الإخوان والتمويل في قفص الاتهام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٤:٠٠، ٢٢ مايو ٢٠١٨ للمستخدم Man89 (نقاش | مساهمات) (حمى "الإخوان والتمويل في قفص الاتهام" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان والتمويل في قفص الاتهام


إخوان ويكي

مقدمة

لقد شغلت قضية التمويل عند جماعة الإخوان المسلمين، الكثير من السياسيين والباحثين والمغرضين والمهتمين بشأن الإخوان، حتى الأنظمة الحاكمة وأصحاب الفكر العلماني والشيوعي، وتساءل الجميع من أين تمول جماعة الإخوان وتقوم بهذه الأنشطة الكثيرة، والمشاريع المتعددة، وكيف يكلفون على حملاتهم الانتخابية

وقد حسبت هذه التيارات كل شئ بالمادة وأن كل عمل يٌعمل لابد له من مقابل، مثل من كتب لفتات الانتخابات ومن علقها ومن سار في الجولات الانتخابية والمسيرات كل هؤلاء لابد أن يحصلوا على مال، وقد حسبوا أن الإخوان كغيرهم ممن يتعاملوا بالمادة في كل شئ، وتناسوا أن التربية قد عيرت من سلوكيات هؤلاء وأحبابهم المحيطين بهم.

التربية بالإنفاق

إن من فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم، أن شرع لهم من الدين ما يقربهم إليه، ويوصلهم إلى مرضاته، ويكون سبباً في دخولهم الجنة والنجاة من النار، وكان مما شرعه لهم، وأمرهم به: ان يفعلوا الخيرات، وينفقوا مما جعلهم مستخلفين فيه، تزكية لنفوسهم، وتطهيرا لأخلاقهم، وتنمية لأموالهم، فقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) "الحديد: 7" ووعد سبحانه وتعالى فاعلي الخير بتوفية إعمالهم، ومضاعفتها لهم أضعافا كثيرة في وقت هم أحوج ما يكونون إلى ذلك، فقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) "البقرة: 272".

لقد استلهم الإخوان جوهر الإسلام وروح نصوصه ولم يكتفوا بالتعاطي السطحي مع هذه النصوص، ولذا حرص الأستاذ البنا أن يبادر رجال الدعوة بالتضحية من أجلها بالنفس والمال، فيقول: أقبلوا على أنفسكم فاصبغوها بالدعوة، ومطالب الدعوة، ومظاهر الدعوة، وأعدوها للبذل والتضحية والعمل والكفاح فى كل وقت حتى تسود كلمة الله.

ويقول:

قد يظن بعضكم أن تقديم النفس والمال والاستعداد لسفك هذا الدم الغالى فى سبيل الفكرة هو أغلى ما يطلب من الأخ المسلم لدعوة الإخوان المسلمين، فأحب أن أقول لكم هنا: إن هذا هو بعض المطلوب، وإن المطلوب أكثر منه؛ إنها موتات بعضها أشد من بعض، ولعل أهونها أن تموت في ميدان القتال.
إن الجندي يجد من حوله ما يخفف عنه ألم الصدمة، ويدفعه إلى البذل والتضحية، وهل يرى حوله إلا جمعًا كلهم مستعد للبذل كما يبذل؟ هذا الفعل الجمعي وحده كاف ليدفعه إلى إراقة الدم وبذل المهجة، وأشجع من ذلك وأقوى قلبًا وأعظم تضحية؛ رجل تقدم إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، ولأمر ما ألحق الرسول صلى الله عليه وسلم من يقف مثل هذا الموقف بسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب. (1)

ويقول في رسالة التعاليم في ركن التضحية:

وأريد بالتضحية: بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم. (2)

