الحجارة.. الشرارة الأولى لانتفاضة فلسطين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الإنتفاضة الفلسطينية بدأت شرارتها الأولى من المساجد

صمود الشعب

انتفاضة الحجارة أو انتفاضة المساجد، لقد سُمِّيت هذه الانتفاضة بهذين الاسمين؛ لأن الحجارة كانت الأداة الرئيسية فيها، ولأن شرارتها الأولى انطلقت من المساجد في قطاع غزة.


والانتفاضة شكلٌ من أشكال الاحتجاج العفوي الشعبي الفلسطيني على الوضع العام المزري بالمخيمات الفلسطينية المحتلة التي عانت من وطأة القمع الصهيوني الهمجي.


لقد بدأت الانتفاضة الأولى في التاسع من ديسمبر من عام 1987 م، وهدأت في العام 1991 م، وتوقفت نهائيًّا مع توقيع اتفاقية أوسلو الهزيلة الظالمة على الشعب الفلسطيني بين سلطات الاحتلال الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 م، حيث مثّلت هذه الاتفاقية ضربةً عظيمةً وخنجرًا مسمومًا زُرع في خاصرة تضحيات الشعب الفلسطيني الصامد.


ولقد استُخدم مصطلح "انتفاضة" لأوّل مرّة لوصف الثورة الشعبية الفلسطينية في أول بيان صدر عن حركة حماس الذي تم توزيعه لأول مرة في غزة يوم 11 ديسمبر 1987 م، وأطلق البيان لفظ "الإنتفاضة" على المظاهرات العارمة التي انطلقت؛ قال البيان: "جاءت انتفاضة شعبنا المرابط في الأرض المحتلة، رفضًا لكل الاحتلال وضغوطاته، ولتوقظ ضمائر اللاهثين وراء السّلام الهزيل.. وراء المؤتمرات الدولية الفارغة".


وقد دخل هذا المصطلح ميدان الصحافة العربية والأجنبية التي تناقلته بلفظه العربي، كما تواردته ألسنة المحللين والمؤلفين حتى داخل الوسط الصهيوني؛ حيث ألَّف الصحفيان "زئيف شيف" و"إيهود ياري" كتابًا عن هذه الفترة التاريخية وسمَّياه "انتفاضة".


الأسباب المباشرة والبعيدة لانتفاضة الحجارة

في الثامن من ديسمبر 1987 م دهست شاحنة صهيونية يقودها صهيوني من أشدود سيارة يركبها عمال فلسطينيون من "جباليا- البلد" متوقفة في محطة وقود؛ مما أودى بحياة أربعة أشخاص وجَرْح آخرين، وقد اكتفت الإذاعة بإعلان الخبر دون أن تركِّز عليه؛ لأنه كان عبارة عن حادث يشبه العديد من الحوادث المماثلة، وقد أُشيع آنذاك أن هذا الحادث كان عملية انتقام من قِبل والد أحد الصهاينة تم طعنه قبل يومين حتى الموت بينما كان يتسوق في غزة ، فاعتبر الفلسطينيون الحادثَ عمليةَ قتلٍ متعمدٍ.


في اليوم التالي وخلال جنازة الضحايا اندلع احتجاج عفوي؛ قامت الحشود خلاله بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الصهيوني بجباليا- البلد، فقام الجنود بإطلاق النار دون أن يؤثر ذلك على الحشود، وأمام ما تعرض له من وابل الحجارة و"كوكتيل المولوتوف"، طلب الجيش الصهيوني الدعم، وهو ما شكَّل أول شرارةٍ للانتفاضة، ولكن هذه الحادثة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لأن الانتفاضة اندلعت بعد ذلك بسبب تضافر عدة أسباب.


وإذا كانت الانتفاضة قد اندلعت بسبب قتل أربعة فلسطينيين، فإن هناك أسبابًا عميقةً لها تتمثَّل في عدم تقبل الاحتلال الصهيوني؛ حيث إن الشعب الفلسطيني لم يتقبَّل ما حدث له بعد حرب 1948 م، وبالذات التشريد والتهجير القسري وتعرّضه لممارسات العنف المستمرّة والإهانات والأوضاع غير المستقرّة في المنطقة، علاوةً على الجوّ العامّ المشحون والرغبة في عودة الأمور إلى نصابها قبل الاحتلال، كما أن معظم شعوب العالم لم تَرْضَ باحتلال قوّة أجنبيّة للأرض التي كانوا يعيشون عليها منذ آلاف السنين، كما أثر تردّي الأوضاع الاقتصادية؛ حيث إنه وبعد حرب الأيام الستة فُتح للفلسطينيين باب العمل في (إسرائيل) مما سمح للاقتصاد المحلي بأن يتطور، ولكن سرعان ما تدهورت الأوضاع؛ إذ بدأ الفلسطينيون يتجرعون إذلالاً يوميًّا، وبدأت ظروف العمل تتدهور، كما أن احتلال القدس عام 1967 م ثم إعلان "إسرائيل" أنها عاصمة أبدية لها؛ كان له دور بارز في الثورة في قلوب الفلسطينيين ونفوسهم، مع ما صحب ذلك من إجراءات؛ من بينها تقنين دخول الحرم الشريف وأماكن العبادة الإسلامية، كما تم الاستيلاء على مساحاتٍ من الأراضي لترسيخ فكرة القدس كعاصمة غير قابلة للتقسيم من خلال بناء المغتصبات بها.



