الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة الرابعة عشر)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة الرابعة عشر)


بقلم : زياد أبو غنيمة

الأمور بخواتيمها

55شعار-الاخوان.jpg

من السذاجة أن يظنَّ أحدٌ أن الشهادات التي سقتها وغيرها الكثير ستقنعُ كلَّ الناس ، سيقتنعُ بها البعض ، وسيتشكَّـكُ بها البعض ، وسيُشكـِّـكُ بها البعض ، وسيرفضها البعض ويقولون إنها شهادات زور ، كاذبة ، مُضللة ، تهدف إلى الإساءة إلى جمال عبد الناصر ، ليقل من يشاءُ ما يشاءُ ، وتعالوا نحاول البحث عن الحقيقة المُجرَّدة فيما يُقال عن قبول الأمريكان دعم جناح عبد الناصر في حركة 23 يوليو مقابل تعهدِّه لهم بتنفيذ شروطهم : ضرب جماعة الإخوان المسلمين ، وإنهاء دور الأزهر الشريف ، وإيجاد تسوية لقضية فلسطين تراعي مصلحة اليهود وكيانهم المُغتصب لفلسطين .

لنضع كل هذه الشهادات السابقة جانبا ، وتعالوا نبحث عن الحقيقة من خلال الأحداث والوقائع الماثلة أمامنا التي لا يمكن نكرانها لأنها حدثت فعلا ، ولا أحسب أننا بحاجة لكثير ذكاء لنكتشف أن جمال عبد الناصر قد نفـَّـذ فعلا مطالب الأمريكان التي تتماهى مع مطالب اليهود والأوروبيين .

الإخوان المسلمون عانوا 15 عاما من ظلم عبد الناصر

الأحداث والوقائع التي أصبحت جزءاً من التاريخ تشهد أن جمال عبد الناصر ضرب فعلا جماعة الإخوان المسلمين وأنزل بهم على مدى خمسة عشر عاما أصنافاً من العذاب والمعاناة بلغ من وحشيتها ما جعل الإخوان يترحـَّـمون على أيام فاروق بما فيها من عذابٍ ومعاناةٍ ، وحقق للأمريكان واليهود والأوروبيين هدفهم الإستراتيجي في منع الإخوان من الوصول إلى حكم مصر ، وسأفرد حلقات قادمة أسرد فيها تفاصيل المحنة التي أنزلها عبد الناصر بالإخوان طيلة الحقبة التي حكم بها مصر .

عبد الناصر أنهى دور الأزهر الشريف

تعرَّضت مصر معقل الأزهر الشريف لغزوات عديدة من جيوش الإحتلال الأجنبي ، الحملة الصليبة الخامسة التي احتلت دمياط في عام 1219 م ، والحملة الصليبية السابعة ( 1248 ـ 1254 م ) التي انتهت بوقوع ملك فرنسا لويس التاسع في الأسر في المنصورة ، الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت ( 1798 م ) ، الإحتلال البريطاني ( 1882 م ) ، وفي مواجهة كل هذه الإحتلالات كان الأزهر الشريف وشيوخه وعلماؤه وطلابه يُشكـِّـلون الطليعة القائدة في التصدِّي للمحتلين ، فلا غرابة أن يكون القضاء على الأزهر كقلعة إسلامية حلما يراود كل المحتلين السابقين من فرنسيين وبريطانيين ومن محتلين لاحقين من أمريكان ويهود .

ومثلما كان الأزهر الشريف قلعة الدفاع الأولى عن الدين والوطن ، كان لشيوخ الأزهر ، باستثناءات عابرة ، مواقف مشرِّفة في الدفاع عن الدين والوطن ، شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي رفض اشتراك مصر في الحرب العالمية الثانية بالتحالف أو التعاون مع الإنجليز ، وأفتى بأن مصر لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب ، وبأن المعسكرين المتحاربين لا يمتـَّـان لمصر بأية صلة ، وأقلقت فتوى الشيخ الحكومة البريطانية فطلبت من صنيعتها حسين سرِّي باشا رئيس الحكومة المصرية إصدار بيان حول موقف الإمام المراغي من هذه الحرب ، فاتصلَّ حسين سرِّي باشا بالشيخ المراغي وخاطبه بلهجة حادة طالبا منه أن يحيطه علما بأية فتوى قبل إصدارها حتى لا يتسبَّب في إحراج الحكومة المصرية ، فردَّ عليه الإمام المراغي بنفس الحدَّة قائلا : أمثلك يُهدِّد شيخَ الأزهر .؟ ، وأصرَّ على فتواه ، وعندما طلق الملك فاروق زوجته الأميرة فريدة طلب من الشيخ المراغي إصدار فتوى تـُحرِّم زواج طليقته من أي شخص آخر ، فرفض الشيخ المراغي الاستجابة لطلب الملك فاروق قائلا : ( أما الطلاق فلا أرضاه ، وأما التحريم بالزواج فلا أملكه لأن المراغي لا يستطيع أن يُحرِّم ما أحلَّ الله ) ، وعندما غدر جمال عبد الناصر بالإخوان المسلمين طلب من شيخ الأزهر الشيخ الخضر حسين إصدار فتوى بأن الإخوان كفار أو خوارج أو بغاة ، فرفض الشيخ قائلا : ( معاذ الله أن أختم حياتى بهذه الفتوى وأضع دماءهم فى رقبتى ، معاذ الله أن أقول عن الدعاة بغاة ، وإنى أشهد الله أن الإخوان دعوة ربانية عرفتهم ميادين البذل والعطاء والجهاد والتضحية ، لم يخونوا ولم يغدروا بما عرفت عنهم ، وها أنا ذا أعلن استقالتى من كل منصبٍ يحول بينى وبين إرضاء ربى ، إن الأزهر أمانةً فى عنقى أسلمها موفورةً كاملة ، فإن لم يتأتّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي ، فلا أقل من أن لا يحصل على يدي نقص للأزهر ) .

