولكن بشروطه المعتبرة عند أهل التخصص. وحتى لا تقع الأمة في الفوضى الفقهية ألزمت كل من ليس له قدرة الاجتهاد أن يتبع إماما من أئمة الفقه، إتباعا مبصرا، فيتعرف ما استطاع من الأدلة التي أدت إلى الحكم عند إمامه. (5)

وفي ظل هذه المرجعية الفكرية، كان دأب الإمام المؤسس أن يضبط ألفاظ الخطاب الإخواني في هذا الإطار، وكان يقظا لاختلاف المفاهيم في الساحة الفكرية فيقول

"قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد انك قد أوضحت كل الإيضاح وأبنت كل الإبانة، وإنك لم تدع سبيلا إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتها، حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء وجعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون، وما أشد دهشتك بعد قليل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك ولم يدركوا قولك".

ويذكر رحمه الله أن السبب في ذلك إما أن المقياس مختلف بين الأطراف المتحاورة أو أن القول في ذاته ملتبس غامض وإن اعتقد صاحبه أنه واضح مكشوف. وأمام ذلك حاولت الجماعة أن تصل إلى تصورات فكرية مشتركة مع الأفكار الأخرى، هذا من ناحية، وفي نفس الوقت أن تعيد تقديم الإسلام مستخدمة الألفاظ والمصطلحات السائدة، وذلك بعد أن تحدد مدلول هذا اللفظ بما لا يتنافى مع إطارها المرجعي.

لقد ورثت الأمم الإسلامية داء متشعب المناحي كثير الأعراض، فهي مصابة من ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها، والحزبية والخصومة والفرقة من جانب أبنائها، وفي ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها، واستيلاء الشركات الأجنبية على مواردها وخيراتها، وهي مصابة من ناحيتها الفكرية بالفوضى والمروق، والإلحاد يهدم عقائدها ويحطم المثل العليا في نفوس أبنائها، وفي ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها وأخلاقها والتحلل من عقدة الفضائل الإنسانية التي ورثتها عن أسلافها

وبالتقليد الغربي يسري مناحي حياتها، وبالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرما ولا تؤدب معتديا ولا ترد ظالما، ولا تغني يوما من الأيام غناء القوانين السماوية، وبفوضى في سياسة التعليم والتربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها ورجال مستقبلها وحملة أمانة النهوض بها، وفي ناحيتها النفسانية بيأس قاتل وخمول مميت وجبن فاضح وخنوثة فاشية تكف الأيدي عن البذل وتقف حجابا دون التضحية. (6)

أمام هذا الواقع الذي كانت عليه الأمة عامة ومصر والعالم العربي والإسلامي خاصة والذي مثل التحدي التاريخي والذي نشأت فيه الجماعة حيث وضعت شروطا لازمة للنهضة وعلى رأسها عودة المسلمين إلى إسلامهم كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر في ذاته هو جماع الشروط للنهوض بالأمة

فعملت الجماعة على إعادة بناء ثقة الأمة بالله وبدينها وبنفسها في مواجهة طغيان موجة الانهزام أمام الحضارة المادية، وإطلاق العنان للعقل للتفكر في أسرار الكون وإدراك حقائقه وسنة الله فيه، وجعل القلب المؤمن والعقل المفكر صنوان، و الاستقلال عن الاستعمار.

حرص حسن البنا على تربية أبناء الجماعة على التجرد والتضحية في سبيل أن يكون " الله غايتنا "، فيقول:

"إذا وقف المال حائلا دون هذه الغاية فإن الأخ المسلم الذي يهتف من قلبه "الله غايتنا" مستعد لبذل المال في سبيل الله، وإذا وقف الأهلون والأبناء حائلا دون هذه الغاية فإن الأخ المسلم الذي يهتف من قلبه "الله غايتنا" على أتم استعداد لمفارقة هؤلاء الأهل والأبناء في سبيل الله، لا بل لمجاهدتهم إن وقفوا في طريق دعوة الله، وإن نبت الأوطان بالأخ المسلم وقلاه أهلها وضايقوه في دينه وأخذوا عليه مسالك دعوته فهو مستعد لمفارقة هذه الأرض غير نادم عليها ولا آسف لفراقها في سبيل الله، وإذا ما احتاجت الدعوة يوما إلى الدماء قدم في سبيلها روحه ودمه، وما أرخصه في سبيلها من فداء. (7)

كانت هذه نظرة على جماعة الإخوان المسلمين وأهدافها وتاريخها، حيث ظلت على هذا المنهج الإصلاحي والإطار الفكري حتى وقتنا هذا بالرغم من تعرضها للمحن الشديدة والاضطهاد من الأنظمة الحاكمة بإيعاز من المستعمر الأجنبي.