لقد حث الإمام البنا إخوانه على الإنفاق في سبيل الله، حتى أن الاتهامات التي نسمعها تتكرر كل حين عن تمويل الإخوان كانت تطرح في عهد الأستاذ البنا وستطرح في كل عهد، لأن هؤلاء لا يعرفون معنى التضحية والجود في سبيل غايتك ودينك وهو ما تربى عليه الإخوان..بقول الأستاذ البنا في رسالة إلى أى شيء ندعوا الناس: ويتساءل قوم آخرون من أين ينفقون؟ وأنى لهم بالمال اللازم لدعوة نجحت وازدهرت كدعوتهم، والوقت عصيب، والنفوس شحيحة؟

وإنى أجيب هؤلاء بأن الدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال، والعقيدة قبل الأعراض الزائلة، وإذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه وسائل النجاح جميعًا، وإن فى مال الإخوان المسلمين القليل الذى يقتطعونه من نفقاتهم، ويقتصدونه من ضرورياتهم، ومطالب بيوتهم وأولادهم، ويجودون به طيبه به نفوسهم، سخية به قلوبهم، يود أحدهم لو كان له أضعاف أضعافه فينفقه فى سبيل الله، فإذا لم يجد بعضهم شيئًا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.

فى هذا المال القليل والإيمان الكبير -ولله الحمد والعزة- بلاغ لقوم عابدين، ونجاحٌ للعاملين الصادقين، وإن الله الذى بيده كل شىء ليبارك فى القرش الواحد من قروش الإخوان فإذا هو أزكى من مئات، وأبرك من جنيهات, و﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ "البقرة: 276"، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ "الروم: 39". (3)

ويؤكد ذلك بقوله:

ولعلك تعجب حين تعلم أن جمعية الإخوان المسلمين التى قامت بهذه الأعمال العظيمة لم تأخذ إعانة حكومية مرة من المرات، ولم تستعن بمال هيئة من الهيئات اللهم إلا خمسمائة جنيه تبرعت بها شركة قناة السويس للجمعية بمناسبة عمارة المسجد والمدرسة بالإسماعيلية.
وإن الناس ليتقولون كثيرًا، وليظنون وبعض الظن إثم، ولينطقون بما ليس لهم به علم، وما علينا فى ذلك من بأس. وحسبنا أن يعلم الله أن ذلك بتوفيقه، وأنها أموال الإخوان الخاصة أنفقت بإخلاص فأثمرت وبوركت وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، وحسبنا أن نقول لهم فى عبارة صريحة واضحة نتحدى بها كل إنسان وكل هيئة وكل شخص كائنًا من كان: إن جمعية الإخوان المسلمين لم تستعن فى مشروعاتها بغير أعضائها، وهى بذلك جد فخورة تجد لذة التضحية ونشوة الفرح بالإنفاق فى سبيل الله.
ولعلك تعجب كذلك إذا علمت أن الاشتراك المالي فى جمعية الإخوان المسلمين اختياري لا إجباري، وأن العضو الذي يتخلف عن دفع الاشتراك لا ينقص ذلك من حقوق أخوّته شيئًا، ومع أن هذا نص صريح في القانون الأساسي للجماعة فإن الإخوان -جزاهم الله خيرًا- يبادرون إلى التضحية فى سبيل الله إذا دعاهم إليها داعي الواجب. (4)

ويؤكد على هذا المعنى في موضع أخر برسالة المؤتمر الخامس حيث يقول: وإن كثيرًا من الناس ليتساءل: ومن أين يقوم الإخوان المسلمون بنفقات هذه الدعوة، وهى نفقات كثيرة تعجز الأغنياء فضلاً عن الفقراء؟

ألا فليعلم هؤلاء وليعلِموا غيرهم أن الإخوان المسلمين لا يبخلون على دعوتهم يومًا من الأيام بقوت أولادهم وعصارة دمائهم وثمن ضرورياتهم، فضلاً عن كمالياتهم والفائض من نفقاتهم، وأنهم يوم حملوا هذا العبء عرفوا جيدًا أنها دعوة لا ترضى بأقل من الدم والمال، فخرجوا عن ذلك كله لله، وفقهوا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ "التوبة: 111"، فقبلوا البيع وقدموا البضاعة عن رضًا وطيب نفس، معتقدين أن الفضل كله لله، فاستغنوا بما فى أيديهم عما فى أيدى الناس، ومنحهم الله البركة فى القليل فأنتج الكثير.

إلى الآن - أيها الإخوان - لم يمنح مكتب الإرشاد العام إعانة واحدة من حكومة أيًّا كانت، وهو يباهى ويفاخر ويتحدى الناس جميعًا أن يقول أحدهم: إن هذا المكتب قد دخل خزانته قرش واحد من غير جيوب أعضائه، ولسنا نريد إلا هذا، ولن نقبل إلا من عضو أو من محب، ولن نعتمد على الحكومات فى شىء، ولا تجعلوا فى ترتيبكم ولا منهاجكم ذلك، ولا تنظروا إليه ولا تعملوا له، ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ "النساء: 32". (5)

ويظهر الإمام البنا معدن التربية التي تربى عليها هؤلاء النفر من الإخوان المسلمين فيقول:

فإذا سألت عن المال الذى ينفق على دعوتهم، فما هو إلا مالهم القليل يبذلونه فى سخاء ورضاء، وراحة وطمأنينة، وإنهم ليحمدون الله إذا ترقت تضحيتهم بالمال من درجة السخاء بكماليات العيش إلى درجة الاقتصاد من ضرورياته، وإنفاق ما يقتصد فى سبيل الدعوة، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ "الحشر: 9"، وما أسعدنا أن يقبل الله منا ذلك، وهو منه وإليه. (6)

لقد ترجم حسن البنا التربية الدعوية المصحوبة بالتربية العملية في قوله ردا على السفير البريطاني أثناء زيارة المركز العام بعدما عرض على الإمام البنا المال: يؤسفنى يا مستر كلايتون أن أقول لك: إننا الآن فى أشد درجات الافتراق؛ فالإخوان المسلمون هم أغنى هيئة على وجه الأرض، وعندهم من الثروة ما يزيد على ما هو مرصود فى خزائن الإمبراطورية البريطانية؛ لذا فهم فى غنى عن كل ما قدمت.

فإنك إذا فتحت خزائن الإخوان فقد لا تجد فيها خمسين جنيهًا أو أقل، إن الرجل من الإخوان يدفع اشتراكًا فى الدعوة خمسة قروش فى الشهر، وأيسر الإخوان حالا قد يدفع جنيهًا، هذا فى الظروف العادية، أما عند الحاجة فالرجل من الإخوان لا يملك إلا أن يقدم نفسه وماله وبيته للدعوة؛ لذا فنحن لسنا فى حاجة إلى أن نملأ هذه الخزائن الحديدية؛ لأن خزائننا هى قلوب الإخوان؛ ولهذا فلو شئت سأجمع من هؤلاء الرجال مئات الآلاف فى أقل من أسبوع، فنحن لسنا كأى هيئة لقيتها من قبل.

وأمسك الإمام البنا بعباءته وجلبابه وقال له:

هذه العباءة بمبلغ ثمانين قرشًا مصريًا، وهذا الجلباب بمبلغ عشرين قرشًا مصريًا؛ فثمنهما جنيه واحد؛ فالذي يلبس بجنيه ويوفر ما بقى من راتبه للدعوة ومعه الآلاف من الإخوان على شاكلته لا يحتاجون لمساعدة أحد والحمد لله. (7)

المالية القانونية

لقد حدد الإخوان مسار جمع تمويلهم، حتى لا يكون لأحد كلمة عليا على منهج الجماعة وفكرها إذا تولى تمويلها، ولذا سارت الجماعة مستقلة بقرارها، استمدته من كتاب الله وسنة نبيه وتوافقت مع الوسائل المتوافق عليها في العرف المجتمعي ومن قبلها الشرع الحنيف.

ولهذا نجد في أول لائحة بتاريخ أول جمادى الأولى سنة 1349هـ - 1930م، فقد جاء في الباب السابع تحت عنوان (مالية الجمعية):

  • مادة 29 ما هو نصه: تتكون مالية الجمعية من الاشتراكات التي يدفعها الأعضاء العاملون والمساعدون والمنتسبون ومن التبرعات ونحوها.
  • مادة 32 تقوم لجنة الحسابات بعمل ميزانية شهرية يبين فيها الوارد والمنصرف ويعلن ذلك شهريًا بعد موافقة مجلس الإدارة.

كما ورد في مجموعة القوانين و اللوائح الإدارية سنة 1363 هـ - 1944م تحت عنوان (مالية الجماعة)

  • مادة 17 والتي تنص على:

تتكون مالية الجماعة من الاشتراكات والتبرعات والوصايا والوقفيات والإعانات من أبوابها الشرعية وتحفظ الأموال الزائدة عن الحاجة فى مكان أمين لا يمسه الربا وتنمى بالطرق المشروعة وتنفق فى مصالح الجماعة بنظام دقيق يكفل الحرص عليها وعدم التبذير فيها.

  • المادة 92 :

تتكون مالية كل من الشعبة و المنطقة و المكتب الإداري ومكتب الإرشاد من الاشتراكات والتبرعات والإعانات والأوقاف وما تتقبله هذه الهيئات من موارد الإيرادات الأخرى. (8)

لم يعتمد فقط الإخوان في تمويل أعمالهم على الاشتراكات الشهرية التي يدفعها أعضائها أو على التبرعات، لكنهم اعتمدوا أيضا نظام المشاريع الاقتصادية لهدفين:

  • الهدف الأول: هو إظهار النموذج الإسلامي في إدارة المشاريع والاقتصاد
  • الهدف الثاني: الحصول على دعم يساعد الجماعة في أنشطتها.

وكان الإمام البنا يمنع الاحتكار في هذه المشاريع أو أن يتفرد بها شخص أو عدة أفراد، لكنه فتح باب الاشتراك فيها للجميع حتى العمال الذين يعملون في الشركة لهم الحق في شراء أسهم حتى يستشعروا أن هذه الشركة ليسوا فيها إجراء لكنهم أصحاب أسهم فيها، وقد اشترط أيضا أن لا يزيد الفرد على 100 سهم.

ومثل هذه الشركات شركة المعاملات الإسلامية والتي أنشأت مصنعًا للنحاس وآخر للبلاط والأسمنت، والشركة العربية للمناجم والمحاجر (لإنتاج الأسمنت والبلاط وأجهزة الطبخ، وشركة الإعلانات العربية، وشركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج بشبرا الخيمة)، وشركة التجارة وأشغال الهندسة (لإنتاج مواد البناء وتدريب العمَّال على حِرَف السباكة والكهرباء والنجارة). وغيرها من الشركات والمستوصفات الصحية. (9)

ولقد قدم المركز العام للإخوان المسلمين حسابًا ختاميًا لسنة 1945-1946م جاء فيه:

  1. تكون نفقات الأستاذ المرشد فى انتقالاته وأسفاره ومستلزمات الدعوة منه على حسابه الخاص، كما هى الآن لا من صندوق المكتب، ولا من سهم الدعوة.
  2. التبرع لسهم الدعوة لا يعفى الأخ الميسور من الزكاة الشرعية؛ بل عليه أداؤها فى مصارفها الشرعية. (10)

وقد أشارت مجلة اللواء الجديد (التابعة للحزب الوطني الجديد برئاسة فتحي رضوان) إلى ذلك فقالت:

ترتكز مالية الجماعة في الاشتراكات المنظمة التي يدفعها كل من ينتسب إليها وعلى تبرعاتهم، وقد كانت وزارة الشئون الاجتماعية تدفع بعض الإعانات لنواحي النشاط الاجتماعي ولجان البر في مختلف الشعب. (11)

نماذج من الفداء

لقد ضرب الإخوان أفضل المثل في هذا الشأن، وسار على نهجهم كثير من عموم الشعب الذي تأثر بالتربية الإيمانية التي أشاعها الإخوان في نفوس الناس، حتى تكاد الكتب تضيق من كثرة النماذج التي وردت.

بذكر الأستاذ البنا في مذكراته نموذجا فريدا من أثر التربية حينما أرادوا شراء قطعة أرض وبناء مسجد فيها فيقول:

لاحظت أن الأخ الأسطى علي أبو العلا قد صار يتأخر نحوا من نصف ساعة عن موعد اجتماعنا الليلي المحدد، فسألته عن السبب، فاعتذر ببعض الأعذار التي لا تستوجب ذلك. وبالبحث علمت وعلم الإخوان أنه قد خصه من الاكتتاب السابق 150 قرشاً، ولما لم يكن عنده هذا المبلغ، فإنه قد اضطر أن يبيع عجلته ويعود من عمله في نمرة 6 التي تبعد عن البلد 6 كيلو مترات ماشياً، ودفع ثمنها مساهمة منه في اكتتاب دار الإخوان، وقد أكبر الإخوان في أخيهم هذه الصنيع، فاكتتبوا له في شراء عجلة جديدة قدموها هدية إليه تقديراً لبذله الكريم وشعوره النبيل.

ويضيف نموذجا أخر:

كما أني أذكر بالخير والتقدير الرجل الشهم الصالح الشيخ محمد حسين الزملوط الذي ناصر المشروع أكبر مناصرة بنفسه وماله، فتبرع بمبلغ 500 جنيه وقبل أن يكون أمين صندوق اللجنة، فبعث عمله هذا الثقة والطمأنينة في نفوس الآخرين. (12)

لقد حفلت التسعين عاما الماضية بقصص البذل في كل الوجوه، فحينما أراد الإخوان شراء دار واسعة لهم، وأعلنوا الاكتتاب سارع الجميع بالمشاركة بالبذل والتمويل في هذا الصرح. وبلغ من اهتمام الإخوان بهذه الفكرة أن تقدم أحد الإخوان وهو الأستاذ فهمى مؤمن إلى دبلوم الفنون الجميلة العليا فى ذلك الوقت؛ فكان مشروعه هو تصميم دار للمركز العام للإخوان المسلمين، وكان من حسن الطالع أن فاز بالأولوية، وعرض المشروع بمعرض سراى الجمعية الزراعية الملكية بالجزيرة حائزًا درجة الشرف. (13)

لقد عبر حسن البنا على ثقة التربية التي غرست في نفوس ممن سار على طريق رب العالمين، وصور بذلهم التي أذهلت المجتمع فيقول:

إنني سوف أعلن فى مجلة الإخوان عن شراء دار للجماعة. وسوف ننشر الصورة الفوتوغرافية للدار مع الإعلان، وأتوقع أن يجمع الإخوان هذا المبلغ قبل انتهاء المدة المحددة، وسأترك لهم فرصة حتى آخر ديسمبر، فإذا لم يستطع الإخوان الوفاء بالقيمة المطلوبة كلها قبل الموعد النهائي فإنى أحفظ من أسماء الإخوان عشرين ألفًا، فسوف أرسل لكل أخ منهم خطابًا بالبريد أطالبه أن يساهم فى شراء الدار بمبلغ جنيه واحد، وأعتقد أن ذلك هو أضعف الإيمان. (14)

وكانت وزارة الشئون الاجتماعية قد أبدت اعتراضًا على جمع التبرعات بدون إذن منها، وقد حصل المركز العام على هذا الإذن لمدة ثلاثة أشهر (أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر) (15)

لقد تبرع الحاج عبدالله النبراوى – الذي فكر الأستاذ البنا للجوء لعزبته بعد حل الجماعة عام 1948م - من بنها بـ240جنيهًا، وتحت عنوان "اشترينا دارًا" نشرت مجلة الإخوان المسلمين أنه ذهب صديق أحد الإخوان إلى المركز العام فى ليلة توقيع العقد، وعلم أنه لم يدفع من ثمن الدار إلا 500 جنيه، وبقيت ثمانية آلاف فدهش، ولما انصرف همس فى أذن الأخ الذى كان معه قائلا: إنه فى شك من أن الإخوان سيجمعون هذا المبلغ الضخم.

وبعد يومين طرق هذا الصديق باب الأخ، وقال له:

جئت أهنئك وأبشرك بأن الاكتتاب للدار الجديدة سيغطى حتمًا وفى أقرب فرصة المبلغ المطلوب، فسأله الأخ عن سر هذا التفاؤل بعد التشاؤم؟ فقال: ما قابلت أخًا من الإخوان المسلمين إلا وجدته متهللا مسرورًا، فإذا سألته عن سر فرحته أجاب بغير تكلف: "إحنا اشترينا دار"، وما دام هذا شعور كل أخ من الإخوان فلن تقف عقبة فى سبيلهم أبدًا.

ونشرت أيضًا تحت عنوان "حذاء.. وطربوش" قائلة:

"فى الوقت الذي يتبرع فيه أخ كريم بمبلغ 500 جنيه، ويوصى أشد التوصية ألا يذكر اسمه نجد أخًا آخر لا يجد ما يتبرع به، ويفتش فى زوايا داره عما يستطيع أن يستغنى عنه فلا يجد غير حذاء فيبيعه ويتبرع بثمنه للدار، وهذا أخ ثالث يبيع طربوشًا له لنفس الغاية". (16)

وتصل التضحية مداها؛ فلم يجد الأخ الحاج زكى أفندى محمد محمد جعيصة من طنطا مالا يتبرع به للدار الجديدة، ولكنه يملك قطعة أرض صالحة للبناء، مساحتها أربعة قراريط، فسارع إلى تحرير عقد ابتدائى يتنازل فيه عن ملكية هذه القطعة للإخوان المسلمين للتصرف فيها لشراء دارهم الجديدة. (17)

فلم يتوقف التبرع على الرجال:

فهذه أخت مسلمة أبت أن تتبرع للدار الجديدة من مال زوجها، وأصرت على التبرع بمالها الخاص؛ فلم تجد إلا قرطها لتساهم به، و تبرعت حرم المرحوم أحمد مرعى بك بـ10جنيهات، والدكتورة درية محمد على بجنيه والسيدة نعيمة هانم إسلام بـ2جنيه. (18)

ومما يدل على انتشار دعوة الإخوان فى ذلك الوقت بين كافة فئات المجتمع أن سارع عدد كبير من صفوة المجتمع للاكتتاب فى هذه الدار مثل سمو الأمير محمد على توفيق بـ500جنيه، وسمو الأميرة خديجة عباس بـ10 جنيهات، وتبرع الأميرالاى على بك حلمي بـ5جنيهات، وعبد العزيز مخيون من أبو حمص بـ50جنيهًا، وجلال بك أباظة بـ5جنيهات، ومحمد بك توفيق خليل بـ5جنيهات.

كما شارك عدد كبير من علماء الأزهر وشيوخ الأزهر فى هذا الاكتتاب، وكان على رأس هؤلاء فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفي المراغي شيخ الأزهر الذى تبرع بـ5جنيهات، وفضيلة الشيخ محمد علي دراز بـ2جنيه، والشيخ عبد المنعم خلاف بـ5جنيهات، والشيخ عبد المعز عبد الستار بـ10جنيهات، وعدد كبير من الدعاة والأئمة بالأقاليم.

وساهم عدد كبير من أقباط مصر فى هذا الاكتتاب، كل بما استطاع؛ فمثلا تبرع الخواجة "فرنكو" التاجر بـ10جنيهات، وهناك من تبرع بـ5جنيهات مثل جرجس بك صالح، وآخر بـ20جنيها مثل مريت بطرس غالى وغيرهم. كما تبرع الكثير من الخارج حتى بلغ الأمر مومباي بالهند حيث تبرع الأستاذ أحمد العبدالله القاضى بمبلغ خمسمائة روبية (أى ما يوازى 36 جنيها مصريا فى وقتها) (19)

وأثناء حرب فلسطين لم يجد أحد الإخوة إلا جاموسته ليبيعها وتبرع بثمنها للمجاهدين لشراء الطعام والسلاح، حتى أن الأمر يتكرر في حرب القنال عام 1951م..ومن حق من يتهم الإخوان أن يتهمهم لأنهم لم يدركوا معاني التربية التي تربى عليها الإخوان والتي تجعلهم يبذلون كل غالى ورخيص في سبيل دينهم ودعوتهم، وهي من الخصال التي تجعل جدران الإخوان متماسكة رغم الضربات التي توجه لهم في كل صوب.

لم يتوقف البذل والتمويل عند هذا الحد بل في كل محنة تتعرض لها الجماعة يسارع الجميع لكفالة أسر الإخوة المعتقلين وتقديم الرعاية والنفقة لهم ليتغلبوا على صعاب الحياة ولتخفيف الهم عن إخوانهم داخل السجون، محتسبين هذا المر له متكافلين تكافلا كاملا كما أمر الدين الحنيف.

المراجع

  1. مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية، العدد (5)، السنة الخامسة، 9 ربيع الثانى 1356ه- 18 يونيو 1937م، ص(1-2).
  2. رسالة التعاليم: مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2009م.
  3. رسالة إلى أى شيء ندعو الناس: مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد الرابع، السنة الثانية، 10 صفر 1353هـ– 25 مايو 1934م، ص(1-3).
  4. رسالة هل نحن قوم عمليون: مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (16)، السنة الثانية، 13 جمادى الأولى، 1353ه- 24 أغسطس 1934م، ص(3-6).
  5. رسالة المؤتمر الخامس: مجموعة الرسائل.
  6. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (24)، السنة الثانية، 9رجب 1353ه- 18أكتوبر 1934م، ص(3-7).
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثالثة – العدد 724 – صـ7 – 7ذو القعدة 1367هـ / 10 سبتمبر 1948م.
  8. عبده مصطفى دسوقي: لوائح وقوانين الجماعة، ويكيبيديا الإخوان المسلمون، دار النشر: مؤسسة إقرأ للتوزيع والنشر، 2012م.
  9. زينب أبو غنيمة: (حسن البنا من الميلاد للاستشهاد) صـ156-157 – الفتح للإعلام العربى – القاهرة.
  10. قانون النظام الأساسي سبتمبر 1945م ص 27.
  11. اللواء الجديد – العدد 46 – 12 ديسمبر 1945م – ص 16.
  12. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، صـ 76.
  13. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثالثة – العدد 719 – صـ7 – 2 ذو القعدة 1367هـ / 5 سبتمبر 1948م.
  14. عباس السيسى: حسن البنا مواقف فى الدعوة والتربية صـ67 – دار التوزيع والنشر الإسلامية – الطبعة الأولى – 1422هـ / 2001م.
  15. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 45 – صـ11 – 4 ذو القعدة 1363هـ / 21أكتوبر 1944م.
  16. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 45 – صـ11 – 4 ذو القعدة 1363هـ / 21أكتوبر 1944م.
  17. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 47 – صـ24 – 2 ذو الحجة 1363هـ / 18نوفمبر 1944م.
  18. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 47 – صـ24 – 2 ذو الحجة 1363هـ / 18نوفمبر 1944م.
  19. المركز العام – تقرير عن مشروع اكتتاب الدار الجديدة - 20جمادى الآخرة 1364هـ / 1 يونيو 1945م.