أول الغيث

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أول الغيث


لم يمض على استشهاد المحمَّديْن (السمان والياسين) يومان حتّى طالعتنا كتائب دايتون العميلة بجريمة جديدة باغتيال القائدين القساميين المجاهدين محمّد عطية، وإياد ابتلّي رحمة الله عليهما واعتقال ثالث، في ما يبدو أنه الشق الحقيقي العمليّ لـ"إصلاحات" دايتون في أجهزة السلطة.

اعتصر قلوبنا الألم، وفتك بنا الشعور بالعجز، وأثار اشمئزازنا نشوة القتلة المجرمين، وظهرت الصورة أمامنا سوداء حالكة، وكاد اليأس يطبق على نفوسنا وينال من عزائمنا، لولا رصاصات طاهرة انطلقت من بندقية محمّد السمان فأردت ثلاثة من الصهاينة بالوكالة قتلى، وجرحت منهم كثيرين.


في الحقيقة –ورغم مرارة الألم- كنت سعيدًا باستشهاد الأبطال من جهتين :

الأولى: إيثارهم الشهادة على الوقوع في الأسر.

الثانية: فتحهم الباب أمام مطاردي القسام لمقاومة الاعتقال.

لم تكن رصاصات محمّد إذ تنطلق إلا ترجمة عملية واقعية للآية الكريمة التي أراها رأس مال كل مستضعف: " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ".

لكم أزعجني توالي الاعتداءات على أهلنا في الضفة، دون أدنى مقاومة، وكم أدمى قلبي الفظائع التي ترتكب من قبل اللحديين دون جهد جماعي لمحاولة التصدي لها، وأبناء حماس سلبيون جدًا فكلٌّ ينتظر دوره في الاعتقال

يدقّ باب بيت الحمساوي للاعتقال، ولا يهبّ لنجدته ولو رجل واحد عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم .. لا يظلمه ولا يسلمه.

بل إنه لا يفكّر في المقاومة، ولا حتى يقوم أهله وعشيرته برجم المجرمين بالحجارة وما يسّر الله.

كل هذا كان محبطًا.. أكثر بكثير من ارتقاء الشهداء، وكنت إذ أكلم بعض إخواني من الضفة أقول لهم: لا نريد نصرًا على المحتلين –صهاينة وعملاء- بل على الأقلّ لا نريد أن يبدو الوضع طبيعيًا.. على الأقل: موتوا شهداء!

ولم أكن إذ أطلب هذا أتحدّث عن واقع مفترض، أو مهمة مستحيلة، بل من وحي أحداث عايشتها، ودماء سالت أمام عينيّ ورصاصات دوّت قرب أذنيّ وكادت تصيبني أو تقتلني.

قبل عشر سنوات كنّا نعاني واقعًا أشبه بواقع إخواننا في الضفة، كانت السلطة فتية قوية –على أبناء شعبها فقط كما عودتنا- وكانت حماس قد محيت تقريبًا كحركة عسكرية وحتى سياسية، ولكنها ظلّت بذورًا حية في صدور وقلوب أبنائها، تنتظر طلوع الشمس، وكانت الناس –قبل الانتفاضة كما تعلمون- قد انشغلت بأشغال الدنيا ولم يعد من اهتمام بالمقاومة إلا ما رحم ربي.

استغلّت السلطة تلك الحالة، وكانت تعتقل من قادة حماس والقسام من شاءت متى شاءت وكانت حماس أضعف منها اليوم في الضفة، ولم تكن رصاصات محمد السمان قد انطلقت عندنا أيضًا.

وفي إحدى جرائم الأوسلويين سنة 1999 حاولت قوات لحد آنذاك اعتقال ثلاثة من قادة القسام هم: رائد العطار، محمد أبو شمالة، أسامة أبو طه، (يعتبر الأولان من كبار المطلوبين للاحتلال الآن) انطلقت رصاصة –قيل أنها من قبل أحد أفراد السلطة- فاستقرّت في بطن ضابط منهم فقتلته.

واستمرت المطاردة حثيثة حتى أفلح المجرمون في اعتقال المجاهدين الثلاثة!

فما كان من مجرمي السلطة إلا أن عقدوا محكمة هزيلة انتهت بالحكم على المجاهد العطّار بالإعدام! وما أن أعلن حكم الإعدام بحق المجاهد البطل حتى انطلقت جماهير مخيم يبنا في مسيرات عفوية تلقائية تستنكر قرار الإعدام، وحدث ما يتوقّع من مواجهات، وارتقى إلى العلى بطلان هما: علاء الهمص وخميس سلامة، فكانت دماؤهما فداء للقائد العطار، فلم يعدم!


يومها –كنت في الثالثة عشرة- حزنت جدًا لاستشهاد الشابين، وتوجّهت لوالدي قائلًا: ها قد قتل اثنان بدل الواحد!

فقال: نموت بالعشرات، ولا يشرّع قتل مجاهد واحد!

ثم دارت الأيام وحاولت السلطة فرض الإقامة الجبرية على شيخنا أحمد ياسين، فانطلقنا بالمئات ونافحنا عن شيخنا بالدماء واستشهد منّا وجرح.