السرورية

التيار السروري أو السلفية السرورية ويعرف أحياناً بـ التيار الصحوي، تنظيم أسسه، محمد ابن سرور زين العابدين، وهو سوري الجنسية من "حوران"، انتمى في بداياته إلى تنظيم "الإخوان المسلمين" إلا أنه انشق عنهم، بعدما وقعت خلافات بينه وبين قيادات الجماعة في سوريا وقتذاك، نتيجة خلافات في وجهات النظر، والرغبة في تأصيل مبادئ جديدة، فيما تشير تقارير أخرى أنه انفصل عن الجماعة بعد نكبة الإخوان المسلمين في الستينات التي تمثلت في الضغوط الأمنية على الجماعة.

وكان محمد سرور يعمل مدرساً في سوريا قبل اختلافه مع جماعة الإخوان في دمشق عام 1969م، حيث مال إلى جناح عصام العطار، المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سورية، ومنذ أعلن سرور انضمامه للعطار أصبح شخصاً غير مقبول من قيادات تنظيمه في حركة الإخوان المسلمين، فضلاً عن التضييق الأمني الذي قام به نظام حافظ الأسد على الجماعة، فكان القرار الانتقال إلى السعودية.

ثم خروجه من سوريا إلى السعودية، حيث استقر في أول قدومه في منطقة القصيم - وسط السعودية - التي تعتبر معقل الدعوة السلفية وبخاصة مدينة بريدة. وكان اشتغال سرور بمهنة التدريس عاملاً أساسياً ساعده على التعرف على أحوال المنطقة، حيث تعرف على ثقافتها وأمزجة أبنائها، وبدأ في بث أفكاره، التي حملت في كثير منها الفكر الثوري الجهادي، إلا أنها وبواقع الدراسة ثبت اختلافه بل وشقاقه عن السلفية الجهادية. (8)

وبرزت السرورية بشكل علني في أعقاب حرب الخليج، ويقول بعض المتخصصين أنها جاءت من خصوم التيار السروري، والمتضررين منه خاصة من تيار الإخوان المسلمين الذين رأوا في هذا التيار إهداراً لطاقات العمل الإسلامي، كما يعتبر بعض الخبراء أن "السلفية الجامية" تعتبر من أبرز من وقفوا وراء الترويج لهذا الاسم. انتقل سرور من السعودية للكويت وعمل في مجلة المجتمع ثم خرج منها لمخالفته لفكر المجلة ثم انتقل للعمل في لندن وأسس المنتدى الإسلامي الذي يصدر مجلة البيان وإنشاء مؤسسة أخرى تُصدر مجلة السنة.

بداية نشاط السرورية

بدأ محمد سرور نشاطه تحت عباءة السلفية، من خلال المعهد العلمي والجمعيات الخيرية في المملكة، وكان محاضرًا ومعلمًا لكثير من طلبة العلم، والذي يعتبر سلمان العودة، أبرزهم، فعزز لديهم فكرة الحاكمية. وتمثل خطاب الجماعة في بداياته بالأنشطة داخل المدارس السعودية، وعبر مراكزها الصيفية، وطغى على خطاب سرور آنذاك الأسلوب العنيف والتكفير، وشكل للجهاديين بؤرة فكرية ومنطلقا لأدبياتهم.

وكانت بداية تشكَّله (المعروف أيضاً بتيار الصحوة) في السعودية نهاية ستينيات القرن الماضي وانتشر بعدها بشكل تدريجي متسارع (عربياً) في السبعينيات والثمانينيات ليصل ذروته عقب حرب الخليج الثانية في التسعينيات.

ويربط الكثير من الخبراء نشأة هذا التيار وتمدده الواسع مع توافد قائمة طويلة من أبرز مفكري وعلماء جماعة الإخوان المسلمين في سورية ومصر إلى السعودية، كمحمد قطب، علي جريشة، سيد سابق وغيرهم الكثير (من مصر) مثل محمد سرور، علي الطنطاوي، سعيد حوي وآخرين كثر (من سورية)، توافدوا للتدريس في الجامعات والمعاهد العلمية إثر حملات التضييق والبطش التي تعرضوا لها في بلدانهم.

