الميثاق الإسلامي في لبنان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٥:٣١، ١٠ مايو ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الميثاق الإسلامي في لبنان


مقدمة

علم-لبنان.jpg


يقول الله ـ تعالى ـ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

فالوسطية سمة جعلها الله ـ تعالى ـ لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهي صفة تلازمها، والغاية منها فهم الدين فهماً يتناسق ويتماشى مع العصر الذي تعيشه الأمة، دون إخلال في الأصول، أو إهمال للفروع.

وكما أن الوسطية بمعناها العام للأمة مطلوبة، فمن أخص مطالبها اليوم تتحدد بالدعوة؛ لأنها رأس هذه الأمة، وعماد قيامها، وسبب وجودها.

فالدعوة في هذه الأمة أساس ثابت ومتين، لا تكاد تنفصل عنه، ولا يمكن أن تكون هذه الأمة إلا بالدعوة، ولقد جاءت آيات كثيرة في القرآن تحرض على الدعوة: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125].

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ} [يوسف: 108].

إنها ليست تطوعاً يتقدم به صاحب دعوة، إنما هو التكليف؛ التكليف الصارم الجازم، الذي لا مفر من أدائه، فالله من ورائه!

وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس؛ إنما هو الأمر العلوي الذي لا يمكن التفلت عنه ولا التردد فيه.

وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد.. إنها تكليف وواجب، وراءه الهول، ووراءه الجد، ووراءه الكبير المتعال!

فـهـو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبْلُغُه هذا الأمر ثم يعصي. بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ[1]، فلا يمكن التملص من هذا الوعيد إلا بالجد الدائم والعمل المخلص المتفاني والمستمر.


• عمل يوجبه الارتباط

الأمة ترتبط ارتباطاً عضوياً بالدعوة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن الفقهاء يوجبون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوباً لا فكاك منه أبداً، فهذا الطحاوي ـ رحمه الله ـ يبيّن أن الفاسق من المسلمين «واجب علينا منابذته، وترك إقراره على ما هو عليه من فسقه حتى نزيله عنه إلى الواجب عليه بالشريعة التي هو من أهلها»[2]، فهذا حق واجب على المسلمين بالأمس واليوم والغد، لا تبدّله الأيام والعوادي.

ويحدد الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله تعالى ـ حكمها فيـقول: الأدلـة مـن الكـتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ وأنها من الفرائض. والأدلة في ذلك كثيرة، منها قوله ـ سبحانه ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ومنها قوله ـ جل وعلا ـ: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.[النحل: 125]

وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة، فإن كل قُطْرٍ وكل إقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها، فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الواجب، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة، عملاً صالحاً وجليلاً.

وإذا لم يقم أهل الإقليم، أو أهل القُطر المعين بالدعوة على التمام، صار الإثم عاماً. ولئن كان الكثيرون اليوم قد تخلوا عن هذا الواجب فإن المهمة مضاعفة على الدعاة؛ لتردي أحوال الناس، ولقلة الدعاة، ولقلة الفقه والعلم.


• المنهجية الدعوية

المنهجية الدعوية تأبى الفردية، وتأبى الانزواء خلف قضبان النفس والأهل والولد، بل تنطلق لتكمل المسيرة، وتترقى في سلم الصعود لتدرك المعالي والمعاني ذات الإسناد العالي الذي يضيء الدرب للناجين من وهج الصحراء القاحلة، والسائرين إلى أعالي الجنان.

إن المنهجية الدعوية تتأصل من خلال الكتاب والسُّنة وفِقه السلف الصالح، ثم من الفقه المقتبس من صور العاملين الأوائل، ومما كتبوه منثوراً بين ثنايا صفحات الكتب، إنها جذور أصيلة في هذه الأرض الطيبة المعطاء دائماً.

في الخطاب الدعوي سنركز على عدة قضايا قد تكون من أساسيات منهج الوسطية في الدعوة:


1 ـ ضرورة تفقيه الداعية قبل البدء بممارسة الدعوة

بـوّب الإمـام البـخاري ـ رحـمه الله تعالى ـ في كتاب العلم مـن صحـيحه (العلم قبل العمل) لما للعلم من مكانة في ميزان هذا الدين.

فالفقه والعلم من أساسيات الواقع الحاضر ومتطلباته، خاصة بعد تشابك الأمور، وتعقّد القضايا، وتوسيع رقعة الدعوة، وكثرة شياطين الإنس والجن، وتعدد الواجهات والرؤى، وادعاء كل صاحب هوى بحق ليس له.

