طريقان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٤٢، ٢ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
طريقان

بقلم: الإمام الشهيد حسن البنا

فى مصر نهضة ويقظة ودور خطير من أدوار الانتقال ومصر فى هذا الدور على مفترق الطرق وبعد أن تنكرت دعوة الاصلاح فيها للفكرة الاسلامية حينا من الدهر أخذت تعود رويدا رويدا وتقترب من سياج الاسلام الميمون المبارك ولست بصدد أن أتعرض هنا لفكرة الإسلام العامة أو النهضة العامة ولكن أريد أن أتناول مظهر الاصلاح الاسلامى فى نهضتنا الحديثة وطريقى المصلحين الذين يدعون فى هذا البلد بل فى الشرق كله إلى الاسلام.

انقسم الدعاة إلى فريقين: فريق جعل الإسلام أساسا فعمد إلى الأصول الاسلامية يتفهمها والنظريات الاسلامية يدقق فيها وقواعد الإسلام الصحيح يستجليها ويخلصها مما شابها من آثار الحوادث والأيام وعماده فى ذلك كتاب الله وسنة رسوله وفقه السلف الصالحين وهم أعرف الناس بهذا الدين , جعل هذا أساسا يرتكن إليه وترتكز دعوته عليه ومقياسا يقاس به كل ما عداه من مظاهر النهوض وآثار اليقظة فإن اعترضته المدنية الأوروبية ومطالب العصر الجديد طبقها على هذا الأساس وقاسها بهذا المقياس فما وافقه أخذ به وما خالفه أخذه بالتحوير والتغيير والتهذيب والتشذيب حتى يعود صالحا لهذه القواعد متناسبا مع روح الاسلام وأصوله وقواعده فإن استعصى على التهذيب وأبى إلا أن يناقض هذه الأصول ويشذ عليها حذر الناس منه ونفرهم عنه وأبان لهم عن أضراره وذكرهم بقول الله تبارك وتعالى :

( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين)"آل عمران:149-150".

هذا الفريق من الدعاة أصاب كبد الحقيقة ودعا إلى الاسلام بحق وناصر دين الله ولم ينخدع ولم ينحرف ولم تلعب برأسه الزخارف والأهواء وهذا الفريق يقاسى عنتا وشدة ويجد أمامه عقبات ثقالا فإن التيار يعاكسه ولا يوافقه وموجة الشهوات تطغى عليه وريح الزخرف الباطل تهب أمامه نكباء فتحول دون السفينة والسير ويزيد ذلك عنتا أن قومنا –سامحهم الله- تفرقوا فى دينهم وأصيب كثير منهم فى أفهامهم فلبسوا الدين كما يلبس الفرو مقلوبا واختلط عليهم الأمر فلم يعرفوا ما يأخذون وما يدعون وكل حزب بما لديهم فرحون وكل فتاة بأبيها معجبة.

وهذا الفريق صابر محتسب مجاهد فى سبيل عقيدته , عامل ما وجد إلى العمل سبيلا فى مناصرتها لأنه لا سبيل إلى نهوض الشرق إلا بهذا الاسلام الذى جعله الله هدى ونورا وهذا الاسلام عقيدة أقرها كتاب الله وجعلها مهيمنة على النظم قوامة على الشرائع لا تحوير فيها ولا تبديل.

وهذا الفريق قليل قد يرى فيه الناس جمودا وقد يرى جفافا لأنه ينظر إليها بمنظار المتحلل الذى نسى المقصد الأسمى فى دين الاسلام ولكنهم مع هذا ماضون فى خطتهم متوكلون على ربهم شعارهم قول الله تعالى( وما لنا إلا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون)"ابراهيم:12".

وفريق ثان من رجال الدعوة إلى الاسلام أيضا أو ممن ينادون بهذه الدعوة طالت بهم الطريق وعز عليهم الوصول إلى الغاية ونالت منهم عقبات السير وأخذت بأبصارهم زخارف مدنية الغرب وغيرهم زبرجها وضعفت فى نفوسهم المنعة الاسلامية لتأثر ببيئة أو قلة محصول علمى أو بعد عن روح الاسلام الصحيح أو لغير ذلك من الأسباب فجعلوا مدنية الغرب أساسا يشكلون الاسلام على غرارها ويطيعون قواعده ونظراته وأحكامه فى قوالبها فما وافق هذه المدنية من الاسلام شادوا به وطنطنوا بفضله واكتسبوا بذلك عطف الجماهير ودعموا به ما ذهبوا إليه من الظهور بمظهر الذياد عن حمى الاسلام وما استعصى من قواعد الاسلام ونظرياته على هذه المدنية وأبى أن ينطبق على قواعدها وأصولها قسروه على ذلك قصرا وقهروه قهرا وزادوا فيه أو نقصوا وغالطوا أفهامهم وأفهام الناس معهم ووجدوا فى التأويل مندوحة –سعة- أوشبه مندوحة واتخذوا منه تكأة لما يريدون حتى يخرجوا من ذلك كله باسلام أوروبى, " أو بأوروبية شبيهة باسلام أو بعبارة أدق " ثم تكون نتيجة جهادهم هذا أن يحللوا كل ما جاء به الغرب بنوع من أنواع الفتاوى والتمحلات عماده التأويل والجورعن قصد السبيل.