أَسَسَ هذا التيار لرؤية وتطبيق جديد من تطبيقات (السلفية المعاصرة)، تتمحور حول قضيتين مركزيتين؛ الأولى: الموقف المفاصل الفاضح لأنظمة الحكم العربية (الجاهلية) لكونها لا تطبق الشريعة، ومعارضتها بشكل علني وحدِّي. والثانية: نشر الوعي بالمخططات الغربية وتفاصيلها بما يخص المنطقة العربية عامةً والخليج خاصةً. بيد أنه طرأت بعض التغييرات في ممارسة هذه الأدبيات، وتحديداً فيما يخص أسلوب التعاطي مع الأنظمة الحاكمة بعد فترة التسعينيات وتجسدت في تقليل الصدام السياسي والفكري معها.

أبرز رموز هذا الفكر: سفر الحوالي، سلمان العودة وناصر العمر من السعودية، حامد بن عبد الله العلي من الكويت، صلاح الصاوي ومحمد عبد المقصود من مصر، على بلحاج من الجزائر، وآخرون منتشرون في أغلب البلاد (9).ويرى سرور أن "الجهاد" الشريعة الغائبة عن التطبيق في المملكة وكان ذلك مسوّغا لبدء التكفير ضد الحكومة السعودية. (10)

منهجية الفكر السروري

تنظيم السرورية تيار أسس وأنشأ في السعودية، ويعد اليوم من أوسع التيارات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي.تملك السرورية رؤية دينية واضحة لكثير من الأمور بخلاف التيارات الدينية الأخرى فهي ليست إعادة تأهيل للسلفية الجهادية

فالسرورية ربما تتقاطع مع الجهادية لكونها جمعت بين الحركية والسلفية لكن لا يعني ذلك أنها نسخة مجهزة للجهادية فلدى السرورية رؤية دينية واضحة لكثير من الأمور وهو ما يجعل بعض القضايا الفكرية التي تعتمد عليها تيارات السلفية محسومة لديها وبعضها الآخر قابل للنقاش كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ومفهوم الدولة والحاكم والمحكوم وغيرها. (11)

كان نشوء الفكر السروري في السعودية، والمنتسبون إليه ليسوا من جنسية واحدة فقط بل من مختلف الجنسيات لا سيما وأن السعودية أصبحت فيما بعد من الأماكن التي يقصدها العرب سواءً كانوا مدرسين أو عمال أو أي عمل آخر. كان الفكر السروري يجذب القواعد بأطروحات سيد قطب ومحمد قطب والأفكار الجهادية رغم أن الشيخ سرور نفسه عندما حدثت مجزرة حماة السورية طلبت منه قيادة الإخوان أن يعلن الجهاد ويعبئ القواعد

ولكنه رفض لأسباب معينة وكان الانفصال النهائي بين الطرفين، فتأسس التيار السروري على يد الإخوان السوريين بقيادة الشيخ محمد سرور زين العابدين، ثم انشق مرة أخرى الشيخ سرور وانفرد بقرار خالف فيه القيادة الإخوانية السورية بعدم الاندماج والعمل الحركي في المجتمع السعودي، فاستمر في اللقاءات والدروس بين السعوديين حتى تكون ونما هذا التيار الفكري الجديد وأصبح الشيخ سرور مرجعاً حركياً للشباب السعودي يجمع لهم بين كتاب الظلال وبين كتاب التوحيد. (12)

ويؤكد أن السرورية تيار إسلامي فكري موجود في العديد من البلدان العربية بجانب السعودية (التي انطلق منها هذا التيار)، وهذا التيار له محددات ومواقف متقاربة أو متشابهة، وأحيانا متطابقة حيال الكثير من القضايا الدينية، والفكرية، ولهذا التيار رموزه الفكرية والدعوية في المملكة، وهم ينطلقون في دعوتهم من خلالها، لكن يرفض القرني أن يسمي أيًّا من هذه الرموز أو يؤكد وجود علاقات شخصية أو أكثر من شخصية بينهم، لكنه يؤكد وجود علاقات فكرية بينهم أو ما يسميه بـ"التقاطع الفكري".

وفي دراسة تحمل عنوان "السرورية" نشرت مؤخرا يصنف الكاتب السعودي عبد الله بن بجاد العتيبي السرورية كتنظيم حركي استطاع السيطرة على كثير من المراكز الحساسة في الهيئات الدينية والخيرية والإعلامية بالمملكة، وتغلغل في المساجد والمدارس، مستخدما مجموعة من الأفكار والمناهج والآليات التي استطاع أخذها وتطويرها من فكر سيد قطب وأخيه محمد قطب الذي عاش في السعودية حتى وفاته، ومن التجربة الحركية الإخوانية.