في هذا الزمان الذي تحتاج الدعوة فيه إلى جهود أبنائها وسواعدهم، تجد الكثير من الدعاة يتقاعسون عن أداء هذه المهمة التي ترفع من شأنهم، وتعلي مكانتهم، وتبصِّرهم في دينهم ودنياهم؛ فنراهم يزهدون في العلم والتعليم، ويمكثون الليالي والأيام يتسامرون، ويخرجون في نزهات يمكثون الأيام الطوال، ويقصِّرون في أمر مهم مثل هذا، مع وجود الوقت والمكان، ووفرة طلاب العلم وأهله، وكثرة الكتب والمراجع في كثير من المكتبات والأماكن العامة اليوم.

أو تجدهم يضيعون أنفسهم وأوقاتهم بأمور سياسية تافهة يظنون أنها هي الأساس وهي المهمات العلا، وهذا من قلة الفقه في الدين، وقلة الفهم في الموازين الشرعية، وضياع الحرقة العامة والهم العام في قلوبهم.

والعلماء قديماً وحديثاً لا يزالون يفتون بعدم جواز الإنكار إلا لمن فقِه الموازين الشرعية والسنن الإلهية، وكان بصيراً في الدين وعالماً بالواقع.


هناك أمور وقضايا ومسائل لا بد للدعاة أن يحوزوها، هي خير لهم من الجلوس للحديث والمسامرة، ومضيعة الوقت، فضلاً عن أنها من الواجبات التي أضاعها الكثيرون باللهو واللغو، والتفريط والإهمال. من هذه القضايا الهامة:

ـ العكوف على كتاب الله ـ تعالى ـ لزاماً، يقرؤه ويتدبره، ويطالع كتب التفاسير، كتفسير الطبري وابن كثير ونحوهما.

هذه المطالعة مهمة جداً خاصة في أول الطلب، وهي من المنجيات في وسط الطريق وعند تكالب الفتن واحتدام السيوف، وقد قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: «من عرف كتاب الله نصاً واستنباطاً استحق الإمامة في الدين»[3]، وليس المعنى هنا أن يطالع بلا تدبر، ولا اجتهاد، ولا فهم، ولا بصر بعين ناقـدة في التفاسيـر؛ بـل لا بد من تلك العين؛ لأن «من اقتصر على اتِّباع أقوال المفسرين كان مقلداً، ولم يكن عارفاً»[4].

ـ ثم ينحو إلى تدبر سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسير الأنبياء من قبله، والنظر في سير أصحابه، وخاصة الكبراء منهم، ومحاولة تقليدهم والنهل من منبعهم الصافي؛ فإن الصحابة قد اكتسى كلامهم وفعلهم نوراً من ربهم، قصّر الخلف أن يأتوا بمثله.

ـ الابتعاد عن الخلافات غير المجدية والعديمة الفائدة، والارتفاع عن الخصومات الجانبية والنــزاعات المذهبــية التــي لا طائل تحتها.

ـ التوغل في مسارب الحديث النبوي الشريف، والإبحار مع (فتح الباري) لابن حجر، وتراجم البخاري في مقدماته، مع لفتات النووي في شرحه لمسلم.

وقد يقول قائل: أكُلُّ هذا لأجل داعية؟ وأقول: نعم! فإن الفتن والمحن والمصائب، وتورُّطَ الدعوة والدعاة، وسير الدعوة في منازل الفتن والأهواء؛ كان سببها قلة الفقه والعلم الشرعي، بل ومحاربته من بعضهم! فإن العلم عاصم، والعلم من متطلبات العمل بالإنكار.

وقد يجرنا هذا إلى التصدي والتفكير جدياً في إنشاء كلية دعوية جادة تعلّم الدعاة كل ما يحتاجونه من علم دعوي وفقه في الواقع، وقد يتنبه بعضهم إلى أهمية تفقيه الدعاة؛ فيبدؤون بتعليمهم منذ نعومة أظافرهم. إنها حاجات ماسة وهموم صاعدة نأمل أن يقوم بها بعض الأخيار ليعينوا الدعاة على تجاوز المهمات من الأمور.