ثم لما حاول اللحديون اعتقال الدكتور الرنتيسي هبّت جماهير حماس فاستشهد منّا واحد. ثمّ لما قتل المجاهد عماد عقل الخائن راجح أبو لحية، انتفضت السلطة عن بكرة أبيها، وحاولت حصار منازل آل عقل، واعتقال المجاهد عماد عقل، فهبت له عائلته وأنصار الحركة فاستشهد منّا اثنان وجرح العشرات.

فتوجّهت يومها لوالدي، وقلت: ها قد قتل اثنان، فقال: لا بأس .. نموت ويعلم أصحاب الرتب أننا لا نصبر على دمائنا، وأن دماء المجاهدين غالية.

وفي تلك الأيام حاولت السلطة اعتقال المجاهدين الكبيرين فوزي أبو القرع وأحمد الغندور (الأول اغتيل والأخير من كبار المطلوبين اليوم) فانتفض أبناء حماس للدفاع عن المجاهدين، وفقدنا يومها رجلين من خيرة كوادر حماس، وأفضل شباب المساجد وهما محمود البورنو ومحمّد حجازي.

فراجعت والدي يومها وقلت: ها قد قتل منّا اثنان.. فقال: نموت.. ويُغلق باب الاعتقال السياسي للأبد.

وحاولت السلطة ذات مرة اعتقال مرافقي الشيخ صلاح شحادة، فهبّ أنصار حماس لنصرتهم، فأصيب منهم عدد، واستشهد المجاهد/ محمود المقيد من حركة الجهاد الإسلامي.

ثمّ شيّعناه ثاني يوم، فقتلت السلطة منّا ستة أو سبعة على مرأى عيني! فما فتّ في عضد أنصار الجهاد والمقاومة.

واليوم في الضفة، تعاني الحركة الإسلامية حربًا أشدّ وعلى نطاق أوسع، وبأيد أكثر استعدادًا لتنفيذ استحقاقات العمالة للاحتلال.

الواقع شبيه بالواقع، مع فروق ليس في صالح المقاومة، ولكننا لا نطلب مستحيلًا

لا نطلب إلا أن تكونوا كالسمّان وياسين وعطية وابتلّي.. لا نطلبُ نصرًا ولكن: موتوا شهداء.

إن المرحلة الجديدة التي أسست لها دماء السمّان ورصاصاته تطلب استحقاقاتها التي لا تقبل التهاون وتضييع الفرص، على صعدٍ عدّة.

فعلى الصعيد السياسي: إصدار القرار بعدم تسليم مجاهد نفسه للمجرمين، ومقاومة الاعتقال بما تيسّر من سلاح أو حتى حجارة، ولا ينبغي أن يمرّ الاعتقال مرور الكرام.

وعلى الصعيد العسكري: ليحضّر كل مطلوب نفسه، باختيار المكان المناسب وإعداد الخطة المناسبة، التي تمكنه من رفع الثمن عاليًا وباهظًا على العملاء بالإثخان فيهم، والنيل منهم.

وليبدؤوا على بركة الله دورًا جديدًا كالذي سلكه عماد عقل، باغتيال رؤوس الإجرام وقادة العملاء.

وعلى الصعيد الشعبي : دماء الأنصار ليست أغلى من دماء الأبطال، فلا بدّ من بدء التحرّك الشعبي في أي محاولة اعتقال قادمة –نسأله تعالى أن يحمي المجاهدين- ولن نقبل بعد اليوم أن تراق دماء القادة، إلا ومعها دماء الأنصار.

وعلى الصعيد الدعوي : خوض حملة دعوية كبيرة من خلال تعبئة العناصر والأنصار، والخطب في المساجد، والدروس والمواعظ ، تبيّن للمنتمين لفتح والمؤيدين لها خطورة الموقف الذي تقفه حركتهم، وتبيّن لهم بالدلائل القاطعة ما صار إليه الوضع أن كل فتحاويّ أضحى عميلًا للاحتلال.

وعلى الصعيد الإعلامي : التغطية الواسعة لمثل هذه الجرائم، ومتابعة التقصير الصحفي أو التواطؤ، وبذل كلّ جهد في بث الصورة الصحيحة، وإطلاع الأمة الإسلامية بأسرها على واقع فتح الجديد – في وضوحه فقط- وفضح هذه الحركة على أنها حركة عميلة للاحتلال وكيلة عنه.

وختامًا أبشّر إخواني بأن دماء السمان وإخوانه ورصاصاتهم هي أولى تباشير النصر، وأول مسمار يدقّ في نعش الخيانة، وأنّ حال الضفة بعد السمّان ليس كحالها قبله –إذا نالت دماء السمان حقّها- فالدماء أنجع دواء عند العجز والضعف، وما من شيء يثمر نصرًا بقدرها:

عهدًا على الأيام ألا تهزموا
فالنصر ينبت حيث يرويه الدم

إن هذه الدماء النازفة إنما هي أول الغيث الذي سيغرق الطغاة، ويجتثهم من الجذور بإذن الله.


المصدر : نافذة مصر