الكاتب الصحفي واستاذ الادب الانجليزي في الجامعات السعودية (علي الموسى) استعرض في مقالة له عن تيار "السرورية" في المملكة وقال انها قامت على مبدأ "الحركة ضد السكون" وصورت لأنصارها أن المؤسسة السلفية التقليدية جامدة في نظرتها لمفهوم السياسة والبيعة فبثت في المريدين شحنة من لقاح الحركية. لكنها، ومثلما كادت أن تطيح بالمفهوم السلفي وبكامل عمدان المدرسة، وقعت في ذات الخطأ بأن كانت جرعة اللقاح التغييري أكبر وأكثر من الوصفة ولهذا اكتشف الجمهور أن صحويتها الفارطة بدأت تزلزل أساس العمارة.

وتابع الموسى

"ومثلما كدنا أن نشهد نهاية المدرسة السلفية بفعل الضخ الهائل لأدبيات السروريين في رسم صورة سلبية، فإننا اليوم نكاد أيضاً أن نشهد نهاية السرورية بذات الداء والدواء: جرعة السكون والحركة. تناوبت السرورية مشهد الحركة بين حركتين، فأخذت جل قواعدها الفقهية من السلفية من أجل النفاذ للمجتمع المحافظ والفوز بثقته وأخذت من الإخوان طابع التنظيم الحركي السياسي ولكن في مجتمع لا يميل كثيراً لركوب اللعبة السياسية. لم تكن السرورية حركة جديدة مستقلة وإنما كانت مزيجاً من ذات اللونين الموجودين وهذا ما ساعد أنصارها على التخفي طويلاً بركوب - اللون - حسب المرحلة. (13)

ظهر اسم "السرورية" بشكل لافت إبان حرب الخليج الثانية، على خلفية معارضة رموز الصحوة السعودية (سلمان العودة، سفر الحوالي، ناصر العمر)، لفتاوى الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت من الجيش العراقي، والمحسوبة على التيار السروري بحسب باحثين.

وجدت السرورية أرضاً خصبة في السودان بعد أن انتشر في الخليج. هناك من يتهم هذا التيار بالتطرف ويربط بين بعض أفكاره وبين حوادث عنف حدثت في السودان وهناك من يدافع عنه ويعتبره أحد التيارات الفكرية المعتدلة التي قد يسيء إليها بعض أبنائها ويتورط في أحداث عنف دون أن ينسحب ذلك على الأغلبية العظمى من المنتمين للتيار وتعتبر الرابطة الشرعية في السودان الواجهة المعلنة لهذا التيار.

المراجع

  1. بيير رنوفان، جان باتيست دوروزيل: تاريخ العلاقات الدولية 1805-1914م، دار المعارف، القاهرة، 1980، ترجمة دكتور جلال يحيي، صـ 641، 642.
  2. جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، كتاب الهلال، القاهرة، 1993م، صـ 175.
  3. حسن البنا، مجموعة الرسائل، دار الشهاب، بيروت، الطبعة الرابعة، 2004م- ص 150 - 184
  4. مجلة جريدة الإخوان الأسبوعية العدد (4)، السنة الخامسة 1356هـ/ 1937م.
  5. مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، رسالة التعاليم، دار الشهاب، مرجع سابق.
  6. عماد حسين محمد: مدرسة المنار بين التحدي والاستجابة، مجلة المسلم المعاصر، العدد 131، الثلاثاء, 31 آذار/مارس 2009م
  7. مجلة النذير، العدد (27) السنة الأولى، 1357هـ- 1938م.
  8. السرورية بالسين المهملة أو الشرورية بالشين المعجمة: عبد الحق التركماني، 3 يونيو 2015 على موقع واي باك مشين.
  9. محمد أبو رمان، الصراع على السلفية، ط 1 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،2016)، صـ 44.
  10. السلفية السرورية.. مزج بين فكر "ابن تيمية" وحركية "الإخوان" القطبية: بوابة الحركات الإسلامية، الخميس 4 ديسمبر 2014م.
  11. خالد المشوح: التيارات الدينية في السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، لبنان، 2011م.
  12. عمر العزي: الإخوان السعوديون .. التيار الذي لم يقل كلمته بعد، موقع العصر، 25 / 7 / 2004م،
  13. عبدالحي شاهين: (السرورية السعودية).. ظاهرة أم تيار فكري؟، الراية القطرية، الثلاثاء 14/9/2010م