وعـدم سؤالنا عن معتقد الناس تفتيشاً وتنقيباً، إنما يجعلنا في راحة نفسية نتعامل من خلالها مع الناس بما نراه، فتكون نفوسنـا منـشرحة، بعكـس ما لو تعـامـلـنا بخـبث طوية، وتـدخـل للتـعــرف عـلى بـواطـن الأمـور، فهـذا فـي الأصـل مما نُهينا عنه شرعاً، ويتعبنا واقعاً، ثم هو ينفّر الناس عنا وعن منهج دعوتنا وهم شريحتنا المستهدفة! فالتساهل مع الناس ـ والمصلين منهم خاصة ـ والتبسط معهم، والعيش داخل مجتمعاتهم ومجالسهم، إنما هو سُنَّة نبوية قديمة.


2 ـ هل الطاعة للقيادة، والولاء للدين؟

وتلك قضية هامة في التصور الحركي للدعوة الإسلامية الحديثة، فإن معظم الجماعات العاملة تربي أبناءها على الطاعة المطلـقة لقـيادتها، دون نـقاش لأي أوامر تصـدر، ولا مجادلة؛ كأننا في قاعة عسكرية! وفي هذا ضمور للفكر القيادي الإبداعي، وضمور للشخصية القيادية التي ستسود. فلنحذر مثل ذلك حتى لا تزلّ بنا الأقدام.

إن الأصل الذي يجب أن تنطلق منه الدعوة الإسلامية هو أصل الدين الذي لا ينبغي تجاوزه بحال، وهو أن الطاعة التامة دون تردد إنما تكون لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتأتي طاعة الآخرين تبعاً لهذه الطـاعة، (إنما الطـاعة في المعروف)، وما أوامر القيادات إلا محض اجتهادات، فعليها ألاَّ تضيق ذرعاً ولا تحجر على المخالف الإدلاء بالرأي، بل الأَوْلى أن تطلب هي الرأي والمشورة وتتدارس الأمور.

والدين هو أساس حركة الفرد والمجتمع، وينبغي أن يكون في حس المسلم هذا الشعور، فلا تعلو طاعة امرئ على طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا هو الأصل الذي ننطلق منه، وعندما قال عمر ـ رضي الله عنه ـ للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المعروف عن الإيمــان، وفـي الروايـة الأخرى «عبد الله بن هشام» قال: «كنا مع النبـي - صلى الله عليه وسلم - وهـو آخذ بيـد عـمـر بـن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء؛ إلا من نفسي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك! فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الآن يا عمر»[5]، فيجب على الدعوة أن تربي أبناءها على الطاعة والولاء لهذا الدين، والانتماء إليه، وحب الطاعات؛ وقبل كل شيء حب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد عالج ابن القيم هذه المسألة في كثير مما كتب.

فينبغي أن يعرف الجندي والقائد أن التربية على هذا الحب هي الضمان لاستمرار الدعوة بأجيالها المتعاقبة، وقياداتها الواعية، وأنها أساس التعامل في ظل هذه الدعوة، بل إن الطاعة تنبع من العمل في ظلها، والتفيؤ ببركتها.


3 ـ القبول بجهود المسلمين وإن قلّت:

إن جهود العاملين في حقل الدعوة كله خير وبركة ونماء؛ تلك مسألة. والأخرى أن بعضنا يريد من الآخرين الكمال الذي حجبه الله عن كثيرين. إن دعوتنا قد تآكلت وقضى الأعداء على كثير من الخير، والعدو الداخلي والخارجي لا يزال يتربص بنا الدوائر، ونحن نعيش في سذاجة وغفلة عارمة.

ومع كل ذلك لا نزال يحارب بعضنا بعضاً، بحجج نظنها شرعية. حدّثنا بعض العاملين في العمل الخيري بأن بعضـاً منهم لا يقدِّمون يد المساعدة إلا لمن سار على منهجهم، بل إن بعضهم يمتحن الناس في عقيدته حتى يقدم له كسرة خـبز، كأن الخـير محـصـور في فـئـة خـاصـة مـن المـسلمين! إن الخـير ينبـغـي أن يـبلـغ كل أهل الأرض ليعرفوا أي نمط من الناس نحن.

لقد جلست أتبصر في أقوال المحدثين كثيراً، عندما يتكلمون عـن أصحاب البدع، فلم تمنعهم بدع هؤلاء مـن الأخـذ عنهم، ولم يضيعوا خيراً كثيراً مغموراً فيه شر.

وللذهبي أقوال تسطّر بماء الذهب، منها ما ذكره في السير: في القبول بآراء بعض العلماء على ما يشوبهم من مآخذ:

قـال ابـن فضـيل: عـن سالم بن أبـي حفـصة: سـألـت أبا جعفر وابنه جعفراً عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم! تولَّهما وابرأْ من عدوهما، فإنهما كانا إمامَيْ هدى». كان سالم فيه تشيع ظاهر، ولكنه يعرف الفضل لأهله[6].


