أمتنا في مواجهة التحديات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أمتنا في مواجهة التحديات

رسالة من الأستاذ محمد مهدي عاكف - المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.. ؛

وبعد

إلى كل مسلمٍ في أي بقعة من بقاع الأرض نسطر هذه الرسالة دونما تفريقٍ بين حاكم ومحكوم..

أو بين عربي وعجمي.. أو بين مهتد وعاص.. أو بين ظالم ومظلوم، ليس تناسيًا للحقوق وإنما تذكيرًا بأمانة عقيدة "إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً" (الأحزاب:72)، ودعوة ليقف كل مسلم على حقيقة التداعي "تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها"، يوم قالها إمام الأمة محمد- صلى الله عليه وسلم- سأله صحابته الكرام "أَوَ من قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله" فأجابهم وكأنه ينظر إلى واقعنا اليوم:

"لا.. إنكم يومئذ كثيرٍ ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل".

ومن هذا الواقع ننطلق ليرصد مداد القلم معانٍ للألم حيث سادت "الغثائية" واقع المسلمين، فهان الدم واستباح الأعداءُ الأرض منتهكين كل حرمةٍ للمقدسات والأعراض.

"أَكَلة" حذَّر من طغيانهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دون أن يرى ملامح قوى الشر تقود جزاري العالم صوبَ الذبائح المسلمة حاملين نصلاً صهيونيًّا لا يُشبع نهمه إلا الدماء المسلمة والنحور الموحِّدة.

"أَكَلة" يتسترون تحت أستارٍ نسجوها من قوانين الجوْر التي أفرزت منظمات وهيئات وكيانات تُشِّرع لهم قلب الحقائق، وإضاعة الحقوق، والبغي على أوطاننا تحت دعاوى التحرير تارةً والإصلاح ثانية ونشر الديمقراطية تارةً أخرى، وفي كلٍّ تخرج قوى الشر حاملةً في يدها قرارًا للأمم المتحدة يُجيز لها سرقةً تحملها يدها الثانية.. وفي كلٍّ يمنح مجلس الأمن قوى الشر صكَّ الغفران من "ذنب" ألوف الآمنين الذين يسلمون الروح بفعل آلتها الوحشية "للديمقراطية"!

وفي كلٍّ تُسارع مفوضية الاتحاد الأوربي للإعراب عن إيمانها بدور تحالف قوى الشر العالمي للقضاء على الإرهاب المزعوم الذي تبثه الأوطان الإسلامية عن طريق الرافضين للاحتلال، والمقاومين للذل!!.

سقوط الأقعنة..

إن الإخوان المسلمين لا يرون في كل ما تفعله قوى الشر ومن حالفها من الأذناب نهايةً للصراع بين المدِّ الإسلامي وبين ظلام الشر، وإنما هو بداية لمواجهة حقيقية تضع أمتنا أمام تحدٍ مباشر كان في السابق يتسلل خُفية لتخريب العقول وتشويه الفطرة المؤمنة في محاولة الإذابة والهوية الإسلامية في أتون المد الغربي "وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" (البقرة: من الآية 217).

لقد سقطت الأقعنة، وكشف الشرُّ عن وجهه القبيح، وأيَّدته الانتخابات الأخيرة في معقله "الولايات المتحدة الأمريكية" ليبارك الغرب تحركات الغزو التتري لأمتنا، وبالتالي تمَّ تجاوز كل دعاوى الحرب الخفية التي كانت تأتي جيوشها إلى العالم الإسلامي ممثلةً في مناهج تشوه العقول والوجدان، ونماذج غريبة شاذة تعصف بالأخلاق، وإعلامٍ ماجن يزرع ثمارًا مرَّة للضلال في أراضٍ مزدهرة بالنقاء، ومنحٍ مالية وثقافية وطبية تهبها الكنائس الصليبية لمن يساير تبشيرها، ومراكز مشبوهة تشكك في الثوابت وتدعو لمراجعة الرؤى الربانية.