فشل صهيوني

ولقد مثَّلت الانتفاضة الأولى فشلاً للجهاز القيادي الصهيوني الذي لم يكن منتبهًا إلى الغليان الفلسطيني بالرغم من التحذيرات التي أبداها عددٌ من السياسيين الصهاينة، وانتقص قادة الاحتلال من شأنها؛ حيث اجتمع عددٌ من العسكريين في موقع جباليا الذي هاجمته الحشود الفلسطينية خلال الجنازة، وأمام حجم حركة الاحتجاج طلب الاحتياطيون الدعم، لكن المشرف على الإقليم رد بأنه لن يحدث أي شيء.


وأضاف أن الحياة ستعود إلى طبيعتها في الغد، ولم يتم القيام بطلب أي دعم أو إعلان حظر تجول، لكن الاضطرابات لم تهدأ في اليوم التالي، ورفض أغلب السكان التوجُّه إلى أماكن عملهم، كما قام طلبة الجامعة الإسلامية في غزة بالتجول في الشوارع، داعين الناس إلى الثورة، وقد اشتعل فتيلها بالفعل.


في اليوم الثالث للانتفاضة توجَّه إسحق رابين رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك إلى نيويورك دون أن يتخذ أي إجراءات لمواجهة الانتفاضة؛ لكي يُطلع الأمريكان على الوضع، ولما عاد أعلن خلال كلمةٍ له في الكنيست الصهيوني وقال:


"سنفرض القانون والنظام في الأراضي المحتلة، حتى ولو كان يجب المعاناة، وسنكسر أيديهم وأرجلهم لو وجب ذلك".


"المنشورات" والكتابة على الجدران

وقد كانت أكثر الطرق التي يتم من خلالها التواصل والدعم بين الناس والمقاومين ورجال الانتفاضة المنشورات والكتابة على الجدران؛ حيث كانت توزع المنشورات عند مداخل المساجد من قِبل أطفالٍ لم تكن أعمارهم تتجاوز السابعة، أو كان يتم إلقاؤها من نوافذ السيارات قبل طلوع الشمس، ويتم تمريرها من تحت الأبواب.


وجاء توزيع المنشورات كنوعٍ من أنواع الإعلام البديل بسبب تشديد دائرة الرقابة على الوسائل الإعلام التي لم تستطع الوصول إلى الرأي العام الفلسطيني، وأيضًا المضايقات واعتقال الصحفيين، بالإضافة إلى قيام الاحتلال باتباع سياسة تعسفية من خلال الضرب والإيقاف من دون المحاكمة والتعذيب إلى جانب إغلاق الجامعات والعقوبات الاقتصادية وبناء المستوطنات، وما زالت هذه الممارسات مستمرةً حتى يومنا هذا، أما الكتابة على الجدران فقد كانت هي الأخرى وسيلةً مهمةً يُعلَن من خلالها مُلثَّمو الانتفاضة عن الإضرابات والمناسبات وإعلام المواطنين بالأمور والتطورات والإعلان عن العمليات وما شابه.


أهداف الانتفاضة الأولى

وقد سعى الفلسطينيون عبر انتفاضة الحجارة إلى تحقيق عدة أهداف؛ يمكن تقسيمها إلى ثوابت فلسطينية ومطالب وطنية، كإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، وتفكيك المستوطنات الصهيونية، وعودة اللاجئين دون قيد أو شرط، وتقوية الاقتصاد الفلسطيني تمهيدًا للانفصال عن الاقتصاد الصهيوني، وإخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين والعرب من السجون الصهيونية، ووقف المحاكمات العسكرية الصورية والاعتقالات الإدارية السياسية، والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين والنشطاء الفلسطينيين، وكذلك لمُّ شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج، ووقف فرض الضرائب الباهظة على المواطنين والتجار الفلسطينيين من قِبل الاحتلال.


للنساء دور بارز ومهم

مجاهدات فلسطين1.jpg


مجاهدات فلسطين يُعلين شرف الأمة

لعبت النساء الفلسطينيات دورًا بارزًا خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى؛ إذ لم يكنَّ يخشين مواجهة الجيش الصهيوني أو دعما القضية الفلسطينية، كان هذا الدعم ملموسًا في الواقع؛ إذ كُنَّ يُمثِّلن ثلث ضحايا وشهداء الانتفاضة المباركة، وقد كانت النسوة يُسهِمن في مساعدة المجاهدين والمقاومين في نقل الحجارة والعتاد العسكري من أجل مواصلة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، وجيشه الذي يمارس العربدة بحق الفلسطينيين.