4 ـ الإبداع في وسائل الدعوة:

إن الطرق التي نراها اليوم إنما هي تقليدية، وقد يكون غيرها بالياً لا يجدي. السيرة ملأى بالأحداث التي تدل على أصالة المنهج الإبداعي في وسائل الدعوة والتعامل في ظل هذه الحياة الدنيا. فحادثة الخندق التي برع فيها سلمان الفارسي، واستعار ميراثه بعد إعمال الفكر، دليل على تغيير نمطية التفكير.

وينتصب لنا خالد بن الوليد في مؤتة مثالاً صارخاً ودليلاً نافذاً قوياً في تغيير نمطية التفكير، وفي التفكير الإبداعي الذي طرأ على الموقف، فحوَّل الهزيمة نصراً، وهو لم يستخدم أكثر من الإمكانيات المتاحة، وهنا يقفز التفكير الإبداعي الذي وظف هذه الإمكانيات اليسيرة، وخدع العدو، واستطاع أن ينقذ الجيش ويحافظ على العنصر الإسلامي من القتل أو التشريد، وتلك قدرة هائلة في التفكير.

ليس الإبداع أن تأتي بالجديد فقط، بل قمة التفكير الإبداعي يكمن في توظيف الخامات المتوفرة لديك توظيفاً جيداً، يستطيع الداعية الاستفادة منها في كسب أنصار لدعوته، أو لِصدِّ عـدوان عليـها، أو لشرح مفهـوم مـن مفاهـيـم هـذا الـديـن، وما رسالة الشافعي إلاَّ نمط إبداعي متجدد في التفكير الفقهي، وما فعله يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ مع إخوته في الصاع ليس إلا نمطاً من هذا التفكير الإبداعي.

ولو تصورنا أن كل داعية رسم على ورقة مشروعاً دعوياً جديداً واحداً، ثم وضعت هذه المشاريع في كتاب ونشرت، والبلد الآخر يعمل هذا؛ أفلا يكون في يدنا الكثير الكثير من المشاريع الدعوية؟!

والإبداع لا يحتكره أحد، فلماذا نظل في طرق تقليدية أكل الدهـر عليها وشـرب؟! فما صـلح بالأمس قد لا يصلح اليوم، وما نجح في بيئة لا يعني أنه قد ينجح في بيئة أخرى! فالتفكير الإبداعي وطول المكث تفكيراً، والتعرف على إبداعات الآخرين، ومدارسة طرق تفكيرهم، ودمج كل هذا وغيره بتراثنا قد ينتج لنا كمّاً هائلاً من الطرق غير التقليدية في الدعوة إلى الله.

ولو استطاعت المناهج التربوية الدعوية إدخال علوم الإبداع والتفكير الناقد، وحل المشكلات، وغيرها من العلوم التي سبقنا بها الغرب، لكان نفعاً للإسلام، ودفعاً وتجديداً لحيوية الدعاة.


5 ـ نشر الحماسة والرقائق بين الناس :

الحماسة والرقائق من أشد المتطلبات الدعوية في عالم غلبت عليه الماديات، والشهوات فيه أصبحت تُحرك الكثير من المجتمعات. ومجتمعات الدعاة لن تظل مجتمعات راكدة، يعيش فيها الداعية دون أن يتأثر بالمحيط الخارجي، فهذا لا يمكن؛ لأن النفس البشرية تؤثِّر وتتأثر، تلك طبيعة بشرية عامة، ونحن لسنا بدعاً من الناس، بل نحن وسط مجتمعاتنا التي فيها الغث والسمين. وما من شك بأن وسائل الإعلام لها الأثر السيئ الكبير في تربية الناس وصقل تفكيرهم، وتوجيه رؤاهم، وللحكومات وسائل تربوية تليق بها، وللتوجهات السياسية الأخرى منهج تربوي طويل، وكل هذا يصب في صالح التربية الفكرية الزائغة، أو التيار الشهواني العارم. ومن هنا، ومع غياب الإعلام الهادف، ومع ضعف المناهج التربوية الحركية اليوم، ومع ضعف الداعية في التوجيه والإرشاد، ومع الملاحقات والمطاردات، تبدو الحاجة ماسة إلى هـذه الرقائـق التـي تـرطـب القـلب وتؤنسه بالحـب لله ـ تعالى ـ والعيش مع سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

والقلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وتتلوث من أثر دخان هذه البيئة التي فيها الخَبَثُ الكثير، فتأتي الرقائق لتصقل القـلب، وتحـرك الوجـدان، وتـرفع الإيمـان فـي النـفـوس. ولا نعنـي بالحماسة تلك الحـماسـة الوقتية الفائرة، ولا الإيمان البارد الذي سرعان ما يخبو، بل نعني الحماسة المدفوعة بوعي، والإيمان النابع عن يقين. وحتى نضمن سلامة انطلاقتنا، ونأمل أن تأتي الحركة ثمرتها لا بد من الانتشار في المساجد، والمدارس، والأسواق... لنشر هذه الرقائق العالية المستمدة من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وفقه الصحابة، وفهم السلف الصالح وتعاملهم السني مع الواقع ومع الرقائق.

وما من شك بأن الحركة الإسلامية اليوم، مطلوب منها وواجب حق عليها أن تبدأ البحث، بجدية صارمة لا هوادة فيها، عن وسائل نشر مثل: المجلة، والجريدة، والشريط، والقرص الحاسوبي، وفوق هذا كله أن تبدأ بوضع الخطوط العريضة القابلة للتنفيذ لإيجاد باقات قنواتية تضارع هذا الإعلام العربي والغربي الذي سطا على العقول والقلوب. فمهمة الحركة اليوم مضاعفة، وواجبها صار أكبر من ذي قبل، وقد نقعُ بالإثم جميعاً إن لم يتحرك التجار المسلمون، والإعلاميون الجادون لإيجاد هذه البدائل الحيوية الهادفة، فإلى متى يظل الدعاة والإسـلاميـون بهـذه السـذاجـة وهـذا التسـطيـح، والعمل فيما لا طائل تحته؟!


6 ـ استمرارية الحوار الداخلي:

لا يــزال الحـوار بين قطاعات الحركة الإسلامية مقطوعاً، ولم يعطَ الأولوية في التعامل، بل نحن قد نطالب بالحوار مع من يخالفنا المعتقد والمذهب، ونضيق ذرعاً بالتحاور بيننا، كأننا نمثل (الإخوة الأعداء)!

إن الحوار الداخلي، وعَرْضَ أمورنا على طاولة التشريح، ونقد بعضنا بعضاً، طرقٌ كفيلة بتعويد الدعاة تقبُّل الرأي الآخر، مع ما في هذا الأسلوب من تصحيح مسارنا ولفت انتباهنا إلى أخطاء قد نقع فيها، مع استمرار عظم العمل الإسلامي وتشعبه.


7 ـ معرفة الأولويات والبدء بالأهم، والدعوة انطلاقاً من معرفة البيئة:

وتـلك مسـألة مـن أهـم مسـائل الدعـوة وأخطرها وأدقها، ولا يفقهها أو يدركها إلا فقيه، آتاه الله ـ تعالى ـ حكمة وعلماً، وعدم معرفتها وفهمها حق الفهم قد يودي بالحركة الإسلامية إلى طرق وعرة مسدودة.

إن الداعية فقيه، وهو لا ينبغي منه الخروج عن أعراف الفقهاء. فالفقيه عندما كان يفتي كان ينظر إلى البلد وإلى أعراف الناس، ولهذا تعددت الإجابات، ويظن الجاهل أنها متناقضة فيسارع في غضب إلى اتِّهام الفقه والفقهاء، وما علم أن هذا الاختلاف هو دليل واضح على سعة هذه الشريعة، وعلى استيعابها لحاجات الناس وتغيير عوائدهم المتجددة.

ومن هـنـا نــقـول: إن الدعـوة لا ضــيـر عليــها ـ إن شاء الله ـ إنْ احتذت بهؤلاء الفضلاء، وسارت على هذا النهج؛ فهو النهج الصائب إن شاء الله.

وما فتئ العلماء المجتهدون يلحّون في تبيين هذه الخطوة المهمة، ويطيلون النَّفَس في توضيحها وتبيانها للناس.

فتغيُّر أعراف الناس يغيِّر الفتوى، بل تحرم الفتوى بغير العادة، كما ذكر القرافي؛ رحمه الله. فإذا كان ذلك في النصوص فهو في الاجتهادات أوْكد. وتأتي مسألة الحركة والدعوة لتؤكد هذه المسألة تأكيداً فقهياً وتجاربياً، فالتجارب أعطتنا مزيد علم بأصالة هذه القضية وأهميتها على المستويين الحركي والفردي.