كل هذا وغيره ظلَّ طيلة قرنٍ مضى ينخر في عظام الأمة، غير أنه لم يفلح إلا في إحياء روح الإسلام في النفوس لتقاوم بالبحث عن أصوله التي يريد لها الأعداء أن تتوارى، فعمرت المساجد بروادها وما ساحات قيام الليل الرمضانية منَّا ببعيد، وارتدت المسلمات حجابهن شعارًا للعزة في مواجهة ذل التعري، ودبَّت الحياة في الشعائر الإسلامية حتى صار على الأنظمة الرسمية أن تجاري الصحوة بمظاهرها.. فارتدَّ السهم الشيطاني كسيرًا بفعل الدرع الرباني "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال: من الآية30).

إن هذه المقوِّمات لانتشار الصحوة فرضت على "حزب الشيطان" مواجهةً مباشرةً تحميها "شرعيةٌ دولية" تزن بميزان ذي كفة واحدة لا ترجح إلا للصالح الغربي، ويرعى هذه المواجهة للمدِّ الإسلامي "مجتمعٌ دولي" يحكمه "راعي بقر".. لا ترى عيناه إلا ذاته وما يشبع نزواتها، ولا تسمع أذناه إلا أماني الصهاينة، وبالتالي غاب المجتمع الدولي عن مسلمي الهند عندما راح الآلاف منهم ضحايا لمجازر الهندوس عام 1984م، وغضَّ الطرف عندما هدم تطرفهم المسجدَ البابري في ديسمبر من عام 1992م، ولم ينبسّ المجتمع الدولي ببنت شفةٍ تعليقًا على حالات الاغتصاب الجماعي للكشميريات المسلمات، أو استنكارًا لإراقة دماء 40 ألف شهيد كشميري قتلهم الإرهاب الهندوسي خلال الأربع سنوات الماضية!!.

وأخذ الضمير العالمي إجازةً مفتوحة قبل أن تقتل الشرطة التايلاندية 84 مسلمًا في 13 رمضان الماضي، بينما خرج رئيس الوزراء التايلاندي على العالم ليؤكد أن شرطته "أدت عملاً رائعًا" بقتلها للمسلمين!

كما شطبت كلُّ منظمات حقوق الإنسان الدولية من سجلاتها حوادثَ الإبادة الجماعية لمسلمي أوزبكستان الذين يتحكم في رقابهم مصاصُ دماءٍ يهودي الأصل حوَّل مساجدهم إلى إسطبلات للخيل، ودفن في ثلوج سيبريا ملايين من الموحدين الذين لم يكن جرمهم "إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ" (الحج: من الآية40).

القتل قانونهم

إنَّ عالمًا تحكمه مثل هذه الشرعة ليس بمستغربٍٍٍٍ عليه أن يحشد كل جيوشه ليسلبوا "العراق" مقدراته، وليحيلوا فراته إلى نهر دماء.. وليحولوا جِنانه إلى سجون ترفرف فوقها أعلام السادية والعنف والشذوذ الأمريكية! كما أن مثل هذه الشرعة لا عجبَ في أن تحاول أن تمحو بلدة آمنة كـ"الفلوجة" من الوجود؛ طالما أن فيها مَن يأبى أن تحكمه قوانين "راعي بقر"، كلُّ همِّه أن يخلو له العالم مع كأس النفط العراقي المصنوع من جماجم حوالي (1600) شهيد من أبناء الفلوجة، بينما تتعالى صرخات (2000) مصاب، وتدوي سياط "راعي البقر" على أجساد (1800) معتقل، في الوقت الذي تضيع فيه أحلام نصف مليون مهجَّر من أهالي الفلوجة تحت جنازير الدبابات الأمريكية!!.

ومن العراق إلى أرض فلسطين؛ حيث تغتال قوى الصهاينة كلَّ يومٍ شهداء جدد، شاهدين على عالم قوى الشر الذي لم يرحم أطفالاً ونساءً وشيوخًا بلغت نسبة الشهداء منهم (60%) من إجمالي (3500 شهيد) منذ اندلاع الانتفاضة الأولى والثانية.