لقد حقَّقت الانتفاضة الأولى نتائجَ سياسيةً غير مسبوقة؛ إذ تم الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني عبر الاعتراف الصهيوني الأمريكي بسكان الضفة الغربية والقدس المحتلة وقطاع غزة على أنهم جزء من الشعب الفلسطيني وليسوا أردنيين، وأدركت سلطات الاحتلال أن للاحتلال تأثيرًا سلبيًّا على المجتمع الفلسطيني، كما أن القيادة العسكرية الصهيونية أعلنت عن عدم وجود حل عسكري للصراع مع الفلسطينيين.


وجاء مؤتمر مدريد ليشكِّل بدايةً لمفاوضات السلام الهزيلة الثنائية بين سلطات الاحتلال من جهة والدول العربية من جهة ثانية، وتم التشاور مع الفلسطينيين حول حكم ذاتي، ثم إجراء- بعد ذلك- عددٍ من المفاوضات غير العلنية بين الفلسطينيين والصهاينة في النرويج التي أدت إلى التوصل إلى اتفاق أوسلو اللعين الذي ساهم بشكل كبير في انتهاك حقوق الفلسطينيين مقابل سلام مزعوم.


واتفاق أوسلو هو اتفاقٌ وقَّعته سلطات الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن- الولايات الأمريكية المتحدة، في 13 سبتمبر 1993 م، وسمِّي الاتفاق نسبةً إلى مدينة أوسلو النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية التي أفرزت هذا الاتفاق، وجاء الاتفاق بعد مفاوضات بدأت عام 1991 م في ما عرف بمؤتمر مدريد.

حماس حامية الثوابت الفلسطينية

كل هذه التطورات الخطيرة كانت تدعو إلى انطلاق حركة إسلامية نبيلة قادرة على هموم الوطن والمواطن، والتصدي للمشروع الصهيوني؛ حيث إنه ومع نهايات عام 1987 م كانت الظروف قد نضجت بما فيه الكفاية لبروز مشروع إسلامي جديد يواجه المشروع الصهيوني وامتداداته، ويقوم على أسس جديدة تتناسب مع التحولات الداخلية والخارجية، فانطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس لتعبِّر بشكلٍ عملي عن تفاعل هذه العوامل، ولتكون نبراسًا للفلسطينيين في الوطن والشتات، ولتكون كذلك شوكةً في حلق الاحتلال الصهيوني ووقف التمدد الاستيطاني للعدو وقطع الطريق على كافة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء عملية التنازل عن أرض فلسطين لليهود الصهاينة.


الاحتلال مجنون من انطلاق حماس

وقد عبَّر العدو الصهيوني عن قلقه بسبب انطلاق حركة حماس المجاهدة.. لقد باتت أحلام الصهاينة تحت تهديد المقاومة الإسلامية بقيادة حركة حماس ، فأثار بروز الحركة خوفًا لدى العدو الصهيوني، واستنفرت أجهزة الاستخبارات الصهيونية كل قواها لرصد هذه الحركة وقياداتها، وما أن لاحظت سلطات الاحتلال استجابة الجماهير للإضرابات وبقية فعاليات المقاومة التي دعت إليها الحركة منفردةً منذ انطلاقتها، وصدور ميثاق الحركة، حتى توالت الاعتقالات التي استهدفت كوادر الحركة وأنصارها منذ ذلك التاريخ، وقد كانت أكبر حملة اعتقالات تعرَّضت لها الحركة آنذاك في شهر مايو 1989 م، وطالت تلك الحملة القائد المؤسس الشيخ الشهيد المجاهد أحمد ياسين.



انطلاق انتفاضة الأقصى المباركة

ولما راودت الأحلامُ العالمَ والاحتلالَ وأزلامَ أمريكا من الفلسطينيين بأن أبناء الشعب الفلسطيني قد نسوا القضية الفلسطينية وأن بإمكان الجميع التنازل عن الثوابت الفلسطينية وإبرام المزيد من الاتفاقيات المُذِلَّة مع الاحتلال الصهيوني والتنازل له عن ثوابت الشعب الفلسطيني، كالتنازل عن القدس المحتلة وعن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، وباقي الثوابت.. كانت انتفاضة الأقصى التي زلزلت الاحتلال الصهيوني وهزت العرش الصهيوني والأمريكي، وهزت أيضًا نفوس العملاء لكي تجدِّد الثورة في قلوب الفلسطينيين من جديد، وتمضي الراية ويمضي الجهاد والمقاومة حتى تمكَّنت أجنحة المقاومة من طرد الاحتلال الصهيوني من قطاع غزة تحت رعب صواريخ المقاومة التي أول من أطلقها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، فيما بقيت الضفة الغربية تأنّ من وطأة الاحتلال.


وتبقى الأيام دول بين المقاومة والاحتلال، وستتواصل المقاومة حتى يتم كنس الاحتلال من كل فلسطين وتحرير الأرض والإنسان من الاحتلال الصهيوني البغيض.


المصدر : إخوان اون لاين