وهذا يؤكد على قضية ملحة لا بد من استيعابها لدى الدعاة، وهي أننا قبل أن نبدأ بالدعوة والحركة علينا مهمتان:

الأولى: دراسة البيئة الدعوية ومدى ملاءمتها وصلاحيتها:

وهذه الدراسة تتأكد عند خروج الحركة من بيئتها لتبدأ الدعوة في بيئة أخرى قد تخالفها كل المخالفة، كالدعوة في بلاد الغرب مثلاً، أو في تركيا، أو في بلاد البلقان، أو حتى في بعض الدول الإسلامية الأخرى؛ كأندونيسيا، وماليزيا، وغيرها.

فهذه البيئات قد تكون بيئة صالحة للدعوة ولنشر الدين، ولكن لعدم معرفتنا بها: تاريخاً، ومجتمعاً، وعادات، وتقاليد... إلى آخر القائمة، قد نخطئ في التقديرات والحسابات، فتأتي دعوتنا نتيجة معكوسة، وقد نتسبب في شل الحركة ومحاربتها.


والثانية: التكميل والتعويض:

من هنا علينا أيضاً دراسة الأفراد الذين نتوجه بالدعوة إليهم، لنرى: أين يكمن الخلل؟ وقد أطال الداعية (محمد الراشد) النَّفس في هذه القضية في كتابه (المسار في فصل فنون التجميع) وهو ـ فيما أحسب ـ فصل جيد في أمثال هذه المسائل والقضايا.

والحركات الإسلامية مدعوة إلى أن تدرِّب دعاتها المبعوثين على وسائل الدعوة وطرقها في البلاد التي يذهبون إليها، وتدرِّس تاريـخ المنطـقة بعـناية، وألاّ يُبعث إلا من يوثق بعلمه وفقهه. أما أن يذهب الدعاة هكذا دون توجيه وعناية فسيكون مردوده سيئاً، خاصة أن الدعوة الإسلامية ليست إغاثية بحتة، بل الجانب الدعوي شامل عام فيها.


8 ـ نشر الدعوة انطلاقاً من المساجد:

فالمساجد وضعت للعبادة وللتشاور، ونحن عندما ننطلق من هذا المكان إنما نرجع إلى الأصل الأول والمكان الذي انطلقت منه دولة الإسلام، لهذا كان لزاماً على الدعوة أن يكون لها لبث في المساجد تفتح به حلقات القرآن، وتعلِّم الفقه والحديث، وتكون حركة فاعلة في المسجد تدفع بعجلة التحرك للمجتمع.

إن المسجد مفتوح للدعاة، فلا بد من العودة إليه، وتجديد دوره الحضاري الكبير.

وبعد:

هـذه ملاحظـات قفزت إلى العقل أحببت أن أدونها خوفاً علـيها مـن الضياع، راغباً إفادة أخوتي الدعاة وقد تتفق معـي ـ أخي القـارئ ـ وقد تخـتلف، ولكن هذا الاخـتلاف لا يخرجنا عن أدب الإسلام، وعن حب الخير وعن الحصافة، فـتكون لك (بلقـيـس) قدوة، حـين رأت الكتـاب فـبادرت واصـفـة كـتـاب سليمان ـ عليه السلام ـ بأنه كتاب كريم قبل أن تقـرأه، ولا تكـن ككسرى عظيم الفرس الذي مزّق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحرم نفسه والناس من فائدة عظمى.

إن هذا الميزان يدعوك للنظر في ما تقدم نظر تجرد وموضوعية، فتأخذ ما تراه نافعاً وتزيد عليه، وما كان غير ذلك فلك كل الحق ـ بل هو مطلب ـ أن تقوم بنقده على صفـحة من صفـحات المطبوعة. وما هي إلاّ محض اجتهادات يسوغ الخلاف فيها، وليس من الحق أن تسكت على خطأ أو ضلال؛ بل سارع وناقش وحاور؛ عسى أن تكون هذه الأفكار مدعاة لنا للتناصح والتشاور وتصحيح مسارنا مستقبلاً.


الهوامش

[1] ظلال القرآن: سيد قطب، سورة الجن.

[2] تحفة الأخيار بترتيب مشكل الآثار للطحاوي: (1/331).

[3] تهذيب الغياثي (غياث الأمم في التباث الظلم) للجويني، (هذّبه محمد أحمد الراشد)، ص 141.

[4] المرجع السابق.

[5] صحيح البخاري، كتاب: الأيمان والنذور.

[6] سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 402.