وهذا الفريق يرى خدمة للاسلام ويدعى أنه يماشى بذلك روح العصر وأنهم هم العلماء العصريون بحق أليسوا قد أوجدوا اسلاما عصريا لا يتناقض مع مدنية الغربيين التى تغزو العالم الآن وتجلب عليه بذهبها وفضتها ونسائها ومتعتها وشهواتها لذائذها؟

وهذا الفريق يجد من ضعاف النفوس ومن ذوى الحظ القليل من البصر بدين الله من يصدق دعواهم ويحصر زعامة الدعوة الاسلامية العصرية فيهم ويسير على غرارهم ويظن أن هؤلاء هم رسل العصر الجديد لانقاذ الاسلام وأبناء الاسلام وتشريع الاسلام.

خذ مثلا: وقف هذان الفريقان أمام تشريع الاسلام فى الربا فأما الأولون فقالوا : حرم الاسلام الربا قليله وكثيره ودقيقه وجليله وأطلق التحريم فى ذلك فقال: ( وأحل الله البيع وحرم الربا)"البقرة:275", وقال : ( وذروا ما بقى من الربا)"البقرة:278", وقال: كل ربا حرام , وروح الاسلام تؤيد هذا التحريم وتنادى به , ومدنية أوروبا الاقتصادية قامت على غير هذه النظرة فنحن لا نعبأ بهاذا ولا نلين فى ديننا لنجارى خصومنا وعلينا أن نعمل حتى يؤيد الله كلمته وينصر دعوته.

وأما الآخرون فقد سلموا لهذه المدنية بنظرتيها وأخذوا يتلمسون التأويل لمجاراتها فاستتروا بالأضعاف المضاعفة تارة وبالفضل والنسيئة تارة أخرى وبالضرورة والحاجة مرة ثالثة وبغير ذلك من الألفاظ يدبرونها على غير وجهها ويقصدون بها غير ما وضعت له.

ومثلا آخر: تشريع الإسلام فى الحدود إنما بنى على عقوبة الفاعل وزجرغيره وهو لهذا يشتد ويقسو فى نوع من الجرائم لا يصلح فى علاجها إلا الشدة ولا يزجر الناس عنها إلا القسوة فيفتى بقطع يد السارق ورجم الزانى وجلده ويقول فى ذلك الآيات المعروفة وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد المخزومية ولم يقبل شفاعة وأمر برجم ماعز ولم يحاب فيه أحد.

والفريق الأول يرى أنه تشريع يجب أن يؤخذ كما هو وأن يطبق كما طبقه السلف من قبل ويعتقد أن فى ذلك صلاح الانسانية كما يؤيد ذلك الواقع فى البلاد التى تأخذ بهذا التشريع ولكن مدنية الغرب أخذت فى ذلك باللين نزولا على إرادة الشهوات ورياء لانسانية كاذبة خادعة فيريد الفريق الثانى أن يحابى هذا التشريع المدنى وأن يحاول التأويل والتعليل فيما أمرالله به وأخذه رسوله عنه.

وثم مثل كثيرة فيها مسلك الفريقين يؤيد ما قدمت لك.

فأما الفريق الأول فهو على نور من ربه أخذ بعروة وثقى لا تنفصم عراها ولا يخيب من استمسك بها فإن استطاعوا أن يقنعوا الناس فيها وإن استشهدوا فى هذا السبيل فنعمت النهاية , تحن إليها نفوسهم وتشتاقها أرواحهم وقد أدوا الأمانة وصدقوا الله عهده.

وأما الفريق الثانى فقد خدع عن حقه وغلب على أمره وإنك لتراهم يسرون اليوم فى طريق فإذا رجعت عنه مدنية الغرب رجعوا خلفها وحوروا ما وضعوا من أصول ونقضوا ما أسسوا من قواعد فهم كل يوم أمام أساس جديد وإن مدنية أوروبا الآن تتحطم أصولها وتتهدم قواعدها وتنتقض على نفسها ويتبرم بها أبناؤها وهذه نظراتها السياسية قد هدمت بأيدى الدكتاتورين ونظراتها الاقتصادية قد حطمتها تلك الأزمة الخانقة التى يرزح تحت عبئها الناس ونظراتها الاجتماعية قد عبثت بها المبادىء الجديدة المتطرفة من نازية وشيوعية وفاشيستية , وضج من هول آثارها الفلاسفة والمصلحون فماذا يريدون سادتنا المتعبدون بمدنية الغرب بعد ذلك؟

يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به واجعلوا الاسلام والاسلام الصحيح اسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغر الميامين أساسا لنهضتكم فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض.