الإمبراطورية الأمريكية وبداية النهاية!!

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإمبراطورية الأمريكية وبداية النهاية!!

رسالة من المستشار "محمد المأمون الهضيبي" المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد:

فإن الحق- سبحانه وتعالى- يقول لرسوله- صلى الله عليه وسلم-:

﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: من 3-5)، كما قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء:9)...

القرآن الكريم يضع الموازين الثابتة للقوى والقيم، وفي هذا الكون قوة واحدة هي قوة الله، وقيمة واحدة هي قيمة العقيدة الحقة والإيمان المنبثق منها، فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه، حتى ولو كان مجردًا من كل مظاهر القوة المادية، ومن كانت قوة الله عليه، فلا أمن ولا أمان له، ولو ساندته جميع القوى، ومن كانت عنده القيمة الحقة وهي الإيمان فله النصر والفوز مهما طال الامتحان، ومن فقد هذه القيمة، فلن ينفعه شيء، وعاقبته الهلاك والهزيمة والخسران.

نقول هذا ونحن ننظر إلى تطورات الأحداث في أرض الإسراء والمعراج، وفي أرض العراق الشقيق، ودماء المسلمين المهدرة على أيدي الاستعمار الأمريكي والصهيوني.

إن تطورات الأحداث في قلب العالم الإسلامي- أرض الإسراء والمعراج-، وفي العراق الشقيق، أوضحت للجميع ملامح الاستعمار الأمريكي الجديد ومحاولته الفاشلة لقهر العالم كله، وإخضاعه لسلطانه المطلق، وبطشه الغاشم، ونحن إذ نتعرض لهذا التوجه الأمريكي الخطير إنما نؤكد- عن يقين- أنه ليس قدرًا محتومًا لا يمكن مقاومته، وليس بدعًا من الإمبراطوريات الاستعمارية التي سبقت الإمبراطورية الأمريكية، وكان مصيرها جميعًا الزوال ونهايتها البوار.

فلم تنس الأجيال الحاضرة مصير الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية اللتين احتلَّتا بلاد المسلمين وتقاسمتاها لأكثر من قرن من الزمان، ومازالت النهاية المأساوية للإمبراطورية السوفيتية ماثلةً للعيان، كما تحطمت خلال القرن الماضي أحلام طاغية الألمان "هتلر" الذي أراد بناء إمبراطورية نازية يتمتع فيها الجنس الآري بالتفوق والتميز، ولقد عايشنا خلال القرن الماضي نهاية كل هذه الإمبراطوريات، وزوال تلك الأحلام، وما مصير الإمبراطورية الأمريكية من تلك المصائر ببعيد!!.

هناك نقاط اتفاق بين كل هؤلاء الاستعماريين تتمثل في الشعور بالتفوق الهائل والتميز عن بقية البشر، والرغبة العارمة في نهب الثروات، والاستيلاء على مقدرات الشعوب، والتستر بشعارات براقة وأساليب خادعة مثل "حضارة الرجل الأبيض" أو "العدل والسلام" أو "نشر الحريات وإشاعة الديمقراطيات" وغيرها.

إلا أن الإمبراطورية الأمريكية الحالية تفوقت على ما سبقها بملامح وقسمات وتجبر وغطرسة، مع إمعان في إهدار القيم والمثل.

إنها تحتقر المؤسسات الدولية- التي توافقت على إقامتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية كالأمم المتحدة، ومجلس الأمن وغيرهما-، ولا تُلقي بالاً لهذه الهيئات، وتجاوزَتها في حربها المدمرة على العراق، ودعمها غير المحدود للكيان الصهيوني الغاصب، وإنكارها وتنكرها التام لحقوق الشعب الفلسطيني، وممارساتها لشتَّى أنواع الضغوط عليه وعلى قوى الرفض والمقاومة فيه، وخاصةً حماس؛ لإجبارها على الخضوع والاستسلام لحرمان الشعب الفلسطيني، ومصادرة أدنى حق له في الدفاع عن أرضه وعِرضه ودوره ودياره وأمنه وحريته.

وإن كانت بعد المرحلة الأولى لحربها على العراق تعود لتتمسَّح بالشرعية الدولية لتقطف ما حققته ثمار النصر، وهي ثمار مُرَّة، فاستصدرت قرارًا دوليًا يُضفي على احتلالها للعراق وضْعًا دوليًا زائفًا، وبعد اشتعال المقاومة في العراق ضدها تتردد الأصوات داخل الإدارة الأمريكية تطالب بالعودة إلى الأمم المتحدة؛ لإنقاذ الهيبة التي تتمرغ يوميًا في الأوحال ولوقف نزيف الدم الأمريكي الذي يتضاعف مع تصاعد المقاومة العراقية التي تزداد إصرارًا على المواجهة، رغم تجبُّر العدوان وطغيانه، ودون شكٍّ فإن أرقام الضحايا من جنود الإمبراطورية الذين يسقطون أمام ضربات المقاومة العراقية ستظهر بعد حين حقيقتها، ولن يستطيع المسئولون كتمانها طويلاً عن شعوبهم التي بدأت تتساءل:

لماذا أولادنا هناك؟! ولماذا نضحي من أجل كيان صهيوني تمَّ زرعه في أرض وديار العرب؟ خاصةً بعد أن تأكد بطلان المزاعم التي كانت تقول إن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل، ويستطيع أن ينتجها في أقل من ساعة!!.

إن الإمبراطورية الاستعمارية الجديدة إمبراطورية تسلُك أساليب بدائية لمسْناها وعشْناها، وما زلنا نعيشها في الدعم المطلق للكيان صهيوني بكافة أسلحة الدمار والقتل؛ للتنكيل بالشعب الفلسطيني، وفي اعتبار مقاومته للاحتلال والعدوان الصهيوني عنفًا وإرهابًا، واعتبار الوحشية والإجرام الصهيوني والمذابح الصهيونية دفاعًا عن النفس، وفي هدم وتدمير وتخريب قرى ومدن أفغانستان، وفي هذه الحرب التي استخدمت وجربت فيها أحدث أسلحة الفتك والقتل في العراق.

ونعيش مآسيَها مع أخبار قتل وسفك دماء إخواننا العراقيين، والاعتداء على حرماتهم وكرامتهم وأعراضهم، وفي تعامُلها مع الشعب العراقي، وغيره من الشعوب العربية والإسلامية.

ولعلَّ الأسلوب الذي اتبعَتْه في قتل أبناء وأحفاد "صدام حسين"- ديكتاتور العراق وطاغيته في الموصل- أبلغ دلالة على التحلُّل من القيَم والمثل في غطرسة وتجبُّر.

فلقد نصَّبت قوات الاحتلال من نفسها قاضيًا وحكَمًا ومُحققًا وجلاّدًا، وتولت بنفسها وبيدها تصفية أبناء الطاغية بشكل وأسلوب لم يسبق له مثيل، فمع أنه ليس هناك من ينكر أن ابني الطاغية قد شاركا في قتل أبناء العراق، ومصادرة الحريات، وحق الإنسان العراقي في الحياة وفي الأمن، وتعريضه لأشدّ وأقسى أنماط العذاب والتعذيب والزجّ بالعراق في حروب ضد جيرانه وأشقائه العرب والمسلمين، مع تعريض العراق لحروب ولحصار عاد به إلى عصور التأخر مع تبديد ثرواته وخيراته....إلخ، إلاَّ أن الأسلوب الأمريكي في قتْلهما، وعَرْض جثتيْهما كان مَهينًا ومُزريًا- وهذا أسلوب الطغاة دائمًا-، كما صادر حق الشعب العراقي في القصاص لنفسه، فإنه كذلك صادر القيم والمُثُل الإنسانية.

إن الشعب العراقي هو الذي عانى من نظام الحكم البعْثي السابق، ومن ممارسات قياداته الوحشية، فلماذا لم تترك قوات الاحتلال له مهمة محاكمة هؤلاء الطغاة الذين أجرموا في حقه، ممثلاً في قواه الشعبية وجهازه القضائي الحرّ النزيه؟!!

إن الذين عانوا وتحملوا وامتحنوا وقاسوا هم العراقيون، الذين يجب أن يحاسِبوا الذين أجرموا في حقهم وتسلطوا عليهم، ومن ثَمَّ فما دخْل غيرهم بهذا الشأن؟

إن السؤال الذي يسأله الجميع الآن.. ألم يكن بوسع القوات المحتلة أن تلقي القبض على هؤلاء أحياءً، بدلاً من تصفيتهم الجسدية بهذه الوحشية الهائلة، ويكون القصاص فيهم من قبَل الذين تعرضوا للتنكيل والقهر على أيديهم؟! إلاَّ أن هذا ليس بجديد على السياسة الأمريكية.

لقد سبق للإمبراطورية الأمريكية وأجهزتها الاستخباراتية أن قامت بمثل هذه الممارسات الوحشية الخارجة على القانون مع إهدار القيم في بنما ونيكارجوا وتشيلي، كما نظمت انقلابات عسكرية ضد مصالح الشعوب في أكثر من بلد في العالم؛ مما يدلل على تنحية قيم العدالة والحرية والحقوق الإنسانية وحرية الشعوب.

إن الذين تشدَّقوا بالحضارة والحرية لم يكتفوا بذلك بل مثلوا بجثث الضحايا وعرضوا صورهم على الملأ، مخالفين بذلك الاتفاقيات الدولية كمعاهدة جنيف والأعراف الإنسانية المتحضِّرة، وكل ذلك لتحقيق أهداف سياسية وأغراض نفسية غير شريفة، إذ تصوروا أنهم بذلك سوف يحطّمون معنويات الشعب العراقي دون أن يدركوا أنهم بذلك يكشفون عن الوجه القبيح للاحتلال الأمريكي– الصهيوني للعراق مع ضخِّ دماء جديدة في شرايين المقاومة العراقية التي تنتشر وتتصاعد، وينضم إليها كلَّ يوم أبطال جدد أدركوا حجم الخديعة الأمريكية، وتهافُت الأسباب التي برَّرت بها الإدارة الأمريكية احتلال العراق، خاصةً بعد أن وضح وانكشف الكذب في شأن الأسباب التي قدمت لشنّ الحرب على العراق، كامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل أو علاقة النظام العراقي البائد بتنظيم القاعدة.

إن الشعوب العربية والإسلامية عليها أن تُدرك حقيقة نوايا الإمبراطورية الجديدة، وحجم المعاناة التي ستعانيها إذا لم تقاوم تلك الهجمة الاستعمارية التي تستهدفها، إن عليها أن تمتلك إرادتها الحرة وتحشد قواها الحية لمواجهة الخطر الأمريكي- الصهيوني الذي يحدق بها، مخترقًا أرضها، ساعيًا لإلغاء وجودها، وأن تعمل جاهدةً لكشف الملامح الوحشية لهذه السياسة أمام العالم بأسره، وأن تعمل مع كل قوى العالم الحر لمواجهة خطر يسعى للهيمنة على العالم، وأن توجِّه بعضًا من جهودها إلى الشعب الأمريكي الذي سيعاني مثلما عانى الشعب الألماني من هذه السياسة التي خطَّطتها زمرة من المتطرفين الذين يرسمون ويوجهون هذه السياسة العدوانية، ويعملون لصالح الكيان الصهيوني أكثر مما يعملون لصالح الشعب الأمريكي، بل يشوهون وجهه، وفي الوقت نفسه ينزعون الأقنعة عن الصورة الحقيقية المختفية وراء المظاهر البراقة الخادعة للسياسة الأمريكية إزاء العرب والمسلمين.

إن المسئولية التاريخية، التي تتحملها حكومات العرب والمسلمين وشعوبهم اليوم، وتحتّم عليهم النهوض بها، تؤكد على حتمية التزام الحكومات والشعوب العربية والإسلامية- من المحيط إلى المحيط- بدعم المقاومة الفلسطينية في وجه الإجرام الصهيوني، وفي مواجهة الدعم الأمريكي الصهيوني الذي يعمل على تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها بالقضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه إحكام الحصار حول الكيان الصهيوني وإحكام مقاطعته، مع دعم المقاومة العراقية ورفْض الاعتراف بالاحتلال الأمريكي أو التعاون معه، وليرسخ في أعماق القلوب والعقول- من المحيط إلى المحيط- قولُ الحق تبارك وتعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية17) في امتثال لقوله- عز وجل-: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139)

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.