إن "راعي البقر" في الوقت الذي يسفك فيه بحارًا من دماء العراقيين والأفغان يذرف دموعَ التماسيح على فتنةٍ أشعلها في السودان منذ أن مدَّ جنوبه بالأسلحة عام 1984م لتُزهِق الفتنة الأمريكية أرواحَ مليون ونصف المليون سوداني حتى اليوم، وهو ذاته الذي وضع يده في يد الصهاينة لدعم حركتي "الأسود الحرة والبادجا" في شرق السودان ليقصموا ظهره؛ سعيًا لأن يُفصل الجنوب الأفريقي عن شماله؛ ليقف المدُّ الإسلامي عند الخرطوم، بينما تلتهم مؤسسات التبشير ما يتبقى من السودان ثم أوغندا وبوركينا فاسو وكمبوديا وكينيا وساحل العاج وغانا فالصومال.

منطق الحق

في عالمٍ كهذا الذي نحياه يسعى راعي البقر لأن يفرض شرعته على العالم ليصبح كما قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم- قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان: "المعروف منكرًا والمنكر معروفًا"؛ لا لشيءٍ إلا لأن حكم الجاهلية هو السائد "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة:50).

ولقد فرض "حكمُ الجاهلية" الأمريكي على العالم منطقه فتحول العدوان على الدول إلى حرب تحرير، وقوات الاحتلال إلى قوات متعددة الجنسيات، وتحولت المقاومة إلى إرهاب، والمجاهدون إلى مسلحين.

غير أن فرضَ منطق "قلب الحقائق" مآلُه إلى اندثارٍ؛ لأن الحق أقوى رسوخًا في الضمير، وأبقى أثرًا في دنيا الناس "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" (الأنبياء: من الآية 18).

فيا أيها المسلمون

اعلموا أن المواجهة تتطلب الإعداد "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ" (الأنفال: من الآية 60)، وليكن الإعداد منطلِقًا من أصول الإيمان "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (الحجرات: 15).

فأعدوا لتحقيق الوعد قوة إيمانية يرفع الله بها جنده إلى مصاف الملائكة "أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ" (السجدة:18)، وأعدوا للمواجهة قوةَ إخاء تجمع شتات الجسد الواحد "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، ولابد للبنيان من تواصلٍ تدعمه دعوات السَحَر، وتبرعات النصرة والإغاثة، ومقاطعة لكل متعاملٍ أو مصنِّعٍ لسلع العدو أو مَن يواليه.

وأعدوا للمواجهة قوةً في كل مجال يجسِّده إتقانٌ في الأداء العلمي والمهني والتقني يحملنا على الاستغناء عن معونات الغرب؛ حتى لا نكون ممن حذر منهم دستورنا "وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ" (هود: 113).

وفي سبيل الإعداد يجب ألا أن تنسى أمتنا عزتها "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران: من الآية 110) بشرط تحقيق أسس الخيرية "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (آل عمران: من الآية 110).

ويا جموع الإخوان في كل مكان

اعلموا أنَّ واجبكم عظيم.. وأعباءكم ثقيلة.. فالتزموا أخوتكم "كونوا عباد الله إخوانا"، وكونوا عند حُسْن الظنِّ بكم "يرميكم الناس بالحجر فترموهم بأطيب الثمر".. وعليكم باليقظة لما يُحاك للأمة فـ"المؤمن كيِّسٌُ فَطِن".

عليكم بالثغور فلا يُؤتى الإسلام من قِبَلكم، واعلموا أن الواجبات أكثر من الأوقات كما قال إمامنا الشهيدحسن البنا- رحمه الله- فليكن لكم من أوقاتكم أوفرُ النصيب، واعلموا أن الدعوة إن لم تكن بكم كانت بغيركم "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد: من الآية 38).

فما أسعدنا لو كانت بنا الدعوة وكنَّا من الرجال الذين قال فيهم رب العزة:"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً" (الأحزاب:23)، وتمثَّلوا في سيركم على درب الله قول عمر- رضي الله عنه-: "نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

"وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ" (محمد: من الآية35) و"بين النصر والهزيمة صبرُ ساعة".

والله أكبر ولله الحمد