ماذا يرينا الواقع الماثل أمامنا لما حصل للأزهر بعد تسلط عبد الناصر على حكم مصر ، أما شيخ الأزهر فقد تحوَّل من رمز للمسلمين في العالم إلى مجرَّد موظف كأي موظف ، يُنفـِّـذ ما يُطلب منه ، ويُفتي بما يُطلب منه ، وأصبح الكثير من شيوخ الأزهر تابعين لعبد الناصر لا يعصون له أمرا ، ويسارعون إلى إصدار الفتاوى والبيانات بما يرضيه ، ومن تلك الفتاوى على سبيل المثال لا الحصر الفتوى التي أصدرها شيخ الأزهر الشيخ عبد الرحمن تاج الذي خلف الشيخ الخضر حسين يساند بها جمال عبد الناصر في صراعه مع محمد نجيب ونشرتها ( الأهرام ـ 17 فبراير 1954م ) وأفتى فيها بأن محمد نجيب يستحق عقوبة التجريد من شرف المواطنة ( سحب الجنسية ) بحجة أنه تآمر مع الأعداء ضدَّ بلاده ، كما أصدر الشيخ تاج بيانا تحت عنوان ( مؤامرة الإخوان ) أيَّـد فيه حملة عبد الناصر ضدَّ الإخوان واتهمهم بأنهم يعملون على تشويه الدين وحقائقه ، وفي 17/ تشرين الثاني / 1954 م أصدرت جماعة كبار العلماء بالأزهر تأييدا لعبد الناصر في حملته ضدَّ جماعة الإخوان المسلمين أفتت فيه بانحراف الجماعة التي وصفها البيان بعبارة ( هذه العصابة ) عن منهج القرآن في الدعوة ، وختمت جماعة كبار العلماء الأزهرية بيانها بالقول : ( إن جماعة كبار العلماء فى الوقت الذى تستنكر فيه هذا الإنحراف عن منهج القرآن فى الدعوة تشكر الله العلى القدير أن مكن لأولى الأمر فى هذه الأمة ( عبد الناصر ) أن وضعوا أيديهم على بذور الفتنة ووسائلها قبل أن يشتدَّ أمرها ويستفحل شرها ) ، وحمل البيان تواقيع الشيوخ عبدالرحمن تاج شيخ الأزهر والحسينى سلطان وصالح شرف ومحمد الشافعى الظواهرى وعيسى منون ومحمد عبداللطيف السبكى ومحمد الطنيخى ومحمود شلتوت ومحمد نور الحسن ومحمد عرفة والطيب النجار ومحمد على السايسى ، وبعد حادثة إطلاق الرصاص على عبد الناصر في ميدان المنشية في عام 1956 أصدرت مجلة ( منبر الإسلام ) التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية كتابا وزَّعته مجانا عنوانه ( رأي الدين في إخوان الشيطان ) من 110 صفحات إحتوى على سبعة وعشرين مقالا تحمل أسماء بعض شيوخ الأزهر تهاجم الإخوان ويفتي بعضها بخروجهم من الإسلام ، وما زلت احتفظ بنسخة من الكتاب ، وعندما صعَّـد عبد الناصر حملته ضدَّ الإخوان في عام 1965م وأعدم الشهداء بإذن الله سيد قطب وعبد الفتـاح إسماعيل ومحمد يوسف هواش نشر شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون بيانا بعنوان ( رأي الإسلام في جرائم الإخوان ) جاء فيه : ( إن أحداث العنف والقتل والتكفير وترويع الأبرياء وتشويه صورة الدين جريمة شنعاء ، وإن جماعة الإخوان إصطنعت الأغرار من الدهماء ، ونفخوا في صغار الأحلام بغرور القول ، وإن الأزهر يدعو الأمةَ بأن لا تنخدع بحق يُراد بها باطل ) .

أما الأزهر ذاته فإن الواقع الماثل أمامنا يؤكـِّـد أن عبد الناصر أنهى دور الأزهر كقلعة للدفاع عن الإسلام والمسلمين وحوَّله إلى مجرَّد دائرة حكومية كأية دائرة حكومية ، وفي سياق التمهيد للإجهاز على دور الأزهر شنـَّـت أبواق عبد الناصر حملات متواصلة ضدَّ الأزهر وعلمائه تحت غطاء المطالبة بإصلاحه مما أعطى لعبد الناصر الفرصة التي كان يتحيَّـنها لإلغاء دور الأزهر كقلعة إسلامية فأصدر قانون تنظيم الأزهر رقم 103 لسنة 1961م ، ويروي السياسي المصري المحامي فتحي رضوان الذي كان وزيرا للإرشاد القومي في حكومة عبد الناصر مجريات جلسة مجلس مجلس الأمة ( البرلمان ) التي أقرَّ فيها قانون تنظيم الأزهر بقوله : ( كانت قاعة مجلس الأمة شبه خالية إذ اعتذر 89 عضوا عن الحضور، وأجيز 42 غيرهم ، وغاب 48 آخرون بلا عذر ولا أجازة ، وكان التوتر يسود القاعة والأنظار تتجه صوب المنصة التى جلس عليها بعض العسكريين من قيادات الثورة أنور السادات وكمال الدين حسين وكمال رفعت ، وعندما علت أصوات بعض النوَّاب تعارض مشروع القانون تدخـَّـل أنور السادات وألقى كلمة هدَّد فيها النواب الحضور من مغبة مقاومة مشروع القانون المطروح للمناقشة العاجلة قائلا : كانت فى 23 يوليو 1952 ثورة والذين حاولوا الوقوف أمامها ديسوا بالأقدام ، واليوم نحن أمام ثورة جديدة وسيصاب الذين يقفون أمامها بنفس المصير ، وفى تلك الأجواء ، كما يروى الأستاذ فتحى رضوان ، مُرِّر القانون 103 لسنة 1961 الخاص بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها ، ووفقا للوثائق الرسمية تغيَّب عن جلسة إقرار القانون بمجلس الأمة 179 عضواً أي ما يعادل 49% من إجمالي أعضاء المجلس ، ووفقا لنفس الوثائق الرسمية فإنه لم يعترض من الأعضاء الحاضرين سوى النائب صلاح سعدة , بينما يذكر الأستاذ فتحي رضوان أن أكثر من نصف الحاضرين عارضوا القانون ، ومع ذلك صدر القانون الذي ربط الأزهر برئاسة الجمهورية بشكل مباشر ، فشيخ الأزهر ووكيل الأزهر ورئيس جامعة الأزهر يعينهم رئيس الجمهورية , كما أن كافة أجهزة الأزهر الرئيسة كالمجلس الأعلى للأزهر وجامعة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية ينفرد رئيس الجمهورية بتعيين القيادات العليا فيها ، أما جامعة الأزهر فبالإضافة لانفراد رئيس الجمهورية بتعيين رئيس جامعة الأزهر فعمداء الكليات يعينهم أيضًا رئيس الجمهورية , وبصفة عامة فالهيكل العام الإداري والمالي للأزهر أصبح وفقًا لقانون تنظيم الأزهر جزءًا من الهيكل المالي والإداري للحكومة ( أي السلطة التنفيذية ) .

وتكشف استقالة الشيخ محمود شلتوت من مشيخة الأزهر في 16 ربيع الأول 1383هـ ـ 6 أيلول 1963 م الحقيقة التي تؤكِّـد أن عبد الناصر أنهى فعلا دور الأزهر كقلعة للدفاع عن الإسلام والمسلمين وحوَّله إلى مجرَّد دائرة حكومية كأية دائرة حكومية حيث جاء في كتاب استقالة الشيخ شلتوت الذي بعث به الى جمال عبد الناصر :

بعد أن أسندت وزارة شؤون الأزهر إلى وزير شؤون الأزهر في الحكومة سار بها في طريق لا يتفق مع رسالة الأزهر ، وما يبتغيه طلاب الإصلاح له ، حتى مسَّ كيانه ، وصدّع بنيانه ، وظللت من جانبي أدفع بقدر الاستطاع عن حرمة الأزهر وحماه ، ولم أدع فرصة إلا التجأت فيها إلى المختصين عسى أن يهيئ اللّه من الظروف ما يستقيم معه المعوج وينصلح به الفاسد ، ولكن الأمور أفلت زمامها من يدي، وانتقلت من سيء إلى أسوأ ، حتى تحوَّل الأزهر فعلا عن رسالته ، ولم يصبح لمشيخة الأزهر وجود أو كيان ، وإزاء هذه الظروف فليس أمامي إلا أن أضع استقالتي من مشيخة الأزهر بين يديكم .